عداد الزائرين

mod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_counter

إضافات حديثة

   
 
الدولة المثالية عند محى الدين بن عربى


الدولة المثالية عند محى الدين بن عربى صيغة PDF طباعة أرسل لصديقك
كتبها د. حامد طاهر   
الأربعاء, 23 فبراير 2011 18:42


الدولة المثالية

عند محى الدين بن عربى

أ . د . حامد طاهر

 



تمهيـد :

من بين جميع المؤلفين المسلمين ، ينفرد محيي الدين بن عربى بظاهرة غريبة ، وهى عدم التصريح بكل ما يريد لعامة القراء ، أما الخاصة فقد قصد قصدًا إلى إيقاعهم فى الحيرة ، والتردد حول هدفه الذى كان يسعى إليه ، ومن الأغرب أنه لم يفعل ذلك فى رسالة صغيرة ، أو كتاب مختصر ، وإنما فى مؤلفاته التى بلغت المئات ، ومنها "الفتوحات المكية" الذى يتجاوز وحده ثمانية آلاف صفحة(1) !

ما الذى كان يريد إخفاءه ابن عربى ؟ وممن كان يخشى ؟ وهل كان حريصًا على حياته أو ممتلكاته إلى هذا الحد من الكتمان ؟ وكيف استطاع     أن يسطر كل هذه الكمية من المؤلفات دون أن يقع فى فخ التصريح ولو مرة واحدة ؟

ومن الملاحظ أن ابن عربى كان كاتبًا وشاعرًا ، وأنه أودع أفكاره فى هذين المجالين ، وإذا كان من الممكن جدًا أن يخفى النثر أفكاره الحقيقية ، فإن الشعر "فضَّاح" .. ومع ذلك فإننا أمام ابن عربى ، سواء فى شعره أو نثره ، أمام كاتب زئبقي يتهرب منك حين تحاول الإمساك به ، وعندما يصرح أحيانًا بعبارة لا نتقبلها دينيًّا – يسرع فيؤكد لك أنه ملتزم بالكتاب والسنة ، بل إنه سلفي على نحو خالص !!

من هنا اختلف الناس فى ابن عربي ، وما زالوا يختلفون حتى اليوم ، فهل كان هذا من أهداف الرجل ، حتى يظل اسمه وأفكاره مثار أخذ ورد على مدار القرون ؟

لقد انتقده كثير من العلماء ، ووجدوا فى بعض عباراته ما يخرج عن ثوابت الدين ، وامتدحه كثير من العلماء – أيضًا – على حسن غوصه على المعانى ، ورفعوه إلى مصاف الأولياء ، وبين هذا وذاك .. ما يزال ابن عربى حتى يومنا هذا موضوعًا لدراسات عديدة لدى المسلمين ، وفى الغرب . وكل باحث يرى فيه ما لا يراه غيره . أما الصوفية على اختلاف طرقهم واتجاهاتهم، فقد أطلقوا عليه لقبا لم يطلقوه على أحد سواه ، وهو "الشيخ الأكبر".

والواقع أنك ما أن تبدأ قراءة ابن عربى حتى تجده قد اجتذبك إلى عالمه الواسع ، ومهد لك من البداية طريق التصوف ، متحدثًا معك عن تجربته الخاصة وعما مرَّ به من مصاعب ، وما أفاد الله به عليه من فتوحات ، كما يخبرك بالتفصيل عن شيوخه الكثر ، وما الذى أفاده من كل منهم ، وكيف أنه بعد التلمذة لهم جميعًا أعلن بكل صراحة أنه لم يعد يتبع شيخا بعينه ، وأنه أصبح يأخذ تعليمه ومعارفه من الله تعالى .

