عداد الزائرين

mod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_counter

إضافات حديثة

   
 
سر تأخر المصريين
سر تأخر المصريين صيغة PDF طباعة أرسل لصديقك
كتبها د.حامد طاهر   
الأربعاء, 24 أكتوبر 2012 01:54


سر تأخر المصريين

أ.د. حامد طاهر (*)
لقد حرصت على أَن يكون عنوان هذا البحث مُستَمَدًّا من عنوان كتابٍ فريد من نوعه بعنوان "حاضر المصريين أو سر تأخرهم" صدر في عام 1902م ، وكانت مصر واقعةً تحت الاحتلال البريطانى ، منذ عشرين عامًا ، وقد مَّرت بها عاصفةُ جمال الدين الأفغاني التي حَرَّكت مجموعةً من خيرة العقول المصرية ، راحت تدعو إلى النهضة ، وتقاوم التخلف والخنوع ، وتَتَلَمَّس مناهج التقدُّم .
أَمَّا مُؤَلِّفُ الكتاب : فلم يكن من زعماء الإصلاح المشهورين ، وإنَّما هو موظف بسيط في مصلحة البريد (البوستة حينئذٍ) ، واسمه محمد عمر ..
وقد طُبعَ الكتاب بمطبعة المقتطف ، وجاء في (302) صفحة من القطع الكبير ، وما أسرعَ ما قَرَأَتْهُ الصفوةُ المثقَّفَةُ حينئذٍ ، لكنها لم تُعْطِه ما كان يستحقه من المناقشة ، والمعارضة ، والتحليل( ) ، في حين أَنَّه كان قد أشار إليه بعضُ المستشرقين الذين اهتموا بموضوع التخلف في الشرق عمومًا ، بما في ذلك البلاد العربية والإسلامية ، ومنها مصر( ) .
والكتاب يقع مباشرة في مجال علم الاجتماع ، لكنه يزيد عليه في تقييمه الواضح للمساوئ ، وتنببهه إلى ما يجب أن يكون ، وهو بذلك يتجاوز مجال الاجتماع الذي يرصد ما هو كائن ، إلى مجال الفلسفة تتطلع إلى ما ينبغي أن يكون ، ويعتمد المؤلف على مآثر الماضي ، مقارنة بما آل إليه حال المصريين من تدهور وانحطاط ، شمل (معظم) ، إن لم يكن (كل) مجالات حياتهم الاقتصادية والاجتماعية والفكرية ؛ لذلك فإنَّه يقوم بدور المصلح الذي يحاول دفعَ أُمتهِ إلى التخلص من أسباب تَخَلُّفِها ، والأخذِ بما يؤهلها للتقدم والنهضة في عالم جديد ، لابد فيه من العمل ، والجد ، والتنافس مع الآخرين .
ولأَنَّ الكتابَ جاء محاكاةً لكتاب عالم الاجتماع الفرنسي (ديمولان) الذي نُشِرَ بعنوان : (سر تقدم الانجليز) وكان الغرض الأساسى منه بيان أحوال الشعب الفرنسي في هيئته الاجتماعية ، وإبراز أهم عيوبه مع مقارنتها بما لدى الشعب الانجليزى من جوانب الأصالة والاكتمال ، ولَمَّا كان مترجمُ هذا الكتاب المُهِمِّ هو الأستاذ أحمد فتحي زغلول ، فقد اختاره محمد عمر لكي يكتب له تقديمَ الكتاب ، اعترافًا بفضله ، وتواصلاً بين ما جاء في الكتاب الفرنسي ، والكتاب المصري من مشابه وملاحظات.
يقول القاضي والمترجمُ الأصيلُ أحمد فتحي زغلول ، مُقِّدمُ الكتاب : "تَصَفَّحْتُ هذا المُؤَلَّفَ الجديد ، فإذا هو قد أَلَمَّ بالمطلوب ، ووَفَّى البحثَ حَقَّه ، فتكلم عن أخلاق الطبقات الثلاث (الأغنياء ، المتوسطين ، الفقراء) ، التي تتألف منها أُمَّتُنا المصرية ، وعن عاداتها وحالها في كل مجتمعاتها ، بما أبان العِلَّةَ ، وشَخَّص الداء ، وأرجعَ جميع الأدواء إِلى أصول الأخلاق ، وبرهن على أَنَّ العملَ هو الموصَّل إلى السعادة"( ) .
ثُمَّ يضيف قائلاً : "كان يسرني كثيرًا أن أنتقد على هذا الكتاب في موضوعه فأقول : إنَّ هذا العيبَ الذي ذَكَرَ مؤلفه في الصِّنف الفلاني غير موجود ، ونسبته إليه غير صحيحة ، غير أَنِّي آسف أسفًا شديدًا لِمَا رأيته من أنَّ صاحبَ الكتاب لم يذكر عيبًا في طبقه ، ولم يندد بعادةٍ ، ولم يُعَيِّر بخصلة ، ولم يتعرض إلى خلة – إلاَّ وجدته مصيبًا فيما قال ، صادقًا فيما نسب ، بل رأيته مستعملاً الرقةَ في البيان ، والتلطف في المقال" (ص5) .
أَمَّا الغرض من الكتاب ، فيحدده المؤلِّف نفسه في صفحةٍ كاملةٍ ، محاولاً التلطف مع مَنْ قد يُصدمون من عنوانه ، الذي يظهر لأوَّلِ مرة في تاريخ التأليف المصري ، وهو : (سر تأخر المصريين) فيقول : وضعتُ كتابي هذا على مثال كتاب (سر تقدم الانكليز السكسونيين) المعرب بقلم سعادة العالم القانوني الفاضل أحمد فتحي زغلول بك ، رئيس محكمة مصر الابتدائية الأهلية. لكنه – مع الأسف – يشرح سِرَّ تأخر المصريين لا تقدمهم !
وغاية ما أود ممن يطالع هذا الكتاب أَلاَّ ينظر إليه يعين الاستغراب لِمَا حواه من كشف المخبآت، ودفع الستار عن المعايب التي في جسم الأُمَّة ، وتؤدي بها إلى الهلاك .. بل أرجوه أن يكونَ على ثقةٍ بأنَي ما كشفت ذاكَ الستارَ إلاَّ حُبًّا بأُمتي ، وشفقةً عليها لا شماتةً ! عَلَّنا إذا عُرِفَ الداءُ سارعنا إلى أَخذِ الدواء قبل استفحال الخطب ، فنندم حين لا ينفع الندمُ :
إذا أنت لم تخبر طبيبك بالذي               يَسُوءُك أبعدتََ الدواءَ عن السُّقْمِ

ثُمَّ يؤكد ما سبق قائلاً :
"أردت بجمع هذه الأدواء التي تضر بصحة أمتى أن أحث البقية الصالحة من الأمة ، فتهب من غفلتها ، وتلم شعثَها ، وترأب صدعَها ، وتستأصلها ، وتبحث عن دواءٍ نافعٍ ، وبلسم شاف ، تداوي تلك الأدواء التي أثقلتنا ونحن عنها غافلون .هذا ما قصدت . وإنمَّا الأعمال بالنيات. ولكل امرئ مانوى(ص2) .
بناء الكتاب ، وموضوعاته :
أقام محمد عمر كتابَه على أساس تقسيم المجتمع المصري إلى ثلاث طبقات هي : الأغنياء ، والمتوسطين ، والفقراء .
وقد خَصَّص للطبقة الأولى الصفحات (9-82) ، والمتوسطين        (83-202)، والفقراء (203-303) . والواقع أََنَّه ركز حديثه في طبقة الأغنياء على عيوبهم الاجتماعية في مجالات الزواج ، والمحبة ، وتربية أبنائهم، وتعليم بناتهم ، والعادات المستخدمة لديهم ، وأوهامهم ، وبخلهم ، وموقفهم من الموت، وخراب بيوتهم بعده ، وأخيرًا المجالس الحسْبية التي أُنشئت لِمَراعاة صغارهم بعد وفاتهم .
أَمَّا القسم الثاني ، الذي يتعلق بمتوسطي الحال من المصريين ، فقد بدأه بالأزهر والأزهريين ، والوعظ ، والفقهاء ، والمحاكم الشرعية ، ثم التعليم الابتدائي ، والتجهيزيات ، والمدارس العليا ، ومدارس تعليم البنات ، ثم الجمعيات ، والموظفين .. وأعقب ذلك بجوانب النشاط الاقتصادي في مصر : التجارة والزراعة والصناعة ، ثم المطابع والمؤلفين ، والإشارة إلى بعض الكتب المفيدة ، والسياسة وجرائدها ، وموضوع الوطنية ، وميزانية الهدم في الأمة ، والغناء ، والحماسة ، وحاجة الشبان ..
وفي القسم الأخير المتعلق بالفقراء ، يبدأ بتحديد مَنْ هُمُ الفقراء ؟ ثم يتحدث عن زواجهم ، وأطفالهم ، وتعليمهم ، والمحبة لديهم ، والجيد من أخلاقهم ، والحِرَف التي يمتهنونها ، وتعصبهم ، ثم يتعرض لموضوع الموالد ، والأعياد ، وسهر الفقراء ، والمسكرات لديهم والمغيبات ، كذلك يتناول أوهام الفقراء ، والزار ، والمرض ، والمآتم ، ويختم هذا القسم بتقديم اقتراح للحكومة، منتهيًا بالأوقاف الإسلامية وحاضرها .
وإذا كان لنا من تعقيب على بناء الكتاب ، وتعدد موضوعاته بهذا الشكل التفصيلي ، فإنَّنا نذهب إلى أَنَّ الحديث عن عيوب المجتمع المصري لابد أن يصدر من خلال اختلاف طبقاته الاجتماعية التي يتكون منها ، ثم القيام بعد ذلك بوضع كُل طبقة في مجال الفحص الدقيق لاستخراج ما بها من عيوب ، وتشخيص ما بها من أمراض . صحيح أَنَّ هذا المنهج قد يؤدي إلى تكرار الحديث عن بعض الظواهر ، كما حَدَثَ مثلا بالنسبة للتعليم ، حيث تَعَّرض له المؤلَّف عند كل من الأغنياء والمتوسطين والفقراء ، وكان من الممكن جَمْعُه في مكان واحد ، لكنَّ المؤلِّفَ لاحظ – بحقٍّ – أَنَّ التعليم لدى كُلَّ طبقةٍ يكاد يختلف اختلافًا جذريًّا عَمَّا هو عليه لدى الطبقة الأولى ؛ ولذلك فَصَّل الحديث عنه لدى كُلٍّ منها على حِدَةٍ ، حيث الربطُ بين الجذور والظروف الاجتماعية التي تكاد تتداخل مع مستوى التعليم ، والهدف منه .
لَكِنَّ الملاحظة الأَهم هي أنَّ المؤلَِفَ استطاع من خلال هذا التقسيم الذي بنى عليه الكتابَ أَنْ يَتَعَرضَ تقريبًا لكل جوانب النشاط بل الحياة في المجتمع المصرى ، مطلَع القرن العشرين ، وسوف يُفَاجَأ قارئ القرن الحادى والعشرين أَنَّ كثيرًا مِمَّا ذَكَره المؤلفُ من عيوب أو ملاحظات أو حتى نَصَائح وتوجيهات ما زالت صالحةً حتى اليوم ، أي بعد مرور أكثر من مائة عام على إعلانها ، ويبقي السببُ في ذلك ، حسب وجهة نظري ، أَنَّ المصريين عمومًا لا يحبون أن يتحدثوا عن عيوبهم بقَدْر ما يحبون الإشادةَ بفضائلهم . وهذا ما جَعَلَ الكتابَ يختفي من دار الكتب المصرية ، وكانت بها نُسْخَهٌ وَحيدة ، ولم أستطع الحصولَ عليه إلاَّ من شبكة الإنترنت ، عن نُسْخةٍ موجودةٍ بالهند .. فبارك الله فيمن حَفِظها هناك !
عيوب الأغنياء :
يقوم محمد عمر بتحليل وافٍ ، ومُدَعَّم بالأمثلة المستمدة أحيانًا من مشاهداته الشخصية ، لمختلف العيوب التي أصابت طبقةَ الأغنياء ، وكادت تصبح من خصائصها ، والواقع أَنَّ موضوعَ الزواج الذي اختار المؤلِّفُ البدءَ به يمثل حجر الزاوية في بناء الأسرة السعيدة التي يتكون منها المجتمع الصالح، وهو يؤكد مرارًا أَنَّ الأسرةَ السعيدةَ والمتماسكة هي التي تقوم على الحُبِّ المتبادل بين الزوجين ، والذي يبدأ قبل الزواج ، ويستمر بعده ، لكي يَمُدَّ جناحيه في المستقبل على الأبناء ، فيساعد على تنشئتهم في جَوٍّ صِحّيٍّ من المودة والألفة ، ويبعد عنهم الحسدَ والتنافر .
ويرصد محمد عمر ما يغلب على كثير من الأغنياء مِنْ تهور في المآتم ، واستنزاف ملذات الحياة في زمن الصبا ، نتيجة ما يتوافر لهم من الثروة التي لم يتعبوا في جمعها ، أو التي انتهت إليهم من طريق الميراث ؛ لذلك عندما يصل الشاب الثري إلى مرحلة نضوب تلك الثروة ، يبدأ التفكيرَ في الزواجِ من فتاة غنية ، لكي يرقع بثروتها ما انخرق من ثوب ثروته ! وهكذا يبدأ مثل هذا الزواج على المصلحة ، والغَرض ، دون أن يستندَ إلى مشاعرِ الحُبِّ والمودَّةِ.
ومن أبرز مظاهر التخلف في أفراح الأغنياء :
- المغالاة في إعداد لوازم الفرح ، مع الاضطرار أحيانًا  إلى الاستدانة .
- التبذير في إقامة الولائم ، وجلب الراقصات .
- دعوة بعض الأجانب الذين يُصَوِّرُون أهل البيت المصونات .
- البهرجة في ملابس الرجال ، وتبرج النساء .
- ما يحدث أحيانًا من السرقة والسلب والشتم والضرب ، وكثيرًا ما ينتهي ذلك في المحاكم .
وهناك عادة غريبة يذكرها محمد عمر في هذا الصدد ، لِمَا يُسَمَّى بوداع العشيقات قبل الزواج ، وما يبذله الشابُ الغنىُّ المقبل على الزواج من تقديم الهدايا لعشيقته السابقة ، وقد تتساوى بعض هذه الهدايا مع ما يقدمه للزوجة نفسها ..
وهكذا لكل هذه الأسباب ما أسرع أن تنفرط رابطة الزواج نتيجةَ سوء تربية هؤلاء الشباب ، وعدم تحملهم للمسئولية ، أو التزامهم بحياة زوجية مستقرة ! ومع ذلك ، فإِنَّ استهتار الزوج يقابله : أُمُّ جاهلةٌ ، وزوجة أجهل !! تَدّعي الأُوَلَى بَحقٍّ التربية ، والثانية تدلي بحق الزوجية فلا تتفقان ، ولا تتخذان طرقَ المسالمة بينهما ، إذْ هما عدوتان للراحة بعيدتان عَمَّا يجلبُها لاختلاف المشارب ولو كانتا في سَعَةٍ من العيش ، ورفاهية من النعيم" (ص31) .
إنَّ سوءَ العشرة في الزواج يرجعه محمد عمر إلى سوءٍ التربية من ناحية، وإلى الخداع الذي يكون بشخصية كُلٍّ من الزوج والزوجة قبل الزواج ، لذلك عندما يتعرف كُلٌّ منهما على حقيقة الآخر يجد شيئًا مختلفًا تمامًا ، وأحيانًا صادمًا ، فيبدأ في الانصرافِ عنه ، وتوجيه اهتمامه بأمور أُخَرى ، وأشخاصٍ آخرين.
ومِمَّا يُلاحظ على الأغنياء أَنَّ يكون للزوج جماعة من المحاسبين الذين يديرون له ثروته ، وكذلك الزوجة لها فريق آخر "ولو سألت عن الأسباب الداعية لذلك ترى النفورَ والحسد والمأثرة بين الزوجين هي المسببة لما ذكر" (ص19) .
تربية أطفال الأغنياء :
يؤكد محمد عمر أَنَّ الولدَ سِرُّ أبيه وأُمِّه ، يأخذ من مزاياهما وأخلاقهما ، ويدل عليهما بين الأهل والمعارف ، كما يدل عليهما في الجماعة والوطن .
لكنه يلاحظ أَنَّ الولدَ إذا كان ذكرًا أحبه الأبوان معًا ، وإذا كان أُنثى كَرِهها أبوها وأَحَبَّتْها أُمُّها ، بل إنَّ هذين الموقفين المتناقضين من الفتاة قد يؤدي إلى الخلافِ والشقاق بين الزوجين ، كما يصل أحيانا إلى الطلاق .
لكنه يلاحظ أيضًا أَنَّ الزوجةَ الغنيةَ تستنكف أن تٌرضِعَ طفلَها ، فتأتي له بمرضع ، وقد صار هذا الأمر شائعًا ليس عند الأغنياء فقط ، بل تَعدَّاهم إلى الطبقة الوسطى بحكم التقليد والمحاكاة !
ويحذر محمد عمر المصريين من الاعتماد على أولئك المرضعات اللاتي قد ينقلن إلى الأطفال أَمِزجَتَهُنَّ بالإضافة إلى ما يكون لديهن من أمراض قَلَّ أن ينجَو منها أطفال الأغنياء ، ومنها العُقَد الخنازيرية أو غيرها" .
كما يرجع محمد عمر سوءَ تربية أبناء الأغنياء إلى جهل الأمهات عمومًا بـ (علم تربية الأطفال) الذي يقوم على أصول ، ويلتزم بمناهج ، ويوضح أدق التفاصيل التي ينبغي على الأُمِّ أن تلتزمَ  بها في تربية طفلها ، وإذا كان هذا العلمُ معروفًا ومطبقًا في أوربا ، فإنه غائب تمامًا في مصر .
إنَّ قيام الأم على تربية أطفالها بنفسها أفضل ألف مرة من تركهم للمربيات الأجنبيات اللاتى يُزَوِّدْنَ الأطفالَ بلغة غير لغتهم ، وعادات وتصرفات تكاد تتناقض مع عادات أهله ، ولذلك يصبح الطفلُ عندما يكبر مُشَتَّتَا بين نظامين ، أو أسلوبين للتعاملِ مع من حوله من الناس .
ويرجع محمد عمر البغضاء التي تنشأ بين الإخوة والأخوات عندما يكبرون إلى فساد التربية وسوء تصرف الآباء والأمهات معهم . فهم يعاملونهم بالمحاباة أي بتفضيل واحدٍ على الآخرين ، أو واحدة على الأخريات.
وممَّا يلاحظ على أولاد الأغنياء
أنهم يُظْهرُون الأدب والاحتشام أمام الضيوف ، فإذا انصرفوا راحوا يتصرفون أمام آبائهم وأمهاتهم بكل ما يضاد الحشمةَ والأدبَ ، وهذا داخل فيما يعتقدون خَطأ أنه الحرية الشخصية ، والواقع أنها – كما يقول المؤلِّف – "حرية مظلمة تُرَبِّي في النفوسِ الرذيلة ، وتُنَمِّي المفاسد والقبائح" (ص25) .
وخلاصة القول في ترك الأطفال برعاية الخدم أنهم يتعلمون منهم أسوأ الأخلاق ، وقد يشجعونهم على السرقة من آبائهم وأمهاتهم ، وكثيرًا ما يسمحون لهم من باب التلطف بشرب السجائر ، أو تعاطى المخدرات !
تعليم أولاد الأغنياء :
يذكر محمد عمر أن الأغنياء قد تعودوا أن يعلموا أولادَهم من خلال ثلاث دوائر :
- الدروس الخصوصية .
- المدارس الأميرية .
- المدارس الأجنبية .  
وهي تتوالى بهذا الترتيب ، حيث يستحضر الوالدان في الأولى المدرسين في المنزل ، ويتركان لهم تعليمَ الأَولاد ، دون متابعة جادة لتقدمهم التعليمي ، وحيث يتم استقبال المدرس في البيت كأنه ضيف ، ويجلس فترةً مع التلميذ يتحدثان ويتسامران ، والتلميذ بعيد تمامًا عن روح الانضباط والجدية ، لذلك فإن النتيجة تنتهي عادةً بفشل التلميذ في امتحاناته .
عندئذ يلجأ الأب بعد فشل ابنه إلى السعي بكل جهده لإلحاقه بإحدى المدارس الأميرية ، فيدخلها التلميذُ وهو أكبر سِنًّا من أقرانه ، ومن الطبيعي أنه لا يجاريهم في الجد والاجتهاد ، بل إِنَّه يأتي إلى المدرسة متأخرًا ، ويظل عقله مشغولاً باللعب واللهو ، وعندما يتكرر غيابه عن المدرسة بسبب عربدته مع مَنْ هم على شاكلته يتم فَصْلُه من المدرسة
أخيرًا يقوم الأب بإلحاقه بإحدى المدارس الأجنبية ، التي لا توافق مشارب أبناء الوطن ، لأنها تعمل على نشر لغة قومها ، وتبث فيهم مبادئها الأجنبية ، ومن ذلك مدارس الجزويت ، والفرير التي تعلم الفرنسية وتبث مبادئ الديانة المسيحية ، في حين أَنَّ المدارس الأمريكية أفضلُ تعليمًا منها ، لكنها تعتنى أيضًا باللغة الانجليزية ، وبث المذهب البروتساتنتى .
وهكذا ينشأ أبناء الأغنياء مزودين بتعليم خاص ، ولغات مختلفة ، ومشارب موجهة ، الأمر الذى يضعف لديهم الانتماء للوطن ، ويكاد يصعب بل يستحيل الاعتماد عليهم فى بناء نهضته .
تعليم بنات الأغنياء :
يؤكد محمد عمر أنك إذا أردت أن تقف على تقدم أسرة أو تخلفها وانحطاطها ، فتأمل جيدًا حال البنت فيها : فإن كانت تتهذب بالتربية الصحيحة، وتتاح لها فرصة التعليم الجيد ، ثم تجد البيئة المناسبة للتعبير عن أفكارها ، وتدبير أمورها .. فاعلم أن هذه الأسرة تعد لبنة صحيحة فى بناء المجتمع الصحيح .
فإذا علمنا أن كتاب محمد عمر قد صدر سنة 1902 ، أى قبل انتشار مدارس البنات فى مصر ، أدركنا قيمة ما ذهب إليه من ضرورة تعليم البنات ، وخاصة المسلمات ، فى مدارس تؤهلن التأهيل المناسب لدينهن وظروف حياتهن ، بدلاً من تركهن يذهبن إلى مدارس البنات الأجنبية التى تقدم تعليمًا لا يتناسب مع ما يحتجن إليه . ومن ذلك مثلا أننا "نراهن لا يتعلمن فى مدارس الأجانب سوى فن البيانو ، واللغات الأجنبية من فرنساوية وانجليزية ، أما لغتهن العربية فلا يصلن إليها ولا يتلقينها فى هاتيك المدارس . ولو شئنا معرفة مستقبلهن لحار منا العقل واندْهل !"(ص35) .
أولاد الأغنياء واللغة العربية :
على الرغم من الشرف الذى تحظى به اللغة العربية ، من كونها لغة الدين والقرآن الكريم والحديث الشريف ، وما كان لها قديما من مكانة لدى      أغنياء المسلمين ، الذين كانوا يشجعون العلماء والأدباء ، ويقتنون فى بيوتهم المكتبات – فإن أغنياء العصر الحاضر قد أصبحوا أبعد ما يكونون عن الاهتمام باللغة القومية "ويغنيك شاهدًا الآن عندما تتكلم مع أحدهم بالعربية الفصحى ، فإنك تراه لا يدرك معنى اللغة ، فضلاً عن دسّ كلمة أو كلمتين من لغة الغير بين كل جملة وأخرى إما بالفرنسية أو بالانجليزية " مثل (رندفو) موعد ، مرسى (متشكر) ، بردون (ولا مؤاخذه) !
ويسجل محمد عمر ظاهرة لغوية غريبة ، وهى أن أمثال هؤلاء قد حرفوا اللغة العامية المصرية نفسها عن مواضعها ، و"تنازلوا فيها إلى من اختلط معهم من الأجانب غير المتعلمين ، مثل قولهم (امسكتوا من واحد دكان) بدل (اشتريت من دكان) ! وهذه الظاهرة تفتح الباب واسعًا لدراسات لغوية هامة حول ما تفشى فى اللهجة العامية المصرية من كلمات وتعبيرات أجنبية ، بخلاف اللغة العربية الفصحى ، التى كانت مهملة ، فلم يلحقها هذا التأثير .
ويرجع محمد عمر سر تلك الحصيلة اللغوية الهزيلة لدى الأغنياء وأبنائهم إلى اعتمادهم على قراءة كتب الهذيان والسفه وجرائد اللغة الدارجة" وهو هنا يستعين بتقرير مصلحة البريد (البوستة) الذى صدر سنة 1900 وجاء فيه أن (17) جريدة مما يصدر فى مصر حينئذ تنشر مادتها الإعلامية والهزلية باللغة الدارجة ، أى بالعامية (ص37) . أما الجرائد العربية الفصيحة فإنهم لا يقرأونها، إلا إذا كان لهم فيها أمر يهم من إعلان أو مسألة خصوصية ، وقد سرى تغلب الافرنج بين أولاد الأغنياء فى الأحكام والمتاجرة والصنائع والحرف حتى أن شدة اختلاطهم  بهم أفسدت عليهم لغتهم وكادت تذهبها من بينهم قطعيا" (ص38) .
الدين عند الأغنياء وأولادهم :
يرى محمد عمر أن الفقراء وأهل البادية إذا ما تمسكوا بالدين ظهر جماله على وجوههم ، وبان فى تصرفاتهم ، ومعنى هذا أن الأغنياء وأهل المدن لو تمسكوا به لكان عليهم أجمل .. لكنه يأسف أشد الأسف لحال الأغنياء الذين جعلوا "دينهم المال" ، يأتمرون بأمره ، وينتهون بنهية ، ثم أوغلوا فى محرمات الدين ، فاستحلوا أكل المال سحتا ، كما تساهلوا فى التعامل بالربا ، وتمكن منهم البخل بما لديهم ، فأحجموا عن التبرع لإنشاء المدارس الأهلية التى تربى أبناءهم التربية الدينية الصحيحة ، حتى جر عليهم الجهل بكل هذه الويلات خرابا فى دينهم ، ومواتا فى قلوبهم ، واتساعًا فى ذممهم ، فأصبحوا يحلفون بالله كذبا ، ولأدنى مناسبة .
وقد كان من عادة آبائهم وأجدادهم أن يوظفوا مقرئا للقرآن يتلوه صباحا فى بيوتهم ، لكن أغنياء اليوم يتركون هؤلاء القراء – الفقهاء يقرأون بجانب غرفة البواب ، أو فى غرف الخدم ، حتى لا يفسد عليهم نومهم فى الصباح من جراء سهرهم المعربد طوال الليل !
ويلاحظ محمد عمر أن الأغنياء وأولادهم قد تهاونوا بأداء الصلوات ، وإذا أداها البعض منهم فإنه لا يؤديها بأركانها الشرعية . كما تهاونوا فى أداء الزكاة للفقراء والمساكين ، وتركوا الصوم ، بل انهم جاهروا بالفطر فى شهر رمضان، حتى أصبحنا نرى بعضهم يحث البعض الأخر بقوله : أن هذا الصوم ليس من شروط التمدن الحاضر ، ولا نفع منه (ص41) كما ترك هؤلاء الأغنياء الحج إلى بيت الله الحرام ، وتحولوا بوجهتهم إلى البلاد الأوربية حيث ساحات اللهو ، ومراثع الفساد .
يقرر محمد عمر أن الدين إذا تشرب به الفقراء وأهل البادية يصبحون فى مظهر جميل ، وأجمل منه الأغنياء حين يسرى الدين فى قلوبهم . لكن كيف يعرف الأغنياء فى مصر الدين ، وقد صار المال هو الإله الذى يتعبدون به : "يأتمرون بأمره وينهون بنواهيه وإذا رحنا نفصل موقفهم من الدين ، وجدناهم:
- يأكلون المال سحتا ،
- ويتعاملون بالربا ،
- ويبخلون على إنشاء المدارس التى تنشر العلم الصحيح .
- ويحلفون بالله كذبا ، ولأدنى مناسبة.
- لا يخالطون أهل الدين ليتعلموا منهم ،
- لا يحتفون بمقرئى القرآن فى بيوتهم .
- يتهاونون بالصلاة ،
- ولا يؤدون الزكاة المفروضة عليهم .
- يتركون الصوم ، ويجاهرون بالفطر فى شهر رمضان.
- تركوا الحج إلى البيت الحرام ، وحرصوا على السفر سنويا إلى مراتع  أوروبا .
والخلاصة : كيف يرجى من أمثال هؤلاء خير ، لأنفسهم وللمجتمع الذى يعيشون فيه ؟ وكيف ينشأ أولادهم على الخلق القويم ، والعمل الصالح ؟ وكيف يراهم الفقراء الذين لا يملكون شيئًا وقد مدّ الله لهم فى الرزق ، وأغرقهم بالأموال ؟!
المحبة الأخوية لدى أولاد الأغنياء :
ونتيجة لفقدان أثر الدين فى حياتهم ، وعدم توافر عناصر التربية الرشيدة فى الأسرة ، وغياب القدوة الصالحة ، فإن الأولاد ينشأون متنافرين ، وما أسرع أن تستحكم بينهم القطيعة والتدابر وقلة الإنصاف ، كما ينتشر بينهم النفاق والمكر والخديعة ، وهكذا بدلاً من أن يتعاون أبناء الأسرة الواحدة من أجل صالحها العام ، نجدهم يعملون على تفككها وانهيارها .
أما بالنسبة لعاداتهم المستحدثة ، والتى نقلوها بدون وعى عن عادات الأوربيين غير المستحسنة ، فمنها عادات المساخر فى أعياد المساخر "والمقصود بها تلك الحفلات التنكيرية ، التى ينقل المؤلف واقعة سخيفة حدثت له مع ثلاثة شبان منهم (ص44 ، 45) . كذلك فإن الأغنياء نتيجة تقليدهم الأعمى للأوربيين قد اتجهوا إلى تسمية أبنائهم بأسماء أفرنجية ، ومن ذلك (كتشنر أحمد) و (فكتوريا محمد) ، وبعضهم سمى (رداميس) و(رمسيس) وذلك من أجل الابتعاد فقط عن الأسماء العربية والإسلامية التى سار عليها آباؤه وأجداده !
وأما أوهام الأغنياء فإنها تدخل مباشرة فى باب الجهل ، وعدم التبصر. ومن ذلك أنهم يتفاءلون باختلاج الحاجبيْن : دلالة على إصابة خير ، أو يتشاءمون من رؤية جنازة ، أو شخص أحول فى الصباح ، كما يتحاشون من السفر فى أيام معينه من الأسبوع ، ولا يأكلون السمك واللبن ، أو لا يتناولون الألبان فى يوم الأربعاء .. وكل هذه خزعبلات لا أصل لها .
أما أكبر المصائب فهو اعتقاد بعض الأغنياء فى الفكرة العربية القديمة، التى كانت تذهب إلى إمكانية تحويل المعادن عموما ، والنحاس على وجه خاص إلى ذهب . وهى فكرة خاطئة تماما نفاها العلم الحديث . لكن بعض أغنياء مصر وقعوا فريسة بعض الدجالين المغاربة الذين زينوا لهم هذا العمل ، وجعلوهم ينفقون ثرواتهم عليها ، دون التوصل إلى أى نتيجة محددة .
كذلك زين بعض الأوربيين إلى الأغنياء وأولادهم الاشتغال بالبورصة التى تحقق الثروة والسعادة بضربة حظ واحدة ، فكانت تؤدى بهم إلى فقد كل أموالهم ، وتحويلهم إلى فقراء مفلسين ؟ ونساء الأغنياء يعتقدون فى الأرواح التى تمس البشر ، وعلاجها عندهن هو عمل (الزار) . كذلك فإنهن نتيجة عدم حرصهن على مجوهراتهن ، يلجأن إلى مَنْ يدلهن على سارقها بواسطة (فتح المندل) .. وهذه الأمور كلها خداع فى خداع !
بخل الأغنياء فى الوقت الحاضر :
يسترجع محمد عمر من الثقافة الإسلامية بعض النماذج المضيئة التى قام بها أغنياء المسلمين فى العصور الماضية من أجل مساعدة المحتاجين ، ورغبة فى تحقيق الصالح العام . ومن أمثلة ذلك : إنشاء المستشفيات ، والملاجئ الخيرية ، وبناء الأسبلة ، وتعمير دور العجزة والعميان والمستضعفين كما شمل كرمهم إيواء الحيوانات وإطعامها ، وبناء الأماكن المخصصة لسقياها الماء ، وذلك بالإضافة إلى إنشاء حمامات عامة للفقراء والمساكين ، وتخصيص مدافن لهم عند عدم وجودها فى عائلاتهم .
أما الآن – يلاحظ محمد عمر – فقد أحجم الأغنياء عن فعل الخير ، وتوسعوا بدلاً من ذلك فى الإنفاق على الملاهى ، وأفعال الفجور ؛ وكم     يقبل الواحد منهم على إنشاء ناد أو ملهى ، ولا يتقدم لإنشاء مستشفي أو ملجأ للعجزة ! ويكفى أن الذى أنشأ مستشفى دار الكلب جماعة من الإيطاليين (ص54) . وأن الذى أنشأ ملجأ العجزة بشبرا من غير ملة المسلمين . والذى يذهب إلى هناك يجد نساء قناصل الدول الأجنبية يقفن حول أولئك العجزة لخدمتهن بأنفسهن ويتاولنهم الطعام بأيديهن ولا يستنكفن (ص55) .
ولمزيد من إدانة بخلاء المسلمين فى الوقت الحاضر ، يقدم محمد عمر قائمة تفصيلية بتبرعات أفيروف أحد أثرياء الغربيين على بلده وهى على النحو التالى :
20   ألف جنيه لبناء مدرسة زراعية .
100 ألف جنية لإنشاء طراد حربى يحمل اسمه .
20   ألف جنيه لترقية العلوم والمعارف والصنائع .
10   آلاف جنيه لمدرسة الفنون .
20   ألف جنية للمتحف الأثرى ببلاده .
30   ألف جنية لأعمال نافعة ببلدته .


