عداد الزائرين

mod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_counter

إضافات حديثة

   
 
الفلسفة المصرية من الامثال الشعبية
صيغة PDF طباعة أرسل لصديقك

 

كتـــــــاب

الفلسفة المصرية

من الأمثال الشعبية


أ.د. حامد طاهر


نائب رئيس جامعة القاهرة السابق

أستاذ الفلسفة ومناهج البحث بدار العلوم





بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

تمهيد





هل يمكن أن يكون للشعب الألمانى فلسفة، وللشعب الفرنسى فلسفة ، وللشعب الإنجليزى فلسفة .. فى حين لا توجد للشعب المصرى فلسفة ؟

وإذا كان الفلاسفة المصريون قليلين فى عددهم ، فهل يعنى هذا إخراجها من تاريخ الفكر الفلسفى ؟

وإذا كان الفلاسفة بمعنى الكلمة قد ظهروا متناثرين وعلى فترات متباعدة ، فهل خلت مصر تمامًا من الفلسفة فيما بين تلك الفترات ؟

ولماذا لا نبحث فى التراث المصرى (الشعبى) عن العناصر الفلسفية التى يمكن أن تكون فى مجموعها فلسفة الشعب المصرى ؟ !


وأخيرًا .. هل يمكن أن نستخلص فلسفة مصرية من الأمثال الشعبية ؟

إن محاولة الإجابة عن هذا السؤال هو موضوع هذا الكتاب ، الذى يعد فى الواقع ملحقًا لبحثنا السابق الذى جعلنا عنوانه (نحو التأسيس لفلسفة مصرية) وأشرنا فيه إلى أن الأمثال الشعبية لدى المصريين يمكن أن تعتبر أحد مصادر هذه الفلسفة([1]) .

ما هو المثل ؟ هو عبارة عن قول مأثور يتضمن نصيحة شعبية ، أو حقيقة عامة ، أو ملاحظة تجريبية أو حتى موقفا ساخرًا من عادة اجتماعية أو أسلوب سياسى معين . ومن خصائص المثل الشعبى شيوعه وكثرة استعماله بين الناس فى عصر معين ، أو حتى فى عصور متباعدة . ولأن الأمثال الشعبية كانت تتصف أيضًا بالتداول الشفوى بين أفراد الشعب ، فلم يهتم العلماء بتدوينها ، ولعل أحد أسباب ذلك يرجع إلى أنها كانت تصاغ باللهجة العامية ، التى كان العلماء يهملونها أو يسقطونها من اعتبارهم .

من الذى يصوغ المثل الشعبى ؟ شخص على درجة عالية من الحكمة ، ولديه قدرة على التركيز ، وموهبة خاصة فى استخدام اللهجة الشعبية ، وجودة اختيار ألفاظها . ولو كان علماء البلاغة قد وجهوا اهتمامهم قليلاً إلى كثير من الأمثال الشعبية لوجدوا فيها جمالاً أدبيًا لا يقل بحال من الأحوال عن الجمال الموجود فى أدب الفصحى. فى الأمثال الشعبية : يوجد السجع ، ويوجد الجناس، ويوجد الطباق ، ويوجد الخيال ، وتوجد الصورة المعبرة بدقة عن الموضوع المجرد المراد الإمساك به فى شبكة الألفاظ ، كما أن الأمثال الشعبية تتميز بالإيجاز الشديد وهو اختصار المعانى الطويلة أو المتعددة فى ألفاظ قليلة معدودة ، كما أن صياغة المثل تهدف إلى جريانه على ألسنة العامة ، وسهولة حفظه لمن يسمعه ولو مرة واحدة ، لذلك نذهب إلى أن (مؤلفى الأمثال الشعبية) بالإضافة إلى كونهم حكماء ، كانوا أدباء بامتياز ، ومع ذلك فقد فضلوا عدم ذكر أسمائهم ، والوقوف بصمت وتواضع خلف إنتاجهم الذى كتب له الشيوع والاستمرار ، ربما أكثر مما كتب فى أدب الفصحى !

الأمثال الشعبية المتوافرة لدينا الآن ترجع إلى مختلف العصور التى مرت بها مصر منذ الحضارة المصرية القديمة ، مرورًا بالعهد القبطى، ثم العصر الإسلامى فى مرحلتى ازدهاره وتعثره . لكننا ينبغى أن نشير هنا إلى أن الكثير ، بل الكثير جدًا، من الأمثال الشعبية المصرية قد اندثر لتشعب عوامل مختلفة ، منها أولاً عدم الاهتمام بتدوينه نتيجة تداوله بين الناس وشيوعه من ناحية ، والنظرة الدونية للهجة الوارد بها من ناحية أخرى . ثانيًا : اندثاره باختفاء الجيل أو الأجيال التى كانت تحفظه وتتداوله . ثالثًا : مصادرة السلطات الحاكمة أو المسيطرة له أحيانا نظرًا لما كان يحدثه من تعبئة الرأى العام ضدها . وهكذا لا ينبغى أن نحكم على ما وصلنا من الأمثال الشعبية بأنها تمثل (كل) التراث ، وإنما هى (مجرد عيّنة) فقط ، لكنها مع الفحص والتحليل يمكن أن تضع أيدينا على الاتجاهات العامة لهذا الترات الثمين .


لماذا نلجأ للأمثال الشعبية فى استخلاص الفلسفة المصرية ؟ لأن البحث

أطلعنا على ندرة عدد الفلاسفة المصريين ، إلى الحد الذى يجعلنا نتساءل : كيف تكون حضارة مصرية كبرى بهذا الحجم ، وتاريخ مصرى طويل بهذا الامتداد والتراكم – دون أن يظهر فيها فلاسفة أو مفكرون كثر ، فى حين أن هناك شعوبا أخرى كانت أبسط حضارة ، وأقصر عمرا (كالإغريق مثلا) كانت لديهم أعداد كبيرة من الفلاسفة والمفكرين ؟ ولأى عامل بالضبط ترجع تلك الندرة فى عدد الفلاسفة المصريين ، مع أن البيئة المصرية كانت أكثر ما تكون مناسبة لظهور العديد منهم ؟

أنا شخصيا أميل إلى أن افتقاد جو الحرية ، الذى يسمح للفلسفة أن تنشأ وتزدهر ، كان وراء ندرة عدد الفلاسفة المصريين ، لأن الحضارة المصرية القديمة كانت تقوم على نظام حكم يعتبر الكهنة أحد أركانه الأساسية . وهؤلاء الكهنة كانوا مفكرين ولكنهم وظفوا فكرهم لصياغة العقائد الدينية التى تكرس حكم الفرعون ، إلى حد أن جعلته إلها .. أما العصور اللاحقة ، فقد امتدت فيها فترات الاحتلال الأجنبى لمصر ، حتى كان يصل أحيانا إلى (670) عاما متواصلة([2]) ! وفى مثل هذا الاحتلال ، يصعب أن يظهر فيلسوف مصرى يدعو إلى مبادئ الحرية والعدل والمساواة وكرامة الإنسان 0 لكن التوازن كان لابد أن يحدث ، ولذلك راح حكماء الشعب السرّيون يصوغون خلاصة تجاربهم ، وأرائهم ، وملاحظاتهم الصائبة فى الأمثال الشعبية ، التى أصبح لدينا منها تراث يحتوى على مجموعات تضم عشرات الآلاف .

يبقى سؤال هام : هل يمكننا الحديث عن أمثال شعبية : من الحضارة المصرية القديمة التى كانت لغتها (الهيروغليفية ثم كتبت بعد ذلك بالخطين الهيروطيقى والدوجماطيقى)، ومن العهد القبطى الذى كانت لغته القبطية ، فى حين أن كل ما يوجد لدينا الآن هى الأمثلة التى وردت باللهجة العامية المصرية، وهذه مرتبطة بانتشار العربية الفصحى فى مصر بدءًا من منتصف القرن السابع الميلادى فقط ؟

وللإجابة عن هذا السؤال نقول : إن اللهجة العامية (العربية) تتضمن أمثالاً وردت بمعناها وبعض ألفاظها من العهد القبطى ، وهى كثيرة . أما أمثال الحضارة المصرية القديمة فأنا شخصيًا أميل إلى أنها دخلت فى نسيج الأمثال التالية لها ، سواء كانت فى العهد القبطى أم العصر الإسلامى ، ومعنى ذلك أن عدم توافرها بألفاظها بين أيدينا اليوم ، لا يعنى اختفاءها تمامًا من ذاكرة الشعب المصرى التى اختزنت معانيها ، وأورثتها للأجيال اللاحقة .. والنتيجة أن الأمثال المتوافرة لدينا – اليوم – يمكن أن تعتبر قاعدة صالحة تمامًا للتعبير عن روح الشعب المصرى ، وحكمته ، بل وفلسفته أيضا خلال عصوره المختلفة .

من هنا يستحق الشكر والتقدير أولئك الذين بذلوا الكثير من الجهد والوقت فى الاهتمام بتلك الأمثال الشعبية من خلال جمعها وتدوينها بالكتابة وتبويبها الفبائيا وتركوها لنا فى مجاميع تتراوح بين عدة مئات([3]) ، وعدة آلاف ، محاولين بذلك الإمساك بصورة حقيقية لحياة الشعب المصرى التى أغفلها مع الأسف مؤرخوه ، الذين قصروا أعمالهم فقط على ما كان يجرى فى بلاط الحكام ، وقصور الأمراء ، بالإضافة إلى ما كانوا يخوضونه من حروب تنتهى أحيانا بالنصر ، وغالبًا بالهزيمة !

لكننا قبل أن نعرض لفلسفة المصريين من الأمثال الشعبية المتوافرة لدينا الآن باللهجة العامية المصرية ، والتى نعتبرها قد تسربت إليها بالضرورة عناصر كثيرة من حكمة المصريين القدماء وفلسفتهم– يمكننا أن نخصص مساحة مناسبة لما ورد إلينا فى اللغة المصرية القديمة والتى ترجمت إلى اللغة العربية الفصحى ، وذلك لمزيد من التأكيد على وجود فكر مصرى أصيل ، يسبق فى نشأته وتطوره ما وجد بعد ذلك لدى البابليين ، والعبرانيين ، والإغريق ، مع الاحتفاظ لكل منهم بتميزه فى تعدد الموضوعات ، وتنوع الأساليب .

ومن الملاحظ فى هذه المرحلة التاريخية البعيدة أننا لن نلتقى بالأمثال الشعبية بالمعنى المحدد للكلمة ، لأننا نعلم أن مثل هذه الأمثال كان يجرى تداولها شفويًا بين العامة ، ولذلك لم تسجل كما سجلت الأعمال الفكرية والأدبية التى أنتجها مفكرون وأدباء باللغة القابلة حينئذ للكتابة ، لكننا مع ذلك نلتقى بثروة ثمينة من الحكم والنصائح التى تختصر الكثير من التجارب الإنسانية ، والتى كان يقدمها أصحابها من ذوى الخبرة إلى أبنائهم لكى يعملوا بها فى شئونهم اليومية أو يستهدوا بها فى حياتهم . ومن خصائص تلك الحكم والنصائح أسلوبها السهل المباشر ، والذى كان يعتمد على الاختصار مما يقربها كثيرا من الأمثال الشعبية .

يقول الحكيم بتاح محب :

لا تقس قلبك حين القسمة

ولا تبتغ ما لا يخصك

ولا توغر قلبك إزاء أقاربك

وإنه لتافه ذلك الذى يستأسد بين أهله ،

وهو محروم من حصائد الحكمة !

والشىء الطفيف الذى يطمع فيه ..

يولد البغضاء حتى فى صاحب الطبيعة الباردة

ولنقارن الجزء الأخير بالمثل الشعبى (اللقم تمنع النقم) (اطعم الفم تستحى العين) ويقول أيضا :

اقض اليوم فى سعادة

ولا تجهدن من نفسك

فإن أحدًا لن يأخذ متاعه معه

وليس فى قدرة إنسان قد ولى أن يعود ثانية

ويقارن ذلك بالمثل المشهور (ماحدش واخد منها حاجه) وأيضًا (مال الكنزى للنزهى) أى أن الذى يكنز المال لن يتمتع به لأنه سيتركه لوريثه الذى سوف يتنزه به !

ويقول الفلاح الفصيح فى شكواه :

"إن لسان الرجل قد يكون سبب تلفه"

وهو المعنى الموجود فى المثل الشعبى القائل

(لسانك حصانك : إن صنته صانك ، وإن خنته خانك) وكذلك (جواب النحس على طرف لسانه !)

وهكذا يمكن السير طويلاً فى هذا الطريق الذى أحسب أن أحدًا قبلنا لم يطرقه من وجهه النظر هذه ، وهو (ما ترسب فى نهر الأمثال الشعبية، المتوافرة لدينا باللهجة العامية المصرية ، من روافد الأمثال والحكم والمواعظ لدى المصريين القدماء) ولعلنا بهذا نشير إلى إمكانية وجود التواصل بين الطبقات الثقافية التى تراكمت فى ذاكرة الشعب المصرى عبر عصوره القديمة والوسيطة والمعاصرة .

نصل الآن إلى غرضنا الرئيسى من هذا الكتاب ، وهو محاولة استخلاص فلسفة مصرية أصيلة من الأمثال الشعبية . وهذا ما قد يعتبره كثير من زملائنا دارسى الفلسفة (أمرًا لا يليق) على أساس أنهم قد تعودوا أن يستخلصوا الفلسفة من مفكرين تركوا إنتاجهم فى صورة مذاهب متكاملة الأركان ، كما أنهم كتبوها باللغة الفصحى ، لكننا نؤكد مرة أخرى أن حكمة الشعوب، كما تتوافر لدى فلاسفتها وكبار مفكريها ، توجد أيضًا لدى العامة الذين استطاعوا (بحصافتهم النظرية وتجاربهم العملية) أن يتوصلوا إلى نظرات فلسفية وأخلاقية لا تقل عمقًا وأصالة عما توصل إليه كبار الفلاسفة ، بل إننا نذهب إلى ما هو أبعد من ذلك ، حين نقرر أن تلك (الحكمة الشعبية) تعد أعمق تأثيرًا فى حياة الشعوب من تلك الفلسفة النظرية التى كان ينتجها كبار الفلاسفة ويتناقشون وأحيانا يتصارعون حولها فى دوائر تكاد تكون خاصة بهم وحدهم ، دون أن يسمع بهم الكثير من الناس !

أما منهجنا فى استخلاص الفلسفة المصرية من الأمثال الشعبية فيتمثل فى الخطوات التالية :

أولاً : كان لابد من الاختيار ، اختيار عدد محدد من بين حوالى خمسة آلاف من الأمثال الشعبية، التى قمنا بجمعها ، ثم تصنيفها فى قوائم لكل منها موضوع معين ، وعنوان خاص . وقد بلغ ما اعتمدنا عليه أكثر من ألف مثل . ثانيًا : تقديم مثل له دلالته وأحيانا أكثر لكى يمكن الدلالة على المعنى المقصود . ثالثًا : بيان معنى المثل عند عدم وضوحه من خلال دلالته اللغوية والاجتماعية والثقافية . رابعًا : تحليل المثل تحليلاً فلسفيًا بهدف الكشف عما يحتوى عليه من أبعاد فكرية ، سواء كانت محلية أو إنسانية . خامسًا : وضع عنوان فلسفى أو أخلاقى للأمثال المختارة لتسهيل قراءتها ، ومتابعة موضوعاتها المتنوعة .

