عداد الزائرين

mod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_counter

إضافات حديثة

   
 
مشكلة التعامل مع النصوص التراثية


مشكلة التعامل مع النصوص التراثية صيغة PDF طباعة أرسل لصديقك
كتبها Administrator   
السبت, 31 ديسمبر 2011 15:08

مشكلة التعامل مع النصوص التراثية

أ.د. حامد طاهر

يظن كثير من الذين يدرسون تراثنا العربى المكتوب أن "النص" وحده هو المصدر الوحيد الذى يمكن استخدامه كدليل مؤكد على قضيتهم التى يقيمونها ، أو استنتاجهم الذى يذهبون إليه . ولا شك أنهم محقون فى ذلك إلى حد ما ، وليس إلى حد بعيد . فالنص يظل بالنسبة للباحثين فى الدراسات الإنسانية التراثية بمثابة الظاهرة الطبيعية بالنسبة للباحثين فى العلوم التجريبية ، لكن الذين يدرسون العلوم الطبيعية على أساس المنهج التجريبى لا يقتطعون الظاهرة التى يقومون بدراستها عن بيئتها ، وعن الظروف المحيطة بها ، والتى قد تؤثر فيها ، وتتأثر بها . أما الباحثون فى التراث العربى المكتوب فإنهم غالبًا ما يقتطعون النص من سائر مؤلفات صاحبه ، ثم يقومون بتحليليه ، واستخراج النتيجة أو النتائج التى يمكن أن تخرج منه ، أو تترتب عليه ، وهنا خطأ كبير . فنص المؤلف ينبغى أن يدرس ضمن سائر نصوصه الأخرى ، وكذلك ينبغى أن تراعى الظروف السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية التى تكون فيها النص .. ولأن هذا عمل طويل ومرهق ، فإن معظم الباحثين يستسهلون طريقة نزع النص من أحد مؤلفات صاحبة ، وعدم مراعاة مختلف الظروف التى أشرنا إليها . وإذا كان هذا الطابع يغلب على معظم الدارسين المحدثين لتراثنا العربى ، فإنه ينطبق أيضًا على كثير من علمائنا القدامى الذين كانوا يتصيدون رأيًا لواحد منهم ، أو عبارة واردة فى أحد مؤلفاته، ثم يقيمون حولها مذهبا كاملاً له ، وبذلك يتمهد لهم الطريق لكى يدينوه إن كانوا حاقدين عليه ، أو يشيدون بفضله وفضائله إن كانوا أتباعًا له . إننى لا أكتب عن هذا الموضوع الهام إلا بعد ملاحظة طويلة للعديد من كتابات الباحثين المحدثين ، والعلماء القدامى . وبالطبع لا يتصل حديثى هذا من قريب أو حتى من بعيد بأصحاب تأويل النص الذين ظهروا فى عالمنا العربى مؤخرا ، وذهبوا إلى ضرورة فصل النص عن صاحبه بمجرد إصداره ، وبالتالى يصبح من حقهم أن يفهموه ، ويؤلوه ، ويوجهوه كما يحلو لهم ، بل إن ما أذهب إليه هو العكس من ذلك تماما ، وهو أن يظل النص مرتبطًا بصاحبه ، بل ويسائر مؤلفاته من ناحية ، ثم بالظروف التى أنتج فيها من ناحية أخرى . وفى رأيى أن النص بهذا الشكل يمكن أن يفهم على نحو صحيح ، أو بالأقل على أقرب ما يكون من الصحة . أما أصحاب تأويل النص فإنهم يذهبون بعيدا ، وكان الأجدر بهم أن يتشجعوا وينشئوا بأنفسهم نصوصهم الخاصة بهم ، وأن يقولوا فيها ما يريدون، أو ما يضمرون ، دون أن يتوكأوا على (عكاكيز) المؤلفين القدامى ، الذين لم يعد فى مقدروهم أن يرفعوا رؤوسهم من قبورهم ، ويصرخوا فيهم : "ليس هذا ما قصدناه !!" . إن الدراسات العربية الإسلامية