فكيف بأغنيائنا الذين يملكون مئات الآلاف ، ولا ينفقون منها شيئًا من أجل الصالح العام لبلادهم ؟ بل انهم يتركونها بعد ذلك لأولادهم الذين يبذرونها على اللهو والفساد ، حتى ينتهى بهم الحال إلى الإفلاس .


الأغنياء فى نظر أبنائهم :
أن التربية السيئة لأولاد الأغنياء ، وتفضيل بعضهم على بعض ، وعدم تنشئتهم على مبادئ الدين والاخلاق .. كل ذلك يؤدى بالضرورة إلى ظهور جيل من الأولاد لا يحترم أباءه وأمهاته ، ويتباغض مع إخوته وأخواته .
وقد وصلت الحال بهؤلاء الأولاد أن يتجبروا على آبائهم ، بحيث أن أحدهم إذا أراد من ابنه شيئا كتب له ورقه ، وأرسلها له مع الخدم ؛ وذلك تجنبا لعدم مواجهته ، ومن أولاد الأغنياء مَنْ أصبحوا يتمنون الموت لآبائهم حتى يحصلوا على التركة ، ويتصرفوا فيها كما يشاءون ، أما الأمهات فهن مع أولادهن فى تعاسة وشقاء ، لأنهن ضعيفات قليلات الحيلة ، "تراهن مرذولات محتقرات عرضة للسب واللعن كل يوم ، حتى انهن كثيرًا ما يُضربن (ص58) وينتهز الأولاد هذا الضعف فيهن فيطلب الواحد منهم الأموال والحلىّ لكى ينفقها على شهواته ، وكثيرًا ما يهدد أمه بالانتحار إن لم تعطه ما يريد .
الأغنياء والموت :
يؤكد محمد عمر على حقيقة أن الله تعالى قد حدد للناس الأعمار ، كما حدد لهم الأرزاق . لذلك فإن العقلاء هم الذين يدركون هذه الحقيقة ، ويعلمون أنها من سنن الله التى لا تتخلف . ولذلك فإن الموت لا يعصف بعقولهم ، وإن كان يؤثر فى مشاعرهم ، بسبب فراق الأهل والأحباب ، وعمومًا فإن المؤمن مطالب بالصبر والتأسى والاعتصام بالإيمان الصادق ، الذى يعتقد فى أن الله تعالى خلق الموت كما خلق الحياة . وما أعظم التأسى بأنبياء الله حين فقدوا وفُقدوا .. فإن هم مما أصبح يحدث اليوم من لطم الخدود ، وشق الجيوب ، والصراخ بأعلى الصوت ، ومن العجيب أن أغنياء اليوم – كما يلاحظ محمد عمريؤجرن الندابات للقيام بهذه الأعمال المشينة ، والتى يشاركهن فيها أهل البيت ، وعلى الرغم من أن هذه العادات المزولة قد انحدرت إلى أغنياء المسلمين من العهد الفرعوني ، ثم من العهد القبطي إلا أن نساء الأقباط قد أقلعن عنها ، وأصبحن لا يمارسنها ، كما هى الحال لدى نساء المسلمين .   
ثم يتطرق محمد عمر إلى سلوك أبناء الأغنياء بعد موت والدهم ، والملاحظ هنا أنهم يسرعون إلى توزيع التركة ، ثم يبدأ كل منهم فى تبديد ما حصل عليه ، من خلال جماعة السوء التى تلتف حوله ، وتزين له كل أعمال الفسق والفجور التى يبدّد فيها أمواله ، ومن ذلك اقتناء التماثيل واللوحات ، ولعب القمار ، والمراهنة على صراع الديكة ، والكباش ، وقضاء معظم الوقت فى النوادى للتفاخر بارتكاب الموبقات ، وممارسة الغيبة والنميمة ، والمزاح القبيح .. وقد تدنت أخلاقهم فأصبحوا يتنازعون مع الخدم ، ويسيئون لسائس الدواب بصورة غير إنسانية ، ولأنهم لا يقبلون على العمل الجاد ، فإنهم يستطيبون الكسل ، ويقضون أوقاتهم فى المزاح القبيح ، وكثيرًا ما يطرقون أبواب الغانيات ، فيصابون بأمراض مزمنة يعز شفاؤها ، كما يسعون إلى الربح السريع وغير المضمون من خلال اللعب بالبورصة ، التى قد تأتى على ما تبقى من أموالهم ، فينقلبون فقراء بعد أن كانوا أغنياء ، وهكذا تضيع الثروة التى حصلوا عليها دون تعب عن طريق الميراث !
إن مثل هذه التصرفات – كما يلاحظ بحق محمد عمر – تؤدى بأولاد الأغنياء إلى مقرها النهائى ، وهى المحاكم بمختلف أنواعها : المدنية ، والشرعية ، والجنائية . فما أكثر المشكلات التى يشتبكون بها مع بعضهم البعض ، من إثبات للوراثة ، أو قدح فى الوصايا ، أو فى الوقفية ، أو طلاق زوج من زوجته ، بل انهم قد أصبحوا يحاكمون فى قضايا جنائية ، أمام محاكم لم يكن يدخلها غير القتلة واللصوص وقطاع الطرق "يقول محمد عمر : "حسبنا ذلك دليلاً كافيًا على فساد أحوالهم . وهل بعده دليل على سر انحطاطهم ، وخراب أنفسهم ، وسقوطهم من عالى المجد إلى هاوية الخراب . وشواهد الحال ظاهرة للمتأمل (ص75) .
خراب بيوت الأغنياء :
لا شك أن الأغنياء الجهلة هم الذين يخربون بيوتهم بأيدهم . فقد ابتعدوا عن الطريق الصحيح ، وأهملوا تعاليم الدين القويم ، وتركوا أولادهم يترعرعون فى اللهو والفساد ، حتى إذا آلت الثروة إليهم – بعد وفاة آبائهم – لم يحسنوا استغلالها ، ولا تنميتها ، بل إنهم راحوا يبددونها فى الحرام ، ويبذرونها على شهواتهم دون تبصر بالعواقب ، فاهتزت أركان البيوت التى نشأوا فيها ، وانتهت إلى الخراب .
ومرة أخرى ، يقدم محمد عمر قائمة بعدد بيوت الأغنياء التى خربت فى السنوات الخمس الماضية (على سنة 1902) ومجموعها يبلغ (363) بيتا لأمراء ، ووزراء ، ووجهاء ، وتجار ، وعمد ومشايخ ، وكبار مزارعين ..  فى العاصمة والإسكندرية والوجه البحرى ، والوجه القبلى ..
المجالس الحسبية :
أنشئت المجالس الحسبية
لغرض سام وفائدة جليلة ، فهى تحجر على من لا يحسن التصرف فى ماله : إما لعاهة فيه ، أو لعادة ذميمة اعتادها ، وتغل يديه عن التبذير رحمةً به ، وشفقة على عائلته ، وحفظا لما بقى من ماله، وتدربه على الاقتصاد فى المعيشة حتى يقيم اعوجاجه ، وإلا بقى تحت سيطرتها إلى ما شاء الله .
ومن حقوق هذه المجالس تنصيب الأوصياء ، وتعيين القوام ، وتقدير المال اللازم لاحتياجات المحجور عليهم. ويشترط على من ولى رئاسة مجلس منها ألا يألو جهدا فى اتخاذ الوسائل الفعالة لنجاح سير المجالس وإصلاح حال المحجور عليهم ، لأنه اختص بثقة عظيمة ، واستودع أمانة كبيرة .
وعلى الرغم من سمو هذا الغرض ، وعظم هذه المسئولية ، فإن محمد عمر يلاحظ انحرافًا وتشويشًا فى عمل تلك المجالس ، ومن أهمها :
أولاً : أن التحاسد والطمع بين الأغنياء قد يوقع من لا يستحق تحت سلطة المجالس الحسبية .
ثانيًا : أن بعض هذه المجالس لا تفصح عن الثروة الحقيقية ، ولا عن المبالغ المخصصة لمن تتولى مسئوليتهم المالية .
ثالثًا : أن بعض المحجور عليهم يتحينون الفرصة ، ويأتون أحيانا بشهود زور لكى يتخلصوا من سلطة هذه المجالس ، ويحصلوا على ثروتهم .
رابعًا : أن بعض الأوصياء على المجالس الحسبية ليسوا على مستوى الأمانة والمسئولية ، ويحتاجون إلى أوصياء عليهم !  
وكعادته ، يسعى محمد عمر للتعرف على عدد المحجور عليهم فى هذه المجالس من أبناء الأمراء والأثرياء ، فيخبره محمد ماهر باشا محافظ العاصمة أن عددهم يتجاوز المائتين ، كما أنه يقول : وقد اطلعت على تقرير فيه ما يقرب من ستين امرأة ، وكلهن محجور عليهن ، لما آتينه من طرق الإسرف والتبذير ، أو لما أصبن به من العاهات والأمراض  (ص81) .
وفى ختام هذا العرض التفصيلي لأحوال الأغنياء منذ تكوينهم الأسرة ، وتربيتهم الأطفال ، وتعليمهم ، وتبذيرهم ، ومفاسدهم ، ووفاتهم ، وانتقال الثروة إلى أولادهم ، وما يحدث لهم ، وما ينتهي إليه حالهم ، وحال خراب بيوت آبائهم وأجدادهم .. يورد محمد عمر بيتا من الشعر يلخص الموقف كله :
نِعْمَ الجدودُ ولكن
بِئْسَ مَنْ وَلدوا