وفيما يلى تصنيف موضوعى لعناصر الفلسفة المصرية ، كما تعبر عنها الأمثال الشعبية المصرية :


1-
المعتقد فى الله تعالى

يمكن أن نستخلص من مجموع الأمثال المصرية معتقد الشعب المصرى فى الله تعالى ، والإيمان به كخالق للكون ، وحافظ لنظامه ، ومتصرف فى شئونه ، وقريب جدًا من الإنسان . والملاحظ هنا عدم وجود أى نوع من التردد ، أو الحيرة ، أو الشك ، أو حتى اللغط الذى ساد مقولات علماء اللاهوت والعقيدة الذين أرهقوا أنفسهم بها فى مؤلفات مطولة ، وفيما يلى عناصر هذا المعتقد :

الإيمان بالله عن طريق العقل :

- ربنا ما شفناه .. بالعقل عرفناه

والله واحد ، كما أن العمر – ببساطه – واحد :

- الرب واحد ، والعمر واحد

والله هو المسيطر على الكون كله :

- صبحنا ، وصبح الملك لله

وهو وحده الغنى ، الذى لا يفتقر إلى أحد :

- ما غنى إلا الله

وهو الذى خلق الحياة وقدّر الموت :

- ما يا اخذ الرقبه (الروح) إلا اللى خلقها

ومن حكمته أنه جعل أقدارنا فى الحياة مختلفة ، لكنه يسوى بيننا جميعًا فى الموت :

- ربنا ما ساوانا إلا بالموت

وفى أى مكان سواء أقمنا أم رحلنا ، فالله موجود، وهو معنا :

- رب هنا .. رب هناك

وكما أنه تعالى خلقنا ، فهو الذى يرزقنا :

- الأرزاق على الله

- يرزق الهاجع والناجع ، واللى نايم على ودنه

- ربك رب العطا .. يدّى البرد على قد الغطا
وعلى الإنسان إلا يرهق نفسه كثيرا فى محاولة حل المشكلات الأكبر من قدرته ، لأن الله تعالى يتولاها بنفسه :

- العبد فى التفكير ، والرب فى التدبير

- تصبح رماد ، لها رب يدبرها

ومن أمثلة ذلك أن :

- ربنا يحدف البلوه ، ويحديها (أى يصحبها) باللطف

- ربنا يقطع من هنا ، ويوصل من هنا

وبالنسبة للظالم ، فإن :

- ربك يمهل ولا يهمل !

أما المظلوم أو الضعيف ، فإن الله تعالى يتولاه وهو الذى يدافع عنه :

- الزعره .. بينش عنها المولى

بل أحيانا يعطى الضعيف حتى يندهش لذلك القوى :

- يعطى الضغيف لما يستعجب القوى

ولذلك فإن المظلوم عليه أن يتجه إلى الله وحده ، وليس إلى أحد غيره .

- الشكوى لغير الله مذله !

وعموما فإن ما يقع للإنسان فى الحياة مقدر بمشيئة الله ، ولا شك أن هذا يبعث على استقرار الطمأنينة بالقلب :

- الخيره فيما اختاره الله

وذلك لأنه أعلم بالإنسان ظاهرا وباطنا ، بل إنه أقرب إلى أهم عضو فيه ، وهو القلب بكل ما يجول فيه من عواطف ومشاعر وأحاسيس :

- ربك .. رب قلوب !

2-الانسان

على الرغم مما يشاع من أن المصريين يميلون إلى الإيمان بالمقادير وبالتالى يسود بينهم عدم الاعتراف بالمسئولية الفردية فإن هناك من الأمثال ما يؤكد العكس تماما. ومن ذلك :

- كل انسان معلق من عرقوبه

أى مسئول عن نفسه ، وبالتالى عن أفعاله .

وأيضا :

- كل واحد بيدور على نفسه

وهكذا فإن كل إنسان عليه أن يهتم بأموره، بدلاً من أن يشغل نفسه بشئون غيره :

- كل انسان (واحد) وهمه

- يا مشغول بهم الناس ، همك لمين خليته ؟

وبدلاً من تضييع الإنسان وقته فى العربده والسهر ، عليه أن يستريح بالليل لكى يستطيع أن يؤدى عمله أو الواجب عليه فى النهار :

- مكتوب على ورق الخيار :

من سهر الليل نام بالنهار !

وكلما وجه الإنسان همه كله إلى عمل واحد نجح فيه، والعكس صحيح :

- صاحب بالين كداب !

ومهما أحب الإنسان غيره ، فإن حبّه لنفسه يأتى دائمًا فى المقام الأول :

- أحبك قوى .. بس عن نفسى لا !!

ولذلك فإنه يفضل أن يقع الأذى بغيره ، ولا يقرب منه :

- ألف قفا ، ولا قفايا !

وتحذر الأمثال المصرية من شر بنى أدم ، الذى قد يكون أكثر خطورة من شر الحيوانات الضارية :

- بات فى بطن سبع ،

ولاتبات فى بطن بنى آدم

ومن طبيعة الإنسان أن يغفل وينسى ، ولا ينتبه إلا عند حلول المصائب ، التى هى فى الواقع نتيجة الغفلة والنسيان :

- راحت السكره وجات الفكره

وبمرور الوقت ، تتحول العادة إلى طبع للإنسان ، يصعب عليه التخلص منه ، تماما كما يصعب عليه التخلص من الطبائع الأربع المتكون منها جسمه :

- العاده طبع خامس

لكن الإنسان الحر يشبه الذهب ، الذى لا تتغير طبيعته فى كل الظروف :

- الحر حر ، ولو مسّه الضر

ومع ذلك فإن الإنسان الحصيف لكى يحظى بالسلامه، عليه أن يخضع مؤقتا للظروف حتى يتمكن من بلوغ هدفه !

- اتمسكن ، لحد ما تتمكن

ومن المهم جدًا مجاراة المجتمع حتى لا تحدث مخالفة صريحة ، تؤدى للاستبعاد والعزلة :

- كل ما تشتهيه نفسك

والبس ما يلبس الناس

وهنا يتطلب الأمر عدم محاسبة الناس على كل ما يقولونه ، فالكثير منه هراء :

- اسمع من هنا ، وسيب من هنا

وعلى الإنسان أن يجلس حيث يتم تقديره ، ويبعد نفسه عن مواطن التحقير له :

- اجلس حيث يؤخذ بيدك وتبر ،

ولا حيث يؤخذ برجلك وتجر !

وعليه أن يتجنب الشر ، ويبتعد عنه ، بل يجعل بينه وبينه فاصلا :

- ابعد عن الشر، وقنى له (احفر قناة بينك وبينه)

وأن يبتعد عن الحسد :

- أبو ألف حسد أبو ميه (وفيه إشارة إلى ما ورد فى القرآن الكريم من طمع صاحب التسعة والتسعين نعجة فى نعجة أخيه – والمقصود زوجته !)

والتهور بدون عقل أو روية :

- سلاح حاضر ، وعقل غايب

أما الصحة ، فهى بالنسبة للإنسان أغلى ما يستعين به على الحياة ، ولذلك لابد من انتهاز فرصة توافرها ، وعدم تضيع لحظة منها فيما لا يفيد :

- يوم فى العافيه كتير

- صياح الفوال ، ولا صياح العطار (أى الاهتمام بالطعام قبل الاهتمام بالمساحيق والعطور) .

وتوصى الأمثلة المصرية الإنسان بأن يقبل على من يقبل عليه ، ويبتعد عمن يزهد فيه وهكذا فإن المعامله تكون بالمثل :

- من رادك ريده ، ومن طلب بعدك زيده

ومع ذلك فإن أخطأ أحد فى حقك ، وأراد المسامحة فعليك أن تعتذر له ، وتعطيه فرصة ثانية :

- المسامح كريم

- احنا ولاد النهارده

وعلى الإنسان أن يقسم وقته بين الجد والمرح

- ساعه لقلبك ، وساعه لربك

والواقع أن الضحك ضرورى للترويح عن القلب ، وللصحة النفسية :

- اضحك والضحك رخيص

قبل ما يغلى ويبقى بتلا ليس (زكايب)

ولندرة الضحك ، يمكنك أحيانا أن تخفيه عن الناس حتى لا يحسدوك عليه :

- اضحك فى عبك !

وهناك من الناس من ينفر منه الناس فى شبابه ، لكنه عندما يشيخ يصبح أكثر مودة معهم :

- شابت لحيته .. طابت عشرته

لكن منهم من يشيخ وهو ما زال يرتكب الرذائل :

- شايب وعايب

ومن طبائع الإنسان المتأصله فيه : الطمع . وهو مستمر معه منذ الطفوله وعلى امتداد العمر ، وحتى لحظة الموت :

- ما يملى عين ابن آدم إلا التراب !

وقد اشتكت الأمثال المصرية من غياب الناس الحقيقيين بالموت بينما لا يبقى حول الإنسان سوى الفارغين ، أو التافهين :

- راحت الناس ، وبقى النسناس !

-ما يبقى على المزاود إلا شر البقر

3-الدنيا

يُثبت تناول الأمثال المصرية لموضوع الدنيا دليلاً آخر على اتساع النظرة الفلسفية لدى واضعى هذه الأمثال من ناحية ، وكذلك لدى المستخدمين لها من ناحية أخرى . فالإنسان لا يتحدث عن الدنيا إلا إذا أمكن له تكوين (فكرة عامة) عنها ، تقوم على مجموعة تجارب جزئية تراكمت لديه عبر عشرات بل مئات السنين .

ويعرف أحد الأمثال الدنيا بأنها عبارة عن الحال الحاضرة للإنسان ، وهكذا فإن كل إنسان له دنياه الخاصة به :

- دنياك ما أنت فيه

لكن الإحساس الدينى العميق لدى المصريين يربط بين الدنيا والدين :

- الدنيا أصلها الدين

وكذلك يربطها بالآخرة :

- الدنيا ما تغنيش عن الآخره

ثم تتوالى الوصايا الحكيمة لتعامل الإنسان مع الدنيا ، باعتبارها حالة مؤقته تمر بالإنسان أو يمر بها الإنسان ، وليس لها صفة الدوام والاستمرار :

- الدنيا ماهيش دايمه

وعلى الذين يحسبون أن أحوالهم الميسورة قد تدوم لهم أن يتنبهوا لخطأهم فى هذا الحياة !

- الدنيا ما تنضمنشى !

بل إن الدنيا بسبب تقلبها سيئه :

- الدنيا وحشه

وهى تحول حال الإنسان من النقيض إلى النقيض :

- الدنيا يوم تدّى ، ويوم تاخذ !

- الدنيا لا تخلى الراكب راكب ،

ولا الماشى ماشى !

- الدنيا بدل : يوم عسل ويوم بصل !

ويصورها أحد الأمثال بالغانية ، التى تمتع كل إنسان لفترة معينة ثم تنتقل منه لإمتاع غيره :

- الدنيا زى الغازيه

ترقص لكل واحد شويه !

وهناك بعض الأشخاص الذين يحصلون على ما فى الدنيا من متع وملذات بسبب قوتهم وجبروتهم :

- الدنيا لمن غلب !

لكن هناك أمثال أخرى أكثر عمقا من الناحية الفلسفية ، تصف الدنيا بأنها مرآة ، يقتصر دورها على إظهار صورة الإنسان الذى يقف أمامها ، ومعنى هذا أنها لا تعطيه إلا بمقدار ما تكون قابليته لهذا العطاء :

- الدنيا مرايه ، أوريها توريك !

وتستخدم بعض الأمثال خلق الدنيا فى أكثر من يوم لكى لا يستعجل الإنسان فى تحقيق أموره بسرعة قد تفسدها :

- الدنيا ما اتخلقتشى فى يوم !

لكن الدنيا فى النهاية ليست سوى طريق ، يبدأ بمنح الإنسان الحياة ، وينتهى بالموت :

- دنيا ، وآخرتها الموت !

4-الموت

شاع عن المصريين القدماء احتفاءهم بالموت، وإعدادهم القبور وتشييد الأهرامات لاستقباله ، وإقامة الطقوس المصاحبة واللاحقة له . لكن يبدو أن الأمثال الشعبية المصرية تقدم صورة مغايرة تمامًا لموقف المصريين من الموت ، ولعل الصورة الأولى هى التى كانت تعبر عن الموقف الرسمى للدولة ، حيث كان الكهنة هم الذين يصوغون المعتقدات ، ويكرسونها :

تقول الأمثال المصرية :

- الف نومه بكدر

ولا نومة تحت الحجر !

- أقل عيشه أحسن من الموت !

- ماكفى الميت موته .. حتى عصره القبر !

- الطفل يكبر ، والشعر يتربى

حزنى عليك يا ساكن التربه !

صحيح أن الموت حق ، وهو كأس داير بين الناس

- الموت على رقاب العباد

- الموت كاس ، وداير على الناس !

- ابن يومين .. ما يعيش ثلاثه

- كل عيشة وآخرها الموت

لكن بعض الأمثال سوت بين الموت والخراب :

- موت وخراب ديار !

وفى الموت يتساوى الفقير والغنى :

- أبو جوخه وأبو فَلّه (نوع من الكتان الغليظ)

فى القبر بيدلّى !

كما ينتهى الحال بالمعجب بنفسه ، سواء بماله أو بجاهه :

- بكره تموت يا أبو جبه

وأعمل لك فوق قبرك .. قبّه !

وفى أحد الأمثال ، يعلن أحد المتزوجين أنه كان يتمنى ألا يتزوج أبدًا ، ويعيش دهره أعزب ، ولا يفقد رفيقة عمره بالموت :

- أعزب دهر ، ولا أرمل شهر !

كما تبدى بعض الأمثال الدهشة من أن الموت قد يصيب الأصحاء ، بينما يتجاوز عن المرضى والضعفاء :

- اشحال ضعيفكم (عيانكم) ؟

- قالوا : قوينا مات !

لكن شعور الرضا يعود فيسيطر على الإنسان المصرى ، لثقته بأن الذى يقبض الأرواح هو الذى وهبها ، وهو – أيضًا – القادر على التعويض بغيرها :

- الله جاب ، الله خد ، الله عليه العوض !

5-معتقدات شعبية

توصل الإنسان المصرى إلى مجموعة من الحقائق الإنسانية التى وصلت عنده إلى مستوى المعتقدات ، ولذلك نراها ما زالت سارية حتى اليوم فى أحاديثه مع الآخرين ، كما أنها تبرز فى مختلف المواقف التى يتعرض لها فى حياته اليومية ، فتساعده على مزيد من التحمل ، أو تفتح له طاقة أمل فى جو عام من اليأس ، ومن ذلك :

- آخر الحياة الموت

- المكتوب ما منوش مهروب

- المعروف سيد الأحكام

- ما بين الخيرين حساب

- لاقينى .. ولا تغدينى

- كلمة (ياريت) ما تعمر بيت !

- كل واحد له شيطان

- كل شى فى أوله صعب

- كل إنسان فى نفسه سلطان

- عمر المال الحلال ما يضيع

- اكتم سرك .. تملك أمرك

- إن غاب القط .. العب يا فار

- الغالى تمنه فيه

- قصر الكلام منفعه

- عيب الكلام تطويله !

- عمر الشقى بقى

- العمر مش بعزقه !

- العايط فى الفايت .. نقصان فى العقل

- علقه تفوت ولاحد يموت

- شدة وتزول

- الرحمة تخص ، والنقمه تعم !

- إذا حضرت الملائكه غابت الشياطين

- أبدان مسلطة على أبدان

- الأشداق لها أرزاق

- القلوب مش زى بعضها

- الغلط مردود

- الغريب أعمى ولو كان بصير

- الغرض مرض !

- يموت المعلم وهو بتعلم

- يخلق من ضهر العالم جاهل (أو فاسد)

- ياما فى الحبس مظاليم !

- يا فرعون : أيه فرعنك ؟

قال : مالقيتش حد يردّنى !

- أقلها موال ينزه صاحبه !

- من خاف سلم

- يا بخت من قدر وعفى

- الهروب نص الشطاره

- من القلب للقلب رسول

- من قدم السبت يلقى الحد قدامه

- من فات قديمه تاه

- الغربه تعلم !

- يوم عسل ويوم بصل

- يدى الحلق للى بلا ودان !

- يموت الزمار وصباعه بيلعب

- الصبر مفتاح الفرج

- امش سنه ، ولا تخطى قنا

- اللقم تمنع النقم

- الظن يودى جهنم

- يا مآمنه للرجال ،

يا مآمنه للميه فى الغربال

- اخلص النيه وبات فى البريه

- ابن الحرام ..

ما خلاش لابن الحلال حاجه

- ترك الذنب ولا طلب المغفره

- ما بعد حرق الزرع .. جيره !

6-اللسان

اللسان هو أداة الحديث التى يطلب بها الإنسان تحقيق مطالبه من المجتمع ، كما يتمكن بواسطته من عرض بضاعته أو فكره وإقناع الآخرين بهما ، والواقع أننا نعثر فيما تركه المصريون القدماء لنا على الكثير من النصائح والحكم المتعلقة بأهمية اللسان فى حياة الإنسان ، وخطورته فى نفس الوقت إذا ما أساء صاحبه استخدامه .

وقد تناولت الأمثال المصرية – العامية ، الموضوع كعادتها بتفصيلات دقيقة ، ولونته أحيانا بالصور البلاغية التى تساعد على التأثير به فى النفوس .