الحديثة ، عندما بدأت تخطو منهجيًا فى النصف الأول من القرن العشرين ، قد شهدت باحثين أصلاء استطاعوا أن يفهموا جيدا نصوص التراث العربى القديم ، وأن يقتطعوا منها ما يخدم التسلسل التاريخى الذى حاولوا تقديمه للأجيال الجديده فى عصرهم . ويمكن أن أستشهد فى هذا الصدد بأمثال أحمد أمين ، وأمين الخولى ، ومحمد مندور، وعلى حسب الله ، ومحمد عبد الله دراز ، ومصطفى صادق الرافعى ، والعقاد، وطه حسين .. وأمثالهم ممن تتكون منهم "كتيبة كاملة" من الباحثين المتعمقين فى فهم التراث العربى ، والقادرين على تقديم نصوصه بصورة واضحة لا لبْس فيها ولا غموض . ومن الملاحظ على هؤلاء أنهم قد جمعوا إلى استيعاب التراث العربى اطلاعًا واسعًا على مناهج المستشرقين التى أفادت كثيرًا من الطابع العام للمنهج التجريبى ، فأخذت منه : وضوح اللغة ، وأمانة الاستشهاد بالنصوص ، مع الاحالة بدقة إلى مصادرها المستخرجة منها، وترتيب المقدمات للخلوص إلى النتيجة . وإذا كانت نتائج المستشرقين قد شابها فى بعض الأحيان أو كثير منها بعض الجنوح عن الصواب نتيجة الأغراض الخاصة ، وتباين الحضارات ، فإن الباحثين العرب قد كانوا أكثر دقة وأمانة ، ولم يقعوا فيما وقع فيه معظم المستشرقين . وإذا كان صحيحا تمامًا أن العلم لا يُنتزع من المجتمعات انتزاعًا ، وإنما يختفى بوفاة العلماء ، فقد ذهب ذلك الجيل القوى ، وخلف من بعده خَلْف لم يملكوا نفس مؤهلاته ولا قدراته ، كما عجزوا عن استيعاب الرؤية الغربية واستخلاص ما فيها من مزايا ، مع استبعاد ما تحتوى من نقائص ، ثم راحوا يدرسون التراث العربى بأفهام كليلة ، محاولين إيهام القراء لهم بإيراد بعض المصطلحات الأجنبية فى حديثهم لكى يثبتوا أنهم على وعى بحضارة الغرب ، وما كان منهم إلا أن أكثروا من التأليف ، وأخطأوا فى فهم التراث العربى ، بل إننى أزعم أنهم لم يرجعوا إلى مصادره الأساسية ، وإنما قمشوا النصوص التى كان قد استخرجها الجيل الأول ، وراحوا يدندنون حولها . ولعلنى أتحداهم هنا فأسألهم مباشرة : مَنْ منهم قرأ بالكامل مؤلفات الجاحظ ، أو استوعب ديوان المتنبى ، أو فهم رسالة الشافعى ؟ مَنْ منهم يستطيع أن يثبت لى أنه قرأ شفاء ابن سينا ، أو فتوحات ابن عربى ، أو مغنى القاضى عبد الجبار، أو إحياء الغزالى ؟ إنهم فقط يحفظون أسماء هذه المؤلفات ويعرفون نبذه عنها ، وعن أسماء أصحابها ، ثم لا يجدون حرجًا فى قبولهم التحدث عنها فى ندوة أو محاضرة ، أو حتى عندما يشرفون على أحد تلامذتهم فى رسائل الماجستير والدكتوراه ! إننى أعنف فى هذا الهجوم لكى أعيد الدراسات العربية والإسلامية إلى مسارها الصحيح ، الذى كان قد بدأ على الطريق الصحيح ، ثم ما لبث أن انحرف ثم تدهور. وهذا ما نلاحظه فى مطلع القرن الحادى والعشرين ، حيث سكت معظم أصحاب تأويل النص تماما ، لأنهم خسروا المعركة الزائفة التى أثاروها ، وراح تلامذتهم ينظرون حولهم فلا يجدون مَنْ يأخذ بأيديهم إلى فهم تراثهم العربى بصورة صحيحة . وإذا كنا نأخذ رسائل الماجستير والدكتوراه فى الجامعات المصرية