ترجع صلتى بابن عربى إلى بداية السبعينات من القرن الماضي ، حين سجلت ، فى قسم الفلسفة الإسلامية بكلية دار العلوم بجامعة القاهرة ، رسالة للماجستير بعنوان : كتاب "روح القدس فى مناصحة النفس" لابن عربى : تحقيق ودراسة ، بإشراف الدكتور محمود قاسم ، والذى قرأت معه كتاب الفتوحات المكية الضخم على مدى عام كامل .. وبينما كان د0 قاسم مهتما بأفكار ابن عربى الفلسفية ، ومقارنتها بأفكار كبار فلاسفة الغرب من أمثال : ليبنتز ، كنت مهتما بالجانب الأخلاقى عند ابن عربى ، من خلال الكتاب الذى قمت بتحقيقه ودراسته ، وقد أجيزت الرسالة فى عام 1973م ، بلجنة مكونة من الأستاذين د0 عثمان أمين ، وأبو الوفا التفتازانى ، رحم الله ثلاثتهم(2).

ومنذ هذا العمل ، لم تنقطع صلتى بتراث ابن عربى ، فقد تابعت المؤلفات التى كان يتم إخراجها له ، أو الدراسات العربية والأجنبية التى كانت تصدر عنه ، كما سعدت كثيرًا بقيام د0 مصطفى لبيب مؤخرًا بترجمة رسالة الدكتور أبو العلا عفيفى عن فلسفة ابن عربى التى ظلت بالانجليزية منذ ثلاثينيات القرن الماضىإلى اللغة العربية ، كما أتيح لى الإشراف على بعض طلاب الدراسات العليا للماجستير أو الدكتوراه عن ابن عربى ، وهو الأمر الذى كان يزيد صلتى بمؤلفاته ، ونظرات الباحثين الجدد حول أفكاره .

فى دراستى لكتاب : روح القدس لابن عربى ، رصدت لديه اتجاهًا واضحًا فى نقده لحكام عصره ، ناعيًا عليهم ظلم الناس ، وعدم إحقاق الحق، والميل عن طريق العدل ، كما كانت مواقفة الشخصية تعبر أيضًا عن ذلك حين رفض تعيينه واليًا من جانب بعض حكام الأندلس ، مفضلا الانخراط فى الطريق الصوفى ، ومجالسة الفقراء والمساكين(3) وأذكر أثناء مناقشة الماجستير أن الدكتور عثمان أمين عاتبنى على عدم التوسع فى هذا الموضوع ؛ أى نقد الحكام ، وكان الجو السياسى فى مصر ملبدًا بالغيوم ، فآثرت الصمت ، لكن ملاحظته ظلت معى لوقت طويل .

وأعترف الآن بأننى قرأت مؤلفات ابن عربى – بقصد الفهم – أكثر من مرة ، ومن بينها : الفتوحات المكية . أما "فصوص الحكم" فما زلت أعيد قراءته مرات مرات(4) . ومن الكتب الصغيرة الحجم ، والعالية القيمة : كتاب "التدبيرات الإلهية فى إصلاح المملكة الإنسانية"(5) الذى شاءت الظروف أن أعيد قراءته فى هذه الأيام ، فأجد فيه ما لم أجده من قبل : نظرية سياسية متكاملة لابن عربى ، لم يتعرض لها أحد من الباحثين ، ولم يُلق عليها الضوء الكافى ، ليبرزها بين أهم النظريات السياسية التى ظهرت فى العالم الإسلامى.

لذلك فقد عكفت على هذا الكتاب أقرؤه وأعيد قراءته فى ضوء ما تراكم لدى من تراث فلسفى على مدى العصور ، بدءًا من اليونان ومرورًا بالحضارة الإسلامية ، حتى العصر الحديث ، وكانت المفاجأة أن ابن عربى يودع فى هذا الكتاب الصغير الحجم ، البالغ الأهمية ، تصوره لدولة مثالية ، كالتى تحدث الفارابى عن جانب واحد منها فى رسالته "آراء أهل المدينة الفاضلة"(6) ، وبسطها بصورة متكاملة أفلاطون فى رائعته "الجمهورية"(7) .