إن أولى درجات الحديث تتمثل فى الحديث المعقول ، أى النابع من العقل المنظم ، الذى يفكر فى الموضوعات قبل أن يتحدث فيها ، وحينئذ لايهم شكل الإنسان ولا هيئته :

- اقعد عوج ، واتكلم عدل

وقد جعلت بعض الأمثال الحديث الطيب مدخلا لسلامة الإنسان :

- سلامة الإنسان فى حلاوة اللسان

بل إنها تعتبر عزَّا لمن لا يملك مالاً ولا جاها :

- حلاوة اللسان : عز بلا رجال

وكثيرا ما تعود حلاوة اللسان بالمكسب على صاحبها :

- الملافظ سعد

- من حسن لفظها ، بعتوها تخطب !

وفى المقابل من ذلك كله ، يمكن أن يكون لسان الإنسان سببا فى هلاكه أو شقائه :

- ما عدو الإنسان إلا لسانه

- اللسان عدو القفا

ويفسر هذا المثل الأخير :

- لولاك يالسانى ما انسكيت على قفايا

- جواب النحس على طرف لسانه !

بمعنى أن الإنسان المنحوس لا يفكر بروية قبل أن يتحدث ، ولذلك قيل :

- طاعة اللسان ندامه

وقد صورت بعض الأمثال فم الإنسان على أنه أحمق ، قد يضحك فى غير مواقف الضحك :

-الُبق أهبل !

أو بدون سبب

الضحك من غير سبب قلة أدب !

وأوصت بعضها الآخر بأفضلية الصمت على الكلام الذى لا فائدة منه :

- البق المقفول .. ما يخشوش الدبّان !

7-العمل : قيمته وأهميته

وعلى عكس ما هو شائع عن الشعب المصرى من الكسل والتواكل وعدم الإقبال على العمل ، والركون إلى الخمول والدعة كما ورد فى كتاب (وصف مصر) لعلماء الحملة الفرنسية ، وكتاب لين([4]) وكتاب بوركهارت([5]) .

فإن الأمثال المصرية تقدم نموذجًا مختلفا تمامًا عن تلك الصورة الشائعة ، وخاصة فيما يتعلق باحترام قيمة العمل ، وضرورته فى المجتمع ، فى نفس الوقت التى تدين فيه الكسل ، والتقاعس ، وعدم السعى على الرزق ، وإيثار الراحة على التعب ، وفيما يلى قائمة بأهم هذه الأمثال :

- السعى على المعاش عباده

- صنعه فى اليد .. أمان من الفقر

- صاحب صنعه .. أحسن من صاحب قلعه

- تراب العمل ، ولا زعفران البطاله

- الرزق يحب الخفيه

- الصباح رباح

- سكة أبو زيد كلها مسالك

- الرغيف المدور للشاطر اللى يدور

- ازرع كل يوم .. تاكل كل يوم

- الزرع إن ما غنى .. ستر

- الفلاحة فلاحه

- اداين وازرع .. ولاتداين وتبلع

- كلب داير ، ولا سبع نايم

- أعمل حاجتى يا يدى

ولا أقول للكلب ياسيدى

- كسل .. ما يطعم عسل !

- راس الكسلان .. بيت الشيطان

- اللعب بالقطط .. ولا البطاله

- الإيد البطاله نجسه !

أما عن التواكل ، فهو يكاد يكون مرفوضا تمامًا وخاصة فى الأمثال التالية :

- اعزمْ ، وأكل العيش نصيبْ

- اسعى يا عبد ، وأنا أسعى معاك !

- من دق على الباب .. سمع الجواب !

8-التدبير

ومما يرتبط بالعمل مراعاة التدبير فى المعيشة ، والاقتصاد فى تناول الأمور ، لكى لا يضطر الإنسان تحت وطأة الظروف المفاجئة إلى الحاجة إلى الناس :

- على قد لحافك مدد رجليك

ومن أهم مقدمات التدبير أن يدرس الإنسان المشروع الذى يقدم عليه بدقة قبل أن يدخل فيه :

- قبل ما تفصل .. قيس !

ومن التدبير الأخذ بالتقتير على النفس فى البداية ، إلى أن يتوافر المال والثروة فى النهاية :

- دبر غداك تلقى عشاك

- جوع سنة تغتنى العمر

وعلى الإنسان العاقل المدبر ألا يستقل شيئا ممّا يجمعه ، لأن القليل مع القليل يكون كثيرا :

- شعره من هنا ، وشعره من هنا يعملوا دقن !

- جوعه على جوعه .. خلت للعويل رسمال !

ومن التدبير ، ألا يسرع التاجر ببيع سلعته ، عندما يكون سعرها هابطا ، أو أقل من قيمتها . وهنا يصبح الانتظار حتى يرتفع سعر السلعة أو يساوى قيمتها أفضل بكثير :

- خلى العسل فى جراره .. حتى تيجى أسعاره!

وهناك مثلان مصريان يشير أحدهما إلى أن الإنسان يرهق نفسه فى التفكير بينما الله تعالى هو الذى يدبر أموره :

- العبد فى التفكير ، والرب فى التدبير

أما المثل الثانى فيدعو الإنسان صراحة إلى ينفق ما معه اعتمادًا على أن رزقه المقدّر له فى الغيب سوف يصل إليه لا محاله :

- اصرف ما فى الجيب يأتيك ما فى الغيب !

لكن هناك مثلا مضادًا لذلك يقول :

- اعزم وقّرط ، وأكل العيش نصيب

وأكثر صراحة فى الاعتماد على النفس ، وعدم التعلل بالأقدار عند التعثر أو الفشل فى التدبير المثل الذى يقول :

- العاجز فى التدبير .. يحيل على المقادير!

أما الإنسان المفرط فى أمره ، فيدعوه المثل إلى التوقف عن السير فى الباطل ، وضرورة إنفاق المال فيما خلق من أجله :

- اللى تسكر به .. افطرْ به !

9-المال

من المعروف أن المال هو عصب الحياة . وهو الذى يحدد قيمة الإنسان فى المجتمع ، فتوافره يجعله غنيًا ، وقلته أو انعدامه يجعله فقيرًا . ولكل من الغنى والفقير فى المجتمع مقام معلوم :

- اللى معاه قرش يساوى قرش !

- معاك مال .. ابنك ينشال ،

ما معكشى .. ابنك يمشى !

- غنى مات جروا الحبر (جمع حَبَره وهى ثياب النساء الطويلة)

فقير مات ما فيش خبر !

ولأن المال من ملكيات الإنسان الخاصة ، فهو حر تمامًا فى الاحتفاظ به أو إنفاقه بالصورة التى يراها، سواء كانت مقبولة أو غير مقبولة :

- مالك حلالك

- الدراهم مراهم

- اللى معاه قرش محيره ،

يجيب حمام ويطيره !

- بفلوسك .. حنّى ضروسك !!

والواقع أنه بالمال ، يستطيع الإنسان أن يحقق كل رغباته ، سواء الممكنة وأحيانا المستحيلة :

- بفلوسك .. بنت السلطان عروسك !

لكن المال له قانون أو بالأحرى عدة قوانين للحفاظ عليه ، واستثماره على نحو متزايد . فهناك مثلا :

- القرش الابيض ينفع فى اليوم الأسود

- خد من التل يختل

- جبال الكحل تفنيها المرواد

وكتر المال تفنيه السنين

- البحر يعوز الزياده

- حبه تتقل الميزان

- المال السايب يعلم السرقه

كذلك هناك من القوانين أن المال يأتى بالمال ، وهذا ما يجعلنا نشاهد أن الغنى يزداد غنى ، بينما يظل الفقير فقيرا :

- صاحب القرش صياد !

- طالب المال بلا مال .. زى حامل الميه فى الغربال !

وهناك نوع من المال يهبط على الإنسان دون تعب منه أو مشقة فى جمعه ، وهذا المال كما يأتى فجأة فإنه يضيع فجأة :

- مال تجيبه الرياح .. تخده الزوابع !

وبالتالى فلا ينبغى لصاحب مثل هذا المال أن يحزن على ضياعه

- المال اللى ما تتعب فيه اليد

ما يحزن عليه القلب !

لكن الملاحظ أن المال يأتى ويروح ، وقد شبهته الأمثال المصرية بالعصافير ، السريعة الحركة :

- الفلوس زى العصافير .. تيجى وتروح !

- المال بيجى ويروح

وكما يكون المال مصدرًا لسعادة الإنسان ، فقد يكون أحيانًا مصدر شقائه :

- من ماله ، ولايهناله !

كذلك هناك من الناس من يظل يجمع المال ويكدسه فى خزائنه ، ثم يفاجئه الموت ، فيتركه لورثته الذين يتمتعون هم به :

- مال الكنزى .. للنزهى !

ومع ذلك فلابد من الحفاظ على المال المكتسب ، وصيانته من الضياع ؛ لأن :

- المال السايب يعلم السرقة

وهناك مثل مصرى يشجع على بيع الأشياء بدلاً من رهنها :

- مال ترهنه .. بيعه !

كما أن هناك مثلا يفضل الجاه على المال :

- كف جاه ، ولا ويبة مال

ومع ذلك يبقى المال أحد أهم الوسائل التى تحقق رغبات الإنسان حتى ولو كانت بسيطة :

- بقرش قهوه .. يرد الشهوه !

أما أصدق الأمثال المصرية فهى التى تؤكد على أن توافر المال لدى الإنسان المغترب يقوم مقام الوطن بالنسبة إليه :

- غنى المرء فى الغربه .. وطن !

10-المعاملة

والمقصود بها هنا التعامل التجارى فى السوق ، وما يجرى فيها من بيع وشراء وسلف ودين ، وما يحدث فيها أيضا من تقارب وتباعد..

وفى البداية تأتى أهمية أن يعطى الإنسان وعدًا بلسانه ، وما ينبغى أن يلتزم به :

- ابن آدم يتربط من لسانه ، والبهيم من ودانه !

وقبل الدخول فى أى صفقة ، لابد من وضع شروطها بوضوح كامل ، حتى لا تحدث المنازعة بعد ذلك :

- اللى أوله شرط آخره نور

- الشرط نور

ومن المعروف أن الصفقات التجاربة لابد أن تكون بالتراضى بين الطرفين ، فإذا لم يحدث ذهب كل منهما لحاله دون حقد أو ضغينه :

- بين البايع والشارى .. يفتح الله

لأن الصفقة إذا تمت كان الخروج منها صعبًا جدا :

- دخول الحمّام مش زى طلوعه

وتتحدث الأمثال المصرية كثيرًا عن أهمية الاختصار فى الكلام ، وعدم التطويل فيه :

- كلمه ، أبرك من عشره

- كلمه ، ورد غطاها

كما توصى المتعاملين فى السوق بالتسامح فى البيع والشراء ، لأن الله تعالى هو الرزاق :

- بيع بخمسه (قطعة نقود نحاسية قليلة القيمة) واشترى بخمسه ، يرزقك الله بين الخمستين !

والتواجد فى السوق ، والتعامل فيه يعلمان الإنسان ، ويزيدان من تجربته :

- الشرا يعلم البيع !

ولابد أن يدرك الإنسان أنه بالتعاون مع غيره ، تحدث الفائدة المرجوة لكل منهما :

- شيلنى واشيلك

- خد بيدى اليوم ، أخد برجلك بكره

- تشهد لى بكحكه .. أشهد لك برغيف !

- القفه اللى لها ودنين ، يشيلها اتنين

- الناس لبعضها

وهنا لابد من التعاون ، وعدم استعلاء أحدهما على الآخر :

- أنا كبير وأنت كبير

ومن يسوق الحمير !

- الحال من بعضه

أما الشريك المخالف ، أى الذى يكثر من إثارة المنازعات مع شريكه ، فالبعد عنه حتى ولو بالخسارة أفضل من الاستمرار فى مشاركته :

- الشريك المخالف .. اخسْر وخسّره !

وعموما توحى الأمثال المصرية بأن اللجوء للسلف والديْن أمر سئ ، سواء كنت الدائن أو كنت المدين :

- السلف تلف .

- السلف تلف ، والرد خساره

والإنسان الذى يكثر من تعامله مع الناس ، عليه أن يتسامح أو بالأحرى يتغاضى عن كثير من كلامهم ، الذى لا طائل وراءه :

- فوّت كلمه .. تفوتك ألف !

وكلما نأى الإنسان بنفسه عن الدخول فيما لا يعنيه حافظ لشخصه على الاحترام وعدم الإساءة إليه :

- اللى يدخل فيما لا يعنيه، يسمع ما لا يرضيه !

وعموما فإن الناس يختلفون بشخصياتهم وتصرفاتهم عن بعضهم البعض :

- الناس مقامات !

- العين ما تعلى على الحاجب

- ناس للمعالق ، وناس للمساوق !

وسوف يظل الكرم وسيله ناجعة لامتصاص غضب الناس وحسدهم :

- كثرة اللقم تمنع النقم

- اطعم الفم تستحى العين

وهناك مثل وحيد ، يدعو إلى أن يستعين الإنسان على قضاء مصالحه بالرشوه (ولا شك أن هذا إنما يحدث فى غيبة الرقابة الصارمة وعدم تطبيق القانون العادل ، وكذلك فى شيوع الفساد!!)

- ارشوا تشفوا

وقريب منه : الدعوة إلى الخضوع والتذلل لمن لك عنده حاجه :

- إن كان لك عند الكلب حاجه،

قول له : ياسيدى!

ومع ذلك ، فقد أوصت الأمثال المصرية بإحكام فن التعامل مع الآخرين للحصول على رضاهم ، بل وإعجابهم :

- التقل صنعه !

وضرورة عدم إيذاء أحد ، حتى ولو كان ضعيفًا أو صغيرًا :

- تضرب القطه تخربشك !

أما أولئك الذين يظهرون بغير خصالهم الحقيقية ، فلابد من التوقف عندهم :

- تحلف لى أصدقك ،

أشوف أمورك أستعجب !

ومن هنا كانت العشرة الطويلة هى التى تفرز الإنسان الجيد من الردئ :

- تعرف فلان ؟ قال أعرفه

قال : عاشرته ؟ قال ما عشرتوش

قال تبقى ما تعرفوش !

ويبقى أن الإنسان فى تعامله مع الآخرين إذا وعد بخير ، أسرع بتقديمه ، وعدم التسويف فيه :

- خير البر عاجله !

11-الحظ

الحظ هو تحقيق الإنسان لهدف دون أن يخطط للوصول إليه ، أو يبذل جهدًا فى تحصيله . ولا شك أنه يمثل الاستثناء من القاعدة ، وليس القاعدة نفسها. والدليل على ذلك أنه يظل موضع تعجب ودهشة ، وأحيانا رفض واستنكار، لأن العادة جرت، والقوانين استقرت على أن المقدمات تؤدى إلى النتائج ، والعمل هو الذى يحقق الأمل ، كذلك فإن مبدأ السببية الموجود فى الطبيعة يكاد يكون هو نفسه الموجود فى الحياة الإنسانية .

وكما أن هناك حظا حسنًا قد يصادف بعض الأشخاص ، فإن هناك حظًا سيئًا أو عاثرًا قد يلازم البعض الآخر . وقد تناولت الأمثال المصرية كلا منهما بالرصد والتصوير :

أ-الحظ الحسن :

تؤكد بعض الأمثال المصرية أن الحظ الحسن أو السعد لا يترتب بالضرورة على العمل وبذل الجهد :

- السعد وعد

- السعد ماهوش بالشطاره

- قيراط بخت ، ولا فدان شطاره

- البخت يتبع أصحابه

- بختك يا ابو بخيت

- بختها معاها ، أين ما تمشى يتبعها

وفى أحيان كثيرة تأتى النتائج الحسنة لمن هو غير أهل ولا مؤهل تمامًا لها :

- رميه من غير رامى

- أكل ومرعى ، وقلة صنعه !

- تيجى مع العور .. طابات !

- تبقى عوره وبنت عبد ،

ودخلتها ليلة الحد !

لكن فى أحيان أخرى ، قد يأتى الحظ الحسن أو البخت لإنسان عادى :

- رزقه فى رجليه

- باضت له فى القفص

- جات معاه بالقلع والمجداف

- نام وقام .. لقى روحه قائقام

- ارميه البحر ، يطلع وفى بقه سمكه !