والعربية معيارًا لذلك فإننا نجد السطحيه ، والتكرار ، واللا جدوى من مئات بل آلاف الصفحات التى تحشد نصوصًا ، ولا تستخرج نتائج . والدليل على ذلك أن الموضوع الذى درسه أحد الباحثين لا يكاد يقول الكلمة الأخيرة فيه ، ولذلك يقوم غيره بدراسته من زاوية ثانية ، وثالثة .. والمشكلة تكمن فى أن المنهج خاطئ ، وإذا كان المنهج هو الطريق الذى يؤدى للمطلوب ، فإن النتيجة التى يتوصل إليها معظم الباحثين غير ذات جدوى . إننا بهذا الشكل نجعل الدراسات العربية والإسلامية أشبه بسواقى الفيوم ، الموضوعة على نهر يجرى ، وكل ما تفعله أنها تنقل الماء من مستوى عال إلى المستوى المنخفض دون أن تروى أرضا عطشى ، بل إنها فقط تحدث ضجيجًا عاليا لا تكاد الأذن المرهفة تستسيغ سماعه لوقت طويل ! والملاحظ أنها قد صدئت وتهرأت وأصبحت بحاجة ماسة إلى إحلال وتجديد . وهذا هو ما تتطلبه حاليا الدراسات العربية والإسلامية ! إن الفوضى التى تعم الدراسات العربية والإسلامية فى اللحظة الراهنة تبعث على الأسى واليأس معا ، وإذا لم يتنبه العاملون فى هذا الحقل الهام من حقول المعرفة الإنسانية للخطر المحدق بهذه الدراسات فسوف ينتهى الأمر بالقضاء عليها تمامًا ، وسوف تتحول موضوعاتها إلى (أحافير) تاريخية أو حتى قبل تاريخية) ، لا تهم سوى قلة نادرة من هواة البحث فى طبقات التاريخ السحيقة ، وبالتالى تفقد صلتها بالأجيال المعاصرة ، والأجيال القادمة. إن ماضى الأمم لا تمثله فقط آثارها المادية ، القائمة أو الباقى منها أطلال ذات دلالات حضارية محسوسة ، وإنما تمثله أيضا ، وربما بصورة أوضح : آثارها العقلية والوجدانية المتمثلة فيما خلفته للأجيال اللاحقة من مؤلفات علمية وأدبية تعكس مدى ما توصلت إليه من تطور . وهنا يمكن التمثيل بحضارتين : حضارة مصر القديمة المتمثلة حتى اليوم بآثارها المادية القائمة حتى اليوم ، وحضارة الإغريق التى ظلت باقية بمؤلفاتها العلمية والفلسفية والأدبية . لكن هنا أمرآ فى غاية الأهمية ، وهى أننا إذا قارنا بين الحضارة الإغريقية والحضارة العربية الإسلامية وجدنا فارقًا أساسيًا ، يتمثل فى أن أحفاد الحضارة الأولى لا يريدون ولا يسعوْن لإحيائها مرة أخرى، بينما أحفاد الحضارة العربية الإسلامية مصممون على إحيائها من جديد . وهذا هو السبب الذى يعطى المشروعية لدراسة منتجات الحضارة العربية والإسلامية دراسة جادة ، بحيث تركز على ما فيها من إيجابيات يمكنها أن تدفع أحفاد تلك الحضارة إلى إعادة بعثها من جديد . أما أن تظل هذه الدراسات تجرى على هذا النمط الهزيل والعقيم فإنها لن تصل إلى أى نتيجة محددة . وإذا كان النصف الأول من القرن العشرين قد شهد نهضة ملحوظة فى الدراسات العربية والإسلامية ، فإن النصف الثانى من هذا القرن ، وعشر السنوات التالية من القرن الحادى والعشرين هى التى يمكن أن تسجل انحطاطًا واضحًا فى تلك الدراسات ، ويتمثل ذلك فيما يلى : أولاً : إعادة دراسة موضوعات سبق دراستها من جانب الرواد الأوائل مع التقصير الشديد لدى الباحثين المعاصرين فى الوسائل