والذى أريد فى البداية أن أنبه عليه هو أننا لا ينبغى أن نفرض على ابن عربى النسق المتخيل الذى غلب على أصحاب الجمهوريات أو المدن المثالية من قبل ، وإنما علينا أن نتابعه كما يريد هو أن نتابعه . وأوَّل ما نلاحظه : أن ابن عربى يضع نظريته السياسية فى إطار وضع الإنسان فى الكون ، وعلاقته بالله تعالى الذى أوجده ، ومنحه خلافته فى الأرض .. ثانيًا : أن ابن عربى ينتقل وبالعكس من التصور المثالى إلى الواقع المعاش بمهارة فائقة، تجعلنا أحيانًا لا ندرى أيًّا منهما هو المقصود بالفعل . وثالثة   الملاحظات : أنه بينما يتحدث عن مملكة الإنسان كفرد ، إذا به يتعرض لنظام الحكم فى الدولة ، وبينما يضع المعايير المثلى لنظام الحكم الرشيد فى المجتمع، إذا به يحدد مقاييس التوازن بين القوى الداخلية للإنسان الفرد .


عنوان الكتاب :


يطلق ابن عربى على كتابه : "التدبيرات الإلهية فى إصلاح المملكة الإنسانية" وهذا يعنى ببساطة إصلاح أحوال الفرد من الداخل على أساس أن الإنسان نسخة مصغرة من العالم ، والنسخة كما نعلم تحتوى على كل ما يوجد فى الأصل ، فى حجم أقل وبنفس الوظائف تقريبًا .

فما دلالة هذا العنوان ؟ وإلى ماذا يهدف ؟ لا شك أن القراء سينصرفون مباشرة إلى موقف الإنسان – كإنسان – من الكون ، ومدى التشابه بين أجرامه وظواهره وقوانينه ، وبين ما يدور داخل بدن الإنسان وروحه وقلبه وجوارحه . وهكذا فإن مجرد العنوان بهذا الشكل يصرف نظر القراء عن الواقع السياسى للمجتمع الإسلامى ، والدولة القائمة حينئذ ، إلى مستوى فلسفى أنطولوجى ، يبدو للوهلة الأولى أنه غير مرتبط بالشئون العملية ، وما يتخللها من سلبيات ونواقص .

لكن هل كان ابن عربى يقصد إلى تحويل أنظار القراء عمومًا ، أم تحويل نظر الحكام وأشياعهم ممن يراقبون ويرصدون ؟ فى تصورى أن الفئة الثانية هنا هى المقصودة . لكن ابن عربى لم يكن يهتم كثيرًا بالقراء عمومًا ، وإنما بطائفة منهم يطلق عليهم مصطلح "الخواص" الذين بمقدورهم أن يفهموا معانى كلامه ، ويدركوا مراميه البعيدة . وسوف نجده – فى هذا الكتاب – يتحدث بامتياز عن "المسألة السياسية" التى كان من المحرمات الحديث عنها ، أو حتى مجرد التلويح بها أمام الجماهير .

أهمية الكتاب وسبب تأليفه :

يقول ابن عربى : "كان سبب تأليفنا لهذا الكتاب ، أنه لما زرت الشيخ الصالح ، أبا محمد المورورى ، بمدينة موْرور ، وجدت عنده كتاب "سر الأسرار" صنفه الحكيم "أرسطو" لذى القرنين "الإسكندر" لمَّا ضعف عن المشى معه ، فقال لى أبو محمد : هذا المؤلف قد نظر فى تدبير المملكة الدنيوية ، فكنت أريد منك أن تقابله بسياسة المملكة الإنسانية ، التى فيها سعادتنا ، فأجبته، وأودعت فى هذا الكتاب من معانى تدبير الملك أكثر من الذى أودعه الحكيم ، وبينت فيه أشياء أغفلها الحكيم فى تدبير الملك الكبير ، وألفته فى دون الأربعة الأيام ، بمدينة مورور ، ويكون جرم كتاب الحكيم فى الربع أو الثلث من جرم هذا الكتاب"(8) .