ب-الحظ العاثر:

وبالمقارنة الأوليه بين عدد الأمثال فى الحظ الحسن مع أمثال الحظ العاثر نجد التفاوت واضحًا ، لصالح الثانى على الأول .

فعلى الرغم من مهارة الإنسان فى عدة صنائع ، إلا أن حظه عاثر ولا يوازى أبدًا تلك المهارة :

- سبع صُنع فى إيديه .. والهم جاير عليه !

وهكذا فإن صاحب الحظ العاثر يظل كذلك ، مهما حاول التخلص منه :

- المتعوس متعوس،

ولو علقوا على رأسه فانوس!

- المغلوب مغلوب ، وفى الآخره يضرب طوب !

بل إنه أحيانا يفقد الشئ وهو بين يديه :

- طار طيرك ، وأخده غيرك

- يا فرحه ما تمت ، خدها الغراب وطار

بل وهو فى فمه :

- تبقى فى بقك ، وتقسم لغيرك

وتؤكد بعض الأمثال على أن الناس أمام الحظ صنفان ، أحدهما يكون من نصيبه الحظ الحسن ، والصنف الثانى من ضحايا الحظ العاثر :

- ناس فضيحتها فى السوق

وناس فضيحتها فى صندوق !

- الناس خيبتها السبت والحد

واحنا خيبتنا ما وصفتش لحد !

- ناس تاكل بلح ، وناس تتحدف بالنوى !

وصاحب الحظ العاثر يتقلب فى المصائب ، وأحيانا يهرب منها فيقع فيما هو أسوأ منها :

- طلع من نقره لدحديره !

- من طوبه لدحديره .. يا قلبى لا تحزن !

- راحت من الغز (الترك) هاربه ،

قابلوها المغاربه ! (وهم أسو من جنود الترك)

- رحت بيت أبويا أستريح ،

سبقنى الهوا والريح !

بل إن صاحب الحظ العاثر إذا أراد أن يتخفى عن أعين الناس فوجئ بمن يعكر عليه خلوته حتى لو كانت فى الخرائب والقبور :

- إذا رحنا القبور .. يطلع لنا ناطور (حارس)

- له فى كل خرابه عفريت !

وأحيانا يمنّى صاحب الحظ العاثر نفسه بالأمانى الطيبة والأفراح ، فيقع له العكس منها تماما :

- فرحنا با لنيل ، جه النيل غرقنا !

- على بخت زفافى

قصر الليل ، وتابت المغانى !

بل إن اللص ، صاحب الحظ العاثر ، يصطدم فى طريقه بالعقبات التى تفسد عليه فرحته بالسرقه :

- طلع نقبه على شونه !

ومن الغريب أن صاحب الحظ العاثر قد يمتلك المال، ويكون غنيا ، ولكنه لا يستمتع به :

- يبقى مالى ، ولا يهنالى !

أما إذا كان فقيرًا ، فإن الفقر لا يفارقه مدى الحياة :

- غنى ما احنا مغنيين ،

فقر أدى احنا فى قلبه !

أما أبرز ما وصفت به الأمثال المصرية الزمن الذى يحيط بأصحاب الحظ العاثر فهو ذلك المثل الذى يطيل مدة السنة إلى خمسة عشر شهرًا :

- السنة السودة .. خمستاشر شهر !

12-الحزن والهم

تعكس الأمثال المصرية روحا حزينا ، وتتحدث كثيرًا عن ثقل الهم وتراكمه ، وكذلك تواصله واستمراره على قلب الإنسان . والواقع أن الظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية التى مرت بالشعب المصرى ، بالإضافة إلى سوء معاملة المحتلين الأجانب تقف وراء تلك الحالة النفسية العميقة ، والتى قد لا نجدها فى صور المعابد ، وإنما نلاحظها بوضوح على وجه الفلاح المصرى ، الذى ملأته التجاعيد . ولنستمع إلى هذا المصرى يقول :

- من يوم ما ولدونى . فى الهم حطّونى

- قضيت العمر فى قهر ..

هو العمر كام شهر ؟!

- كنت بالهم القديم راضى ،

جانى الجديد زوّد أمراضى !

- ياقلب ياكتاكت .. يا ما فيك وانت ساكت !

وقد أكد الإنسان المصرى أن الدنيا تحتوى على الكثير من الهموم ، وقد تراها الملاحظة العابرة مساوية للأفراح ، لكن الحقيقة والتجارب تدل على أن وقوع الهموم مبعثرة ، ومتفرقة هو الذى يجعلها تبدو كذلك :

- الهم فى الدنيا كتير ، بس مفرق !

لقد سجلت الأمثال المصرية أن الهم والحزن من أقوى ما يتعرض له الإنسان من مصائب :

- أتقل من الهم ع القلب !

ولذلك حذرت من إرهاق القلب ، واعتبرت إرهاق الجسم أخف وطأة :

- ما تعب إلا تعب القلب

- اتعب جسمك ، ولا تتعب قلبك

فهل كان المصرى يدرك أن الآثار الصحية المترتبة على تعب القلب أكثر خطورة على حياته من تعب الجسم ؟!

لكن الهموم قد تختلف أحيانا فى وقعها ، وتأثيرها . فكما أن بعضها يؤدى إلى البكاء ، فإن بعضها الآخر يبعث على الضحك الذى يمتزج بالضرورة مع السخرية .

- هم يضحك ، وهم يبكى !

إن الهم والحزن عندما يصيبان إنسانًا ، فإنهما لا يظهران عليه فقط ، وإنما على كل ما يحيط به :

- باب الحزين معلّم بطين !

ومع ذلك ، وعلى الرغم منه ، فقد حاول المصرى مغالبة الهم بعدة وسائل : منها النوم والبكاء والدموع!

- الأيام الوحشه فايدتها النوم !

- كتر الحزن يعلم البكا

- حيلة العاجز .. دموعه !

ومنها مشاركة إنسان مهموم آخر فى الشكوى من الهم ، لمحاولة التخفيف من الحزن !

- اشكى لى ، وانا ابكى لك

لكن المأساة تعظم ، عندما يعم الهم الجميع ، ولا يجد الإنسان شخصا واحدًا خاليا منه ليكون مناسبا لسماع شكواه أو التعاطف معه :

- أشكى لمين ، وكل الناس مجاريح !

والأدهى من ذلك ، عندما يحدث النزاع أحيانا بين اثنين مشتركين فى الهم :

- لا تعايرنى ولا اعايرك

ياللى الهم طايلنى وطايلك

وسوف تصبح من سخرية الأقدار أن يلتقى اثنان كلاهما على مستوى واحد من الهم :

- اتلم المتعوس على خايب الرجا !

ومن وسائل مغالبة الهم أيضا : محاولة اتخاذ موقف اللامبالاة من مرور الأيام :

- الشهر اللى ما لكش فيه ،

ما تعدش أيامه !

وقد يكون النوم ، أى الغياب عن واقع اليقظه وسيلة أخرى لذلك :

- الأيام الزفت مالها إلا النوم

وقد يحاول الإنسان التخلص من بعض الهم الثقيل بقبول الأخف منه :

- ايه رماك على المر ؟ قال : اللى أمر منه !

وهناك صرخة يأس كاملة ، تظهر فى مثل وحيد ، حين يتمنى صاحبها المهموم أن يختفى تماما من على وجه الأرض :

- يا أرض انشقى ، وابلعينى !

لكنه يعود فيعترف بمصائب الدنيا ، ويحاول التحمل:

- النهارده دنيا ، وبكره آخره

ولذلك قد تكون الغربة أحد وسائل الهروب من وطن الهم ، لكن الغربة ليست بالأمر المريح أو السهل ، فإن الإنسان يحسّ فيها أيضا بالهم ، وتهان كرامته :

- الغربه كربه ، وتدلّ الأصول !

أى تجعلها ذليلة .

13-الأخلاق

الأخلاق فى التحليل البسيط عبارة عن دوافع وسلوكيات. الدوافع باطنة فى النفس بينما السلوكيات هى المظاهر الخارجية لها ، وهى التى نحكم بها على الإنسان ونقسمه إلى فاضل وشرير .

وقد أعطت الأمثال المصرية للأخلاق بجانبيها اهتماما خاصا ، وإن كانت قد أكثرت من أمثال الأخلاق الشريرة . أما الأخلاق الفاضلة ، فمنها الكرم ، الذى يتعارض فى النهاية مع الغنى :

- الكريم ما يستغنى

- الجوده م الموجوده

ومنها الصبر عند الشدائد :

- ما تضيق إلا لما تفرج

- الصبر مفتاح الفرج

ومنها التسامح ، وقبول من جاء إلى بابك معتذرا :

- اقبل عذر اللى يجى لك لحد باب الدار !

ومنها الاكتفاء بالهين دون الحاجة للشئ الغالى عند الغير :

- شعيرنا ، ولا قمح غيرنا

ومنها الشرط قبل المعامله حتى لا يحدث نزاع بعد ذلك

- الشرط عند الحرت ، ولا الخناق فى الجرف

ومنها المصارحه بدل الغش :

- بدل ما تغشه .. قول له فى وشه

ومنها التعاون :

- إيد على إيد تساعد

- البركه فى اللمة

- البركه فى كتر الأيادى

الأخلاق الرديئة :

الحسد :

- الحسود لا يسود

- الحسود تعبان

الكذب :

- الكدب مالوش رجلين

الطمع :

- اخرج الطمع من قلبك

ينحل القيد من رجلك

- الطمع يقل ما جمع

- عمر الطمع ما جمع

- من طلب الزياده وقع فى النقصان

السرقة :

- بيت النتاش .. ما يعلاش

- ياواخد مغزل جارك

راح تغزل بيه فين ؟!

- الحرامى الشاطر ما يسرقش من حارته !

- ياواخده جوز المره .. يامسخره !

الشر :

- أصل الشر فعل الخير

- خير تعمل .. شر تلقى

- خير ما عملنا ، والشر جانا منين ؟!

قلة الأصل :

- جينا نساعده فى دفن أبوه

فات لنا الفاس ، ومشى ..

دناءة النفس :

- الدناوة طبع !

المشاركة فى الشر :

- فيها .. لا اخفيها !

فساد القدوة :

- الأب عاشق ، والأم غيرانه ،

والبنت فى البيت حيرانه

الظلم :

- بيت الظالم خراب

- دار الظالم خراب ولو بعد حين !

النفاق :

- الوش وش حاجج ،

والطبع ما تغيرشى !

تصابى العجوز :

- شايب وعايب

- الشايب لما يدلع .. زى الباب لما يتخلّع !

انعدام الوفاء :

- ازرع ابن آدم .. يقلعك !

السعى فى الإثارة :

- عايز جنازة ويشبع فيها لطم

التباهى :

- يا أرض اتهدى .. ما عليك قدى !

14-الاعتزاز بالنفس

على الرغم من حالة الفقر التى لازمت الطبقات الغفيره من الشعب المصرى ، والتى كانت تضطره إلى المداراة ، والصبر ، والتحمل إلا أن شعور الاعتزاز بالنفس يظهر واضحًا فى الكثير من الأمثال التى لا ترضى بالخضوع ، وتفضل الاكتفاء بالقليل على الحاجه إلى الغير :

- النفس عزيزه ، إذا شح زادها !

- هين فرسك ، ولا تهين نفسك

- بخمسة كرفس ، ولا أهينك يا نفس !

إن ممارسة المهن أيا كانت ، أفضل من عمل الإنسان أجيرًا عند غيره ، فيتعرض أحيانا للإهانة :

- بيع واشترى، ولا تنكرى (أى لا تؤجر نفسك – من الكراء)

كذلك فإن العمل مهما قلت قيمته وهانت منزلته فى المجتمع أهون وأفضل من مد اليد إلى الناس :

- الحجامه بالفاس ، ولا الحاجة للناس !

والاعتماد على ما لدى الإنسان من وسائل ضعيفة أكرم بكثير من سؤال إنسان لئيم عما لديه من وسائل أفضل :

- حمارتك العرجا ، ولا سؤال اللئيم

وأن يقوم الإنسان بالعمل بيديه خير من أن يسأل إنسانا آخر ، قد يساعده وقد يرفض مساعدته ، وهو فى كلا الحالتين يتعرض لذل السؤال والإهانه :

- بدال ما أقول للعبد يا سيدى

أقضى حاجتى بإيدى !

إن الإنسان حيث يضع نفسه ، ولذلك فإن :

- من عمل نفسه نخاله .. لحسته البقر !

أما الإنسان الأصيل فهو الذى لا يتغير معدنه ، حتى لو وضع فى أصعب المواقف :

- السبع سبع ، ولو فى قفص !

15-المرأة

ليست صورة جميلة ولا إيجابية تلك التى تقدمها الأمثال المصرية للمرأة المصرية بالذات ، أو للمرأة عموما . ومع أن الحديث عن المرأة سوف يأتى مرة أخرى فى موقعها كزوجة ، إلا أننا هنا سوف نخصصه للمرأة خارج إطار الزواج .

وفى البداية ، هل يمكن القول بأن هناك جينات محددة تنتقل من المرأة لابنتها بحيث تجعلها تأخذ كل صفاتها ؟ بعض الأمثال تؤكد ذلك :

- اكفى القدره على فمها ، تطلع البنت لامها

- بنت الحّراسه، تطلع درّاسه

لذلك تجرى السخرية أحيانا من البنت التى تحاول تعليم أمها :

- الربعيه ، تعلم أمها الرعيه !

لكن هناك نساء مجتهدات ، يجدن العمل سواء فى الحقل أو فى البيت ، ويمكنهن استخدام أبسط الوسائل لتحقيق أفضل النتائج :

- الشاطره تغزل برجل حمار !

وتحذر الأمثال المصرية من خطورة المرأة تحت مظهرها الهادئ والمسالم :

- تحت البراقع .. سم ناقع !

ويؤكد أنهن يتفوقن فى المكر والخداع والوقيعة بالآخرين على الرجل :

- كيد النسا غلب كيد الرجال

ولذلك على الرجل أن يحذر دائمًا من المرأة ، حتى ولو أظهرت الخشوع والعبادة :

- لا تأمن للمرأة إذا صلت ،

ولا للخيل إذا طلّت

ولا للشمس إذا ولّت !

وما أفدح خسارة الرجل الذى يجعل من عشق النساء غايته :

- النسوان، اللى يعملهم تجارته .. يا خسارته !

لكن هناك مثلاً يشير إلى أن فساد المرأة يرجع إلى إغواء الرجل لها ، ولذلك ينبغى إبعاد الجنسين عن بعضهما :

- إيه يحرر النسا ؟

قال : بُعد الرجال عنها

كما تفرق بعض الأمثال بين المرأة فى حقيقتها ، وفى مظهرها الخارجى

- بره ورده ، وجوّا قرده !

ولا شك أن الثياب ، والزينة هى التى تضفى على المرأة الجمال والإبهار أحيانا :

- لبسْ البوصه ، تبقى عروسه !

وللمرأة حسب الأمثال المصرية ، طبيعة خاصة ، فهى تحب التفاخر أمام الناس بما لديها ، وفى أكثر الأحيان بما ليس لديها :

- القرعه .. تتباهى بشعر بنت اختها !

لكن هناك من تقصر فى إظهار مواهبها :

- زى اللى رقصت على السلم :

لا اللى فوق شافوها ولا اللى تحت شافوها !

وأخيرًا تشير بعض الأمثال إلى خفة عقل المرأة ، وتصرفاتها الناتجة عن ذلك :

- هبله ، ومسكوها طبله !

ولذلك فإن أى حدث تافه قد يؤثر فيها ، لكنه فى نفس الوقت يطلعنا على نوعين من النساء : العاقلات والخفيفات العقل !

- زمر الزميره

تبان العاقله م المجنونه !