والأدوات . ثانيًا : عدم استحداث مناهج جديدة كان يمكنها أن تفتح آفاقًا واسعة أمام الدراسات العربية الإسلامية لمزيد من تطويرها واستخلاص نتائج جديدة منها . ثالثًا : المحاولة المتعثرة لفرض مناهج أجنبية على هذه الدراسات بصورة متعسفة ، الأمر الذى أدى إلى كثير من الغموض والبلبلة لدى القراء انتهيا بانصرافهم عن المتابعة . رابعًا : غياب الهدف الحقيقى من الاشتغال بتلك الدراسات ، وهو إحياء الحضارة العربية والإسلامية بصورة جديدة أو متجددة تتمشى مع ظروف العصر الحاضر وتتفاعل مع مستجداته . وأخيرًا : فإن الدارسين أنفسهم لم يستطيعوا أن يجمعوا فى توازن مناسب بين التعمق فى التراث العربى ، وبين الإلمام الكافى بالحضارة الغربية الحديثة . وبالعودة إلى النصوص ، نؤكد أن الدقة فى اختيارها ، والفهم الصحيح لمضمونها بعد تحليل عناصرها تحليلا لغويًا وبلاغيًا على مساق التعبير العربى المتعارف عليه ، ثم استخدامها فى الأغراض المحددة لها ، واستخلاص النتائج المنبثقة منها دون تعسف أو تأويل .. كل ذلك ينبغى أن يتم فى إطار دراسة منطقية ، ترتب فيها المقدمات ، وتعرض الأدلة ، وتوضّح الأمثلة ، ومن الممكن أن نتوقف هنا قليلا لنشير إلى الفهم الخاطئ لنصوص ابن رشد التى تتعلق بالصلة الحميمة بين العقل والوحى ، أو بين الفلسفة والشريعة . فقد صرح الرجل بأن هذين المصدرين للمعرفة : إما أن يتفقا أو يتعارضا ، فإن اتفقا كان بها ، وأن تعارضا لجأنا إلى تأويل النص الدينى . وهنا أسرع أدعياء التأويل الغربى إلى الذهاب بهذا المصطلح إلى أبعد مما أراد الفيلسوف العربى ، لأن مقصده كما حدده هو بنفسه يعنى إخراج اللفظ عن مفهومه العادى إلى مفهومه البلاغى أى المجازى ، وبذلك يمكن للتعارض الحادث بين الوحى والعقل أن يزول ، وتعود الصلة الحميمة بينهما . إن التراث العربى والإسلامى يزخر بالعقليات العبقرية المتميزة ، التى لم تبذل جهودها فقط فى ترسيخ القواعد العلمية ، وتفصيل الفروع الجزئية ، ولكنها استطاعت أن تضيف جديدا فى مختلف المجالات : ابن جنى فى اللغة، وعبد القاهر الجرجانى فى البلاغة ، وابن مضاء فى النحو ، وابن خلدون فى علم الاجتماع وفلسفة التاريخ ، وابن رشد فى الفلسفة الإسلامية ، والأشعرى فى علم الكلام ، والغزالى فى التصوف ، وابن عربى فى الفلسفة، والشاطبى فى أصول الفقه ، وابن الجوزى فى الأخلاق ، والبيرونى فى مقارنة الأديان ، وابن بطوطة فى الرحلات . وهؤلاء فقط مجرد أمثلة للعديد من العلماء العرب والمسلمين الذين كان ينبغى للدارسين المحدثين أن يتجهوا إليهم بدلاً من إضاعة الوقت والمجهود فى دراسة علماء آخرين لم يكن يهمهم سوى النقول عن الأسلاف ، دون تصحيح خطأ أو إضافة جديد . وهنا تأتى قضية الاختيار من التراث : كيف تتم ؟ ومن المؤهل للقيام بها ؟ وقد شهد النصف الأول من القرن العشرين – أيضًا – مجموعة من كبار المحققين العرب الذين كانوا على وعى كامل بدقائق التراث العربى فى لغته وأساليبه ، ومن أمثلتهم : محمود شاكر ، والسيد أحمد صقر ، ومحمد محيى الدين عبد الحميد ، ومحمد الإبيارى ، وأبو الفضل إبراهيم ، وعبد السلام هارون ، وعبد الرحمن بدوى .. الخ ، لكن هؤلاء مع الأسف الشديد – رغم تمكنهم من عملهم – لم يقوموا بعملية النقد الداخلى لمضمون النصوص التى حققوها ، وأحسنوا بالفعل فى تحقيقها . لقد كان المأمول منهم أن يكشفوا للأجيال اللاحقة عن مواطن القوة والضعف فى التراث العربى ، وأن يرشدوهم إلى ما ينبغى أن تتجه الجهود إلى إخراجه من ضيق المخطوطات إلى فضاء المطبعة الحديثة ، والتى تحولت فى عصرنا الحاضر إلى نشر الكترونى يتسع لمئات الكتب ، وملايين الصفحات . إن الجيل الحالى من الباحثين يسعد كثيرًا إذا عثر على مخطوط لم ينشر من قبل ، بصرف النظر عن مضمونه أو مكانة مؤلفه ، أو النتائج التى يمكن أن تستخلص منه فضلاً عما يمكن أن يستفاد منه فى عصرنا الحاضر ! لذلك لابد من ضبط الأمور حتى لا تظل فى طريق التسيب والتدهور والانهيار . فليس كل ما فى التركه قابلاً للتوزيع . وحتى مواطن الكنوز تحتوى على القليل من الجواهر والكثير من التراب والحصى ! وهذا ما لا يريد أن يفهمه أحد ، كما لا يكاد يجرؤ أساتذة الجامعات ، الذين يشرفون على رسائل الماجستير والدكتوراه التى تدور حول تحقيق التراث ودراسته ، على التنبيه إليه ، أو التحذير منه . ويبدو أن ضجيج السواقى التى تدور على النهر الجارى يكاد يصم الآذان ، فلا تُسمع نصيحة ، ولا يؤثر تحذير ! إن عدم التعامل الصحيح مع نصوص التراث هو الذى يؤدى فى أغلب الأحوال إلى حالتى الجمود والإطناب اللتين يسودان حركة التأليف العربى فى هذا المجال . ونظرًا لتخصصى الدقيق فى الفلسفة الإسلامية ، فإننى أتابع بكل جدية ما يصدر فيها من مؤلفات ورسائل جامعية وأعمال علمية مقدمة للترقية فى درجتى أستاذ مساعد وأستاذ بالجامعات المصرية ، والذى ألاحظه وأشهد به أن أكثر من 90% من هذه المؤلفات تتناقل فيما بينها نفس النصوص ، وتدور حولها بنفس الحركة ، وتعمل جاهدة لاستخلاص ما يراه كل باحث فيها من نتائج لم تعد تهم الواقع المعاصر فى شئ ! ويكفى فقط أن أحيل هنا إلى الدراسات العديدة التى تمت حول النزاع التاريخى بين المعتزلة والأشاعرة ، وما هو المحصول العلمى والثقافى الذى يمكن أن يخرج به الباحث المعاصر من هذه المعركة الخاسرة والمشكلات الزائفة التى أثيرت فيها ؟! وأذكر أننى حضرت رسالة دكتوراه لأحد الباحثين عن أحد علماء البلاغة العرب القدامى ، ولم يكن من الطبقة الأولى أو الثانية منهم ، ثم كانت المفاجأة المدهشة أن الباحث يقترح من بين التوصيات التى يدلى بها فى آخر عرضه الشفوى لموضوعه أن يقام احتفال سنوى لذكرى هذا العالم المغمور ؟! والواقع أن هذا الباحث المسكين قد وجد موجة من التوصيات التى يقوم بها زملاؤه تحت إشراف أساتذتهم ، ولذلك كان عليه أن يقدم توصيته الخاصة ، ولم تكن غير هذا "الاحتفال السنوى" ! أنا أعلم جيدًا أن المشكلة لا تتعلق بالدراسات العربية والإسلامية وحدها ، وإنما بالدراسات الإنسانية كلها ، التى تخلفت طويلاً عن زميلتها : الدراسات التجريبية ، حيث المنهج أكثر تحديدا ، والخطوات مرتبة ، والإجماع مستقر ، ولا مجال للمناقشات العقيمة ولا للجدل المعاند .. لكننا ينبغى أن نتنبه إلى أن بعض العلوم الإنسانية عندما تقدمت للإمام قليلا ، وحاولت الاستفادة من عناصر المنهج التجريبى مثل علم النفس وعلم الاجتماع، قد كتب لها التقدم ، وأصبحت صالحة لإفادة المجتمع المعاصر منها، بدلاً من أن تظل متمسكة بتلابيب المنطق الأرسطى الذى قد ينظم المعرفة لكنه لا يبدعها . وقد سبق أن دعوت إلى إمكانية استفادة الدراسات الإنسانية من المنهج التجريبى فى بعض العناصر المحددة ، ومنها : الإحصائيات ، واستخدام الرسم البيانى . أما الاحصائيات فإنها توفر على الباحثين إطلاق الأحكام العامة دون أساس ثابت يقوم عليها ، وأما الرسم البيانى فهو للوصول إلى أعلى درجة من الاختصار وعدم الإطناب ، الذى يوقع عادة فى الاستطراد ، والخروج عن الموضوع . وسوف أقدم هنا مثالين ، أحدهما من الفلسفة الإسلامية وهو المتعلق باقتراب أو ابتعاد فرقة الماتريدية بالنسبة إلى كل من المعتزلة والأشاعرة . فما زال الباحثون متحيرين حول هذا الموضوع . لكننا إذا استخدمنا فيه طريقه الإحصاء أمكننا بسهولة أن نحل المشكلة ، ونقرر رأيا مستقرا . وهنا نقوم بإحصاء عدد المشكلات التى أثارها الماتريدية ، ثم نحسب عدد الحلول التى مالوا فيها إلى رأى كل من الأشاعرة أو المعتزلة ، والعدد الأكبر هو الذى يحسم الموضوع مرة واحدة ، وإلى الأبد . والمثال الثانى من الأدب العربى الحديث . وهو يتعلق بأحد أكبر الروائيين العرب ، نجيب محفوظ ، الحائز على جائزة نوبل . ما هو ما موقفه من الدين ؟ وهنا لابد من تتبع آرائه وتعليقاته فى رواياته كلها ، وليس فى بعضها أو معظمها ، التى تدور حول الدين ، وحبذا لو تم ذلك تبعًا للترتيب التاريخى ، ثم نضع رسمًا بيانيا لها يحدد لنا فى النهاية كيف بدأ هو الموقف ؟ وكيف تطور؟ وإلى أى حد انتهى ؟ إن التعامل مع النصوص ليس عملاً سهلاً ، كما أنه ليس نزهة عفوية يقوم بها الباحث لكى يتسلى أو يستروح . أنه فى الواقع عمل جاد ومرهق . وهو أشبه بمن يفحصون الألماس لكى يحددوا نوعه وطبيعته ، تمهيدًا لكى يضعوا له السعر الذى يناسبه . وهؤلاء قلما يخطئون ، لأنهم دائما يعملون تبعًا لمنهج صارم يتميز بالدقة البالغة ، والأمانة الكاملة ، والاقتصاد فى التصريحات . أما إخواننا الحاليون ، المشتغلون بدراسة التراث العربى والإسلامى فإنهم لا يتورعون عن إصدار الأحكام الجزافية حول شخص أو مذهب دون أن يكونوا قد قاموا بفحص دقيق لمجمل أعماله ، أو كل عناصره. لا أريد أن أضيف شيئا آخر ، وحسبى من هذه الصرخة فى وادى التراث العربى والإسلامى أن أكون قد نبهت إلى بعض أخطاء الدارسين له ، وحذرت من واقعه المتردّى الذى ينبغى أن يتم تداركه ، الآن وليس غدا ، وأشرت إلى ما يمكن أن ينصلح به الحال قبل فوات الأوان .. هذا إذا أردناحقا وليس بالشعارات – أن نبعث هذه الأمة من جديد ، بحيث نقوم على أسس علمية راسخة ، وليس على مجرد الصراخ والتهريج .

* *

آخر تحديث الجمعة, 30 يناير 2015 22:46