ثانيًا : الطبقة الوسطى من المصريين :
يخصص محمد عمر معظم كتابه للحديث عن هذه الطبقة ، التى يعتبرها أهم طبقات المجتمع المصرى من حيث الاشتغال بالأعمال النافعة من تجارة وزراعة وصناعة ، كما أن منهم مَنْ يشتغل بالعلم والتأليف ، أو بالعمل فى وظائف الدولة . وهو يرى أن نجاح الأمة متوقف على هذه الطبقه ، إذ هم كالأعضاء العاملة فى الجسم . وهم الذين يسعون لاكتساب الفضائل ، فإن ظهر نجاح فى الطبقة السفلى فهو بفضلهم ، وإن ظهر تهذيب للأخلاق فى طبقة الأثرياء فباجتذابهم . وميزة هذه الطبقة الوسطى أنها لا تشتمل على خمول الطبقة العليا، ولا جهل الطبقة السفلى : ويلاحظ محمد عمر أن الحسد فى هذه الطبقة أقل منه فى الطبقة العليا. وكفى أنه لم يقم عالم متشرع ولا قاض قانونى ولا محام بارع ولا مهندس رياضى ولا فقيه دينى ولا ، ولا .. إلا كان من أواسط الأمة الذين جمعتهم روابط العصبية .
والخلاصة أن جماعة الوسط (الطبقة الوسطى) يمتازون بالقوة عقلا وبدنا وعاطفة (ص84) .
ومما يلفت النظر بحق أن محمد عمر يبدأ الحديث عن الطبقة الوسطى بمعاهد العلم والتعليم التى كانت سائدة حينئذ وهو يستهلها بالأزهر ، فيعرض لنشأته سنة (361هـ) وتحوله من مجرد مسجد للصلاة والعبادة ، إلى مدرسة للعلم الدينى واللغوى ، بدءًا من سنة (380هـ) ، ثم تعرضه لتعطيل الدروس فيه نحو مائتى عام ، واعادة فتحه من جديد ، وترميمة وتعليته ، وانتهاء بحالته الحالية فى عهد المؤلف ، حيث أصبح يضم (26 رواقا ، 15 حارة) ، ويدرس فيه (236) مدرسا لحوالى (8809) طالبا ، موزعين على المذاهب الفقهية الأربعة أكثرها الشافعية (3972 طالبا) ثم الأحناف (2698 طالبا) ثم المالكية (2101 طالب) وأخيرًا الحنابلة (38 طالبا فقط) .
ويرى محمد عمر أن أحوال الأزهر – على عهدهلا تسير على النحو الذى كان – من المفترض أن يكون عليه هذا المعهد العريق ، الذى يعد من أقدم معاهد العلم والتعليم فى العالم كله ، وليس فى العالم الإسلامى وحده . وإذا كان الغرض من تعليم الأزهر هو تخريج علماء ألبّاء (جمع لبيب) ذوى بصيرة نيرة، وفهم قويم ، فالواجب عليهم تهذيب أخلاق الأمة بمعرفتهم التربية الدينية الصحيحة ، وبما منحوا من العلم النافع ، واستخراج الفائدة بعد طول بحثهم .. لكن كيف بهم وهم يعتبرون الفلسفة كفرا ، والمنطق زندقة ، والرياضيات ضلالة ، والطبيعيات بدعة ، والكيمياء فرية؟ (ص90) وهو يلاحظ أنهم باستبعادهم العلوم العقلية من اهتمامهم ، فإنهم قد انكبوا على علوم الدين دون أن ينفذوا إلى ما فيها من اسرار ، وما تنطوى عليه من حكمة وقسطاس مستقيم .
وقد لاحظ محمد عمر أن مناهج الدراسة ، وتوزيع المقررات غير موجوديْن فى التعليم الأزهرى ، كما أن مراقبة حضور الطلاب وحسن سلوكهم لا تتم . ومما يدل على تدهور التعليم فى الأزهر "أنه لا ينجح فى امتحان العالمية بين هذا الجم الغفير فى كل سنة إلا ثلاثة أو أربعة أشخاص فقط" (ص91) ويشير محمد عمر متهكما على أخطائهم فى اللغة التى ينفقون أعمارهم فى تحصيلها ، وذلك عندما يكتب الواحد منهم إعلانا عن صناع شىء منه ، فنجد النص مليئا بالأخطاء النحوية (توجد أمثله ص92) والخلاصة أن حاضر الأزهر محتاج لزيادة الاهتمام من جميع الأمة صغيرها وكبيرها . وهو       فى حاجة إلى استبدال الحصر بالمقاعد والكراسى فإن الطلبة قل أن نجد منهم من لم يكن مصابا بالروماتزم والبواسير ، وسبب جلوسهم على البلاط شتاء وصيفا ! (ص93) وأخيرًا يدعو محمد عمر أغنياء المسلمين إلى تزويد الأزهر بمكتباتهم الخاصة ، بدلاً من تبديد ورثتهم لها بعد وفاتهم ، كما يشيد بورثة المرحوم سليمان باشا أباظة ، التى أهداها ورثته إلى الأزهر وهى تضم ألفى كتاب (ص93) . 
العلماء والوعاظ والفقهاء :
خصص محمد عمر لكل واحدة من هذه الطوائف المتقاربة فى عملها فصلاً خاصًا بها ، مشيرًا كعادته إلى ما كان عليه سلف الأمة من الجد والاجتهاد ، والعمل الخاص لوجه الله ، مع الوقوف بشدة أمام البدع والمنكرات التى تتعارض مع صحيح الدين الإسلامى الحنيف .
وهو ينكر على العلماء المعاصرين له عجزهم عن التصدى للبدع التى دخلت فى الدين وهى ليست منه ، وعدم دعوتهم المسلمين إلى تأدية الزكاة ، وهى أحد الأركان الخمسة فى بناء الإسلام ، وتقاعسهم عن التنبيه إلى خطورة ما يشيع بين الناس من أحاديث موضوعة دون التحذير منها ، وتخليهم عن الجهاد الأكبر الذى يكافح الغى والغواية والجهل والجهالة والهوى والضلالة بالدليل والحجة والبرهان . ومما يلاحظ عليهم انصرافهم بالجملة عن عمل الجمعيات الخيرية التى تساعد المسلمين فى مختلف مجالات حياتهم ، كما هو الحال بالنسبة للجمعيات المسيحية التى يعمل فيها أنصارها بكل همة ونشاط ، ويرصد محمد عمر عملهم بالنهار فى جدل بدون فائدة ، وفى المساء بالتزلف إلى الأغنياء وذوى المناصب مع طول سهرهم فى الأفراح والمحافل .
أما الوعاظ ، الذى كان من المفترض أن يكون دورهم : "الحث على أداء عمل أو اجتنابه ، سواء كان بالترغيب أو الترهيب أو التذكير" لكنهم مع الأسف أصبحوا غارفين فى "وضع التضليل على التضليل" (ص103) ، والمشكلة أنهم قد تلقوا تعليمهم فى الأزهر فحفظوا القرآن والحديث ، لكنهم لم يتقفهوا معانيهما ، ولا أدركوا مراميهما ، ولا تشبعوا بروحهما ، وهم يذكرون للناس السنن ويتركون الفرائض ، كما يشرحون الحرام ولا يذكرون الحلال ، ويحببون للناس الجدال فى الدين ، مع أن الجدل مكروه لدى العلماء فكيف بالعامة ! ومما لاحظة على بعض هؤلاء الذين يحضرون دروس الشيخ محمد عبده قيشغلون بالمماحكات اللفظية ، ولا يحسنون الاستفادة من دروسه القيمة ، بل إن منهم من يسعى لإخراج الشيخ الجليل من دائرة البحث إلى دائرة أخرى ، لكنه يقابل ذلك بالصبر الجميل (ص105) .
وأما الفقهاء ، والمقصود بهم هنا هم قراء القرآن الكريم ، الذين أصبحوا يتفننون فى أوجه القراءة الصحيحة المأثورة عن السلف ، والتى تحض على حسن أداء اللفظ بالصوت الحسن بهدف إيصال المعنى إلى المستمع .. أما هؤلاء فقد جعلوا القرآن الكريم "ضربا من الضروب المكملة لسرور الجماعات فى الأفراح ، أو المسلية للنفوس فى المآتم وشعائر الأحزان ، وبذلك خرجت قراءة القرآن عندنا من الدائرة التى رسمها الوحى النازل من عند الله إلى دائرة صناعية يستوى فيها الأمر والنهى والزجر الشديد والقصص التاريخية والمواعظ الحسنة والدعاء .. كلها تطبق نقرات الجركا ، والسيكا ، والحجازى والعراقى وما أشبه !! (ص107) لذلك فإن المستمعين اكتفوا بالاعجاب بجمال الصوت والتصرف فى التنغيم عن المعنى الأصل للآيات ، والهدف المقصود منها لدى السامعين "فليس بغريب أن تفسد الأمة الإسلامية بهذا الفساد ، كما كان صلاحها بذلك الصلاح" (ص108) .
المحاكم الشرعية وحاضرها :
يرجع محمد عمر فى هذا الموضوع إلى المتخصص فيه ، وهو الشيخ محمد عبده الذى يقول عنه : "إنما آثرنا نقل ما كتبه حضرة الأستاذ ، لأنه أوفى دلالة وأوسع اطلاعا ، وقوله الفصل فى هذه المباحث الهامة ، والمقاصد العامة، ولا زال يفيد الأمة خيرًا وإصلاحًا" (ص109) وهو ينقل من تقرير الشيخ محمد عبده بعض الملاحظات الهامة على السلبيات الموجودة فى المحاكم الشرعية .
وهو يبدأ بأثاث (أو فرش) هذه المحاكم ، الردىء جدًا ، وإن وجد عشرة كراسى فستة منها لا تخلو من كسر" (ص110) أما حال كتاب هذه المحاكم فإنهم على الرغم من ضعف أو انعدام حصيلتهم فإنهم يشترون الحبر من مالهم، كما أن خطهم ردىء جدًا ، وعباراتهم ركيكة للغاية وغير مقروءة ، وأسوأ ما فى هذه الفئة أنها اختلطت بأصحاب القضايا ، ففسدت ذممهم ولا يرجى معهم صلاح أبدا .
وأما القضاة فإن معرفتهم الشرعية والقضائية لا تسر ، ولا يتيسر العدل فى أحكامهم . الذكى منهم يحول القضايا إلى عمليات صلح ما تلبث أن تفشل لأنها لا تقوم على أساس صحيح ، بل إن بعضهم ينصح المتخاصمين بأن يطلب شطب القضية !
ويحمل الشيخ محمد عبده على لغة الكتابة القضائية فيرى أنها ركيكة وغير مفهومة ، وأساليبها معتلة ، مع تكرار بارد يعسر معه الفهم ، ويسأم منه الذهن !
وبالنسبة إلى المرافعات فى المحاكم الشرعية يستغرق وقت التعريف باسم المتخاصمين وقتا أطول مما تستلزمه المرافعة نفسها . والجلسات مليئة بالفوضى ولا نظام يحكمها ، والنساء تتجولن فى أرجاء المحكمة ، وقد      شاهد الشيخ محمد عبده بنفسه أن مكانة الكاتب فى بعض المحاكم تفوق مكانة القاضى !
أما الشهادة فقد أصبحت مهزلة ، يكثر فيها الغش والتدليس ، وما أكثر ما يأتى الزوج بشهود زور ليتم الحكم على الزوجة فتضيع حقوقها ! .
وأخيرًا فإن تنفيذ أحكام هذه المحاكم غير منضبط ، فالأجهزة المنوط بها ذلك تتراخى أحيانا عنه ، فتصير الأحكام كان لم تكن !
التعليم ومدارسه :
يقارن محمد عمر بين التعليم فى مطلع القرن العشرين ، والتعليم قبل مائة عام ، "كانت بلادنا المصرية غارقة فى بحار الجهل والخمول بسبب تملك دولة المماليك عليها ، والولاة الذين كانوا يولون تباعا بعد انقراضها من قبل دولتنا العلية (يقصد العثمانية) ولا يمكثون إلا قليلا ريثما ينالون غرضهم فى زمن توليتهم ، وهو جلب المنفعة والمغانم إليهم بأية وسيلة كانت ! ولذلك السبب لم يعبأوا بنشر التعليم ، ولم يهتموا به ، وجاراهم فى ذلك المسلمون منا اقتداء بهم ، فلم يهتموا أيضًا بتحصيل العلوم والمعارف فى زمن هؤلاء الولاة الغاشمين – إلا القليل منهم" (ص113 ،114) .
أما محمد على فقد نظر لأمر التعليم نظرة الحكيم العاقل ، فوجه أنظاره إلى المعارف ، وخطا فيها الخطوة الكبرى ، وأسس مجموعة من المدارس الابتدائية والتجهيزية والعالية – ما زالت باقية حتى اليوم . وكانت العلوم التى يتلقاها الطلبة : هندسية فطبية (بشرية وبيطرية) فعسكرية فملكية . وقد جعل التعليم اجباريا ، أى الزاميا ، وأرسل عددا من الطلبة النوابغ ليتلقوا تعليمهم العالى فى أوربا . وعلى الرغم من تولى العائدين من تلك البعثات لمناصب هامة فى الدولة ، إلا أن بعضهم – كما يلاحظ محمد عمر - لم تتم الاستفادة الكاملة منه فى تخصصه الذى كرس نفسه له ، فتولى منصبًا إداريًا أنساه ما تعلمه فى أوربا !
ويقارن محمد عمر بين الأقباط الذين اهتموا بتعليم أبنائهم فى مدارسهم الخاصة حتى أصبحوا يتولون الوظائف الهامة ، بينما المسلمون معرضون عن التعليم ، وعن التبرع لإنشاء مدارس خاصة بأبنائهم (إحصائية 1900 تبين أن عدد المصريين يقرب من تسعة ملايين نسمة ، وأن نسبة المسلمين إلى المسيحيين أقل من (2) إلى (10) . ومع ذلك فعدد التلامذة المسيحيين الذين نالوا الشهادة الابتدائية فى نفس العام (250) تلميذا ، أى أكثر من ثلث التلامذة الذى نالوا هذه الشهادة) .
وينبه محمد عمر إلى أمر خطير ، وهو أن مدارس الأقباط تعلم البنين والبنات ، بينما مدارس المسلمين تقصر التعليم على البنين فقط ، ولا يكاد يوجد مجال لتعليم البنات . وهم يحتجون بعدم توافر مدرسات لتعليمهن ، مع أنه من الممكن الاستعانة بالسوريات اللاتى سبقن إلى التعلم وأصبح منهن مدرسات ، فلماذا لا يستعان بهن حتى يتم تكوين مدرسات مصريات !
والمدارس التجهيزية تقع فى منطقة وسط بين الابتدائية والعالية ، وهى التى تمهد للالتحاق بالمدارس العالية ، للاستزادة من المعرفة فى مجال معين ، والتخصص الدقيق فيه .. ويأسف محمد عمر لعدم انتشار هذه المدارس ، التى لا يزيد عددها عن ست مدارس فى طول البلاد وعرضها . وهو يلقى باللائمة على الأغنياء الذين لا يتجهون بأموالهم لإنشاء المزيد من هذه المدارس ، لكن كيف يفعلون ذلك مع حرصهم على أموالهم الزائلة ، وجهلهم بقيمة العلم فى بلادهم !
أما المدارس العالية فلا يوجد منها مدارس أهلية ، وأنما هى تابعة للحكومة فقط ، ومع ذلك فإنها قليلة للغاية ، والحاجة إليها أصبحت متزايدة . ويكفى أن نعلم أن مصر فى ذلك الوقت لم يكن فيها من المدارس العالية المتخصصة فى مجال الطب سوى مدرسة واحدة ، ومدرستان للصناعة ، ولا توجد مدرسة للزراعة مع احتياج القطر إليها ، وكذلك التجارة لا يوجد لها مدرسة عليا ، لكن يوجد مدرسة للحربية ، وأخرى للمهندسخانة ، ومدرسة للحقوق . ومدرسة للمعلمين .. أما المعلمات فلا توجد مدرسة لهن .
يقول محمد عمر : "هذه هى حقيقة حال المدارس العالية فى القطر المصرى ، ومنه يظهر عظم الحاجة وشدة الافتقار إلى العلوم العالية ، حتى يرجع للأمة بعض المجد والسؤدد الذى نعلمه من مطالعه كتب التاريخ من أنه كان منا الأساتذة فى الطب والكيمياء والطبيعة والعلوم الرياضية والصناعية والتجارية وعلوم الحقوق والفلسفة والجغرافية وعلم الاقتصاد ، وغيرها ؟! (ص125) .
ونقول من جانبنا إن هذه الدعوة القوية التى تحث على إنشاء مدارس عليا (جامعة) قد نضجت بدعوة الزعيم الوطنى مصطفى كامل ورفاقه الذين قاموا بجمع التبرعات لإنشاء جامعة أهلية فى مصر لأول مرة ، وضد رغبة الانجليز الذين كانوا يحتلون البلاد ، فتم إنشاء الجامعة الأهلية (التى أصبحت جامعة فؤاد ، ثم القاهرة) سنة 1908 ، وبها بدأ التعليم الجامعى فى مصر ، وبقية البلاد العربية بعد ذلك .
مدارس تعليم البنات :
يقول محمد عمر : "تعليم البنت فرض من فروض الإنسانية ، وركن من أركان المدنية ، لأن الله أوجدها شريكة للرجل ومساعدة له وعاضدة إياه فى شؤونه. فهو بدونها ناقص تدفعه الطبيعة نحوها لسد الخلل الموجود فيه .. هذه سنة الله فى الخلق ، ولن تجد لسنة الله تبديلا . فإذا كانت عاضدة الرجل ومكملته مهذبة معلمة مدبرة ذات أخلاق راضية أثرت على الرجل ، بل كانت أكبر عامل على انحيازه إليها ، والتمسك بعاداتها ، والتخلق بأخلاقها ، وبهذا عمار الخلق" (ص125) .
ومن مزايا هذا النص أنه يضع محمد عمر فى قائمة أصحاب الفكر المستنير من المصريين الذين نادوا بضرورة تعليم المرأة ، وتثقيفها بالمعرفة ، حتى لا تظل متخلفة عن الرجل ، كما كان عليه الحال قبل مطلع القرن العشرين ببضع عشرة سنة فقط ، حيث كان المصريون يعتبرون تعليم البنت وتثقيفها يرجعان بالضرر على العائلة ، وتكون فى عرفهم أهلاً للمغازلة والمكاتبة مما يفسد الأخلاق ! (ص125) .
ويشير محمد عمر إلى أن الأقباط المصريين كانوا أسرع من المسلمين فى تعليم بناتهن ، وعلى الرغم من أن الحكومة قد أنشأت مدرسة واحدة للبنات فإن الأمة كانت تنفر منها نفور السليم من الأجرب ! (ص126) ثم ما لبث الأقباط أن أدركوا قيمة تعليم البنات فبدأوا بإرسالهن إلى مدرسة الحكومة أو إلى مدارس الأمريكان والراهبات . ويشير تقرير المرسلين الأمريكان أن عدد البنات عندهم بلغ فى عام 1898 : (3720) بنتا ليس فيهن سوى عشرات المسلمات فقط ! كما يشير العدد الاجمالى للبنات فى المدارس الحكومية والأهلية إلى ما يقرب من (18) ألف بنت مصرية قبطية ، فى حين لا يتجاوز من يتعلمن من المسلمات أكثر من (2500) فقط !! (ص127) .
إن البنت عندما تتعلم تكون مؤهلة لبناء بيت نظيف ومتحضر ، وهى التى تقوم بتدبير معيشته ، وتربية الأولاد فيه على أسس صحية سليمة ، كما أنها تساعد زوجها بحسن تدبيرها على مكافحة الزمن والفقر .. هذا ما راح يدعو إليه محمد عمر ، ويبين للمصريين فوائده ، لكنه لم يتطرق بالطبع – وفى ذلك الوقت بالذات – إلى إمكانية مشاركة المرأة فى الحياة العامة ، والأمور السياسية التى لا تقل بحال من الأحوال عن مشاركة الرجل . لقد كان الوقت ما زال مبكرا على ذلك !
الجمعيات الأهلية :
يرى محمد عمر أن الجمعيات وجدت مع وجود الإسلام نفسه . وقد عقدها الرسولمع عشرة من أصحابه ، وسميت (بيعة الرضوان) ، وقد تتابعت الجمعيات بعد ذلك لدى المسلمين فى عصور ازدهارهم الاقتصادى والثقافى ، لكنها ما لبثت أن اختفت أو كادت فى عصور تدهورهم وانحطاطهم. وعلى الرغم من إشادة محمد عمر ببعض الجمعيات القليلة فى عهده مثل الجمعية الخيرية الإسلامية ، وجمعية العروة الوثقى ، والمساعى المشكورة ، وجمعية طبع الكتب .. إلا أن الكثير من الجمعيات الأخرى التى أنشئت مالبثت أن اختفت بسبب تقاعس القائمين عليها ، وعدم قيامها على أساس سليم . وهو يعجب من جمعية كان يمكن أن تكون نواة لمجمع اللغة العربية باسم (مجتمع اللغة العربية) ، حيث لم تجمع سوى مرتين أو ثلاث ، وقدمت اقتراحات باستعمال بعض العبارات العربية بدلاً من الفرنسية الشائعة .. لكنها اختفت بسبب عدم ثبات أعضائها إلى جانب عدم فهمهم لمعنى لغتهم
الجمعية الوحيدة التى يشيد بها محمد عمر هى الجمعية الطبية المصرية، وهناك أيضا الجمعية الجغرافية التى يقل فيها عدد الأعضاء المصريين عن عدد نزلاء البلاد ! (ص130) لكن الإشارة الأكبر يختص بها الأخوة الأقباط الذين أدركوا أهمية الجمعيات الأهلية ، والغرض الإنسانى الذى يعود منها على أهل البلاد ، ومنها (جمعية التوفيق) التى انشئت سنة 1891 وثبت نجاحها من خلال إقامة المدارس ، وتخصيص مركبات لنقل الموتى ، ولها فروع فى سائر مديريات القطر ، كما أن لها سراى عظيمة مساحتها 6100 متر ، ولها مجلة باسم التوفيق ، وهى بصدد بناء مستشفى لمعالجة الفقراء مجانا . وإلى جانب هذه الجمعية توجد جمعيات أخرى مثل (جمعية المساعى الخيرية) و (جمعية النشأة القبطية)  و(جمعية الاعتدال) بأسيوط .
وينعى محمد عمر على المسلمين إهمالهم الشديد والمزرى لهذا العمل الخيرى القائم على تطوع الأفراد بأموالهم وأوقاتهم لإنجاح مثل هذه الجمعيات التى تساعد المحتاجين فى المجتمع ، وتقدم لهم يد العون والمؤازرة . وهذا هو مفهوم التضامن الذى يعد أصلاً أصيلاً من الدين الإسلامى الحنيف .