16-الزواج

كثير جدًا من الأمثال المصرية تدور حول الزواج فى مختلف مراحله ، بدءًا من اختيار الزوج والزوجه ، وأهمية النسب ، ومرورًا بمشكلات الحياة الزوجية ، وانتهاء ببعض النصائح التى تحافظ على الرابطة الزوجية وتحميها من الانفكاك. والواقع أن هذا الاهتمام الواضح بالزواج يعكس القيمة التى يعطيها المصريون للزواج ، التى يعنى فى المقام الأول تكوين الأسرة التى هى اللبنه الأولى فى بناء المجتمع المستقر والذى سبق أن أقاموه على ضفاف النيل منذ آلاف السنين . ولمزيد من التوضيح ، فقد قمنا بتقسيم موضوع الزواج إلى عدة عناصر تتمثل فيما يلى :

أ-ما قبل الزواج :

دقة الاختيار وأهمية النَّسَب :

تؤكد بعض الأمثال المصرية على أن الدخول فى الزواج يتطلب حسن اختيار الزوجة ، والتدقيق فى حال أهلها ، لأن النسب يمكن أن يكون نوعًا من القرابة ، إلى جانب كونه يضفى قيمة اجتماعية للزوج أو الزوجة :

- النسب حسب ، وإن صح يكون أهليه

- اسأل قبل ما تناسب، يبان لك الردى والمناسب

والواقع أن علاقة النسب علاقة اجتماعية حساسة جدًا ، وهى تتأثر بأى تصرف طائش أو بادرة سوء من أحد الطرفين :

- النسب زى اللبن ، أقل شئ يغيره !

لكن العجيب فى الأمر هو إلحاح عدد كبير من الأمثال المصرية على ضرورة الابتعاد عن الزواج من الأقارب ، إلى حد تفضيل المرأة الغريبة ، حتى لو كانت معيبة :

- خد من الزرايب ، ولا تاخذ من القرايبْ

- إن كان لك قريب .. لا تشاركه ولا تناسبه

- الدخان القريب .. يعمى !

وتعتقد بعض الأمثال بأن الزواج من المرأة الغريبة أكثر بركة من القريبه :

- بارك الله فى المرأه الغريبه ، والزرعة القريبه

ومع ذلك فهناك مثل يقول :

- زيتنا فى دقيقنا

أى أننا زوجنا أبناءنا لبناتنا فى العائلة الواحدة ،

كما أن هناك مثلا آخر يفضل زواج ابن العم :

- آخد ابن عمى ، واتغطى بكمى

لكن هذين المثلين يكادان يكونان استثناء من القاعدة العامة فى هذا الصدد .

ب-مواصفات الزوجة الجيدة :

توصى الكثير من الأمثال بأن "أصل" المرأة له دور كبير فى نجاح الزواج ، لأن المرأة الأصيلة هى التى تحافظ على رابطة الزواج ، وتصون كرامة الرجل ، كما أنها تتحمل معه الظروف الصعبه دون تململ أو ضجر :

- خد الأصيله ، ونام على الحصيره

- بنت الأكابر غاليه ، ولو تكون جاريه

- دور مع الأيام إذا دارت

وخد بنت الأجاويد إذا بارت !

ومن المعروف أن بنت الأصول قد تكون فقيرة ، بسبب تدهور الأحوال المادية لأهلها ، ولذلك فإنها فى هذه الحالة تكون أفضل للزوج :

- خد الشمس من تحت الغيم ،

وخد البنت من تحت الضيم

وهنا مثلان يكادان يكونان متناقضين فى اختيار الزوجة ، كبيرة السن :

يقول الأول :

- من همّه ، خد قد امّه !

بينما يقول الثانى :

- الدهن فى العتاقى !

كما أن هناك مثلا يفضل المرأة القصيرة على الطويلة :

- جوز القصيّره .. يحسبها صغيره !

أما عندما تخلو المرأة (أو حتى الرجل) من المال والجمال معا فهنا يكون التحذير :

- لا مال ولا جمال !

ج-أهميه الزوج ومواصفاته :

تؤكد الأمثال الشعبية على أهمية وجود الزوج فى حياة المرأة ، ومن ذلك :

- ضل راجل ، ولا ضل حيط !

- خدى لك راجل ..

يبقى لك بالليل غفير ،

وبالنهار أجير !

- أقل الرجال .. يغنى النسا !

ولابد أن تعطى المرأة اعتبارا لحالة الرجل المادية ، فهى أساس قيام الحياة الزوجية واستمرارها :

- عيب الراجل جيبه

لكن يفضل فى هذه الحاله اختيار الرجل العامل ، الذى يجيد صنعة على الرجل الغنى الذى يعتمد فقط على ممتلكاته :

- خدى أبو صنعه ،

ولا تاخدى أبو قلعه !

ومع ذلك ، فلابد أن يجمع الرجل مجموعة من الصفات الأخرى إلى جانب المال ، لأن المال يوجد ويفنى :

- يا واخده القرد على كتر ماله ،

بكره يفنى المال ، ويتنه القرد على حاله

وهناك مثل فريد ، تفخر به امرأة مصرية يقول :

- أبويا وطانى ، وجوزى علانى !

أى أننى كنت فى بيت أهلى بدون قيمة ، وأصبحت عاليه القدر بعد الزواج .

ومثلها واحدة أخرى تقول :

- جهنم جوزى ، ولا جنة أبويا !

والواقع أنه نظرًا لأهميه اختيار الزوج ، فإن بعض الأمثال تهيب بالآباء أن يساعدوا أبناءهم ، وبناتهم بالذات ، فى هذا الاختيار :

- اخطب لبنتك ، ولا تخطب لابنك

ويفضل أن يختار الرجل لابنته زوجًا يسكن فى مكان قريب منه ، حتى تحظى برعايته ، وعند الضرورة تساعده :

- جوّزها بديك ، وناديها تجيك !

أما الفتاة التى تظل ترفض خطابها ، وترى أن أحدًا منهم لا يستحقها فقد تفوت فرصة الزواج عليها ، وتنتهى بها الحال إلى أن تتقدم فى العمر ، ولا تجد من يتقدم للزواج منها :

- خطبوها تعززت ، فاتوها تندمت !

وقد صورت الأمثال المصرية الفتاة التى لم تتزوج بالبضاعة التى لم يقبل عليها المشترون ، ولذلك سوف تظل فى بيت أبيها طول العمر :

- البايرة لبيت أبوها !

وكما أن الزواج يتطلب قدرًا من تدخل الأهل لاختيار الزوج أو الزوجة ، فإن الفتاة عليها مسئولية أن تظهر أمام الخطاب ، لكى يروها :

- تقعد تحت الحنيّه

وتقول : يا امه مالوش نيّه !

يعنى أنها تختفى عن الأنظار ، وتزعم أن الخاطب المحتمل هو السبب فى عدم التقدم لخطبتها !

أما أطرف ما فى موضوع الخطبة ، فهو المثل الذى يتحدث عن شخص (قد يكون الأب) أرسله الخاطب ليخطب له فتاه ، فأعجب بها ، وتزوجها هو :

- راح يخطبها له .. اتجوزها !

د-الزواج من الداخل :

الزواج شراكة بين طرفين ، وهو يقوم أساسًا على الرضا والتفاهم بينهما ، ولذلك فإن تدخل طرف ثالث – حتى ولو كان مسموع الكلمة – يعتبر عملاً فى غير موضعه :

- أنا راضي وأبوها راضى ،

وإيه دخلك يا قاضى ؟!

والمسألة تتلخص ببساطة فى أن الزواج يبدأ باجتماع الزوج مع الزوجة بهدوء فى عش الزوجية ، وبالتالى فإن كثرة المدعويين ، وضججيهم ، وإرهاقهم لأنفسهم أمور لا معنى لها :

- العروسة للعريس ، والجرى للمتاعيس !

والواقع أن الزواج قد يكون سعيدًا ، والمدار فى ذلك على الزوجة التى هى دائمَا مصدر السعادة والحنان لزوجها :

- بلدك فين ياجحا ؟

قال : اللى فيها مراتى

وقد يكون زواجًا تعيسًا ، وحينئذ تكون العزوبة أفضل منه :

- العزوبية ، ولا جوازة العرّه !

- قعاد الخزانه ، ولا الجوازه الندامه !

وقد يتزوج شخصان تافهان فيفقد الزواج من اجتماعهما معناه :

- جوزوا مشكاح لريمه

ما على الاثنين قيمه !

وهناك بعض الأزواج الذين يسببون الضيق لزوجاتهم بسبب بقائهم لفترة طويله أو طوال الوقت فى البيت ، الذى هو أساسًا مملكة الزوجة ، الذى تحب أن تخلو فيه أحيانا لنفسها ، وأن تأخذ راحتها :

- الندب بالطار .. ولا قعاد الراجل فى الدار !

وقد يكون الزوج على خلق سىء ، فينقله إلى زوجته

- جوزى يكدب علىّ ،

وأنا اكدب على الجيران !

وتوصى بعض الأمثال الزوج بألا يبوح بسره (الخاص) لزوجته حيث يترتب على ذلك نتائج غاية فى السوء بالنسبة إليه :

- من أعطى سره لمراته ..

يا طول عذابه وشتاته !

ومن الطبيعى أن تغار الزوجه على زوجها ، لكن طريقه التعبير عن هذه الغيره قد تؤدى إلى انفصالها عنه :

- غيرة المره .. مفتاح طلاقها !

ويوجد مثلان يتحدثان عن الزواج من امرأتين ، أما الأول فيبين مزاياه :

- جوز الاتنين .. عريس كل ليله !

لأن كل واحدة منهما تبذل أقصى ما فى استطاعتها لإرضائه والفوز بإعجابه أكثر من الزوجة الأخرى .

وأما الثانى ، فيحذر الزوجة الثانية من أن نهايتها غير مستحبة لأن الرجل فى العادة يرجع إلى الزوجة الأولى بسبب تاريخ العشرة السابق بينهما :

- القديمهْ تحلى ، ولو كانت وحْله !

أما الشخص الذى قد يتزوج ابنة عمه ، أى قريبة جدًا منه ، فلابد أن يكسر بينها وبينه حاجز الحياء من القرابة ، وإلا فإن النتائج الطبيعية المترتبة على الزواج لن تتحقق :

- اللى يستحى من بنت عمه

ما يجيب منها عيال

ومن النصائح الهامة جدًا فى مجال الزواج أن يعامل الزوج حماته بصورة قد تكون أفضل مما يعامل به زوجته ، لأن الأم ذات تأثير كبير على ابنتها ، وإذا ارضيت عن الزوج فإنها ستدفع ابنتها لبذل ما تستطيع لإرضائه :

- بوس إيد حماتك ، ولا تبوس إيد مراتك !

يبقى مثلان حزينان جدًا ، أما الأول فيذكر خيبة أمل أم زوجت ابنتها لتبعد عنها ، وتستقل بنفسها ، فإذا بها تأتى بزوجها ليقيما معًا فى بيت أهلها :

- جوزتها تتاخر ، راحت وجابت لاخر !

وأما الثانى فيصور صدمة البنت التى تزوجت ، ثم اضطرت للعودة إلى بيت أبيها ، فإذا الباب يوصد فى وجهها ، وتقدم لها المعاذير :

- جيت بيت أبويا ارتاح

قفل

وه فى وشّى .. وتوهوا المفتاح !


17-
الأولاد

يصف المصريون الأطفال بأنهم "أحباب الله" :

- الأطفال أحباب الله

ولصفاء طبيعتهم وهم أطفال ، قد تتحقق بعض إشاراتهم :

- خدوا فالكم .. من عيالكم

ويعتبر المصريون أن الأولاد بالنسبة للإنسان عمر ثان ، فالذى ينجب لا يموت :

-اللى خلّف ما متشى !

ويعتبرونهم درعًا واقيًا للوالدين ، ومصدر إغاظة للأعداء :

- ولادى فدايا ،

وأنا مسامير عدايا

وذلك لأن الأولاد الذين يخرجون من البطن لا يمكن أن يتحولوا إلى أعداء للوالدين :

- البطن ما تجيبش عدو

أو كما جاء أيضا فى بعض الأمثال :

- الضفر ما يطلعش من اللحم ،

والدم ما يبقاش ميه !

ولذلك فإن من يساعدهم يستحق أسمى آيات الشكر :

- أسيادى وأسياد أجدادى

اللى يعولوا همى ، وهم أولادى !

حتى لو غضب الوالدان على ابنهما ، فإنهما لا يحبان من يشاركهما فى هذا الغضب ، لأنه فى الواقع غضب عابر لا ينبع من القلب :

- أدعى على ولدى

وأكره من يقول : آمين !

إن جينات الأولاد تمتد فى شرايين آبائهم ، وأجدادهم حتى سابع جد :

- العرق يمد .. لسابع جد !

ولعل هذا ينحدر للأحفاد أيضا :

- أعز الولد : ولد الولد !

وتسجل بعض الأمثال خصائص للأطفال ، قد نراها غريبة ولكنها صحيحة ، ومن ذلك مثلاً أن الطفل الذى يكثر من البكاء تحاول أمه أن تسكته بالرضاعة ، ولذلك يحصل على المزيد من الغذاء:

- الطفل النقّاق .. كتير الرضاعه !

وهناك مثل وحيد ، يفضل حب الإنسان لنفسه على حبه لأبنائه وذلك فقط فى حالة الخطر المحدق الذى يؤدى للهلاك :

- إذا جه الطوفان ،

حط ابنك بين رجليك !

وتشير بعض الأمثال المصرية إلى ظاهرة كثرة الإنجاب ، وتعتبرها من أسباب الفقر :

- من كترت أولاده .. قل زاده

وكما أن الأولاد يتمايزون فيما بينهم من ناحية الخير والشر ، فإن تصرفاتهم تعود بالضرر على أهلهم :

- الدريه الوحشه تجيب لأهلها اللعنه

- الولد الزفت يجيب لأهله النعله !

وعلى الرغم من حب الأب لابنه ، وتخوفه عليه ، فإن بعض الأبناء لا يبادلون آباءهم نفس الشعور ، بل على العكس تكون قلوبهم متحجرة :

- قلبى على ولدى انفطر ،

وقلب ولدى علىّ حجر !

لكن بصفة عامة ، تظل الأم حريصة على تجميع الأولاد حولها بينما لا يفعل الأب ذلك :

- الأم تعشش ، والأب يطفش !

ولأن البنت مصيرها الزواج ، الذى يبعدها عادة عن بيت أهلها ، فإنها تكون بخلاف الولد الذى يمكن أن يظل مع والديه بعد الزواج ، وذلك عندما تحضر زوجته للإقامة معه (وهى عادة معروفة فى الريف المصرى) :

- البنات مربطها خالى !

ومهما كبر الابن فى المقام والمركز ، يظل فى نظر والديه هو ذلك الطفل الصغير الذى يستحق الرعاية والاهتمام :

- الولد ولد ، ولو كان شيخ بلد !

لكن تقدم الولد فى العمر يقتضى من والده نوعا خاصا من المعاملة ، تختلف عن تلك التى كانت أيام طفولته وصباه :

- إن كبر ابنك .. خاويه

بل إن هنا من الأمثال ما يدعو الأب إلى أن يبدأ بالاهتمام بمظهره عندما يصل ابنه إلى مرحلة البلوغ أو يتجاوزها :

- إن طلعت دقن ابنك .. زين دقنك !

وفى مجال التربية ، قد يقسو الوالدان على الأولاد، وما دامت هذه القسوة نابعة من الحب والعطف والحنان ، والنظر لعواقب الأمور فإنها لا تضر الأطفال .

- اكسر للعيل ضلع .. يطلع له اتنين !

ومع ذلك ، فإن الوالدين مهما تصرف معهما الأولاد بصورة قاسية أو حتى خاطئة ، فإنهما يظلان بالنسبة إليهم مصدر الحب الذى لا ينفد ، وبعد وفاتهما تكاد الحياه تخلو من أى معنى :

-العز بعد الوالدين .. هوان !


18-
الأقارب

تتردد الأمثال المصرية فى موضوع الأقارب بين موقفين يكادان يكونان متناقضين تمامًا. فهناك موقف يوصى بهم ، ويدعو الإنسان إلى التضامن الكامل معهم تبعا لمدى قرابتهم منه ، وفى المقابل من ذلك هناك موقف آخر يؤكد على تأصل العداوة فيهم ، والتحذير من سمومهم :

بالنسبة إلى الموقف الأول ، نجد التوصيه بالأهل ، والتحذير من قطع الصلة معهم :

- أهلك .. لا تُهلك

وكذلك تقديم كل أنواع الرعاية لهم :

- الشجرة اللى ما تضلل على أهلها ..

يحل قطعها !

وهناك مثل يقول إن الأم والأخت هما أقرب الأقارب إلى الإنسان ، وبعدهما يتساوى الجميع :

- بعد أمى وأختى .. الكل جيرانى !

أما ترتيب التعاون ، فيبدأ بالأخ ، ثم بابن العم ضد الغريب .

- أنا وأخويا على ابن عمى ،

وأنا وابن عمى على الغريب !

وأما بالنسبة إلى الموقف الآخر ، الذى اندهشت أنا شخصيًا من وجوده بهذا الشكل العنيف، فيقرر التالى :

- لك قريب : لك عدو !

- عداوة الأقارب زى لسع العقارب !

- الكره بين الأهل ،

والحسد بين الجيران

بل إنه يؤكد أن الأخ لا يحب أن يرى أخاه فى مستوى أعلى منه ومع ذلك فهو لا يتمنى موته :

- أخوك لا يحبك أغنى عنه ، ولا تموت !

وحتى بين الإخوة ، لا ينبغى التسامح أو التنازل :

- كونوا إخوة ،

واتحاسبوا حساب التجار

وفيما يتعلق بأبناء العمومة ، فإنهم يتشابهون فى السوء :

- ايه خيرّك عنه ؟

دا انت ابن عمه !

وإذا قرر الإنسان إهمال أمر من الأمور ، أو شئ من الأشياء وتركه يضيع ، فعليه أن يوصى به زوج أمه :

- حاجه ما تهمك

وصى عليها جوز امك !

19-الجار

يعدّ الجار فى المجتمعات المدنية سواء كانت حضرية ، أو ريفية ، من أهم عوامل الاستقرار ، واطمئنان أهل البيت على أقرب المحيطين به . وقد ركزت الأمثال المصرية على الجار فى جوانبه الإيجابية والسلبية . فمن الجانب الأول :

لابد أن يسأل الإنسان ، عند السكن فى المكان ، عن الجار قبل صلاحية المسكن نفسه :

- اسأل عن الجار قبل الدار ،

وعن الرفيق قبل الطريق

وذلك لأن الجار الجيد تعود منافعه على جاره ، والعكس تماما صحيح :

- من جاور السعيد يسعد ،

ومن جاور الحداد ينكوى (ينحرق) بناره !

وهناك امرأة مصرية ، تصرح بأن جارتها تعد بالنسبة إليها كالطبيب النفسى الذى يستمع إلى شكواها ، ويهدّئ انفعالاتها الثائره :

- لولا جارتى .. لانفقعت مرارتى !

وتوصى بعض الأمثال بضرورة التمسك بالجار ، حتى لو تجاوز أو اعتدى فى معاملته :

- جارك .. وإن جار !

ولذلك فإن القوانين أعطت للجار حق الشفعة، أى عندما يريد الإنسان أن يبيع منزله ، فإن أحق المشترين له هو الجار :

-الجار أولى بالشفعه

لكن هناك من الجيران من تستمر معاملته السيئه لجيرانه ، ومع ذلك فإن بعض الأمثال توصى بالتالى :

- اطلب لجارك الخير ..

إن ما نلت منه تكتفى شره

وأهمية الجار وخطورته فى نفس الوقت أنه يطلع على كل خبايا الإنسان :

- جارك قدامك ووراك ،

إن ما شاف وشك يشوف قفاك !

وهو بالضبط مثل المرآة :

- جارك مرآك

إن لم ينظر وجهك نظر قفاك

وجار السوء دائمًا متطفل وبخيل :

- جار السو ما أرداه !

اللى معانا كله

اللى معاه خباه !

كما أن الجار يحسب الخيرات الداخله للمنزل المجاور له ، ولا يحسب ما يخرج من تلك الخيرات لمساعدة المحتاجين :

- جار السوّ يحسب الداخل ، ما يحسب الخارج!

وهنا يكون الاقتصار عنه أفضل الطرق فى معاملته :

- صباح الخير يا جارى

إنت فى دارك وانا فى دارى

وفى نفس الوقت ، لابد أن يتحلى الإنسان بالصبر على الجار السىء إلى أن يتم التخلص منه إما برحيله أو حتى بمصيبة تطيح به :

- اصبر على جار السوّ ..

يا يرحل ، يا تيجى له داهيه !

وقد صنفت بعض الأمثال المنازل إلى ثلاثة أنواع بحسب جيرانها ، فهناك :

- بيت ينشرى ،

وبيت ينكرى (أى يستأجر لمدة محددة)

وبيت يغور بسكانه (أى بجيرانه !)

وهنا خصلتان سيئتان جدًا قد تكونان فى بعض الجيران ، وهما الكره والحسد :

- اذا كرهك جارك .. غير باب دارك

- الكره من الأهل ، والحسد من الجيران

- حسدتنى جارتى على طول رجليه !!

وبدلاً من الحسد الذى يحدث بين الجيران ، فإن بعض الأمثال المصرية تدعو إلى الغيرة منهم ، بمعنى منافستهم فيما وصلوا إليه ، حتى لا يكون الإنسان وأهل بيته فى موضع أقل أو أدنى :

- غير من جارك ، ولا تحسده


20-
الضيف

لا ترحب الأمثال المصرية بالضيف . وعلى عكس الحياة البدويه عند العرب الذين كانوا يستقبلونه فى خيامهم ، ويذبحون له إبلهم ، فإن المصريين كانوا يعتبرون الضيف زائرًا ثقيلاً ، يسقط على أهل البيت فجأة ، فيكلفهم الكثير ، وربما استهزأ بما يقدم إليه ، وأحيانا يقيم فترة طويلة حتى يكون مستثقلاً من الجميع :

- يا قاعدين ..يكفيكو شر الجايين !

- ابن آدم تقيل

- ياكل ما كان

ويضيّق المكان

- بعد ما أكل واتكا

قال : داريحة عيشكم مستكه

- كل وبحلق عينيك

أكله وانحسبت عليك

وهناك ضيف تفتح له صدرك وبيتك ، ثم تفاجأ بأنه قد سرق متاعك ، وهذا يحدث عادة مع البدو

- ضيّف البدوى .. يسرق تيابك !

ولذلك توصى بعض الأمثال بضرورة اختيار مَنْ يتم استضافتهم أو حتى الترحيب بهم :

- ما كل وجه يقال له مرحبا !

والضيف الذى يقدم فى أول الليل ، لا يستحق أن يقدم له الطعام ، لكى لا يرهق ربة المنزل :

- ضيف العِشا .. يبات من غير عشا !!

وهناك مثل مصرى جميل يقدم ثلاث صور للضيف فى الليالى الثلاث التى يمكن أن يقيم فيها عند أهل البيت :

- الضيف أول ليله فانوس منور

وتانى ليله قنديل منور

وثالث ليله قرد مصور !


21-
الصداقة

تعبر الأمثال المصرية عن الصديق بالصاحب ، وتعترف بأن الإنسان مدنى بالطبع ، يحتاج إلى الناس كما يحتاجون إليه . وإذا كان الشاعر التركى ناظم حكمت قد قال (وضعوا الشاعر فى الجنة ، فقال : آه يا وطنى !) ثم جاء أحمد شوقى فصاغ ذلك شعرا عربيا فصيحا :


وطنى لو شغلت بالخلد عنه

نازعتنى إليه فى الخلد نفسى


فإن الأمثال المصرية قد عبرت عن ذلك بكل بساطه، حين قالت :

- جنه من غير ناس .. ما تنداس !

وتدعو بعض الأمثال الإنسان إلى أن يكثر من الأصدقاء أو الأصحاب فى كل بلد يزورها :

- خد لك من كل بلد صاحب ،

ولا تاخد من كل بلد عدو !

لكنها توصى بضرورة التأنى فى اختيار الأصحاب، لكى لا يتعرض الإنسان إلى الخديعة أو الخيانة :

- اللى تعرفه أحسن من اللى ما تعرفوش

ولعل هذا ما جعل بعض الأمثال توصى الإنسان بعدم الاستسلام الكامل إلى الصديق :

- حرس من صاحبك ، ولا تخونه !

ومع أن الصاحب يقدم للإنسان فوائد نفسية ، ودعمًا معنويًا كبيرا ، فإنه قد يتحول إلى عبء ، لابد من أن يتحمل الإنسان همومه ، ويسعى لحل مشكلاته :

- الصاحب عله !

ومن أصول الصداقة أو الصحبة عدم الطمع فى خدمات الصاحب أو التعامل معه بصورة تؤدى إلى الخصام والنزاع ، وتنتهى إلى إفساد الصداقة :

- إن كان صاحبك عسل ،

ما تلحسوش كله

- إن كان لك صاحب

لا تعامله ، ولا تناسبه

- صاحب ومال .. ما يتفقشى !

وكما أن هناك واجبات على الإنسان نحو صاحبه ، فإن له أيضا حقوقا تقابلها : ومن ذلك إخلاص النصيحة ، حتى لو كانت ذات وقع قاس على النفس:

- يا بخت من بكانى ، وبكى الناس علىّ

ويا ويل من ضحكنى ، وضحك الناس على !

ومن الخصال الحميدة فى الصديق أنه يتجاوز عن بعض أخطائك ، حتى ولو كانت كبيرة :

- حبيبك يبلع لك الزلط

وعدوك يتمنى لك الغلط !

وبعض الأصدقاء يكونون أشرارًا ، فيسرعون بإشاعة ما يتناقله الناس عنك من كلام يسىء إليك ، وهؤلاء يتساوون تمامًا مع من صدر منه مثل هذا الكلام :

- ماشتمك إلا اللى بلغك !

أما الصديق الذى يستحق المسامحة واستقباله بترحاب فهو الذى ينهى خصومته معك بزيارتك فى بيتك . إنه بهذه الزيارة يكون قد تغلب عليك ، ولذلك يستحق الاعتذار والمسامحة :

- من قصدك .. جاب الحق عليك !

ومن أجل الصديق الحقيقى ، يبذل الإنسان من كرمه وجوده ما يفيض به على أصدقائه ، انطلاقًا مما يقال (صديق صديقى صديقى) :

- لأجل عين تكرم ألف عين

- لأجل الورد .. ينسقى العليق !


22-
الحب

من الغريب عدم العثور على أمثال كثيرة فى هذا المجال ، فما السبب ؟ فى تصورى أنه فى مجتمع زراعى مستقر كالذى عاشت فيه مصر كان الزواج سهلاً وميسرًا ، ولا يحتاج مثل الآن إلى ترتيبات وتعقيدات تقلل منه ، وتشعل بالتالى عاطفة الحب بين الشباب والفتيات . فقد كان من عادة المصريين وخاصة فى الريف أن يزوجوا ابنهم عادة قبل سن العشرين ، أما بيت الزوجية فتخلى له حجرة داخل منزل والديه ، وتأتى الزوجة لتنضم إلى الأسرة الكبيرة ، ولا تنفصل ببيت مستقل إلا إذا كبر الزوج وصار لهما أولاد وثروة . وهكذا فإن الزواج المبكر يقلل من إظهار عاطفة الحب فى صورة أشعار وأغانى ، وكذلك أمثال وحكم .

أما أمثال الحب ، فمنها :

- مراية الحب عميا !

أى أن الإنسان إذا أحب شخصا ، فإنه لا يستطيع أن يرى ما به من عيوب ، لأن عاطفة الحب القوية تطغى على حاسة الفحص والتمحيص والنقد لديه :

- اللى واخد عقلك .. يتهنى به

ويقال عادة للإنسان (المحب غالبا) الذى يسرح بفكره بينما هو جالس مع الآخرين ، فلا يعطى اهتمامًا لمجرى حديثهم !

- الرجل تدب ، ماطرح ما تحب

ومن عادة الإنسان إذا أحب فتاة أن يتلمس الفرص والأعذار لكى يمشى ويتمشى كثيرًا فى المكان الذى تسكنه .

كذلك هناك المثل الذى يرصد إنسانًا يذهب على قدميه إلى بيت عدوه ، وعندما يسأل عن هذا العمل المستنكر ، يجيب بأن له فيه حبيبا :

- داخل بيت عدوك ليه ؟

قال : حبيبى فيه !

ومما يفرق الأحباب بعضهم عن بعض : كثرة العتاب :

- كتر العتاب يفرق الأحباب

وأخيرًا يأتى المثل الذى يربط بين الحب والطعام . فالإنسان إذا أحب شخصا انفتحت نفسه للأكل عنده ، بل وأكثر منه :

- الأكل على قدر المحبه !

وأقل شىء من المحبوب يبدو كثيرا :

- بصلة المحب خروف !


23-
العداوة

العداوة هى الجانب المقابل للمحبة . وهى متأصله فى طبيعة البشر منذ بداية الخلق ؛ ومن الواضح أنهما معا يمثلان كفّتى الميزان الذى هو معيار الحكم فى أعمال الإنسان التى تتردد عادة بين فعل الخير وارتكاب الشر .

إننا جميعًا نتعرف على الناس ، وأحيانا (نحسب) العدو صديقا ، والصديق عدوا . أما الذى يكشف كلا منهما فهو وقت الشدة الذى نتعرض له، ونكون فى حاجة شديدة إلى من يساعدنا ، وعندئذ تظهر أصالة الصديق ، وتتضح تفاهة العدو :

- عند الشدة والضيق

يبان العدو م الصديق

وتنبه الأمثال المصرية إلى أن أصحاب المهنة الواحدة تكثر بينهم العداوة ويشيع الحسد بالطبع :


-
عدوك .. صاحب صنعتك !

كما أن العداوة تكون بين الأقارب الذين يحسبون أن مجرد صلة الدم تعطيهم الحق فى الحصول على كل ما حصل عليهم قريبهم :

- العداوة فى الأهل !

ولذلك تصرح بعض الأمثال بتحمل الإنسان كثرة الأعداء خارج محيط أهله ، وعدم قدرته على وجود عدو واحد داخل داره :

- ألف عدو برا الدار

ولا عدو جوا الدار !

ومن أسوأ أنواع العداوة تلك التى يتظاهر صاحبها بالصداقة ، بينما يضمر السوء والحقد فى نفسه ، ثم يقوم بترديد الإشاعات الكاذبه والمدمرة أحيانا حول الشخص الذى يدعى محبته :

- فى الوش مرايه ،

وفى القفا سلايه !

- عدوتى ، وعملت مغسّلتى !

إن مثل هذا الشخص يستحق القتل . والقتل هنا معناه القطيعة الكاملة ، بدلاً من علاقة الزيف :

- اللى تعرف ديته .. اقتله !

وأحيانا يفضل الإنسان عداوة شخص عاقل على صحبة شخص جاهل ، وذلك لما يترتب على تلك الصحبة من مضار :

- عداوة العاقل ، ولا صحبة الجاهل !

لكن العدو هو العدو . ويظل مصدر ضيق ووحشة، وربما احتضن الإنسان فيكون حضنه أهون من حضن الموت :

- ضمة القبر ، ولا ضمة عدو !

إن من خصال العدو أن يشمت لانكسارك ، ويحزن فى فرحك ؛ ولذلك عليك بألا تدع له فرصة للشماته بك :

-كبر الكوم .. ولا شماته العدو !

وعلى قدر استطاعتك :

- اكره ودارى ؛

وحبّ ووارى !

ولا ينبغى عليك أن تستهين بقدرات عدوك ، أو تستهزئ به ، فقد يكون شره أقوى مما تتوقع:

- اللى تستهزئ بيه .. يغلبك !

ومن أفضل وسائل إسكات عدوك عن التشهير بك ، ونشر الشائعات المغرضة حولك ، أن تبدأه أو تفاجئه بالسلام عليه :

- اقطع لسان عدوك

بسلام عليك !

ومن عجائب القدر ، أن يحب الإنسان فتاة فى بيت عدوه (قارن بقصة روميو وجوليت) وعندئذ قد يسأل :

- داخل بيت عدوك ليه ؟

قال : حبيبى فيه !


24-
التجربة العملية والتأكد الحسّى

تثبت الأمثال المصرية أن الشعب المصرى ليس شعبا حالمًا ولا خياليا ، وأن الواقع كان دائما جزءًا لا يتجزأ من حياته . وقد كان اتصاله بهذا الواقع عميقا ومتنوعا ، واستطاع من خلال التعامل معه الذى يتطلب استخدام الحواس أن يصل إلى حقائق ، كان يقوم بالاستفادة منها ، وتسليمها إلى الأجيال اللاحقة .

يقول المثل المصرى – قبل ظهور المنهج التجريبى الحديث فى القرن السابع عشر فى أوربا :

- لسان التجربه أصدق !

وعندما يقول مثل آخر :

- اسأل مجرب ، ولا تسأل طبيب

فليس معنى ذلك عدم الثقة فى الطبيب ، لأن الطبيب فى ذلك الوقت لم تكن لديه خبرة المجرب .