الوظائف الحكومية :
يشن محمد عمر حملة شديدة اللهجة على اتجاه الشباب المصرى إلى الإقبال على الوظائف الحكومية حبًا فى المظاهر ، وتجنبا للفقر ، وهم فى ذلك واهمون ، لأنهم لايدركون أن الوظائف الحكومية "غير مفيدة للوطن فائدة تذكر، لأنها مدعاة للكسل ، وغير سائغه كما يراد للعمل .. خصوصًا فى الأحوال والظروف الحاضرة التى لا تسمح لشبابنا أن يتطلعوا إلى وظائف عالية فيها حقيقة ، تكون خدمة الوطن والأمة خدمة صحيحة مفيدة ثابتة دائمة ، لأن تلك بأيدى قوم ساهرين على مصالحهم (يقصد المحتلين الانجليز) ونحن عنها غافلون" (ص132) .
ويرى محمد عمر أن الفهم المصرى الخاطئ للوظيفة الحكومية عبارة عن مرض عام ينتج عنه عدم تكوين الثروة فى القطر ويقعد بالهمم ، كما يقتل صفة الاعتماد على النفس .. وقد رسخ فى النفوس أن الحكومة هى الهيئة المخدومة ، والأمة هى الهيئة الخادمة مع أن الحال بضد ما ذكر .
وهو يترك لنا وصفا دقيقا لحال الموظفين فى حياتهم اليومية فيقول "هم لا يعرفون إلا أن يأتوا صباحا فى الوقت المعين ، ويباشرون عملهم الذى يندر أن يتغير قليلا ، ويذهبون الظهر إلى بيوتهم فيأكلون وينامون ، ولا هم لهم إلا النزول ساعة العصر من بيتهم إلى القهاوى والأندية لتمضية الوقت سدىً بلا جدوى ولا منفعة خصوصية أو عمومية . وكل يوم هم على هذا المنوال . والمستخدم واحد : أمس واليوم وغدا" (ص134) .
ومما يضحك ذكره : تقسيمهم الشهر إلى ثلاثة أقسام : فهم يعبرون عن العشرة أيام الأول منه بالأيام البيض ، نظرًا لرواجهم من قبض مرتباتهم ، والعشرة الثانية بالأيام الحمر وأنهم فى هذه الأيام يضطرون لصرف ما هو مقتصد معهم ، والعشرة الأواخر من الشهر بالعشرة السود .. لأنهم يفترضون من أهليهم أو من جماعة المرابين" وأكثرهم جماعة الدخاخنية الأروام !" (ص194) .
ويشير محمد عمر إلى أن كل الموظفين لا يحصلون على معاش عند انتهاء مدة خدمتهم . فنصفهم تقريبًا عبارة عن "ظهورات" أى
مؤقتين بلغه عصرنا الحاضر . لذلك ينتشر بينهم "الحسد" بعضهم على بعض ، ويظل الواحد منهم يحقد على من هو مثبت فى وظيفة أو من يتلقى راتبًا أعلى منه .. وقد حبسوا جميعا أنفسهم فى دائرة ضيقة الرزق ، ولو أنهم انطلقوا إلى ميادين الزراعة أو التجارة أو الصناعة لوجدوا رزقا كثيرًا .   
ولابد هنا من أن نذكر "مأساه" اثنين من الموظفين فى البوستة التى كان يعمل فيها محمد عمر ، ونحن نصفها بالمأساة نظرًا لغرابتها، وتفردها ، والنهاية التى آلت إليها :
"كان فى مصلحة البوسنة حتى سنة 1897 رجلان خدما فيها أكثر من أربعين سنة بأمانة واستقامة منذ عهد جنتمكان الحاج محمد على باشا ، ووظيفتهما كانت : أخذ البريد سعيا على الأقدام من القاهرة إلى الإسكندرية ، وذلك قبل إنشاء السكك الحديدية ، وكثيرًا ما كان أحدهما يسعى ليوصل مراسلات الولاه السالفين ، وبالأخص المرحوم سعيد باشا ، ولا يتأتى له ذلك إلا بعد التعب الشديد . فقد يذهب أحدهما إلى البلدة التى يقال له إن بها الوالى فلا يراه فيها ، ويعلم أنه ذهب إلى غيرها فيتبعه إليها ! وقد كان نصيب أحدهما بعد أن هرم وشاب أن يعين ليوصل الدراهم والمراسلات من العاصمة إلى بولاق مصر ذهابا وإيابا ثلاث مرات فى اليوم ! ولما وهنت رجلاه ، وخارت قواه عُيّن فى بوسته مصر يشتغل فيها وعمره قد ناهز الخمسة والسبعين ، فمكث مدة يشتغل من الساعة السادسة صباحا إلى الحادية عشرة مساء ، وليس له يوم راحة فى الأسبوع كله .. ثم عجزا عن القيام بخدمتهما ، فتراءى للمصلحة أن تعولهما فأمرت بذلك .. ولولا ما قامت به جمعية خيرية كانت قد انشئت بالبوسنة ، من صرف مرتب سنة كاملة من مرتبهما رأفة بهما وبعائلتهما، لذهبا ولسان حالهما يقول مع باقى أمثالها من المستخدمين
ماذا لقيت من الدنيا وأعجبها
أنى بما أنا باك منه محسودُ !

إن هذا النص يذكرنى مباشرة بأسطورة سيزيف الإغريقية التى تحكى عن عقاب آلهة اليونان لسيزيف ، الذى سرق منهم النار ، وجاء بها إلى الأرض ، فحكموا عليه بأن يحمل صخرة ضخمة على كتفية ثم يصعد بها إلى تلّة عالية ، وينزل من الناحية الأخرى ، ثم يصعد بها ثانية إلى الناحية الأولى .. وهكذا يظل فى عذاب مستمر ..
التجارة :
يقرر محمد عمر أن باب التجارة مفتوح لكل داخل ، وليس مثل باب الوظيفة المقصور على قلة قليلة من المتعلمين . والواقع أن ثروة البلاد مرتبطة بالتجارة ، سواء كانت داخلية أو خارجية ، ويشترط لمن يمارسها أمران :    أن يكون على علم وبصيرة ، وأن يتوافر معه رأس مال . وعلى هذين الشرطين قوام التجارة ، لكن هناك صفات أخرى لازمة للتاجر الناجح ، وأهمها الصدق ، والأمانة ، والتقوى ، والاقتصاد ، والبعد عن الديْن أى السلف،          وانتظام المعيشة حتى لا يتطرق لأعماله الخلل وسوء الإدارة ، ويستتبع عدم ثقة   الناس به .
وفى التجارة مجال فسيح لإعمال العقل ، الذى أودعه الله تعالى فى الإنسان. وكما يقول شكسبير بحق ان "العقل فى موضعه يمكنه أن يجعل من النار جنة ، ومن الجنة نارا" ومن مزايا التجارة أن كل نجاح فيها تعقبه لذة . لكن ذلك لا يأتى اعتباطًا بل يلزمه جد واجتهاد ، وعدم تأخير عمل اليوم إلى الغد . والتجارة حياة كل أمة . وما امتازت دولة على أخرى إلا وقد كان للتجارة الفضل الأكبر فى سعادتها . وتاريخ الشرق فى الماضى شاهد على ذلك، وخذلانه فى الحاضر أكبر دليل على تدهور حال التجارة فيه . وحاضر أوربا - حينئذ – مزدهر بالتجارة ، وقد كانت فى الماضى مقصرة فيها .
أما مصر فهى أرض زراعية ، يشتغل غنيها وفقيرها بالزراعة دون التجارة والصناعة . وقد اتجه بعض المصريين إلى التجارة مع السودان حين استعمرتها مصر فى زمن محمد على ومن بعده فحققوا مكاسب هائلة ، لكنهم ما لبثوا أن اعتزلوها منذ انفصل السودان سنة 1884 ، وعادوا لمباشرة الزراعة . ومن الملاحظ أن من فعل ذلك حقق أرباحًا أعلى من غيره ، لميله إلى زيادة العمل والكسب .
ويسجل محمد عمر على التجار فى عهده بعض الملاحظات السلبية الهامة التى تبين حال التجارة فى مصر ، ومنها :
- أنهم يكتفون بتجميع البضائع فى وكالاتهم ، ثم يوزعونها على التجار الأصغر بالديون التى قد لا يتحصل معظمها !
- أنهم يوظفون أشخاصا كبارًا فى السن ، ويعطونهم رواتب هزيلة جدًا مع أنهم يأتمنونهم على مخازنهم التى تحتوى بضائع بآلاف الجنيهات !
- أنهم ميالون للكسل : يحضرون إلى محالهم ضحى ، ويتركونها عصرًا لحبهم النوم ، وإيثارهم الراحة على التعب .
- أنهم لا يعرفون القيمة الحقيقية للبضائع التى لديهم ، فيبيعونها أحيانا بنفس السعر الذى أخذوها به !
- أنهم حين يكسبون يتجهون لشراء عقارات متهالكه فى أحياء فقيره بأسعار متدنية ، حتى يقال أن فلانا صاحب أملاك كثيرة !

- أن وكالاتهم غير مرتبة البضائع ، ولذلك يصعب الحصول بسهولة على ما يريدونه منها عند الحاجة .
- أنهم لا يسجلون وكالاتهم وبضائعهم فى شركات تأمين تضمن لهم عن السرقة أو الحريق أصولها التى ضاعت .
- أن أكثر التجار فى مصر ليسوا من المصريين ، وإنما هم من الأجانب الذين يحسنون شراء البضائع بأسعار زهيدة وبيعها أو تصديرها للخارج بأسعار عالية؛ فيتحقق لهم مكسب كبير !
- أما مفردات البضائع التجارية فى ذلك الوقت فكانت هى : القماش ، والزيتون، والأرز ، والشمع والكبريت ، والسجائر ، والبلح ، والبرتقال ، والتين والشمام .. ومن الملاحظ أن البيض كان يجرى جمعه من البنادر والقرى بثمن رخيص ، ويتم تصديره إلى الخارج وخاصة بريطانيا العظمى.. وقد بلغ ما صدر منه للخارج سنة 1900 مبلغا قدره 103800 جنيه .
- إن التجار الأجانب قد اتقنوا أساليب التجارة الصحيحة ، فاستخدموا البريد (البوسته) فى نقل وتوصيل بضائعهم إلى الجهات الطالبة لها بسرعة وأمان .. فى حين أن التجار المصريين والمسلمين أهملوا تمامًا هذه الوسائل .
- وأخيرًا يعقب محمد عمر قائلا : "فهذه حال التجارة ، وطريقة سيرها ، ودعْ التجار المصريين ، وبالأخص المسلمين منهم ، يقضون ليلهم ونهارهم بغيبة بعضهم بعضا ، ويرضخون للعجز والكسل وحب الراحة إلى ما فوق الحد المقبول والقدر المعقول ، ولله عاقبة الأمور" (ص144) .


الزراعة :
يقول محمد عمر إن الزراعة تكاد تكون هى العمل الخاص لجمهور سكان مصر ، وستبقي كذلك إلى ما شاء الله ، ولا يزدرى بها إلا مَنْ كان جاهلا لفوائدها" وفى مقدمة هؤلاء أولئك الذين انخرطوا فى سلك الوظائف الحكومية (الميرى) ، وكذلك أبناء الفلاحين أنفسهم الذين يخرجون من المدارس سنويا ، ويعدون بالآلاف (ص145) . 
وهو يأخذ على الفلاحين المصريين مجموعة من العيوب التى تتعلق إما بتصرفاتهم الشخصية ، أو بأسلوبهم فى العمل الزراعى نفسه . ومن النوع الأول ، يلاحظ وقوعهم فى الاستدانة بالربا ، الأمر الذى يؤدى إلى إفلاسهم ، واستيلاء جماعة الأروام على أراضيهم وممتلكاتهم . ويشير محمد عمر أن فى مصر وحدها من بيوت تسليف النقود على أساس الربا نحو 50 بيتا ، وهو أضعاف العدد الذى يوجد فى مدينة باريس !
كذلك يلاحظ على الفلاحين المصريين الميل إلى الإسراف ، والجهل بتدبير أمور المعيشة فى الحاضر والمستقبل ، ومن ذلك السفة المبالغ فيه عند إقامة الأفراح ، وكثرة الخصومات فيما بينهم لأقل سبب ، وقضاياهم ومواقفهم فى مزادات البيوع ، وتعاملهم مع جيرانهم وأقربائهم كلها أسباب تجرهم إلى الإسراف والاستدانة حتى توقعهم فى تعاسة الفقر ، وتجلب لهم سوء السمعة . كذلك فإنهم يضطرون لبيع محصولهم قبل موعد حصاده ، أو فى ابتداء الموسم بأرخص الأثمان ، وبعضهم يدخل نفسه فى معاملات الأسهم والسندات دون أن يكون لديه الوعى اللازم بحركتها مما يوقعه فجأة فى الإفلاس !
أما جهل الفلاحين المصريين بحرفتهم فالدليل عليها قلة غلة الزراعة فى البلاد ، فهى لا تزيد عن ثلاثين مليون جنيه ، لو قسمت على عدد سكان مصر لما نال كل واحد سوى أربعة جنيهات ، وهو مبلغ قليل بالنسبة إلى ما تستغله الأمم الأخرى ، التى أراضيها كاراضينا مثل امريكا وفرنسا وغيرها التى يرجع عائدها الزراعى الكبير إلى : إتقان الحرث ، والصرف ، وتعاقب الزراعات بإضافة السماد . أما فى مصر ، فإن الفلاح يلقى أجساد الحيوانات النافقة فى النيل ، بدلاً من يضعها فى حفرة ، ويطمرها فيها إلى أن تتحلل وتمتزج بالتربة ، فتخرج سمادًا عضويًا نافعا .
ومن جهل الفلاح المصرى : سوء تربيته للحيوانات ، ورعايتها بصورة صحية سليمة ، حتى إذا مرض منها حيوان تم عزله عن الباقى حتى لا تصيبها العدوى .. ويلاحظ على الفلاح المصرى عدم الاهتمام بتطوير آلات الزراعة التى كان يستخدمها أجداده منذ آلاف السنين ، ويشير محمد عمر إلى حاجة الفلاحين المصريين إلى ديوان زراعى (وزارة) يهتم بكل ما يتعلق بأراضى القطر ، ومن ذلك إبادة الحشرات التى تسطو على المزروعات سنويا ، كما يهتم بإدخال أنواع جديدة من المزروعات ، ويسعى لإنشاء الأحراش (الغابات) التى تزود المصريين بالأخشاب اللازمة لهم فى الصناعة ، ويدعو محمد عمر إلى أهمية المعارض الزراعية ، التى ينبغى أن تقام كل شهر فى إحدى المديريات (المحافظات) لكى تدفع الفلاحين إلى المسابقة والمنافسة والاختبار والاعتبار (ص149) .
وأخيرًا يأسف محمد عمر من حال الزراعة فى مصر ، قائلاً : "هذا حاضر الزراعة المصرية ، وهى الموروثة من أجيال مضت ، وقبل أن يعرفها مَنْ سسبقنا فيها بأجيال ... أفبعد ذلك من دليل على العجز فى مباشرة شئونها ، أم تقول معى : حبذا لو اقترنت الزراعة بالعقل واليد مع النشاط والجد ، لنصبح يوما ، ونحن غير مفتقرين لغيرنا ، فنعيش بسلام آمنين" (ص149) .


الصناعة :
الصناعة هى المقوم الثالث ، مع الزراعة والتجارة ، من مقومات الاقتصاد الوطنى . وكعادته يقوم محمد عمر ببيان قيمتها ، ومدى أهميتها فى تعليم الشعب حب الاستقلال بالأفكار والأعمال ، وحب الاعتماد على النفس ، فضلاً عن دورها فى استثمار موارد البلاد ، وزيادة دخلها القومى . لكنه يسجل حال الصناعة المصرية ، التى يراها "فى نكوص دائم ، وتأخر مستمر يومًا فيوما ، وإذا بقيت على حالها سائرة القهقرى آلت إلى العفاء والمحو . على أن غاية ما يمكن أن يقال فى الصناعة الوطنية أنها منحصرة فى " صنع الحصر والفخار وحياكة بعض المنسوجات القطنية ، وغيرها من مثل الحدادة والبرادة وعمل الجزم التى يتولى عملها بعض الأفراد فى معامل وورش حقيرة ، وهى غير آخذة فى التقدم" (ص151) .
ويبدو الفارق واضحا عندما تتم المقارنة بين حال الصناعة لدى المصريين، وحالها لدى النزلاء الأوربيين ، التى هى فى تقدم ونجاح "بسبب أنهم أصحاب معامل السكر وتكريره ، وأصحاب وابورات حلج القطن ، ومعاصر الزيوت ، واستخراج الصودا والنطرون .. فالناظر إلى واردات الفطر يجد الصناعة فيه بوجه الإجمال متأخرة تأخرًا عظيما" (ص151) .
ويرى محمد عمر أنه إذا كان من غير المأمول صنع المنتجات التى تأتى موادها الأولية من البلاد الأجنبية ، فقد كان يؤمل أن المصنوعات التى موادها الأصلية موجودة فى مصر يجب أن تصنع على الأقل فيها ! وأوضح مثالين على ذلك : السكر الذى يزرع فى مصر ، والورق التى تتوافر كل مواده لدينا . بل إنه من الغريب أن المصريين من أهل الصناعة الأصلية لم يتقدموا فيها ، ولم يحافظوا على ما كان معروفا لديهم ، والمثال على ذلك هو صنع "الأئتيكة المشربية" التى ضيعوها ، وإن صنعوها الآن مسخوها ، وهى اليوم بيد جماعة من الإفرنج ، وليس ببعيد أن يشتهروا بها فى زمن قريب (ص152) .
ومما يؤخذ على الصناع المصريين إغفال استقطار ماء الزهور الكثيرة فى مصر ، وهذه أشياء سهلة الاستعمال جدًا ، وممكن تعلمها بعد المشاهدة مرة واحدة !
وممكن أيضا صنع الأكياس والحبال ، ليستغنى القطر عن جلبها من الخارج ، وممكن عمل قماش قلوع المراكب ، الذى نستورده بما قيمته (1500 جنيه) مع أن جميع احتياجاته موجودة عندنا !
وبكل الأسى والمرارة ، يستمر محمد عمر فى تعداد الصناعات التى كان ينبغى على المصريين أن يقوموا بها ، بل ويتفرقوا فيها . يقول : "ويضيق بنا المقام لو عددنا الأصناف الأخرى التى يمكن صنعها :
مثل الجير والآجر ، فإن قيمة الوارد منهما لا تقل عن (25 ألف جنيه) والخلاصة أننا مقصرون فى الصناعة : حتى صناعة الخبز ، فإن صنّاعه يملأون عجينه بالماء حتى يثقل وزنه ، دون فائدة غذائية !
وكذلك الجبن ، الذى يلغ قيمة الوارد منه سنة 1898 (13 ألف وستمائة جنيه) .
ونحن مقصرون حتى فى تنظيف ما فى بيوتنا من الأوانى الغالية الثمن حتى أننا نحتاج عند تنظيفها إلى الأجانب ، وربما أحوجتنا الحالة إلى أن نرسلها للخارج !
وإذا أردنا لحْم شىء بآخر ، ولو كان من الزنك ، لا ندرى كيف يصنع ذلك .. وهذا غاية الكسل ونهاية الإهمال . وما أظن أمة الأمم قد أدى بها الانحطاط إلى ما نحن فيه ، وإن لم نتدارك شئون الحياة بهمة قوية وعزيمة ماضية صرنا إلى مالا نحمد عقباه من سوء الحال ، وخيبة الآمال ، والعياذ بالله" ص152 ، (153) .
وفى ختام حديثه عن الصناعة المصرية ، يتوجه محمد عمر – ونحن معه- بالدعاء التالى :
نسأل الله أن يحيى فينا حب الميل إلى الصناعة ، حتى نحيا حياة اقتصادية جديدة ، ونجد فيها حب الابتكار فى الصناعة ، فيكتسب الصانع كسبه بطرق محلله ، فإن الصناعة ينبوع ثروة لا ينضب ، وسر من أسرار الاستقلال الصحيح" (ص153) .
المطابع ومنتجاتها :
كان إنشاء مطبعة بولاق بواسطة الحكومة سنة 1238هـ هو الدافع لقيام عدد من المصريين والسوريين القادمين من الشام لإنشاء مطابع خاصة ، بدأت بداية طيبة بطبع كتب العلم من التفسير والحديث والتاريخ ، ثم ما لبثت أن "تبدلت بطبع الضار والمفسد من الكتب ، ولعلمهم أن العامة أميل إلى ذلك من العلم والحقائق ... أكثروا من طبع القصص والحكايات الغرامية والفكاهية والأشعار غير المستظرقة وكتب النوادر والمجون المفسدة للأخلاق والطباع ككتب الجفر والزايرحه والملاحم المملوءة بقول الزور والبهتان المنسوبة كذبًا إلى مشاهير الإسلام من أهل البيت وغيرهم (ص154) .
وبالمقارنة بين ما يطبعه السوريون والمصريون يلاحظ أن "كتب الجهل الدالة على ضعف العزائم مطبوع فى مطابع المصريين ، وبالأخص المسلمين (ص154) أما من الناحية الفنية فالكتاب الخارج من مطابع المصريين يغلب عليه سقامة الطبع ، ورداءة الورق ، والحروف المكسورة التى تهالكت من طول الاستعمال دون تغييرها ، مما يسقط نقطة أو حتى كلمة وأحيانا نتداخل الحروف مع بعضها ، ويندر أن نجد كتابًا مطبوعًا فى مطابعهم يحتوى على فهرس فى آخره ، أو تضاف له ورقة تصحيح للأخطاء مع اعتذار للقارئ ! (ص155) .
ويقدم محمد عمر جدولاً هامًا يبين ما تم طبعه فى المطابع المصرية خلال الخمس سنوات الأخيرة ، أى التى سبقت عام 1902 الذى نشر فيه كتابه ، وسوف ننقله هنا لأهميته :   

75 روايات وقصص
19 كتب تاريخية
15 كتب أدبية
9 مجون ونفاق
4 سياسية
3 حسابية
2 فى التربية
2 أمثال وأصول كلمات عامية
3 فى العلوم الفنية
9 رسائل دينية بين قسس ومشايخ
4 فى اللغة القبطية والهيروغليفية
2 فى الزراعة
6 فى الرثاء
4 دواوين شعرية
2 فى الإنشاء
3 فى التراجم
2 فى الحقوق
2 فى الطب
2 فى علم الآثار