وعن الملاحظه ، يقول المثل المصرى :

- عينك ما تغشك !

وعندما يعرض البضاعة ، فإنه لا يخفى منها شيئا :

- على عينك يا تاجر !

وبعيدأ عن الفكر الخرافى ، يقول المثل المصرى :

- كل شيء له سبب

وكذلك :

- إذا ظهر السبب .. بطل العجب

ولكل شىء فى الوجود ، وأيضا فى الحياه : بداية ونهاية

- اللى له أول .. له آخر

ولكى لا يتوه الإنسان فى مجردات عقلية :

- آدى السما ، وآدى الأرض .

آدى البير ، وآدى غطاه !

- آدى الجمل ، وآدى الجمّال

ولمعرفة حقائق الأشياء ، يستدل عليها بمعالمها :

- ابريق انكسر ، وآدى بزبوزه !

- حمار ، وآدى ديله !

ومن التجارب العملية :

- الابريق المليان .. ما يلقلقشى

- البيض الخسران يدّحرج على بعضه

- لو كانت تمطر .. كانت غيّمت !

- الميه ما تجريش فى العالى

- السيف ما يدخل إلا فى جرابه

- حصوه تسند الجره

- اللى فى الدست ، تطلعه المغرفه

- يوم الهدد .. ما فيهشى بنايه

- عزال يوم .. خراب سنه !

- إذا كان فيه خير .. ما رماه الطير

- اربط صباعك مليح

لايدمى ، ولا يقيح !

ومن التجارب الصحيحه أيضا أن يقوم بالعمل المؤهلون له :

- إدى العيش لخبازينه

ولو ياكلوا نصه !

كما أن تنفيذ الأمور يتطلب توفير الوسائل :

- إديه دقيق ، وخد عيش

- اطبخى يا جاريه .. كلّف يا سيدى !

وبالتالى فإن من أكبر الخطأ القيام بالأمر المستحيل، وترك الأمور للظروف :

- يمشى على الحيطه ،

ويقول : يارب سلم !

ومن الذكاء الفطرى :

- الكتاب يتعرف (أو يتقرى) من عنوانه

ويمكن أن نتيح للشخص فرصة واثنتان ، أما الثالثه فهى النهائية :

- التالته تابته

أما الأدعياء الذين ينسبون لأنفسهم أمورًا غير معقوله، فأيضًا تقوم التجربة العملية بفضح دعواهم:

- الميه تكدب الغطاس !

- امشى مع الكداب لباب الدار

- قالوا : الجمل طلع النخله

آدى الجمل وآدى النخله !

ومن التجارب التى يمكن أن تستفيد منها الشرطة فى القبض على الجانى المجهول (وهذا ما يحدث الآن فى علم الأدلة الجنائية) :

- الفتله .. تبين العَمْله !

وقد سبق أن قلنا إن تجربة المصرى مع الواقع عميقة ومتنوعة ، ولذلك فإن معظم مشكلاته كان يجد لها حلا ، أو على الأقل ، يعتقد فى وجود حل لها ، وهذا يعنى عدم وجود المستحيل :

- كل عقده ، ولها حلال

لكن هناك (عقدة) فى لوح الخشب هى التى توقف النجار عن الاستمرار فى قطعه بصوره مستقيمة أو معتدله :

- العقده تغلب النجار !

لكن من أجمل الأمثال المصرية ، ذلك المثل الذى يبين فائدة البكاء عند وقوع البلاء :

- لولا الدموع .. احترقت الضلوع !


25-
تجارب إنسانية

المقصود بهذا العنوان هى التجارب التى تتعلق بحياة الإنسان فى مختلف مظاهرها اليومية والمستمرة . وهى التجارب التى تراكمت فى الروح المصرية عبر آلاف السنين من خلال التعامل مع الناس ، واستخلاص النتائج الحاكمة على تصرفاتهم. وكما سبقت الإشاره من قبل أن ميزة هذه الأمثال قد استطاعت أن تمسك فى ألفاظها المختصرة والبليغة الكثير من التجارب الحسية والمعانى المجردة التى أراد الحكيم المصرى – مخترع الأمثال أن يسجلها لعصره ، وللأجيال اللاحقه :

ومن هذه الأمثال :

- أكبر منك بيوم .. يعرف عنك بسنه !

- نص العمى ، ولا العمى كله

- نزول البلا ، ولا انتظاره

- المركب اللى تودى أحسن من اللى تجيب

- ما ينوب المخلص .. إلا تقطيع هدومه

- لولا اختلاف النظر .. لبارت السلع

- كتر الكلام يقل القيمه

- كتر السلام يقل المعرفه

- البعيد عن العين .. بعيد عن القلب

- قعده على قعده .. راح النهار يا سعده !

- حط راسك وسط الروس تسلم

- قشش على ميتك .. تسخن !

- مال لحمتك مشغته ؟

قال : الجزار أصله معرفه !

- الخساره اللى تعلم .. مكسب !

- الليّن ما ينكسرشى !

- دارى على شمعتك تقيد

- يا وحشه .. كونى نغشه !

- الهم فى الدنيا كتير .. بس مفرّق !

- من وفر شىء

قال له الزمان : هاته !

- من عادى الرجال ما ينام الليل

- الغربال الجديد له شده (أو علاقة)

- القاضى إن مدّ إيده

كترت شهود الزور !

- الغايب حجته معاه

- الغايب مالوش نايب

والنعسان غطوّ وشّه !

- العلم بالشىء .. ولا الجهل به

- طوبه على طوبه .. تخلى المعركه منصوبه

- بيت السبع ما يخلاش

- بات مغلوب ، ولا تبات غالب

- اللى على راسه بطحه .. يحسس عليها

- اللى تقرصه الحيه . م الحبل يخاف !

- اللى يتلسع من الشوربه .. ينفخ فى الزبادى !

- اللى بيته من قزاز

ما يحدفش الناس بالطوب !

- اللى إيده فى الميه

مش زى اللى إيده فى النار

- اضرب الطاسه ..

تيجى لك ألف لحّاسه !

- احضر اردبك .. يزيد قدح

- ابن الديب ما يترباش

- لا يغرك رخصه ..

ترمى نصه !

- ديل الكلب عمره ما ينعدل !

- نوايه تسند الزير

- خبطتين فى الرأس توجع

- شراره .. تحرق الحاره

- الهروب نص الشطاره

- من طاطا لها فاتت

- من بص لبلوة غيره

هانت عليه بلوته !

- المكتوب .. ما منوش مهروب

- المعيشة .. تحب طولة البال

- مطرح ما تأمن .. خاف !

- ما كل مره .. تسلم الجره

- اتغدى به .. قبل ما يتعشى بك

- الأخد حلو .. والعطا مرّ !

- الباب اللى يجى لك منه الريح

سده واستريح

- زانى .. ما يأمن على مراته !

- الصدقه المخفيه .. فى البيع والشرا

- من حف غموسه .. أكل عيش حاف !

- المتغطى بالأيام عريان

- ساعة الحظ ما تتعوضشى !

- مش كل طير يتاكل لحمه !

- ما كل من ركب الحصان .. خيّال !

- ابن الوز عوام

- بلد ما تُعرف فيها

اعمل ما تشتهى فيها !

- كتر التكرار يعلم الحمار !

-خير تعمل ، شرّ تلقى

- السكوت علامة الرضا

- البعد جفا

- خالف تعرف !

- حط قبل ما تتعب

وحمل قبل ما تستريح !

- الحجر الداير .. لابد من لطه

- التعبان لما يدفى .. يقرص !

- إيد لوحدها ما تسقفشى

- إن وقعت البقره

تكتر السكاكين !

- إن مال عليك الزمان

ميل على دراعك

- إن لقيت بلد بتعبد عجل

حش برسيم ، وادّى له !

- اللى يعوزه البيت .. يحرم ع الجامع

- إن كان اللى بيتكلم مجنون

يبقى اللى يسمع عاقل

- إن فاتك الميرى .. اتمرغ فى ترابه

- إمشى سنه .. ولا تخطى قنا

- إمشى بالأصول .. يحتار عدوك فيه

- إمشى فى جنازه ، ولا تمشى فى جوازه !

- اللى يعيش ياما يشوف ،

واللى يمشى يتعرف اكثر !

- اللى يعمل ضهره قنطره ،

يستحمل الدوس !

- الى يشيل قربه مخرومه ،

تخر على دماغه !

- اللى يسرق البيض .. يسرق الفرخه !

- اللى يستره ربنا ، ما يفضحوش مخلوق

- اللى يخاف م العفريت .. يطلع له

- اللى من نصيبك يصيبك

- اللى متبصسش لوشه النهارده ،

بكره تحتاج لقفاه

- اللى ما يرضى بحكم موسى ..

يرضى بحكم فرعون !

- اللى له ضهر .. ما ينضربش على بطنه

- اللى ماله شى .. ما يضع له شى

- اللى مالوش أم .. حاله يغم !

- اللى ما لوش قديم .. مالوش جديد

- اللى ما يربيه أبوه وامه

تربيه الأيام والليالى !


إننى أعتذر فى نهاية هذه القائمة لعدم التعليق الجزئى على كل منها ، نظرًا لوضوحها من ناحية ، ولما تحتاجه من مساحه واسعة من ناحية أخرى ، ولكننى اكتفى بتقديمها مجمعه على هذا النحو لتكون أساسًا يمكن البناء عليه فيما بعد ، سواء منى أو من زملائى الباحثين الذين يرغبون فى السير على نفس الطريق .

26-إنسانيات

هل يمكن أن نجد فى الأمثال المصرية طابعًا إنسانيا يتجاوز حدود الزمان والمكان ، ويصلح (للإنسان) فى أى موضع وأى عصر ؟

بالتأكيد نعم . وبالإضافة إلى ما سبق من موضوعات يستطيع الباحثون أن يستخرجوا من معانيها المباشرة ، أو دلالاتها غير المباشرة ما يدعم رأينا هذا ، فإن عددًا كبيرًا من الأمثال المصرية التى تدخل مباشرة تحت المذهب الإنسانى Humanisme بمعناه المحدد.

وسوف أكتفى هنا ببعض هذه الأمثال ، التى لا تحتاج إلى تقديم أو تعليق ، إلا فى أضيق الحدود.

- قلب المؤمن دليله

- عمى العين، ولا عمى القلب

- اعمل الطيب وارميه البحر

- أهل السماح .. ملاح

- الطبع يغلب التطبع

- العار أطول من العمر

- الضرب فى الميت حرام

- الحى أبقى من الميت

- الحق ، ما منه مهرب

- الحق اللى وراه مطالب ما يضعشى !

- عيش وملح !

- شىء أهون من شىء !

- صوابعك ما هياش زى بعضها

-حط إيدك على عينك ..

زى ما توجعك ، توجع غيرك !

- اللقمة الهنيه تكفّى ميه

- أكل واحد يكفى عشره

- تدبل الورده ، وريحتها فيها

- ضرب الحبيب زى أكل الزبيب

- حصيرة الصيف واسعه

- جحر ديب .. يساع ميت حبيب

- عمر الرايب ما يرجع حليب

- مسير الحىّ يتلاقى

- الجوع كافر!

- الجارى فى الشر ندمان !

- تجرى يا ابن آدم جرى الوحوش ،

وغير رزقك لم تحوش !

وبالنسبة لمن يقوم بتربية الحيوانات والطيور ، يوصى المثل المصرى بالرفق والمراعاة الدائمة التى تسبب له التأثر عند أى ضرر بسيط قد يلحق بها :

- ياقانى الأرواح ..

كون عليها نواح !

أما ظلم البهائم والإساءة إليها فهو من المحرمات :

- ظلم البهايم حرام !


27-
الحاكم

فى هذا المجال ، الذى يقع فى قلب الحياة السياسية للمصريين ، تقل الأمثال بصورة واضحة وتكاد تخلو من الحدة التى تغلب على غيرها من الموضوعات . وأنا شخصيًا أتوقع أنها لم تكن قليلة، بل إن ما وصلنا منها هو الذى يمكن وصفه بالقلة ، لأن المسألة هنا تتعلق بسلطات مطلقة ، وحكم أجنبى كان يقوم برصد واستبعاد كل ما يمكن أن يمس بسطوته واستمراره . أما ما بقى من أمثال فى هذا الموضوع فيمكن عرضها على النحو التالى :

تقرر بعض الأمثال أن :

- سيف السلطنه طويل !

كذلك لابد من وحدة الحاكم ، لأن :

- المركب اللى فيها ريسين .. تغرق !

- إذا كترت النواتيه غرقت المراكب !

وبالطبع نلتقى بالمثل الذى يقول :

- سلطان غشوم .. خير من فتنة تدوم !

ولا أتصور أن يصدر مثل هذا المثل من الشعب المصرى بقدر ما يحتمل صدوره من السلطة الحاكمة لتبرير وجودها ، على الرغم من عسفها ، لكن الشعب يعود فيخاطب الحاكم بأن منصبه معرض للزوال ، ولذلك ينصحه بالعدل :

- يا والى لا تجور .. الولايه لا تدوم !

ويتوعد الحاكم الظالم بمصير محتوم :

- يا ظالم لك يوم !

لكنه يكاد يئن من الشكوى حين يقول :

-حكم القوى على الضعيف !

ولذلك كان الشعب المصرى ينعم بالطمأنينه عندما ينام الحاكم ، والمقصود هنا النوم الحقيقى ، لأنه لا يمارس سلطاته المطلقة فى الظلم والتذكيل :

- نوم الظالم عباده !

وهناك بعض الأمثال المصريه التى ترصد بعض اللمحات الهامة فى سلوك الحكام ، ومن ذلك :

- زى الحاكم .. مالوش إلا اللى قدامه

-لا تأمن للأمير ، إذا غشك الوزير !

- يقول للسارق : اسرق ،

ولصاحب البيت : احفظ متاعك !

- ذل العزل يضحك من تيه الولايه !

ولذلك توصى بعض الأمثال الناس (المساكين) بمجاراة سياسة الحكام لكى ينجوا من الظلم ، أو تنالهم بعض الخيرات :

- ارقص للقرد فى زمانه (أو دولته)

- اللى بياكل عيش السلطان يضرب بسيفه !

لكن فى المقابل من ذلك أمثال تدعو الناس إلى الابتعاد تمامًا عن محيط السلطان ، لأنه لا يأتى منه إلا الشر !

- السلطان .. من بعد عن السلطان !

- من أكل مرقة السلطان

احترقت شفتاه ولو بعد حين !

ومع ذلك فإن المصريين حين يخلون إلى أنفسهم ، ويأمنون من شرور الحاكم يمكنهم أن يفضفضوا برأيهم فيه :

- السلطان ينشتم فى غيبته !

أما المثل الذى يقول :

- ابن الحاكم يتيم !

فلست أدرى بالضبط : هل المراد به أن حال ابن الحاكم يشبه اليتيم حيث لا يتفرغ له والده ، أم أن الحاكم تنتهى حياته عادة بالقتل على أيدى منافسيه ، وهكذا يتحول ابنه إلى يتيم حقيقى ! وعلى أى من التفسيرين فإنه يصور مأساة الحاكم الذى يسبب المآسى للمحكومين !

28-مصر

على الرغم من عدم عثورى إلا على مثليْن اثنين ، ذكرت فيهما مصر بالتحديد ، فقد خصصت لهما عنوانا مستقلاً لكى أبين أن صمت الأمثال عن ذكر مصر يرجع إلى طول فترات الاحتلال الأجنبى التى كانت تمر بها ، وأن هذا الصمت لا يعنى عدم وجود أمثال مصرية فى هذا الشأن الهام ، ولكننى أتوقع أنها وجدت ، لكنها ما لبثت أن اختفت بفعل فاعل ! والدليل على صدق توقعى فى هذا الصدد أن المثلين الباقيين يتحدثان عن خيرات مصر لكل من الغريب عنها ، والمحتل لها . ومن يدرى فلعل البحث الذى ما زال يجرى عن الأمثال المصرية فى نجوع مصر وقراها وأحيائها الشعبية يعثر على بعض "المصريات" التى تكمل عناصر هذا الموضوع الهام .