ومن الواضح أن هذا المنتج العلمى والثقافى والترفيهى للمطابع المصرية يعكس مستوى ومدى الثقافة التى كانت تشيع بين المصريين فى نهاية القرن (19) ومطلع الـ (20) مع ملاحظة أن عدد النسخ من كل كتاب لم يكن كبيرًا ، نظرًا لشيوع حالة الأمية ، وقلة عدد المتعلمين .
وسوف يتوقف محمد عمر طويلاً عند أحوال المؤلفين في مصر، وهو يقسمهم نوعين:
أ - مؤلفين يهمهم نشر أفكارهم العلمية، وهم الفئة الأقل.
ب - مؤلفين همهم الشهرة والربح المادي.
وبالطبع هذا النوع الأخير هو الغالب على حركة التأليف، وبالتالي فإن ما يقدمونه للقراء لا يصب في مصلحتهم ولا في مصلحة الوطن، وإنما يتجه أساسًا إلى فائدتهم الشخصية.
ومن حيث نوعية الكتب الموجودة في مصر، يقوم محمد عمر بعملية فحص ناقدة، تتميز بالجرأة النابعة من الغيرة على مصلحة البلاد، وضرورة تقدمها، يقول: "وكتبنا لا تخلو من محل للاتنقاد الصحيح أكثر بكثير من نظيراتها عند غيرنا، وأغلبها خلو من المباحث العلمية أو الفلسفية أو الأدبية أو التجارية، وقاصرة على التهكم على بعض الأفراد لغايات دينية محضة، أو على نشر أراجيف وخرافات وأفكار ومباحث تضعف الذوق العلمي، وملكة العقل الصحيح عند أهل البلاد، فهي إذن تساعد على انحطاط العقل أكثر من مساعدتها على ترقيته، وتدل دلالة واضحة على انحطاط نفس المؤلفين، وهم بحسب الأرجح الفئة التي امتازت عن المجموع علمًا وأدبًا، وأمكنها إدارة الأقلام (ص159 ، 160) .
أما الكتب المحفوظة في المكتبات العمومية والخصوصية فتكاد تكون قاصرة على بقايا العصور الخالية:
فالأدبية والفلسفية لا تكاد تنطبق على آداب وفلسفة الوقت الحاضر تمام الانطباق، والتاريخية أكثرها خطل وحكايات ليس لها في الغالب أساس ، واللغوية كلها تكرار ومزج غير مفيد . والعلمية لا تحتوي على علم صحيح في أغلبها؛ لأن قضاياها قد ثبت عدم صحتها، وأحيانًا يتم ترجمة بعض الروايات عن الغرب، ولكنها لا تناسب الذوق العام المصري، ولا التقاليد المصرية.
ويلاحظ محمد عمر أن الآداب والفلسفة لا محل للكلام عنهما، لخلو البلاد تقريبًا من مباحث صحيحة فيها، والسبب الحقيقي وراء ذلك ما هو سائد في أذهان العوام من أن كل بحث عقلي يناقض الاعتقاد الديني، وأن هذا مقدس لا يصح التعرض له، ويرجع انتشار هذا الاعتقاد الخاطئ إلى خلو المدارس العائلية، والابتدائية ، والعالية من الأبحاث الفلسفية، والدليل على ذلك أن أكبر مدرسة عربية (الجامع الأزهر وما يماثله) ليس فيه شيء من المباحث الفلسفية العصرية، التي بدونها يستحيل تقريبًا تهذيب النفوس التهذيب الحقيقي التي تقوم عليه المدنية الصحيحة، ولو كان ذلك قد حدث لأمكن التمييز بين منطقة نفوذ الدين ومنطقة نفوذ العلم" (ص160) .
أما الكتب العلمية فقد انقرض زمنها؛ لأسباب شتى أخصها: عدم وجود فائدة بالمرة من الاشتغال بها:
أولاً: لعدم استعمال المدارس الكتب العربية في تدريس العلوم.
ثانيًا: لعدم اهتمام الناس بالعلوم لاعتقادهم عدم فائدتها في حال البلاد الراهنة.
ثالثًا: لعدم وجود فئة من أهل العلم يكرسون حياتهم للاشتغال بها (ص161).
وبالنسبة إلى المجلات والجرائد فهي أبعد ما تكون عن واجب الكتابة الصحيحة، والمباحث المفيدة، وبعضها الجيد في أيدي الوافدين الشوام على مصر، وهذه ترمي أساسًا إلى غايتين: الأولى: خدمة مصلحة أصحابها، والثانية خدمة المنتسبين لها دينيًا، ولذلك فإنها من أقوى عوامل نشر التعصب، وإضعاف البلاد، والتشفي الذاتي، وتوليد الضغائن (ص162) .
ويستثنى محمد عمر من بين المؤلفات العديدة ثلاثة كتب هامة ظهرت في عهده، وهي: كتاب "سر تقدم الإنجليز" الذي ترجمه من الفرنسية القاضى الجليل محمد فتحي زغلول، ثم كتابا قاسم أمين "تحرير المرأة" و "المرأة الجديدة"،وهو يلاحظ عدم احتفاء النخبة المثقفة في مصر بهذه الكتب الثلاثة، متنبئًا بأن الزمن سوف يثبت أهميتها لمصلحة المصريين، ولو على المدى البعيد!.
وأبرز ما يشير إليه محمد عمر بالنسبة لقاسم أمين أن الضحة التي أثيرت حول دعوته لتحرير المرأة قد انصبت على الحجاب، دون أن تتجه إلى غرضه الأساسي وهو حسن تربية المرأة والاهتمام بتثقيفها وتعليمها حتى تكون دعامة لقيام الأسرة الصالحة والناجحة، والتي منها يتكون المجتمع المتقدم (ص165) .
السياسـة :
يؤكد محمد عمر أنه لا يستغني عن السياسة أحد من الناس ما دام الإنسان مدنيًا بالطبع، ويجب عليه اختيار المدينة الفاضلة مسكنًا، والهجرة عن المؤذية، وأن يعلم كيف ينفع أهل مدينته وينتفع،ولا يتم ذلك إلا بالسياسة" (ص166) .
ويحدد الغرض منها بأنه "مسايرة الزمن لاغتنام فرصة في معرفة المراتب الدينية والاجتماعية الفاضلة والمؤذية، ووجه استيفاء كل واحد منها وعلة زواله ووجه انتقاله" (ص166) .
كما ينبه المصريين إلى أن السياسة عند كل أمة متقدمة "علم كسائر العلوم الاجتماعية، له أصول وروابط يتقيد بها ويسير عليها، وله مدارس خاصة به، وأهمها الدهر والتاريخ، ولا ينجح في العمل السياسي إلا من كان مهيأ له منذ الصغر، فيظل يتعلمه في كل لحظة، حتى يصبح عادة، ويكمل به ما ينقص منه" (ص166) .
أما علم السياسة الموجود في مصر، فيرى محمد عمر أنه منتشر في "القهاوي والمنتديات والحانات، حيث يؤمها الجم الغفير منا ساعة العصر، وهي ساعة انتشار الجرائد بيد باعتها من الأطفال البالغ عددهم في القاهرة وحدها زهاء المائة" (ص167) .
وأغلب أولئك الذين يتناقشون في السياسة هم من مستخدمي الحكومة وشبان المدارس العالية، وهؤلاء لهم في ميدان السياسة قصب السبق، في حين أنهم في ميدان الكسب خاملون، وقد مضى عليهم سنوات فى تفضيل فرنسا على انكلترا ، وانكلترا على فرنسا !! (ص167) . دون أن يعيروا انتباهًا لجهل الأمة، غنيها وفقيرها، وانعدام التضامن الوطني الذي هو أكبر دعامة للاستقلال (ص 168) .
أما موضوعات السياسة الغالبة على الجميع فتنحصر في موضعين: سياسة الجامعة الإسلامية، وسياسة الدين، وهما موضوعان يلذان مَنْ لا يعرف حقيقة هذه الجامعة، ولا حقيقة الدين!
ويقدم محمد عمر أمثلة واقعية من تصرفات الدول الإسلامية خلال التاريخ القديم والوقت الحاضر على مدى الانقسام والتشرذم حتى أنهم يستنكفون تبادل السفراء في عواصمهم، مع أنهم يقبلون على الرحب والسعة سفراء الممالك الأوروبية، فوا آسفا!! (ص169) .
ويكاد يصرخ محمد عمر قائلاً: "إن جميع ممالك الإسلام تحتاج لفتح جديد، ويد الله للتأييد" (ص169) لكن ذلك لا يتم ولا يتحقق شيء إلا بالعلم وبث المعارف حتى يبعد ذلك التغرير المشاهد بين المسلم وأخيه وحتى لا ينتظر كل منا وعد ساسة أوروبا بالاستقلال، وكل منا متعلق بدوله، وهذا التعلق اشبه بالتعلق بأذيال الهواء" (ص170) .
الصحافة في مصر:
تناول محمد عمر في هذا المجال: الجرائد السياسية، والمجلات العلمية، والجرائد الدينية الإسلامية، وهو يقرر في البداية أن الجرائد مقياس كل أمة في ارتقائها ونموها، فكما تكون الأمة تكون جرائدها.
وبالنسبة للجرائد السياسية، كانت أولاها هي جريدة (وادي النيل) التي أنشأها أبو السعود أفندي سنة 1867م، وكانت تصدر مرتين في الأسبوع على شكل كراس، ثم عكف السوريون على إنشاء الجرائد السياسية، ومنهم تنبه المصريون إلى إنشائها بكثرة.
والمقارنة بين الجرائد السورية والمصرية يجد الثانية أقل قيمة نظرًا لعدم كفاءة من ينشئونها أو يتولون إدارتها، وضعف حال الكتاب فيها، وتأخرها عن تزويد القارئ بالأخبار الهامة، أو التحليلات السياسية العميقة، ومعظم ما تفعله أنها تتجه إلى معارضة الحكومة والحقيقة بأي شكل، ومحاولة تهييج الخواطر، حتى تحصل على ثمنها من الناس ، وناهيك عما يوجد بها من السباب والشتائم، وتناول أعراض الناس بالباطل (ص172) .
ومن مصائب هذه الجرائد على المصريين أنها شغلتهم عن قضاياهم الحقيقية، وجعلتهم يهتمون بمسائل فرعية، أو لا قيمة لها على الإطلاق كما سبق القول من تفضيل فرنسا على إيطاليا، أو العكس، وأحيانًا تؤذيهم عن طريق بث الفتنة بين عنصري الأمة: المسلمين والأقباط، ومن محاباتها الواضحة أنها تترحم على المسلم عندما يموت، ولا تترحم على القبطي!! (ص176) .
ولأن هذه الجرائد ساقطة في مضمونها فقد اختفى الكثير منها، ويذكر محمد عمر أن الجرائد التي (ماتت) في الخمس سنوات الأخيرة (1997م ـ 1902م) بلغ (97) جريدة، وهذا أكبر دليل على فشلها!
أما المجلات العلمية التي غرضها تميحص الحقائق التاريخية، وتخليص العلم من كل شائبة، مع ذكر ما اهتدى له العلماء في بحثهم، والحض على بث التعليم والاستفادة، بالطرق النافعة ـ فلا يوجد منها سوى مجلة (المقتطف) التي أنشأها مناضلان وفدا من سوريا إلى مصر، وما زالت هذه المجلة منذ خمس وعشرين سنة تقدم للمصريين أخبار العلم، والعلماء، وأهم القضايا العلمية التي تظهر في العالم لكي تدفعهم إلى حب المعرفة، واقتحام ميادينها.
لكن محمد عمر يعود فيؤكد أنه منذ مدة ست سنوات ظهرت (104) مجلة علمية، ثم ماتت، وكأن لم يكن لها أثر، والسبب قلة استعداد أصحابها لهذا الأمر، وعدم إخلاصهم للروح العلمية الصحيحة، مع النظر لذكر موضوعات في العشق، ووصف للقمر، أو للصحافة، أو للهروب أو حكايات ماسخة لا تغني فتيلاً، وأحيانًا تنشر هذه المجلات مناظرة تمتلئ بالسباب بين المتناظرين، فلا يظهر منها الحق، ولا تتضح المعلومات.
وأخيرًا يذكر محمد عمر أن كل ما هو موجود من هذا النوع من المجلات تسع مجلات فقط، لا ترقى واحدة منها لمستوى مجلة المقتطف.
وأخيرًا يخصص محمد عمر مساحة للجرائد الدينية الإسلامية والتي لا يزيد عددها ـ في عهده ـ عن اثنتين أو ثلاث فقط (ص 181) يحررها بعض متخرجي المدارس، وبعضهم من متخرجي الحرف والصنائع المجتهدين في تحصيل المعارف، وهو يلاحظ على كتابها قلة الثقافة الدينية، وعدم تمكنهم من أصولها ومصادرها، واحتوائها في كثير من الأحيان على موضوعات غير دينية، مع أن أمثال هذه الجرائد مهمة جدًّا لترويض النفوس على التأمل في الدين، وأسرار أحكامه السابقة، والوقوف الحاسم في وجه البدع والمعتقدات الشعبية التي أساءت لمفهوم الدين الصحيح، وهو يستثنى في هذا الصدد مجلة (المنار) التي تقوم بدورها في هذا الصدد، غير أنه ينصح محررها (محمد رشيد رضا) ألا يجعل للشخصيات عليه سبيلاً، وأن يوالي النصح والإرشاد بالتي هي أحسن (ص 181) .
ويختم محمد عمر حديثه عن الصحف والمجلات المصرية بعنوان "خلاصة القول في الجرائد" يقول فيه: "وإجمال القول في الجرائد أنا معاشر المصريين، وبالأخص المسلمين، ليس لنا مجلات علمية بقدر ما للطوائف الأخرى، ولا ما يقاربها وبالأخص السوريين، إذا لا توجد بيننا مجلات قضائية، ولا زراعية، ولا طبية، ولا تجارية، ولا مدرسية.. وإن وجد شيء منها بلغتنا العربية، فإنما هو بأيدي إخواننا السوريين الأفاضل، فلهم في ذلك فضل الأسبقية:
فإن لهم أربع مجلات قضائية، وليس لنا واحدة منها،
وثلاث مجلات زراعية وليس لنا إلا واحدة،
وأربع طبية ولا شيء لنا منها .
وواحدة تجارية ليس لنا منها أيضًا.
ومجلتين نسائيتين، وليس لنا فيها إلا واحدة فقط،
وللإخوة الأقباط مجلة مدرسية، وكان لنا واحدة  مثلما كانت . [يقصد روضة المدارس التي رأس تحريرها محمد عبده]
ثم يعقب محمد عمر على ذلك قائلاً: ذكرنا ذلك بيانًا للفرق، وما نحن عليه من الخمول. ولم يكن هذا الإحصاء منا رجمًا بالغيب، بل هو اعتماد على تقرير مصلحة البوستة، وحسبك به تصديقًا (ص183) .
الوطنية والدين:
يناقش محمد عمر في كتابه الي صدر سنة 1902م، هذا الموضوع الذي سوف يستمر الجدل حوله طوال القرن العشرين، وربما حتى وقتنا هذا، وهو كيفية التعايش بين انتماء الإنسان لوطنه، واعتقاده في دينه، وهل يوجد تناقض بينهما؟ أم أن هناك سوء فهم لمعنى الوطنية، وأهداف الدين؟
ويبدأ محمد عمر بتعريف الوطن بأنه: الجهة التي ينتسب الإنسان إليها بصفته فردًا من أفرادها، خاضعًا لأحكامها ونظاماتها، سواء كان ذلك بحق الولادة أو الإقامة أو الانتساب للأمة.
أما الوطنية فهي الشعور الذاتي برابطة الانتساب التي تجمع بين الإنسان ووطنه ومن يشترك معه في هذه النسبة، أي بوحدة مصلحة الطرفين، ولضرورة السعي إلى رفعته وتقويته والزود عنه رفعة وتقوية وزودًا عن المصلحة الفردية (ص183) .
وهو يؤكد على أن جوهر الوطنية هو وحدة المصلحة، فالوطنية إذن قائمة في الحقيقة على وحدة المصلحة ليس إلا (ص185) والأصح أن يقال إن مصالح الأفراد داخل الوطن تجتمع بحكم الحاجة لقضاء الغرض الذي ترمي إليه، وبالتالي فإن كل مكان في العالم يعتبر وطنًا للذين يعيشون فيه، ويجدون مصالحهم في استثمار خيراته، والتمتع بها.
ويرى محمد عمر أن "انحطاط العلم في الشرق، وفقدان قاعدة البحث في الحقائق جعل الأكثرين فيه لا يفهمون معنى الوطنية كما هو، وجلهم إن لم أقل : كلهم يعتقدون أنها قائمة في جامعة (رابطة) الدين.
نعم إن الدين يقوي تلك الروابط ويهذب ميولها، ولكنه لا يحول دون هذه الجامعة، إن أدرك كل فرد ماهية دينه والغاية الجوهرية منه. وبسبب اعتقاد الشرقيين أنه لا توجد بينهم جامعة (رابطة) حقيقية غير جامعة الدين، فقد زال الاتحاد الوطني من نفوسهم وضعفت وحدتهم، وأخذت في الانفراط" (ص186).
وتحت عنوان "عدم تنافر الدين والوطنية" يحاول محمد عمر تعريف الدين بأنه "عبارة عن اعتقاد بتعاليم خصوصية، لا تتعدى دائرة الضمير وهي قاصرة على علاقة الإنسان بربه، إنما يسن إليه القواعد التي تتعلق بشئونه مع غيره في دائرة علاقاته الأدبية، لا في علاقاته الاجتماعية التي يعود أمرها إلى القوانين النظامية السياسية (ص186).
ومن الواضح هنا أن تعريف الدين عند محمد عمر لا ينطبق تمامًا على الدين الإسلامي، الذي اشتملت تعاليمه على تنظيم حياة الفرد، ليس فقط في علاقته مع الله تعالى، وإنما مع أخوته من البشر (أسرته، وأصحابه، وجيرانه، وزملائه في العمل، والمسلمين جميعًا، وغير المسلمين). لكن محمد عمر كان يحاول تنبيه المصريين في الوطن الواحد إلى مشكلة الفُرقة الناتجة عن التعصب للدين، حتى أن المسلمين في مصر يرون أن الجامعة (الرابطة) التي تربطهم بالمسلمين في كل بقاع العالم أقوى من الرابطة الوطنية التي تجمعهم بإخوتهم المسيحيين في مصر. وهو يقول: "ترانا الآن منقسمين إلى قسمين رئيسيين: قسم المسلمين، وهو حزب العرب وحزب الأتراك، وقسم النصارى وهو الأقباط الأرثوذكس والكاثوليك والسوريين والأرمن وغيرهم. وكل قسم إن لم يكن مهتمًا في إذلال غيره، فهو على الأقل عامل لمصلحة خاصة بدلاً من أي ارتباط بالمصلحة العامة، وهم جميعًا يشتغلون ضد مصلحة أنفسهم، ولخدمة الأجانب الذين لا غاية لهم إلا ابتلاع البلاد وما فيها، وإماتة العواطف الوطنية للإجهاز على ما بقي أو يبقى لأهالي البلاد (ص187) .
ومن أجل تحقيق الانتماء الوطني الصحيح، واللازم للبلاد في تلك الفترة، يدعو محمد عمر إلى: فتح مدارس للبنات في جميع أنحاء البلاد، وجعل المبدأ الأساسي فيها: التربية الصحية بجميع أنواعها، وإكثار عدد المدارس الحالية للأولاد، وإنشاء جامعة في العاصمة، يستحضر لها أساتذة من بلاد لا غاية سياسية لها في القطر، وهو يرى أن السبيل إلى ذلك قد يكون صعبًا، لكنه ليس مستحيلاً (ص189) .
الإسراف، أو ميزانية الهدم في الأمة:
إذا كان الإسراف صفة عامة لدى جميع طوائف الأمة، فإنه لدى المسلمين يختلف عما هو لدى كل من الأقباط، والإسرائيليين (اليهود) ولدى كل من هاتين الطائفتين حرص على جمع الثروة، وتوفير المال، ولليهود مركز مالي عظيم في مصر، يأتي بعده في الدرجة مركز الشعب القبطي. أما المسلمون فإنهم منغمسون في الترف والأبهة والعظمة، والتهور في الملاهي والولائم، إذ قد ورثوا كل زينة باطلة، وكل ما يفضي إلى الإسراف والتبذير والخراب وهم لا يعلمون (ص189) .
ومما هو ملاحظ على الطبقة الوسطى من المصريين أنهم لا يقومون بتدبير أمور معيشتهم على نحو مقتصر، حتى تتاح الفرصة لتربية أولادهم وتعليمهم التعليم الصحيح، كما أن الأجانب أصبحوا يحتلون محل الوطنيين في كل يوم لشيوع العلم فيهم، وشيوع الجهل فينا ! (ص190) .
ويأخذ محمد عمر على المصريين انتشار الآفات التي تذهب بالثروة من بين أيديهم، وأهمها: القمار، والمسكرات، مع أنهما محرمان بالقطع في كتاب الله تعالى، ومنها كذلك: انتشار مقاهي الرقص والخمارات حتى بلغ عددها في القاهرة وحدها (9475) ومعظمها بالطبع مملوك للأجانب.
يقول محمد عمر: "فإذا تساهلنا وفرضنا أن كل خمارة أو بيرة أو قهوة من هذا العدد تبيع يوميًا بنصف جنيه لا غير فإنهم يبيعون في السنة بـ (مليون وسبعمائة وثلاثين ألف جنيه وكسور) ثم لو فرضنا أن سائر محال الخمر والقهاوي في جميع القطر بمقدار ما في العاصمة فقط يكون مقدار ما يصرف في الخمر، وعلى القهاوي والرقص وغيره يساوي مبلغ (ثلاثة ملايين وأربعمائة وستين ألف جنيه وكسور) !
كل هذا المبلغ الذي دونه دخل بعض الممالك الصغيرة في أوروبا يذهب من أيدي الوطنيين إسرافًا وتبذيرًا في شرب الخمر، وعلى التفرج على الرقص والقصف والخلاعة، وعلى القعود على القهاوي. ثم لو زدنا على هذا ما ينفقه الشبان الجهلاء الذين يرثون من المال ما لا يحصى مقداره، ويبذرونه في أماكن المقامرة المستورة وغير ذلك لضوعف المبلغ أربعة أو خمس مرات!
فأي مصري عاقل لا يتفطر قلبه أسى وأسفًا على أمة هذا مبلغ حالتها في التبذير؟! وأي إنسان لا يتحسر على مال ينفق بلا نفع أدبي يعود على البلاد وتربية أبنائها؟! وكيف يؤمل حفظ كيان أمة بغير الثروة، وهي حياة الممالك؟! أو يؤمل لها مستقبل حسن وغاية شبانها وكهولها التبذير والإسراف الذي يزيد البلاد تعاسة وتأخرًا؟! (ص194) .
الغناء والحماسة:
يرى محمد عمر أن الغناء هو "صدى النفس الصادر من أعماق القلب بعد احتكاكه بالعواطف والأحاسيس، وهو الشاهد العدل على الميول الغريزية في الإنسان، والواسطة لتجرد الإنسان عن الأشياء الحسية وتعلقه بأهداب العقليات والتوسع في الأفكار والخيالات لإنماء الشعور وإحياء العواطف (ص194 ، 195) .
وقد عرف العرب الغناء قبل ظهور الإسلام، واستمر بعده، وكان يستخدم في إذكاء النضال لديهم في الحروب، ويهدهد مشاعرهم في لحظات السلم، وقد كان معظمه يشيد بالبطولة ويسمو بالوجدان، ولدينا من نصوصهم في هذا الصدد: الموشحات التي كانت تغنى، وبها من المعاني ما يدل على العواطف النبيلة، والمشاعر الرقيقة.
يقول محمد عمر: والمغْنى ليس بمنكر ولا مكروه، إذ قد ورد عن النبي ، صلى الله عليه وسلم ، أنه سمع نسوة يغنين في وليمة عرس فلم ينكر ذلك عليهن، ونساء الأنصار استقبلنه عند قدومه إلى المدينة بقولهن:

طلع البدر علينا           من ثنايات الوداع

وجب الشكر علينا       ما دعا لله داع

ولم ينكر ذلك عليهن ، صلى الله عليه وسلم ، وفي سير الخلفاء حكايات كثيرة عن حضورهم مجالسه، وقيل إن عمر بن الخطاب سمع الغناء فما أنكره، مع ورعه وتقشفه وصلابته في الدين، ويذكر في كتب السير أن عبد الله بن جعفر وكان يجلس للسماع (ص196 ، 197) .
ويبين محمد عمر أهمية الغناء وضرورته في حياة الفرد والمجتمع، فيقول: وللغناء عمل كبير في تلطيف الوجدان، وترقيق الشعور مما لا ينكره ذو إحساس، وما من أمة مرتقية أو منحطة أو همجية إلا ولها نصيب منه على حسب استعدادها وارتياحها، والغناء انتعاش للنفس وارتياح للجسم، وتأثيره يكون أحيانًا كالغذاء بعد طول شقاء، ولذلك تستعمل الأغاني في الأفراح والحروب وتعالج المرضى بها، وتستعمل في المآتم وبيوت العبادات، ولا توجد أمة أميل إليها من أمم المشرق، إذ تاريخ الغناء فيهم أقدم ، وهم فيه أعرق وأكثر ارتياحًا، يستحثون بها البطل في حومة الوغى ليدافع عن وطنه وأمته، كما يسكتون بها الطفل عند بكائه، وعند صراخه، فيسكن لها ويرتاح لسماعها، وشاهد ذلك ظاهر فيما لو تأمل القارئ في طفل تسكته أمه بأنشودة (ص197) .
لكن محمد عمر يأخذ بعد هذا العرض لأهمية الغناء في الحديث عما آلت إليه حاله في مصر، فيقول: "إن حال الغناء عندنا مُذهب بالشهامة، مقعد للحماسة، مضيع للمروءة، مفسد للأخلاق، يربي في النفس السكون والاستسلام والضعة ، بالإضافة إلى حثها على مخالفة الآداب وحث المرء على حسو للخمرة ومداعبة النساء، وهذا الجاري في أغاني عهدنا الحاضر (198).
وهو لا يرى أن أغاني الرجال التي انحطت في ألفاظها ومعانيها لا تتميز بشيء عند أغاني النساء في بعدها عن الكمالات، وفي تورطها في قلة الأدب إلى حد السفاهة، أو دون ذلك (ص198) .
وهو يورد نص أغنية مما تنشده النساء في الأفراح المصرية دليلاً واضحًا على ذلك (ص198) .
ومما ينبغي الإشارة إليه، مقابلة محمد عمر لأمير الشعراء أحمد شوقي، وحثه على كتابة بعض النصوص الحماسية، لإيقاظ روح الأمة، يقول:
"وقد قابلت شاعر الشبيبة المصرية أحمد بك شوقي، وشكوت إليه سوء حال الأغاني العربية، ورجوته أن يضع بعض أدوار لتكون سببًا لإيجاد روح الحماسة في الأمة، فوعدني خيرا، فعسى أن يكون ذلك قريبًا، ليذهب عن الناس تنفس الصعداء وقت سرورهم وأفراحهم. (ص198) .
حاجة الشبان:
من الملاحظ أن محمد عمر لا يكاد يترك جانبًا من جوانب النهوض بالأمة، وخاصة لدى شبابها، إلا وحاول أن يحث المصريين على الأخذ به، وهو يختم الحديث عن الطبقة الوسطى في مصر بالتنبيه إلى ضرورة إتاحة أماكن للرياضة والتريض،تكون فسيحة المساحة صحية الهواء، لكي يمارسوا فيها الرياضة البدنية التي تحفظ أجسامهم من علل الكسل والترهل والاسترخاء.
ومما يرصده محمد عمر من عيوب أن الشاب المؤدب الملتزم بالخلق القويم لا يكاد يجد مكانًا يجتمع فيه مع أمثاله بعيدًا عن دور الفسق والمجون، خاصة وأن البيوت لا تتسع لاجتماع مثل هذا الشاب مع أقرانه لكي يمارسوا فضيلة الرياضة البدنية، والأحاديث النافعة والمفيدة، ولا يوجد أفضل لذلك من النوادي الرياضية والاجتماعية، شبه المعدومة في مصر.
كذلك كان الشباب المصري بحاجة إلى إنشاء مكتبات للمطالعة حيث لا يتجاوز عددها في القطر كله عدد أصابع اليد الواحدة !
وأخيرًا يحذر محمد عمر من عدم إقبال الشباب على الزواج من البنات غير المتعلمات، لاختلاف الميول والثقافة، ويقول بكل صراحة: "إن قلة الزواج في الأمم دليل على انحطاطها" (ص202) .


ثالثًا وأخيرًا.. طبقة الفقراء؟
يتساءل محمد عمر في عنوان له دلالته: من هم الفقراء؟ ثم يجيب عن هذا التساؤل قائلاً: إنهم
- من الوجه الاجتماعي: هم الأمة كلها، لاحتياج الناس بعضهم إلى بعض.
- ومن الوجه الأدبي: هم مظهر البلاد: عوائد واصطلاحات وعواطف وإحساسات.
- ومن الوجه المادي: هم معاملتها وعملتها الدارجة.
- ومن الوجه المعنوي: هم سمعها وبصرها وعصبها الحساس.
- ومن الوجه المدني: هم سورها المحيط بها.
ثم يعقب على ذلك قائلاً: "فتعال معي أيها المصري، أو أيها الإنسان المهذب الغيور على أمتك وبلادك، أو الغيور على بني الإنسان في كل بلاد العالم، وألق نظرة إلى كل وجه من هذه الوجوه، واشفعها بنظرة إلى حالة الفقير في البلاد المصرية، وقل معي- ولكن في أذني - لأني واثق بأنك سترى ما رأيته، وتقول أستحي أن أجهر به أمام الناس:
شعب ولكنه ليس بحي، ومظهر يدل على الجهل . معاملة سيئة، وعملة زائفة. آذان لا تسمع، وعين لا تبصر، وعصب لا يحس . سور ولكن يا للأسف لا يحفظ ما أحاط به، ولا يدفع عنه أذى ! (ص203) .
ثم يقول: "إذا وقفت على ذلك، فهل من دواء لهذا الداء العضال المهلك للأمة بأسرها؟ - أجل، ولكن يلزم معرفة السبب حتى يكون الدواء نافعًا للداء، سبب ذلك هو الجهل ولا دواء له إلا العلم. فأجمل ما فصلت، وقل في تعريف الفقير المصري: هو الجاهل، وناد معي بين ذوي الأموال أصحاب الشهامة والغيرة على الإنسانية مستصرخًا مستنصرًا لهذا الجاهل، لعل هذا الجزء الغني الصغير يرحم نفسه بالإبقاء على هذا الجزء الفقير الكبير الذي هو مظهره وسمعه وبصره وعصبه وعملته وسوره ـ ولا تكون مبالغًا إذا قلت: حوله وقوته بل حياته!
فاسمع لأقص عليك أحوال هذا الفقير الاجتماعية واحدة واحدة، كما هي بدون زيادة - من ساعة ولادته إلى حين موته من تربية وتعليم، إلى غير ذلك مما ستسمعه وتقول: ما أنبئت بمثل هذه الجهالات في الغابرين!! (ص203 ، 204)
زواج الفقراء:
المصري الفقير يتزوج وهو صغير السن، وكذا المصرية، والدافع لزواجهما في صغر السن أغلبه ميل الأب والأم لستر عرضهما في حياتهما ليطمئن خاطرهما، وهذا سبب ما نراه فيها - وهما كهلان - من أنهما آباء وأمهات لعائلات كبيرة وأفراد كثيرين.
ويرصد محمد عمر العديد من العادات المصرية في حالات: الخطبة، التي تنم غالبًا عن طريق الخاطبة لعدم سماح الأهل للخاطب برؤية الفتاة (حينئذ) والفرح الذي يتسم بسعادة الأهل رغم بساطته، وعقد الزواج الذي يسجله مأذون، محددًا فيه ثلثي المهر العاجل، وثلثه الآجل، والهدايا التي يتلقاها الزوج من الأقارب فتساعده، لكنها تصبح ديْنا عليه لأصحابها عندما يزوجون أولادهم.
ولا يقتصر الفرح على يوم واحد، بل تسبقه عدة أيام: ومنها الحنة، التي يقوم بها أهل العروس، ثم الزفاف الذي يجتمع فيه المصارعون، والطبالون، والراقصات، "وأحيانًا كثيرة تجد جماعة ينشئون قهاوي الحشيش على عربات النقل معرشًا عليها بسعف النخيل، وغير ذلك مما هو دال فيهم على حب الهوى والميل إلى التهتك وما يشمئز منه المرء العاقل، ويداري وجهه وحياء" وتؤدى الزفة في كثير من "الزفات" إلى مشاجرات ومشاحنات بين الشبان تنتهى إلى ما لا تحمد عقباه!
وعندما تصل العروس إلى بيت العريس، تبدأ في استقبال المدعويين، وتتقدم "الماشطة" لتضع في حجر العروس "شاوره" وهي عبارة عن قطعة قماش مشغولة الأطراف بالمقصب؛ لكي تستقبل فيها "النقطة" التي تستولي عليها الماشطة، ثم العالمه بعد ذلك، وبعد تناول الطعام يدخل العريس على عروسه فيقدم لها هدية "كشف الوجه" ثم "يلف" الشورة على إصبعه السبابة، وهي خام بوبرها الخشن، ويمسكنها له الماشطة والأقارب، فإذا مانعت أو جفلت يستنجد الزوج بهن فيشدونها إلى سريرها ويمسكنها قسرًا بأيديهن من اليدين والرجلين ليتمم هذا الجاهل عادة يحسبها فخرًا له. وهي في الحقيقة إهانة له وضرر لزوجته، وربما كانت سببًا لشقائها الأبدي، فإن كثيرًا من النساء يصبن من هذه العادة بأمراض عصبية ورحمية تقلق راحة المرأة طول حياتها، وأقرب شيء تصاب به العرائس من هذا الفعل الوحشي داء الهستيريا (الصرع) وسببه الجهل المطبق، وتملك العادة: وإن شئت فقل: سوء الظن في بكر، يعلم الله أنها مصونة العرض (ص207 ، 208) .
إنني أذكر من جانبي هذا النص بطوله عن محمد عمر؛ لكي أؤكد مرة أخرى على بشاعة هذا العمل الذي كان ـ وما يزال في الريف عندنا حتى الآن يجري على أنه عادة راسخة من عادات المصريين في زواجهم، والواقع أنه انتهاك لحقوق المرأة وآدميتها!
ثم يتابع محمد عمر حالة المعيشة بين الزوجين الفقيرين، وهي إما أن تسير وتستمر بالتوافق، أو تضطرب نتيجة عوامل كثيرة، من أهمها ذلك الصراع الأبدي بين الزوجة وأم الزوج، وكثيرًا ما ينتهي الأمر بأن ينحاز الزوج لجانب الأم، فينتهي الأمر بتطليق زوجته، والزواج من أخرى، يقول محمد عمر: "والفقراء في هذا القطر يميلون كثيرًا للإكثار من الزواج، وخصوصًا أهل القرى منهم، فإن العامل الذي لا يكسب قوت يومه إلا بشق النفس يجمع بين زوجتين أو ثلاثًا أو أربعًا، وإذا طلق واحدة منهن تزوج بغيرها على الأثر، فتكثر عائلته، وتقل حيلته، وتفسد معيشته، فيعامل بسوء المعاملة، وخشونة الطباع، حتى إن بعضهن يتمنين الموت تخلصًا من شراسة الأزواج! (ص210) .
وإذا كان الطلاق أمرًا صعبًا على كل من الرجل والمرأة، فإنهما لا يتصرفان فيه بالحسنى، وخاصة من جانب الرجل الذي يمتنع عن دفع النفقة لمطلقته وأولاده منها، فتضطر إلى اللجوء إلى المحاكم الشرعية، وهذه بعد أن تحكم لها لا يتم في الأغلب تنفيذ الحكم! ونتيجة لذلك فقد ظهرت ألاعيب كثيرة، ومفاسد، منها أن بعض الزوجات يتركن أزواجهن بدون طلاق، وقد تتزوج من غيره، والمأذون في هذه الحالة يتواطأ لتسهيل هذا الأمر المحرم (ص211).
ويشير محمد عمر إلى ما ينتج عن ظاهرة الطلاق، المتفشية بكثرة في "قطرنا السعيد" من سلوك المطلقات الفقيرات اللاتي لا يقدرن على نفقتهن إلى إذلال أنفسهن للتسول في الطرقات، أو ارتكاب الفاحشة، ودخول بيوت الفجور(ص212) .
أما الأولاد المتأثرون بطلاق الزوجين فهم الذين يملأون الشوارع مشردين لا عمل لهم، وهذا ما دفع الحكومة إلى معالجة مشكلتهم بسن لوائح للمتشردين، وإنشاء السجون للأحداث.
وفي النهاية يستعين محمد عمر بنصيحة الشيخ محمد عبده التي وجهها للحكومة المصرية في تقريره عن إصلاح المحاكم الشرعية والذي لم تستجب له مع الأسف الشديد ! (ص213 ، 214) .
الفقراء وأطفالهم:
لكن إذا تماثلت الطباع، وتآلفت الأمزجة بين الزوجين الفقيرين فلم يحدث طلاق، ولا تعدد زوجات، فإنهما يعيشان معًا إلى ما شاء الله، ومع ذلك فإنهم ينجبون في العادة أولادًا ضعافًا مهازيل، لا يلبثون إن يصابوا بالكساح ومختلف الأمراض، نتيجة عدم العناية الطبية السليمة بهم، وضعف قدرة والديهم في الإنفاق اللازم على شئون معيشتهم.
الأم هي التي تسمى أطفالها، بناء على عادة غريبة، حيث تضيء ثلاث شمعات تعطي لكل منها اسمًا، والتي تظل أطول وقت من غيرها هي التي يتسمى الطفل باسمها، وعندما يبدأ الطفل في الكلام يكون ما يرد إلى سمعه ألفاظ الأم البذيئة والقبيحة، فيكبر متعودًا عليها، ولكي تضمن الأم طاعة الطفل تقوم بحكاية العديد من الخرافات المخيفة التي تستقر في ذهن الطفل طوال عمره، وخاصة عن المارد والمزيرة والعفريت.. إلخ. فيستقر في شخصيته الخوف والجبن  والرعب، حتى إنهم لا يمكنهم الانتقال ليلاً ونهارًا خطوة إلا مع أحد خوفًا من أقل حادث يفزعهم (ص217) .
ولا شك أن خرافات التخويف التي بملأ بها الفقراء أذهان أطفالهم تسبب لهم في كثير من الأحيان الأمراض العصبية والتشنج، كما أن جهلهم بالظواهر الطبيعية يؤدي بهن إلى معتقدات فاسدة، ومنها تشاؤمهم من خسوف القمر، وجعل الأولاد يقرعون على أغطية الحلل والصفائح، وكذلك كسوف الشمس، التي على زعمهم تجرها الملائكة على عجلات، ثم يغرقونها في البحر، فيبتلعها حوت ! (ص218).
أما نظافة أولاد الفقراء فهي منتشرة في مصر كلها، ومعظم الأمراض التي تصيب الأطفال وهم في السنة الأولى من عمرهم ترجع إلى إهمال الأمهات أطفالهن يتمرغون في التراب ، وبدلاً من اللجوء للعلاج الطبي، يضعون على صدورهم خرزة حمراء لكي تحميهم من العين !
وقد أثبت الإحصاء أن أكثر من تسعين في المائة من هؤلاء الأطفال يصابون بأمراض العيون بسبب الإهمال.
ونسبة وفيات الأطفال في مصر أعلى من أي بلد آخر في العالم، والسبب في ذلك عدم توافر وسائل النظافة، والتهوية، وبناء الأكواخ من الطين الذي يجذب الحشرات الضارة، وحولها أكوام القمامة التي يعيش فيها الذباب والبعوض.
يقول محمد عمر: "ومن الغريب في أغنياء مصر أنهم يجاورون هذه المساكن بقصورهم المشيدة، وينظرون كل ساعة للفقراء وهم بهذه الحالة، ولا تأخذهم رحمة بهم، كأن هؤلاء ليسوا من لحم سكان القصور ودمهم، أو بالحري كأن قد عدمت منهم الإنسانية فهم لا يتأثرون ولو علموا الواجب لبنواْ للفقراء مساكن صغيرة صحية بدلاً من تشييد صروح ضخمة فخيمة، تسكن شهرًا وتهجر دهرًا (ص219) .
وهكذا يرى محمد عمر أن أمور الفقراء تتوالى في هذه السلسلة: جهل يدفعهم إلى إهمال النظافة - انتشار أمراض وأوبئة - تدهور حال الصحة وفساد الأخلاق! ثم يتطرق محمد عمر إلى أساليب تطبيب الأمهات الفقيرات لأطفالهن وكيف أنهم في سن الطفولة معرضون أكثر من الكبار لأمراض كثيرة، لو كانت الأمهات على وعي بها، وبالأسلوب الطبي الصحيح لعلاجها لتم إنقاذ هؤلاء الأطفال منها، ولكن الأمر يجري على العكس تمامًا، فإنهن يلجأن إلى الشعوذات المنتشرة في المجتمع المصري، وذلك بأن يلجأن إلى الرقية من رجل يمر في الحواري لشفاء مرض لا يتم الشفاء منه سوى بالأدوية، كما يلجأن إلى الأضرحة للاستعانة بأصحابها المتوفين فى علاج أطفالهن، ولو أن أهل اليسار بعد الحكومة تعاونوا في بناء المستوصفات في الأحياء الفقيرة لقضي على هذه الثقافة المتخلفة، التي يورد محمد عمر بعض أمثلة من غرائبها (ص221 ، 222) .
تعليم أولاد الفقراء:
يؤكد محمد عمر أن أولاد الفقراء، الذين هم أولاد كل الأمة، يوجد فيهم الأذكياء، والمتطلعون لاكتساب المعرفة، والتفوق في استخدام المهارات ، لكنهم مع الأسف لا يتاح لهم التعليم الجيد، أو حتى المناسب الذي يمكنه أن يخرجهم من حالهم المذري إلى حال أنظف وأرقى.
ويتعرض محمد عمر إلى حال الكتاتيب التي تكاد تكون هي المتاحة لأولاد الفقراء، حيث يحفظون بعض أجزاء من القرآن الكريم، إلى جانب القليل من اللغة العربية ومبادئ الحساب، لكن هذه الأمور لا تجري إلا في بيئة غير صحية ولا صحيحة على الإطلاق، وهو يصف بالتفصيل حال الكتاتيب، وما يدور فيها من طرق التعليم التي تختلط بالكثير من الأخلاق الفاسدة، يقول: "والخلاصة أن ما يسمونه الكتاتيب مفسدة للأولادة في صغرهم، مفسدة لتربيتهم وصحتهم؛ لأن في الكتاتيب لا يتغذون جسمًا ولا روحًا، وفي شربهم يشربون من داخل (بلاليص) من فخار في وسطها غابات البوص يمتصون الماء مناه مصًا، وهي واسطة عظيمة أيضًا لنقل عدوى الأمراض والعاهات بسرعة، وأخص ما هم معرضون له من الأمراض: مرض القراع، والبرص، والقوبة، والجرب، وغير ذلك (ص225 ، 226).

كتب الفقراء:
يرى محمد عمر أنه إذا كان للأغنياء والطبقة المتوسطة كتب يغذون بها عقولهم، ويتابعون منها ما يطرأ على العلوم والآداب، فإن الفقراء لهم كتب بذيئة يتعلمون منها السفاهة، يؤلفها لهم السفهاء والحشاشون ، وهي مملوءة بصور هزلية قبيحة يقطر منها القبح وقلة الحياء، وهي المفسدة للأخلاق فيهم.. ويصدر منها كل يوم شيء جديد، حشوه قلة الأدب والسفاهة والبعد عن المبادئ القويمة (ص229) .
ويذكر محمد عمر عددا من عناوين الكتب التي تطبع، ويقبل عليها الفقراء ، ويكفي أن نذكر هنا بعضها للدلالة على نوعية الثقافة التي يتزودون بها:
كتاب رجوع الشيخ إلى صباه، كتاب منغظ العنين ومغني عن المعاجين، كتاب الإيضاح في علم النكاح، قصة الفلاح مع الثلاث نساء، عفريت الشوام، نوادر جحا، القاضي والحرامي، خضرة الشريفة، على الزيبق، تسالي رمضان القبيحة، بدع بطة.. وهذا الكتاب الأخير طبع ست مرات في أقل من شهر واحد! (ص230) .
لذلك، يدعو محمد عمر الحكومة إلى ضرورة التدخل للحد من هذا السيل المدمر، لكي تحفظ على طبقة الفقراء كيانهم الثقافي، وتحول دون تدهورهم الأخلاقي، الذي تنعكس آثارة السلبية على جسد الأمة وروحها معًا.