يقول المثل الأول :

- مصر للغريب

أول سنة ، تضيق زى الميم

وتانى سنة تفتح زى الصاد

وتالت سنة تتسع زى الراء

والتحليل المبدئى البسيط لهذا المثل يظهر أنه من إنشاء العصر الإسلامى ، وخاصة بعد انتشار اللغة العربية المكتوبة ، ويبدو أن واضع المثل كان مثقفا، لأنه اعتمد على (كتابة) اسم مصر ، فى حين أن الطابع العام للأمثال المصرية أنها من صنع أشخاص شعبيين ، لم يعطوا اهتمامًا للكتابة ، وإنما كان تركيزهم الأساسى على تجارب الحياة المستمدة من الواقع .

أما المثل الثانى فيقول :

-ديار مصر .. خيرها لغيرها (أو لغريبها !)

وهذا المثل رغم بساطته يؤكد حقيقة تاريخية لا مجال للشك فيها طوال عهود الاحتلال الأجنبى الذى مر على مصر ، والذى سبق أن أشرنا إلى أن أحدها بلغ 67. عامًا متواصلة حين كانت مصر تحت الاحتلال الرومانى ، وكانت تمد الامبراطورية الرومانية بالقمح وسائر الغلال التى تزرعها !

29-المفارقة

أدرك الشعب المصرى العديد من المفارقات التى تحدث أو تبدو فى المواقف المتضادة والمتقابلة، واستطاع أن يستخرج منها (المغزى الحقيقى) للحياة. وعلى الرغم من أن هذه المفارقات تتميز بالأسلوب البلاغى الجميل ، والطابع المركز إلا أن (المعانى) التى يمكن أن تستخلص منها عميقة ومتنوعة ، وتحتاج إلى شروح وتفصيلات ، لكننا هنا سوف نقتصر على الإشارة السريعة اليها .

فمن ذلك إن الإنسان قد يكون ضعيفا أو مستضعفا ، ثم عندما تتاح له الفرصة للتمكن يتحول إلى إنسان مختلف تماما ، فتصدر منه أفعال مناقضة لموقفه الأول .

- بعد ما ركب .. حرك رجليه !

ومن ذلك الإنسان الذى يناقض مظهره ما يحاول أن يبدو عليه فى المجتمع :

- نزهى ، وأقرع !

- فقرا .. ويمشوا مشى الأمرا !

ومن ذلك الإنسان الذى يكون فى حال سيئة، ويخشى مما هو أهون منها :

- نايم فى الميه .. وخايف م المطر !

ومن ذلك الإنسان الذى يقدم له المعروف ، فلا يحفظ جميل مَنْ قدمه له :

- يركب بلاش .. ويغامز (يعاكس) مراة الريّس!

ومن ذلك الإنسان المحنك فى صنعته ، لا يستطيع أن يطبقها على نفسه أو بيته :

- باب النجار مخلع !

وهناك أمثال مصرية تدين أحيانا جهل علماء الدين

- عمايم على بهايم !

أو نفاقهم :

- يفتى على الإبره .. ويبلع المدره !

- ضلالى وعامل إمام .. والله حرام

أما الإنسان الأحمق ، فيستهزئ من غبائه المثل التالى :

- نقول : تور ، يقول : احلبوه !

والإنسان المهمل أو الغائب عما بين يديه :

- ابنه على كتفه ، وبيدور عليه !

والمرأة الحمقاء التى لا تهتم ببكاء طفلها ، وتذهب لمراعاة ابن الجيران :

- فاتت ابنها يعيط ،

وراحت تسكت ابن الجيران !

والإنسان الغافل عما يدور حوله ، أو كما نقول حاليا لا يعرف جيدًا حالة السوق فهو الذى :

- يبيع الميه .. فى حارة السقايين !

أما الشخص الذى لا يجيد مهنته ، أو لا يتقن عمله ، فإنه حين يقوم بعمل يؤدى إلى أسوأ النتائج :

- جه يكحلها .. عماها !

وهناك الشخص الذى يذهب لأداء شعيرة الحج تقربًا إلى الله تعالى ، وغفرانا لذنوبه ، ولكنه يأبى إلا أن يجمع مع الحج التجارة :

- حج وتجاره !

وهناك الشخص الذى يخرج لتحقيق هدف معين ، فيعود وقد حقق أمرًا مناقضا له تماما :

- راحت تاخد بتار أبوها ..

رجعت حبله !

- طلعت ترحم ، نزلت تتوحم !

وهناك الشخص الذى إذا حلت به مشكلة ولو بسيطة أسقط فى يده ، ولم يعرف كيف يتصرف للخروج منها :

- يعوم فى شبر ميّه !

كما أن هناك الشخص الذى يكثر الحديث عن شىء، فإذا حان موعد فعله تراجع عنه :

- يشتهى الحرب ، ويكره اللقا !

وهناك الشخص الذى تعلمه شيئا ، فيسبقك إلى منازعتك فيه ، وحجبه عنك :

- علمناه الشحاته .. سبقنا على الأبواب !

وتستهزى الأمثال المصرية من الشخص الذى يحاول التظاهر أمام الناس بما لا يتفق مع حقيقته Snopisme :

- خاوى البطن ، ويمضع لبان !

أما الدموع التى تكون عادة مظهرا للحزن الحقيقى ، فإنها سريعة الهطول من الإنسان الفاجر ، أو المرأة الفاجرة :

- دموع الفواجر .. حواضر !

وإذا كان من واجب القاضى أن يحكم بين الناس بعد أن يستمع لهم ، فما بالك بالشخص الأخرس الذى يقوم بهذا العمل :

- أخرس ، وعامل قاضى !

وأحيانا يصل الحمق بالناس إلى يحرسوا ما لا يستحق الحراسة :

- قفل على خرابه !

وفى المقابل من ذلك ، هناك أشخاص بارعون فى خداع الآخرين :

- وداه البحر ، وجابه عطشان !

ولا شك أن المخدوعين كثر ، لأنهم لا يشغلون عقولهم ، وإذا استشاروا لم يحسنوا اختيار من يستشيرونهم :

- خد الشور .. من راس التور !

وأحيانا تكون بعض الأيام صعبة ، والظروف ضاغطة ، وفى مثل هذه الحالة ينبغى على الجميع الانضباط والالتزام ، لكننا نشاهد من يتجاهلها تماما، فيكون منظره مخزيا :

- ادلعى يا عوجه .. فى السنه السوده !

وقد تحاول أن تنصح شخصا بنصيحة مخلصة ، لكنه يركب رأسه ، ويتبع أهواءه حتى يقع فى كارثه :

- خليه على هواه ،

لما ييجى ديله على قفاه !

ومهما حاولت تعليم شخص غبى ، فإنه لن يستفيد

- تبات تعلم فى المتبلم .. يصبح ناسى !

ولا تتردد بعض الأمثال المصرية من تحديد الأسباب المؤدية إلى النتائج ، وذلك على الرغم من أن أصحابها يزعمون غير ذلك :

- يكبوا القهوة من عماهم ،ويقولوا : خير من الله جاهم !!

وتتمثل أكثر مظاهر خداع المجتمع فى ذلك الشخص الذى يرتكب جريمته ، ثم يشارك فى التنديد بها :

- يقتل القتيل ، ويمشى فى جنازته !

ومن المفارقات المضحكه ، حالة الفقراء الذين لا يمتلكون شيئا على الإطلاق ، ثم يستعيذون بالله من عيون الحساد :

- خزانه من غير باب ،

ويقولوا : يا الله يكفينا شر الحساد !

كذلك من المفارقات أن الناس قد تحسد شخصًا مسكينا على ما فى يده من رزق بسيط :

- الكحكه فى إيد اليتيم عجبه !

وأحيانا نجد إنسانا لا يريد أن يفارق الشخص الذى يؤذيه باستمرار :

- القط يحب خناقه !

ومن أذكى الأمثال المصرية ، ذلك الذى يطمئن الخياط على أن أجرته مضمونه ، بما تحت يديه من ثياب يخيطها للناس ، فإذا لم يدفعوا له أجرته تمكن من الحصول على ما يقابلها من ثياب :

- أجرة الخياط تحت إيده !

وهناك شخصان ينتهى بهما عملهما إلى نتيجة هزيلة جدا ، وأحيانا لا شىء على الإطلاق :

- صام صام .. وفطر على بصله !

- طلع من المولد .. بلا حمص !


29-
روح الفكاهة

لا يمكن أن نغادر الأمثال المصرية ، وخاصة حين نبحث فيها عن فلسفة الشعب المصرى، دون أن نتعرض لمجموعة من الأمثال تتميز بخفة الدم ، التى يمكن تحليلها بأنها نوع من الرصد الفكاهى للأحداث والشخصيات التى تمتلئ بها الحياة ، ولا يستطيع أن يتوقف عندها سوى شعب عركته التجارب الصعبة ، وتمكن من تجاوزها ليس فقط بالصبر عليها ، وإنما أيضا بالسخرية منها ، وصياغة النكتة اللاذعة حولها :

- قالوا للجعان : الواحد فى واحد بكام ؟

قال : برغيف !

- قالوا للأعمى : الزيت غلى

قال : فاكهة مستغنى عنها !

- قالوا للأعور : العمى صعب !

قال : نص الخبر عندى !

- مزين فتح .. بأقرع استفتح !

- حزينه ما لها بيت

اشترت مكنسه وزيت !

- التقوا بقرد يبول فى المسجد

قالوا له : الله يمسخك

قال : بس يعملنى غزال !

- قالوا : عد غنمك يا جحا ؟

قال : واحده واقفه وواحده راقده !

- طمعنجى بنى له بيت

فلسنجى سكن له فيه !

- إن مات حمار القاضى

كل الناس تعزى القاضى

وان مات القاضى

ماحدش يعزى الحمار !

- ضربوا الأعور على عينه

قال : خسرانه خسرانه !

- قالوا للقاضى :

يا سيدنا الحيطه شخ عليها كلب ؟

قال : تنهدم سبع ، وتبنى سبع

قالوا : دى اللى بيننا وبينك ؟

قال : أقل الماء يطهّرها !

- قالوا للديب :

ح يسرّحوك فى الغنم ؟

قام عيّط ..

قالوا : دا شىء تحبه ؟

قال : خايف يكون الخبر كذب !

- تفوا على وش الرزيل

قال : ده مطره !

- جه للعُمْى ولد

قلعوا عينه م التحسيس !

- خالتى عندكم ؟

ماجاتش !

- حلم القطط كله فيران

- حسنهْ .. وانا سيدك !

- جينا نساعده فى دفنه

أبوه خد الفاس ، وهرب !

- إيش ياخد الريح م البلاط ؟!

- إيه تعمل الماشطه

فى الوش العكر ؟!

- جنازة غريب ..

لا وراه ، ولا قدامه !

- جاريه وصينيه .. على بدنجانه مقليه !

- كان يحلف بقطع إيده

صار يحلف بزكاة ماله !

خاتمة وآفاق ..

لا شك أن محاولة استخلاص جانب هام من جوانب الفلسفة المصرية من الأمثال الشعبية تعتبر مغامرة جديدة تماما ، وقد ساعدنى على اقتحامها ما لاحظته من قلة عدد الفلاسفة المصريين فى العصور القديمة ، وإحجام مفكرينا المحدثين والمعاصرين عن حمل هذا اللقب ، إما تواضعًا أو خشية من غضب المجتمع المصرى الذى ما زال ينظر للفلسفة على أنها ضرب من ضروب التهويم فى الخيال ، أو التجديف فى الدين . ويكفى أنك إذا حاورت شخصًا بصورة عقلية ومنطقية تجده يسكتك بقوله (بطلْ فلسفهْ) أى كلامًا فارغا !!

ولعل الكثيرين من المصريين حتى اليوم لا يدركون جديا أن الفلسفة هى الحكمة ، وأنها نتاج العقل الإنسانى الذى فكر وتأمل وحاول التوصل إلى النظام وسط الفوضى ، وتفسير الظواهر المحيطة به وسط الغموض وشيوع الخرافات .

أما السبب وراء النظرة المصرية المتوجسة من الفلسفة فهو غلبة الشعور الدينى الذى يتصور أصحابه أن الفلسفة تتعارض مع الدين ، أو أن العقل يتناقض مع الوحى . وهذه الفكرة خاطئة تماما . وقد حاول ابن رشد (ت 595هـ = 1198م) أن يفندها فى كتابة الرائع (فصل المقال ، فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال) ولكن المجتمع العربى والمسلم مرّ على هذا الكتاب بسرعة وإهمال، ولم يدرك ما فيه من تصحيح لخطأ قديم ، وفتح الطريق أمام مسيرة كان من الممكن أن تؤدى إلى أفضل النتائج .

وخلاصة رأى ابن رشد الذى لم يفهمه معاصروه ، والذين جاءوا بعدهم ، أن العقل هو منحة الله تعالى السامية إلى الإنسان ، فضله به على جميع المخلوقات ، وأن الوحى الذى أرسله عن طريق أنبيائه منحة أخرى جاءت لهداية الإنسان ، ولا يمكن أن تتعارض منحتان آتيتان من مصدر واحد أو تتناقضا . فالوحى جاء لمخاطبة العقل ، والعقل هو الذى يهتدى بنور الوحى . وكلاهما يساعد الإنسان على تعظيم صلاته بربه ، وبالناس من حوله ، وبالأشياء التى تحيط به .

أما الأمثال الشعبية المصرية ، فهى كنز يحتوى على الكثير من اللآلئ التى لا تتوقف أشعتها عن اللمعان . وقد أهملها الباحثون فى الفلسفة لأنها وردت إلينا باللهجة العامية ، ولم ترد باللغة الفصحى ! لكننا ينبغى أن ندرك أنها حين وضعت إنما كان يراد بها عامة الشعب المصرى وليس فئة محدودة العدد منه . وقد ظلت الأجيال تتناقلها وترددها ، وتنعكس فى حياتها اليومية ، وأستطيع القول إنها كانت بمثابة معالم يستهدى بها الإنسان المصرى فى فكره وسلوكه .

الأمثال المصرية التى وضعت فى عهد المصريين القدماء هى التى انتقلت إلى العهد القبطى فأضاف إليها ، ثم إلى العصر الإسلامى فأثر فيها ، ومع ذلك ، ظلت تعبر عن طبيعة الشعب المصرى، وتسجل أفضل وأسوأ ما فيه . وإذا كنا نفتقد فى تلك الأمثال الشعبية أسماء مؤلفيها أو واضعيها فلا شك أبدًا فى أنهم كانوا شديدى الملاحظة ، عميقى التجربة، وعلى درجة عاليه من البلاغة .. وبالجملة كانوا مفكرين وفلاسفة .


لقد حاولت فى هذا الكتاب الصغير الحجم أن أعرض لهذه الفلسفة فى بعض جوانبها الرئيسية كرؤوس أقلام ، ولا أدعى على الإطلاق أننى صاحب الكلمة الأخيرة فى هذه المغامرة ، فهى تحتاج إلى جهد زملائى وتلاميذى من دارسى الفلسفة لكى يطوروها ويبلوروها، ويتمكنوا من عرضها للقارئ المصرى من ناحية ، وللقراء الأجانب من ناحية أخرى ، فلعل وعسى تأخذ الفلسفة المصرية مكانها الذى فقدته لآلاف السنين فى تاريخ الفلسفة العام ، الذى لا يكاد يذكر مصر إلا على أنها مجرد مزار ، أو طريق عبور للفلاسفة، وليس بيئة حاضنة للفلسفة !

تبقى الإشارة فى كلمة سريعة إلى ما يمكن أن يترتب على تلك الفلسفة المصرية المستمدة من الأمثال الشعبية ، وهو أهمية اتجاه مفكرينا وفلاسفتنا المعاصرين إلى مشكلات المجتمع المصرى الواقعية، وبذل الجهد الفكرى لمحاولة حلها باستخدام المنهج العلمى الحديث . ليس مقبولاً على الإطلاق ولا معقولاً أيضا أن يلقى الباحثون المصريون أنفسهم فى بحر الفلسفة الغربية ومذاهبها وأعلامها ، تاركين مشكلاتهم بدون حل ، أما الحل هنا فينبغى أن يكون قابلاً للتنفيذ ، وليس مهوّما فى الفراغ !

وهكذا فإن هذا الكتاب الصغير الحجم ينطلق كالصرخة فى فراغ فكرى كبير ، وفى وقت نحن أحوج ما نكون فيه إلى إعادة ترتيب بيتنا من الداخل، قبل أن نقوم بترتيب بيوت الآخرين !