من أخلاق الفقراء:
يلاحظ محمد عمر أن أخلاق فقراء المصريين، بدلاً من أن تسودها المحبة والتآخي فيما بينهم لكي يستطيعوا بها أن يواجهوا قسوة الحياة وشظف العيش، فالذي أصبح يغلب عليهم هى العداوة والشحناء حتى كثر بينهم الشجار لأدنى سبب، وعلى ذلك نشأ أطفالهم وكبروا وهم يحملون هذه العداوة وعدم التعاون، حتى أصبحوا منبت البغض، واشتهرت عنهم آفات الكذب والخيانة والخداع (ص231) .
ويقارن محمد عمر بين عدم تعاون المصريين الفقراء فيما بينهم لكسب معايشتهم بالوافدين الفقراء على مصر الذين يتضامنون فيما بينهم لكي يحتكروا حرفة معينة، أو مكانًا ما، مثل مسح الأحذية في المقاهى (ص232) .
ويتوقف محمد عمر طويلاً عند خلق أو داء الجبن الذي أصاب الأمة المصرية في كل طبقاتها، وظهر بصورة أوضح في طبقة الفقراء، ويعرف الجبن بأنه: قعود النفس عن الإقدام على الأمور، ولو كانت محنكة، لضعف متسلط عليها، وانخذال في النفس عما فيه مصلحتها ومنفعتها. وهو يرى أن الجبن في الأمة المصرية (وراثي) من قرون مضت، وعصور خلت، وسبب ذلك : الضغط والاستبداد الذي أتته الهيئة الحاكمة. لكنه يعود فيؤكد أن الشعب المصري ذو إقدام وحب للتقدم، لو لم تصل إليه أيادي الأقوياء من الأجانب، والدليل على ذلك ما فعله هذا الشعب بقيادة إبراهيم باشا الذي جاب الآفاق، وبث الرعب في نفوس الأوروبيين حتى تكالبوا عليه ـ رغم اختلافاتهم ـ لكي يوقفوا زحفه وتقدمه.
ويؤكد محمد عمر على أنه لا يوجد بين الأمم: أمة فعل بها الاستبداد فعله الذريع مثل الأمة المصرية، كما أنه ليس بين الأمم أمة أقام فيها الذل والهوان مثلها، وهو الذي أورثها الخمول، فتأصل فيها مرض الجبن والوهن بامتصاص دمائها وهي داخلة في قيود الاستبداد، حتى اشتهرت بالقهر والغَلَب على أمورها، وعلم عنها أنها الأمة الميتة، المندثرة وجودًا.
ومن الجبن تفرعت عدة أخلاق لدى المصريين عمومًا، والفقراء منهم على نحو خاص، ومنها: رسوخ الخرافات والأوهام البعيدة عن مجريات الواقع وقوانينه العلمية، وشيوع الجهل بأصول التربية الصحيحة، والاستنامة للأوهام وأضغاث الأحلام في اليقظة، حتى تعودوا على الرعب من لا شيء، والتخوف من لا خوف، والرهبة والانزعاج من لا قوة ولا صوت ! (ص235) .
والفقراء دلائل جبنهم ظاهرة في جهلهم وخوفهم وتحصيل معاشهم، وكلامهم وأخذهم وعطائهم، وفي مقابلتهم بمن يكون أعلى منهم مرتبة (ص236). وينتهي محمد عمر ـ بعد هذا التوصيف القوي والصادم ـ بأن الجبن: داء الفقير، كما هو سمير الغني، وهو سبب من أهم أسباب الانحطاط المشاهد في أمتنا المصرية عمومًا، وفي الإسلامية خصوصًا، بعد ما كانت ذات بطش شديد وساعد قوي (ص237) .
حِرَف الفقراء وصناعاتهم:
يرجع محمد عمر أسباب استمرار حال الفقراء المصريين على ما هو عليه منذ مئات السنين إلى أمرين: هي فقد التربية، وضعف الاعتناء بشأنهم "ولذا ترى فقير اليوم كفقير الأمس هو هو، يأكل خبزه بالكسل، ويلبس لباسه بالخمول، لا يعرف الشهامة والإقدام، بل غاية ما يعرفه لتحصيل قوته وملبسه صغار النفس وقعود الهمة عن السعي لعلمه أن ما تسوقه إليه العناية والقدرة هو رزقه لا غير، ولا سبيل للاستزادة منه" (ص237) .
ويستمر محمد عمر في لهجته القاسية على الفقير المصري، فيرى أنه بالإضافة إلى كسله وقعود همته، يترك معظم أموره للصدفة". ولا يحاول الاستفادة من معرفته الأقوى بأحوال بلده مقارنة بالأجنبي أو الوافد الذي لا يصل أبدًا لمثلها، ومع ذلك ينجح في استغلال الظروف، ويتفوق في عمله.
ويرى محمد عمر أنه ما دام الفقير المصري مقيمًا على كسله المشاهد، وقوانينه المنظور، فلا حق له في الشكوى من سوء حاله الحاضر ما دام هو الكسول في حركاته وسكناته، وقد صار أهلاً لأن يقصيه ذوو العمل وينبذونه عنهم، وهو القليل المروءة نحو نفسه، القليل المنفعة لبلده، المستعيب وسخ اليدين، النافر عن رزق عرق الجبين (ص238) .
والواقع أن محمد عمر يدهشنا بمحاولة استقصائه لحرف الفقراء التي يمارسونها، والتي تكاد تنحصر في بيع أصناف المأكولات القليلة الثمن والربح، ثم هم بعد ذلك ينقسمون إلى رجال ونساء :
فالرجال يبيعون الكبريت، والكتب، والأحذية، والحلوى، وعلائق الثياب (الشماعات) والفستق ، والبطارخ، والأثمار، والأقمشة، والجبنة، والسميذ، والجرائد، والفول السودانى ، والزيوت، والتمر هندي، والفخار، وبيع الصفافير، والأساور (وكل حاجة بقرش صاغ)!
أما النساء فيبعن الأزهار والأقمشة وماء الورد والأثمار واللبن والعسل والمسلى.
ويطوف الكل: رجالاً ونساءً حاملين ذلك طول نهارهم على أمل    الكسب منه.
وهنا يعقد محمد عمر مقارنة طريفة بين تعب هؤلاء وكدهم وحملهم تلك البضائع الثقيلة أو دفعها، وبين ما يربحه ولد يهودي يبيع عدة أوراق يانصيب، فيكسب أكثر منهم جميعًا! (ص 239) .
أما الأمر الأهم فهو أن هؤلاء الباعة من الفقراء بينما يكدحون وراء بيع ما معهم من البضاعة الزهيدة القيمة ، يتركون أطفالهم يطوقون الشوارع والطرقات بهيئة رثة كئيبة، وأينما مررت أو أينما حللت ترى زمرًا من أولئك الأولاد منتشرين بحالة يرثى لها، وهم يتراكضون ويتضاربون على كسرة خبز، أو فضلة طعام، أو عقب سيجارة! (ص239) .
وحين يكبر هؤلاء، وهم غير مؤهلين لأي عمل معتبر، فإن غاية ما يقومون به كسب معاشهم: حرفة مسح الجزم أولاً، وإذا ساعدتهم الفرص فإنهم يعملون مكارين (حمارة) وحمالين، وحوذية، أو يأخذون في التجوال في الحوراي ويعملون (جعيدية) وهم الذين ينقرون على الدف، وينشدون قصص (الغزالة والجمل) أو (قصة خضرة الشريفة) أو (صبر أيوب).. إلخ (ص240).
ويقدم محمد عمر إحصائية لا تخلو من فائدة عن أعداد المشتغلين بتلك الحرف المتدنية في القاهرة وحدها عن عام 1901، كالآتي:
- ماسحو الجزم     1262
- المكارين (الحمارة)    1400
- الحمالين        1087
- الحوذية (عربجية الركوب) 2500
- عربجية النقل    6500
لكن محمد عمر يعود فيتوقف قليلاً عند صنفين من النساء والبنات الفقيرات، وهن بائعات البرتقال والبلح، والمستخدمات في معامل الدخان.
أما بائعات البرتقال والبلح، فإن البنت منهن تبتدئ في بيع ما لديها وتكون في أول عهدها حريصة على ستر وجهها أن يظهر فتضع عليه النقاب خجلاً وحياء، ثم لا يمضي عليها قليل زمن حتى تتركه وتمشي في الأرض مرحًا بغير نقاب، ثم تبتدئ في تعلم النكت والهزار، فلا يمر عليها عابر طريق من حوذي أو حمّار إلا وتنافسه النكتة، حتى رجال البوليس في دوريتهم، وعلى هذا المسلك تجري بقية البائعات من النساء إلى أن يضبطن في محال الخنا والفجور.
وأما البنات اللواتي يستخدمن في معامل الدخان فهن شر البنات سيرة، وأرذلهن سريرة، إذ يحكي أن منهن عددًا كبيرًا متزوجات بشبان الأروام زواجًا غير شرعي (ص241 ، 242) .
وبالنسبة إلى الصناع الفقراء، فهم معذورون من ناحية لقلة المعامل والورش الصناعية في قطرنا العزيز، بسبب عدم وجود التعاون في بلادنا المصرية (كذا) وقعود ذوي الأموال عن تنشيط الصناعة فيها، أما من ناحية أخرى فإن هؤلاء الصناع ضعاف الميل والعزيمة في أداء العمل الي يناط بهم، كثيرو الكفر بنعم مستخدميهم، بل إنهم يكرهونهم ويحقدون عليهم.
ويلاحظ محمد عمر على الصانع المصري الفقير عدم تذوق لذة العمل التي تجعله يحرص على الإجادة فيه، إلى جانب عدد من الصفات الأخرى    مثل الجرأة على الكذب، والغش، والاحتيال.. أما أهم ما يخصهم فهو الإخلال بالمواعيد: "ولنا مثال على ذلك في عنابر بولاق وورشها والورش الأخرى،    إذ ترى كل هؤلاء الصناع لا يحافظون على الوقت بينهم، ولا يعرفون له   قيمة، وكثيرًا ما أقدموا على الشروع في عمل قبل أن يتموا الذي قبله وأخلوا بترتيب أعمالهم، وهو من أشد الأمور لزومًا للصانع عند تكاثر الأعمال (ص244).


الدين والتعصب عند فقراء المصريين:
يرجع محمد عمر كل المصائب التي لحقت بالمسلمين، منذ ابتداء تقهقرهم حتى الآن، إلى سبب رئيسى واحد هو "جهل فقراء المسلمين بحكم أوامر ونواهي دينهم الحقيقية" ومنشأ هذا السبب يتمثل في عدم وجود رابطة أو هيئة عامة في مركز الخلافة الكبرى تضم أكابر أئمة الإسلام، لكي تجمع كلمتهم على حقيقة المراد من تلك الأوامر والنواهي، بالبحث والاجتهاد والتفسير بكل إخلاص، وترسل فتنشر نور تلك الحقيقة في العالم الإسلامي ليهتدي به، وتتوحد أفكاره، فتكون وجهته واحدة في كل أحواله الدنيوية والأخروية (ص245) .
ونتيجة لغياب مثل هذه الهيئة الدينية المركزية الموحدة أصبح في كل قطر من أقطار الإسلام، بل في كل بلد، بل في كل حارة من دعاة الضلال المدعين التفقه في العلم، المشتغلين بالدين حرفة للتعيش، من يقومون بتكريس جهل المسلمين، وتفريق أغراضهم، وبث روح التعصب المقيت فيهم. والواقع أن الإخوة الأقباط الذين يتهمون المسلمين بالتعصب فيهم أيضا متعصبون، وكلا الفريقين واقع في الجهل بحقائق دينهم، ودخول البدع فيه،وتمسكهم بها ، ووضعهم إياها موضع الدين الصحيح "فلا تعصب عندنا معاشر المصريين، بل هو جهل عم الكل، يرمون به بعضهم مزينًا باسم الدين،والدين منه برئ؛ لأنه من دعائم التوحش، ومن دواعي الجفاء بين أهل الوطن الواحد (ص246) .
ويحاول محمد عمر الرد على دعوى تعصب المصريين المسلمين فيقول: إن الإرساليات التبشيرية تعمل في مصر بكل حرية، وعددها أكبر من أي إرساليات في أي بلد آخر من العالم، لكن عندما يتم إسلام شخص مسيحي، لغرض دنيوي، يهب المسيحيون فيتهمون المسلمين بالتعصب، ويصرح محمد عمر بأن مثل هذا الشخص "لا المسيحية تبكي عليه، ولا الإسلام في حاجة إليه"، ولو أدرك الفريقان حقيقة دينهما لوجدا أن الله تعالى، هو وحده الذي يحميها" وإلا فلا دين محمد يعتز بنفر أو نفرين، ولا تخور همة دين السيد المسيح من ذلك" (ص249) .
حاضر أهل الطرق الصوفية:
التصوف الإسلامي الحقيقي مختلف تمامًا عما يفهمه المسلمون اليوم، وعلى الرغم من أن أعلامه ومؤلفاته موجودة لدى المسلمين إلا أنهم لا يقرأونها، وإذا قرأوها لم يعملوا بما فيها، يقول شهاب الدين السهروردي: "إن الصوفي من يضع الأشياء في مواضعها، ويدبر الأوقات والأحوال كلها بالعلم، يقيم الخلق مقامهم، ويقيم أمر الحق مقامه، ويستر ما ينبغي أن يستر، ويظهر ما ينبغي أن يظهر، ويأتي بالأمور في مواضعها بحضور عقل وصحة توحيد وكمال معرفة، ورعاية صدق وإخلاص" ويعقب علي مبارك في خططه بعد أن ذكر هذا النص: "أقول: فمن كانت هذه صفاته يستحق أن يقتدي به، بقوله وفعله، ونحن جميعًا نود أن تكون هذه الصفات لصوفية عصرنا، المنغمرين في نعم خير بلادنا"(ص 349) .
ويأخذ محمد عمر في تعداد المظاهر الخارجة عن التصوف الحقيقي، وكذلك عن الدين الإسلامي لدى المتصوفة، ومنها:
- إقامة الموالد التي بلغ عددها في السنة الواحدة بالقاهرة وحدها ما يقرب من الثمانين!
- التظاهر في الشوارع بحمل الرايات، والصياح والتصفيق.
- تفريق المسلمين إلى أتباع طرق متباينة ومتعصبة (رفاعية، أحمدية، برهانية...إلخ).
- ارتداؤهم زيًا رثًا مرقعًا لجذب الانتباه، وتحصيل المنافع.
- تحويل الكثير من المساجد إلى مراتع لهم، يأكلون فيها، ويملأونها ببقايا الطعام.
- ما يحدث في الموالد من الموبقات: سرقة، وخطف، وشرب مسكرات، وتعاطي مخدرات.
- إقامة الذكر وهم يسارقون النساء النظر، ويقبلون صغار الأحداث، وينشدون أغاني فاحشة (صفحات 252-257) .
ويورد محمد عمر صيغة إعلان منشور بالجرائد لأحد البارات بمناسبة إقامة أحد الموالد لنقف منه على مدى ما وصل إليه التدهور في تصورات المصريين للتصوف الزائف الذي كان منتشرًا في ذلك الوقت:
(نص الإعلان: سيحتفل محل سبتية بار، أمام المحطة، بإحياء ليلة باهرة احتفالاً بمولد سيدي الأستاذ المدبولي، وقد زين المحل بأنواع الزينة، وستقام الألعاب النارية من الساعة السابعة مساءً إلى الساعة الثانية عشرة، وذلك مساء يوم الجمعة، أي ليلة السبت، وقد أحضرت مشروبات من أحسن نوع، وعلى كل ستكون هذه الليلة من ألطف الليالي وأبهجها: قسطندي نعوم) !! (هامش ص257).
لقد ساعد الصوفية المتأخرون على إفساد عقائد المسلمين البسطاء، وخاصة الفقراء، الذين هم كل الأمة، وجعلهم ذلك يتخيلون خيالات باطلة، وأوهامًا ساقطة، فأصبحوا يرقبون الأولياء ويخشونهم أكثر مما يرقبون ويخشون الله !
ويختم محمد عمر حديثه عن هذا الموضوع، بدعاء طيب، نعيد من جانبًا الدعاء به: "نسأل الله أن يبعث من يجدد للعامة دينهم، ويثقف عقولهم، ويحول بساطتهم ووساوسهم إلى عقائد حسنة، تصلح بها أخلاقهم وآدابهم" (ص257).
الأعياد والفقراء:
على الرغم من أن العيد يعتبر فرصة جيدة للإحساس بالفرحة، والتواصل بين الأهل والأصدقاء، وشيوع المحبة والتواد بين أهل الوطن الواحد، إلا أن أعياد المصريين، وهي بالمناسبة كثيرة جدًّا، لم تعدلها تلك المظاهر الطيبة، بل إن كثرة عدد الأعياد نتيجة تعدد الطوائف الإسلامية والمسيحية قد جعلت كل طائفة تنغلق على نفسها، ولا تشارك غيرها في الفرحة أو البهجة.
ويسجل محمد عمر ظاهرة المعايدة التي بدأ المصريون يأخذونها بالتقليد عن الغربيين، وهي إرسال بطاقة في العيد، دون أن تتم زيارة يتواصل فيها الأحباب مع بعضهم البعض (ص258).
يقول محمد عمر: "أما الفقراء المقصودون بالذات، والذين هم تقريبًا كل الأمة، فلا يعرفون شيئًا عن الأعياد، ولذا لا يعبأون بها، ولو كانت تمر عليهم تباعًا، فأغلبهم ينتهزون فرصتها للانغماس في الملذات والشهوات وإعطاء النفس مشتتهاها من أنواع المجون والإنكباب على المسكرات والمخدرات ومحلات الفحش والبغي. والعقلاء منهم يسكنون مدة أيام الأعياد في "القرافات" وبين الأموات، وقليل منهم من يعرف الواجب فيتبادل مع أهله وأقاربه وصحبه عبارات المودة والإخاء (ص259).
سهر الفقراء:
يقارن محمد عمر بين حال الفقراء من قبل واليوم، أي في مطلع القرن العشرين، وهو يرى أن الفقراء لم يكونوا يعرفون السهر قبلاً إلا في بعض ليالي الأفراح والمآتم، وكان معظم سهرهم قبلاً يقضونه في بيوتهم أو في بيوت جيرانهم، بين نسائهم وأولادهم: إما يسمعون القرآن، أو يفكرون في الفوازير، أو يسمعون الحكايات.
أما الآن.. فقد تعود الفقراء السهر في القهاوي البلدية لسماع القصص من الشعراء الكذابين الذين يقصون عليه قصص زناته، وسيرة بني هلال وسيف بن ذي يزن أو السلطان حسن، أو دون جوان، أو سماع الأغاني التي يسمونها (الصهباء) في قهاوي الحشيش ومحال المسكرات، أو الفرجة على الرقص في مجالس الخنا والفجور على أفظع أنواعه (ص260).
الفقراء والمسكرات والمغيبات:
من الغريب أن الفقر والإعسار لا يمنعان الفقير من تعاطي المسكرات، بل إن الفقراء ـ كما يلاحظ محمد عمر ـ أكثر من الأغنياء في تعاطي الخمر، خاصة وأن (معامل) الخمر كثيرة، وتحتوي هذه المعامل على براميل الكحول (السبرتو)، (السائل فيها أحمر وهو الكونياك، أو أسود وهو الروم، أو بين ذلك وهو الويسكي) وقد يحلون مراراته بقليل من السكر، ويعطرونه ببعض الروائح ثم يملأون منه زجاجات كبيرة تباع بثمن قليل، فيقبل عليها السكير وتكون النتيجة أنه يحرق كبده، ويذبل نضارة شبابه، ويفسد دمه ودم سلالته، ويقصر عمره، ويقلق راحته بالمرض والأوصاب.
أما المغيبات فأهمها الحشيش، وله قهاوي عديدة، وهو محرم شرعًا، فقد أفتى الإمام المزني، من تلاميذ الشافعي، بحرمته على مذهبه.
يقول محمد عمر: والحشيش تأثيره يقرب من الأفيون بالنسبة لفعله السام، ويزيد عليه أنه يحدث التسمم بالتدخين أو الاستنشاق، ويكفي أن ندرك حال الفقراء الحشاشين في مصر من مظهرهم الواضح في نحافة الجسم، واصفرار الوجه، وارتخاء الأجفان، واحتقان العينين حتى لا يتحمل الواحد منهم مواجهة الضوء، كما أنه يكثر السعال وتنتهي حال شاربه بالبله وضياع الإحساس والعمر! (ص 264).
أما الأفيون.. فالذي يكثر من تعاطيه هم كهول الفقراء، مع أنه يحتوي على المورفين الذي قد يحدث الهلاك؛ لأنه من المواد السمية، ويصرح محمد عمر بأحد أهم الدوافع لتعاطي الفقراء هذين الصنفين: الحشيش والأفيون أنهما بما يشاع عن تقوية الشخص في نشاطه الجنسي، ولذلك فإن الفقراء يوصون بها في الأيام الأولى من الزواج. وهذا وهم كبير (ص 266) كذلك فإنهم يزعمون أنهم عندما يتعاطون هذه المغيبات يدخلون في حالة نفسية جميلة، تبعدهم عن الواقع الكئيب، لكنهم لا يدركون مدى التأثير الضار الذي تحدثه هذه المغيبات على الجسم والعقل معًا، ومن ذلك الدخول في حالة الجنون الذي أورد محمد عمر إحصائية من مدير مستشفى الأمراض العقلية (استبالية المجاذيب) حتى سنة 1899م، وهي تبين أن عدد من الذين فقدوا العقل بسبب هذه المغيبات من المسلمين (413) ومن الأقباط (25) ومن اليهود (9) إلى جانب أرقام متفاوتة من الأجانب، والمدير يشكو من ضيق المكان الذي يجب علاجهم فيه!
ويختم محمد عمر حديثه عن تاريخ المخدرات، وآثارها المباشرة على فقراء مصر، قائلاً: وبالجملة فإن ضرر المسكرات والحشيش والمغيبات على الفقراء أشد نكالاً من الفقر، بل هم في الحقيقة مرضى في عقولهم، داءهم شهوتهم، علتهم ضعف إرادتهم، تتصرف قوتهم فيما يضر سفهًا وجهلاً.. فهل للإنسانية من نصير ينظر لهذا الأمر الخطير بعين الرأفة، ويقوم بعمل نتيجته اتنشال هؤلاء الفقراء من وهدة البلاء والفقر، وما تلك الوهدة إلا الجهل"(ص269 ، 270) .


أوهام الفقراء وخرافاتهم:
يعرف محمد عمر الأوهام بأنها "صورة المرئيات أو المسموعات أو المحسوسات يكبر حجمها أو يصغر بقدر اشتغال الفكر لقبول الخرافات أو رفضها"، (ص 270) فهي إذن صورة مأخوذة عن حقيقة بواسطة منظار، عدسته تكبر الأجسام وتصغرها بعامل الميل الشخصي إلى تعظيم الأمور أو تحقيرها، وبالتالي فإن الأوهام لا تعتري إلا ذوي العقول الضعيفة. وهو يرى أنها "مرض عام" منتشر مكروبه في كل مكان، إلا أن العاقل يقوى عليه فيضعفه، والجاهل لا يقوى عليه فيصبح مرتعًا له، يسرح فيه ويمرح.. وأكثر أوهام العامة في المسائل الدينية، وخرافاتهم في المسائل العامة.
أما الأوهام الدينية فتتمثل فيما يلي:
- الاعتقاد في الأحجبة لجلب البركة، ودفع الأمراض وتسهيل الأمور.
- الأدعية التي تكبر أو تتلى ثم توضع في ماء الورد أو الزعفران، وتشرب.
- عزائم تقرأ لتخفيف وجع الضرس، أو تسكين الصداع.
- كتابات لطرد النمل، وباقي الحشرات.
- كتابات لمنع الحمل أو تكثيره.
- الاعتقاد في المجاذيب، ولذلك كثر بينهم المشعوذون.
- الاعتقاد في سرعة مشى حاملي النعش، التي تثبت كرامة المتوفى.
- نسبة الولاية لبعض الحيوانات، ومنها الجمل إذا أرغى وأزبد.
- الاعتقاد في الأشجار الضخمة، وخاصة شجرة الجميز.
- الاعتقاد في الأبواب الأثرية، ومنها بوابة المتولي بالغورية!
- الاعتقاد في عمود من الرخام بمسجد الحسين يقولون إن السيد البدوي يزوره كل ليلة.
- الاعتقاد بأن بعض آبار مصر متصلة ببئر زمزم!
أما خرافاتهم، فمنها على سبيل المثال، وليس الحصر:
- اعتقادهم أن العرافين يستطيعون قتل إنسان أو تحويله إلى صورة أخرى.
- اعتقادهم في "ربط" الرجل عن زوجته.
- اعتقادهم في تعويق المرأة عن الحمل، والتنكيل بزوجها إذا ضايقها.
- اعتقادهم في عدم غسل الثياب يوم الأربعاء الأخير من الشهر.
- اعتقادهم في عدم تفصيل الملابس يوم الجمعة.
- وللأحلام لديهم تفسيرات كثيرة يتخوفون منهم، أو يفرحون.
- أما الكابوس فله عليهم تأثير مخيف جدًّا.
- اعتقادهم في أن بكل بيت ثعبانًا مقيمًا يسمونه: عامر البيت.
الزار والفقراء:
وكأن ما أصاب ويصيب المصريين من مصائب وأخطار، تنازعهم وينازعونها، فإن الجهل والتخلف يضيف إليهم بدعة أخرى، تسقط بها الأمة المصرية في نظر الأمم الحية الشاعرة بواجباتها (ص274) .
هكذا يبدأ محمد عمر الحديث عن الزار، وهو من أهم النصوص التي تصوره، راصدًا أسبابه وتفصيلاته وتداعياته لدى المصريين، يقول: "من أهم البدع: بدعة الزار، الذي هو عبارة عن جمعية نسائية تشترك الجارية (الآنسة) والسيدة فيها، ثم يأخذون بدق الطبول دقات مزعجة، ويتبادلن فيه الرقص والتمايل والبكاء الهائل، والركوع والسجود وضرب الخدود،وحل الشعور وقرع الصدور في وسط تتلى فيه الأكاذيب على الله ورجاله الصالحين.
والزار مع أنه عام بين المصريين كافة، إلا أنه يكاد يكون خاصًا بالمسلمين، وأسبابه الحقيقية: عدم التربية وتهذيب الأخلاق بفهم الدين. وقلة فهم المعيشة الزوجية من أهم مسببات الزار، والمتأمل يعلم أن أسباب الزار هو سيطرة الرجل على المرأة، ومعاملته لها بالقسوة والحدة والغضب، فتعمد الزوجة إلى الانتقام من زوجها بواسطة تعللها بالزار وبأن عليها "ريحًا" من الجن، لا تستريح منه إلا بزيارة الأولياء.
ومكر النساء وحيلهم أكبر من أن يدركه الرجال، وجهل الأهل بالتوفيق بين الزوجين يساعد الزوجة على توفير مبتغاها في هذا الطريق السافل،     ولذا تأخذ من أدعت بالزار بالاستعانة بأهليها في أمرها، حتى إذا اكتسبت مساعدتهم ضد زوجها، فإما أن تجري مشتهاها من الزار في بيتها أو في الأماكن المعدة له.
وللزار نساء مخصوصات، تدعى واحدتهن بـ (الكوبية) ولها أعوان من النادبات، ولها مطالب من عال ودون، فتذهب فيه الأموال جزافًا وإسرافًا، ولو كان في شيء تافه من مثل: دجاجة بيضاء ونعجة سوداء تؤخذ دماؤها في إناء، وتدلك به المفاصل، وهناك رقى يرقى به صاحبة الزار حتى يجاوب (العفريت) على حالها ومقصدها، وهؤلاء (العفاريت) لهم أسماء كثيرة بعضها عربي، وبعضها تركي، وبعضها غير مفهوم!
وأهم محلات الزار في مصر وأغلب جهاته: المساجد، ومقامات الأولياء الذين لا يرضون بهذا العمل، ويغضبون منه مثل جامع البيدق، والشيخ يونس وأبو السعود، والشيخ نجم الدين، وسيدي عوف.. وإلى جانب ذلك للزار جهات كثيرة مثل السبتية، وسوق العصر، ومقابر باب النصر، وكل هذه الجهات هي مأوى الزار وعشه الذين يبيض ويفرخ فيه!
هذا والزار محظور عمله شرعًا بفتوى صدرت من مشيخة الأزهر، ومحظور عمله قانونًا بأمر من الحكومة، التي فرضت عقابًا على من يقدم عليه، لكنه على الرغم من هذا وذاك، ما زال يقام ولا يؤاخذ عليه من جانب رجال الأوقاف، أو مشايخ الحارات، والفئة الأولى لها فيه مغنم، والثانية يعود الزار عليها بربح، والنتيجة أن هاتين الفئتين يرتشون من خلال إغماض أعينهم عن هذه البدعة السيئة (ص274-277).
المصريون الفقراء والمرض:
يشير محمد عمر إلى أن تعداد سكان مصر حين أصدر كتابه كان حوالي تسعة ملايين، وبالطبع فإن الطبقة الفقيرة تمثل النسبة الأكبر من هذا العدد، وهو كثيرًا ما يكرر أن الفقراء هم "كل الأمة" وحين يرصد أحوالهم في المرض، أو في الأمراض التي تلم بهم من (رمد، وبرص، وجذام، وعرج، وشلل، وخرس، وصمم،وسل) فإنه ينبه الأغنياء قبل الحكومة إلى ضرورة إنشاء المستشفيات لهم، بل إنه يرى أن "أهم حاجة لهم المستشفيات أولاً والتعليم ثانيًا" (ص278) ومن الواضح أن عدد المستشفيات ـ كما يقرر ـ لا تكفي لأعداد مرضى المصريين وخاصة من الفقراء الذين لا يقدرون على دفع ثمن العلاج والدواء.
ومن أجل حث أغنياء المصريين على التبرع لإنشاء المستشفيات ، يورد عدة أمثلة (رائعة) من اهتمام الطوائف الأجنبية في مصر لبناء مستشفيات لرعاياها، وهي تقبل في نفس الوقت معالجة فقراء المسلمين بالمجان!
فالفرنسيون أنشأوا في العباسية مستشفى مع أن عددهم لا يبلغ خمسة عشر ألف، وفي عزم الإيطاليين التشبه بالفرنسيين في إنشاء مستشفى مماثل، ويكفيهم فخرًا لأنهم المؤسسون لمستشفى الكلب (يلاحظ أن هذا المستشفى الموجود بالمنيل ما زال هو المستشفى الوحيد لعلاج عضات الحيوانات والحشرات في جمهورية مصر العربية كلها، وقد كتبت أكثر من مقال في الصحافة لأدعو إلى إنشاء عدة مستشفيات أخرى على غراره، خاصة وأن عدد المترددين عيه في تزايد مستمر، لكن لا حياة لمن تنادي !!).
أما الملاجئ التي تأوي كبار السن، ومعظمهم مرضى، وكذلك الأيتام، فإن الأجانب يظهرون نشاطًا واضحًا في هذا المجال من خلال أعمالهم الخيرية، ووصايا موتاهم التي ترسخ هذا العمل، بينما أغنياء المصريين والحكومة بعيدون كل البعد عنه: في الإسكندرية، ملجأ رودلف العظيم يطعم فيه الفقير والمسكين، وفي قليوب ملجأ لليتامى تابع للإرسالية الهولندية، ولليونان ملجأ بالإسكندرية، وهناك ملجأ العجزة الكبير بشبرا، والفجالة.
ويذكر محمد عمر قول عمرو بن العاص: "إن أهل مصر أعقل الناس صغارًا، وأرحمهم كبارًا ، ثم يعقب قائلاً: فلم لا نجعل هذه الشهادة بيننا أثرًا، ونسمع أنين المرضى الفقراء، ونخفف عنهم آلامهم في ضيقهم وشدتهم، وخصوصًا التي ينالنا منها ضرر بالعدوى، ولنا بمحوها واستئصالها حاجة ماسة (ص 281).
مآتم الفقراء:
وأخيرًا يصل محمد عمر إلى موت الفقراء، وما يفعلونه فيه وبعده "مما لا يرضى به عاقل، ولا يجوزه شرع، ولا تأمر به عدالة" وعلى الرغم من أن ما يجري في مآتم الأغنياء يجري عند الفقراء مثله أو يزيد، فإن الفقراء يفوقون الأغنياء في أحزانهم لكثرة أيامها، وتعدد أوقاتها (ص 282).
ويكاد يوم الخميس عند الفقراء يسمى: يوم الأحزان، إذ تجول فيه النساء من حى إلى حي  نهارًا، ويجاريهن الرجال في ذلك ليلاً، لحضور المآتم عند بعض، فترى النساء مبكرات للتعزية، قاطعات المسافات المترامية مشيًا على الأقدام أو ركوبًا على عربات النقل، متزاحمات متسابقات لإدراك هذه الغاية، ومنطلقات من الجمالية إلى بولاق أو إلى الناصرية ولا يرجعن إلى منازلهن حيث تركن أطفالهم إلا عند العصر أو بعده. وليس لهذه العادة أثر عند نساء بقية الطوائف الأخرى من غير المسلمين (ص282) .
ويفصل محمد عمر الحديث عن النادبات، اللاتي يتم استئجارهن للندب على الميت، وجعل النساء المجتمعات يبكين، وقد تفننت النادبات في (علم الندب) حتى صارت للأقوى منهن معجبات، كما يلاحظ محمد عمر أن نساء الفقراء يسرفن في لطم الخدود، والضرب بأرجلهن على المقابر أمام أزواجهن، وأن الفقراء يتكبدون مع فاقتهم نفقات طائلة في مآتمهم من أجل إحياء ليالي العزاء التي تتطلب المآكل لمدة أربعين يومًا!
ومع أن زيارة القبور من الأمور المستحبة للتذكر والعظة والترحم على الموتى، فقد صيرها المصريون الفقراء مكانًا يقيمون فيه طابخين وآكلين وشاربين، وقد أحضروا معهم الأولاد والنساء والفرش والأغطية على عربات النقل أو على ظهور الحيوانات، فلم يعد هناك احترام ولا إكرام لمدافن الموتى، وكفاها امتهانًا أنهم جعلوها أشبه بفنادق السياح، يجلسون فيها فتمثل لهم أنواع ألعاب الحواة، وتعرض على أذهانهم أقوال الأدباتية ! (ص248).
والمقابر في القطر المصري كثيرة، لا تكاد تخلو منها قرية، وفي القاهرة وحدها ست (قرافات) لدفن الموتى، وكلها خارج المدينة (أصبحت الآن في داخلها !) وهي قرافة السيدة، والإمام، وباب الوزير، والمجاورين، وقايتباي، وباب النصر.
لكن محمد عمر يشن حملة شديدة اللهجة على (التُربية) الذين يحفرون أجداث الموتى ويوارونهم التراب، وهؤلاء طائفة ورثت عملها عن آبائها وأجدادها، ولها أخلاق في غاية السوء، وتصرفات مع أهل الميت يندى لها الجبين، فهي لا تقيم اعتبارًا لحالة الحزن، وتندفع طالبة الأجرة والبقشيش دون أي حياء، الأمر الذي يجعل ولي الميت بين مصيبتين: مصيبة طمع هؤلاء، ومصيبة الخجل من إخوانه وأصدقائه، وهم لا يتركون أهل الميت إلا بعد أن يفرغوا جيوبهم تمامًا، ثم ينصرفون عنهم وهم غير شاكرين!
ويدعو محمد عمر إلى أن تتولى الحكومة أمر هؤلاء (التُربية) فتضع لهم لائحة بقانون، وتخصص لهم رواتب، وتلزمهم بأخلاق طيبة تجاه أهل الميت، بدلاً من هذه الفوضى والتوحش اللاخلاقي! (ص287) .
الأوقاف الإسلامية:
وبعد أن أتم محمد عمر عن حاضر المصريين أو سر تأخرهم، مختتمًا فصوله بمآتم الفقراء، رأى أن يستعرض حال الأوقاف الإسلامية في مصر، مشيرًا إلى أنها كثيرة ومتنوعة، وكان من الممكن أن تعين طبقة الفقراء على سوء معيشتهم، وتنشئ لهم ما يحتاجون إليه من مستشفيات ومدارس وملاجئ للعجزة.. إلخ،لكنها مع الأسف، ورغم أن الحكومة قامت منذ عهد عباس باشا بإدارة الجزء الأكبر منها، فإن القائمين عليها لا يقومون بواجباتهم، بل إنهم يلتهمون خيراتها تاركين الفتات لأصحابها المستحقين.
وبعد أن يعرض محمد عمر ميزانية الأوقاف في سنة 1899م، وأوجه إنفاقها التي تظهر أن ما ينفق على موظفيها في الديوان العام أعظم مما يصرف في السبل التي أوقفت عليها! (ص 289، 290) يتحدث عن هؤلاء الموظفين: كيف التحقوا بالواسطة، ومدى الكسل الذي يتولون به العمل، أما المساجد والأضرحة والزوايا فإنها مليئة بموظفين وعاملين، لا خلاق لهم، حولوها إلى أعمال تجارية ومخازن خاصة بهم، وهو يشير إلى أن خدم الجوامع لا يهتمون أبدًا بنظافتها حتى امتلأت ببقايا الطعام، وأصبحت مستودعًا للقمامة، إلى جانب أنهم يبيعون الزيت المخصص لإضاءتها نظرًا لقلة رواتبهم، وبالنسبة للأضرحة التي أحصاها علي مبارك في خططه بأنها تبلغ (294) ضريحًا، فإن خدامها والقائمين عليها جهلاء بالدين، يتركون العامة تتبرك بها، وتكاد تتعبد دون أن يحذروهم من هذا الشرك، وينعى في نفس الوقت على علماء الأزهر عدم تحذير المصريين من هذا العمل المضاد تمامًا للشريعة الإسلامية (ص296 ، 297) .
والواقع أن السلبيات الموجودة في قطاع الأوقاف الإسلامية بمصر، والذي عرض الكثير منها محمد عمر، منبهًا إلى ضرورة تلافيها، لكي يقوم هذا القطاع الهام، الذي أنشأه أصحابه أساسًا لخدمة الفقراء والأخذ بأيدي المحتاجين، وهو من "الصدقة الجارية" التي دعا إليها الرسول ، صلى الله عليه وسلم ، وحث عليها الإسلام تحت شعار "التضامن الإسلامي" أقول إن الكثير من هذه السلبيات ما زال موجودًا بعد مرور أكثر من مائة عام على نشر كتاب محمد عمر، الذي يقول في خاتمته:
"فعسى قومنا تهزهم داعية العمل، فينشطون وينبذون عنهم الكسل، ويكون الإنسان إنسانًا بنفسه، غنيًا بنفسه، واثقًا بجِده لا بجَده، معتمدًا على ما وهبه الله من التدبير ولا ما جاءه من متروكات آبائه من الفتيل والقطمير، وهكذا الرجل يعيش أينما كان بسعيه واجتهاده، قال الله تعالى: ) وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا       مَا سَعَى. وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى . ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى . وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى ( ، صدق الله العظيم. والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.


خاتمة بنتائج البحث:
1- لا أستطيع الادعاء بأنني سوف أحيط في هذه الخاتمة بكل الملاحظات التي يمكن أن تنقدح في الذهن من خلال قراءة هذا البحث الذي هو في الواقع مجرد عرض، مختصر ولكنه واف، لكتاب محمد عمر: حاضر المصريين أو سر تأخرهم.
2- وقد حاولت في هذا البحث ـ على غير عادتى ـ أن أورد نصوصًا مطولة للمؤلف، نظرًا إلى أن الكتاب لم يعد له نسخة واحدة مطبوعة في دار الكتب المصرية، والنسخة التي اعتمدت عليها قمت بتصويرها من شبكة الإنترنت، ومصدرها: الهند، فجزى الله خيرًا من احتفظ بها طوال هذه المدة، وأتاحها بعد ذلك على تلك الشبكة.
3- أن ما دفعني إلى عمل هذا البحث هو التقارب بين روح المؤلف ـ رحمه الله ـ وبين طبيعتي واتجاهاتي في معظم أعمالي التي قمت بكتابتها عن عيوب المصريين، وبيان طرق علاجها، سواء كانت سياسية أم اقتصادية أم اجتماعية، أم ثقافية وتعليمية.. وذلك في مؤلفاتي التي نشرتها بعناوين (أفكار قابلة للتنفيذ) و(مصريات معاصرة) و (برديات معاصرة) و(ماذا لو؟! في جزئين) و(الدوائر المتداخلة: إحياء التراث والترجمة والتأليف) وكذلك في أبحاث مستقلة، ومنها (مشكلة التخلف الحضاري عند المسلمين) و(المشكلات الحقيقية والزائفة في الفلسفة الإسلامية).
4- إنني مقتنع تمامًا بأن نهضة المجتمع المصري بخاصة، والمجتمعات العربية والإسلامية بعامة، لن تتم، بل لن تبدأ إلا بعد فحص دقيق وموضوعي لسائر أمراضها وعيوبها، التي لحقت بها عبر العصور، وما زال الكثير منها متجذرًا فيها حتى اليوم، وبدون هذه المواجهة التي لا بد أن تتسم بالمصارحة الكاملة، وليس المواربة أو المجاملة، سوف يظل (كلام) المصلحين، وأصحاب مشروعات النهضة أصواتًا صارخة في الفضاء، ولن تجد لها أي استجابة.
5- ينبغي إعادة الاعتبار لمحمد عمر، مؤلف هذا الكتاب الهام، ووضعه في قائمة كبار المصلحين المصريين، إلى جانب: الأفغاني، ومحمد عبده، والكواكبي، والطهطاوي، ومصطفى كامل، وقاسم أمين.
لقد غاص الرجل في أحوال مصر كلها، نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، واستطاع أن يضع يده على أهم وأبرز عيوب المجتمع المصري التي تكبل حركته، وتعوق تقدمه، ومن أهم خصائصه أن حديثه لم يكن عامًا أو تجريديًا، وإنما صدر من الواقع في أبسط تفاصيله.
6- ليس لدينا معلومات شخصية عن المؤلف، سوى ما وضعه على غلاف كتابه بأنه (من مستخدمي البوستة المصرية) وبالتالي لا نعرف تاريخ مولده ولا وفاته، ولا البلد الذى نشأ فيه، وكل ما ورد في الكتاب يبين أنه كان متواجدًا في قلب المجتمع الثقافي المصري، فقد اتصل بالمترجم الكبير أحمد فتحي زغلول، الذي كتب له تقديم الكتاب، كما قابل أحمد شوقي في مطلع حياته الشعرية، حيث أطلق عليه (شاعر الشبيبة) وهو يشيد كثيرًا بأفكار كل من الإمام محمد عبده، وقاسم أمين، ويرجع إلى كتاب (الخطط التوفيقية) لعلي مبارك.
7- كتب محمد عمر ونشر كتابه تحت وطأة الاحتلال البريطاني لمصر، ومن الملاحظ عدم مجاملته أو ممالأته لهذا الاحتلال، بل إنه كان فى كثير من المواضع يدعو المصريين بشدة لكي يصلحوا أحوالهم المتردية، حتى يتخلصوا من سيطرته، ويمكننا أن نتساءل في هذا الصدد، هل كان هذا أحد أسباب اختفاء نسخ الكتاب، وعدم التعليق عليه في الجرائد والمجلات حينئذ، وخلال الخمسين سنة التالية لظهوره؟
8- لا يقتصر الإصلاح الذي دعا إليه محمد عمر على جانب واحد من جوانب الحياة الاقتصادية، أو الاجتماعية، أو التعليمية والثقافية، بل إنه شملها كلها معتمدًا في ذلك على ملاحظاته الشخصية والإحصائية والبيانات الرسمية، ولذلك جاء الكتاب توثيقيًا في مواضع كثيرة منه.
9- يعتبر كتاب محمد عمر الذي صدر بعنوان (حاضر المصريين أو سر تأخرهم) أول كتاب مصري، يتناول الموضوع، وينشر بهذا العنوان الصادم للمجتمع المصري كله، فلم يكن من المتعارف عليه أو حتى من المقبول أن يظهر مثل هذا العنوان في تاريخ التأليف المصري، ولا حتى العربي!
10- من الملاحظ عدم تعرض محمد عمر للجانب السياسي، ومع ذلك فقد وجه نقده الشديد لعيوب الإدارة في مصر، ومن المعلوم أن هذه الإدارة تخضع مباشرة لسياسة البلاد، ومن هنا يمكن القول بأن نقده السياسي جاء بصورة غير مباشرة، حتى يتجنب مصادرة الكتاب!
11- لم تغب عن محمد عمر المقارنة بالدول المتقدمة لكي ينبه المصريين إلى مواطن تخلفهم، وخاصة في مجال الزراعة، التي لم يحدث فيها أي تطور منذ عهد الفراعنة، وفي مجال الصناعة التي ما زالت يدوية وبدائية، وفي مجال التجارة التي لا يعرف المصريون ـ على عكس الأجانب ـ أصولها وأساليبها.
12- يتميز محمد عمر بسبق زمانه في الدعوة إلى عدة أفكار لامعة لم يكن المجتمع المصري مقتنعًا بها على الإطلاق، ومنها: ضرورة الابتعاد عن الوظيفة الحكومية (الميري) التي تقتل في المصري روح الإبداع، والمبادرة الشخصية في مشروع اقتصادي منتج. ومنها : ضرورة تعليم وتثقيف الفتاة المصرية؛ حتى تكون أهلاً لإقامة بيت سعيد، وتنهض بتربية أولادها على نحو صحي سليم، ومنها : الدعوة بشدة إلى التوسع في إنشاء المدارس، وكذلك انشاء الجامعة المصرية (التي ظهرت بعد صدور كتابه بست سنوات!) وكذلك : التدريب على الحرف المختلفة.
13- ينبغي أن يعد محمد عمر من أوائل الرواد الداعين للاهتمام بالجمعيات الأهلية في مصر، باعتبارها من أهم وسائل نهضة المجتمع، وبث روح التضامن والتعاون فيه، بدلاً مما استقر لدى معظم المصريين من اللامبالاة بالشأن العام، وعدم الاهتمام بالفئات المحرومة من المجتمع.
14- كذلك يعد محمد عمر من أوائل الرواد الداعين إلى الاهتمام بالصحافة المصرية، وبعد أن قام بإحصائها وتصنيفها في عهده، عكف على فحص مضمونها، وأهدافها، مع الإشارة إلى دوافع أصحابها وما يؤول إليه حال الكثير منها عند عدم توافر إمكانيات استمرارها.
15- إن روح الصدق والإخلاص التي تظهر من كل سطر في كتاب محمد عمر تدل على أننا أمام مصلح كبير، لم يكن همه إظهار العيوب والسلبيات بقدر ما كان يسعى إلى ضرورة التخلص منها، لكي ينطلق المصريون إلى حال أفضل، وخاصة بين الأمم التي تقدمت في مطلع القرن العشرين، تاركة وراءها مخلفات ماضيها العتيق وتقاليدها البالية.

*  *  *

آخر تحديث الجمعة, 27 فبراير 2015 11:57