ثم يبين الفائدة من الكتاب والقارئ المستهدف فيقول :

"فهذا الكتاب ينتفع به خادم الملوك فى خدمته ، وصاحب طريق الآخرة فى نفسه ، وكل يحشر على نيته وقصده" (9) .

والمشكلة هنا أن كتاب "سر الأسرار" ليس من مؤلفات أرسطو ، وإنما هو من نتاج الأفلاطونية المحدثة التى نُقلت بعض مؤلفاتها للمسلمين عن طريق السريان ، وهؤلاء هم الذين أخطأوا فى نسبتها إلى فلاسفة اليونان ، وبهذا الشكل انتشرت بين المسلمين الذين اعتبروها من إنتاج هؤلاء الفلاسفة ، وراحوا يعقدون المقارنات بينها وبين الأعمال الحقيقية لليونان ، ثم راحوا يوفقون بينها وبين الثقافة الإسلامية ، وكلا الأمرين أحدث بعض الخلط فى الفلسفة الإسلامية واستمر لفترات طويلة ، بما فيها عصر ابن عربى نفسه ، ولم يتم تصحيح هذا الخطأ إلا فى العصر الحديث(10) .

ومهما يكن من أمر ، فإن ابن عربى يعود فى المقدمة ليبين أهمية الكتاب ، فيقول : "إنى بنيت هذا الكتاب الصغير الحجم ، اللطيف الجرم ، العظيم الفائدة ، الكثير العلم ، المستخرج من العلم اللدنى ، والقاب(11) العدنانى المسمى فى الكتاب المبين ، الذى لا يدخله ريب ولا تخمين بالتدبيرات الإلهية فى إصلاح المملكة الإنسانية ، وهو مشتمل على مقدمة وتمهيد وأحد وعشرين بابًا من دقائق التوحيد فى تدبير الملك الذى لا يبيد ، على الترتيب الحكمى ، والنظام الإلهى .. وجاء غريبًا فى شأنه ممزوجًا رمزه ببيانه ، يقرأه الخاص والعام ، ومن كان فى الحضيض الأوهد ، ومستوى الجلال الأكرم : قد علم كل أناس مشربهم ، ففيه للخواص إشارة لائحة ، وللعوام طريقة واضحة"(12) .

وهكذا ينبهنا ابن عربى إلى أن كتابه يمكن أن يُقرأ على أكثر من مستوى ، وأن قُرَّاءه يختلفون من حيث تناوله ؛ فهناك العامة الذين يمكنهم أن يجدوا فيه طريقة واضحة ، وهناك الخواص الذين يوجه لهم فيه الإشارة اللائحة !! والواقع أننا سوف نلتقى فى بداية بعض فقرات الكتاب بعبارة ابن عربى (سر للخواص) وهو يتضمن فى العادة لمحة من لمحاته الخاصة التى ينفرد بها : إما فى تفسير آية قرآنية ، أو حديث قدسي أو نبوي – على أساس مذهبه العام فى وحدة الوجود ، والذى يرى أن التصريح به لا ينبغى أن يكون لكل الناس (13) .

الفكرة العامة للكتاب :

الإشادة بمكانة الإنسان باعتباره أسمى المخلوقات الإلهية ، والذي منحه خلافته فى الأرض ، وعلمه الأسماء كلها ، وأسجد له ملائكته ، وفضله على كثير من الكائنات الأخرى .
ثم المقابلة بين ما ركبه الله تعالى فى بدن هذا الإنسان وروحه     ونفسه وقلبه .. الخ ، وبين ما يوجد فى العالم من أجرام وأفلاك ومظاهر وظواهر .. الخ ، وينتهى ابن عربى من هذه المقابلة بأن الإنسان هو النسخة المصغرة من العالم الكبير .

ثم كما يوجد فى العالم الكبير نظام مطرد ، وسنن إلهية تحكمه ، كذلك يوجد فى الإنسان "أو ينبغى أن يوجد" نفس النظام ، الذى بدونه يفقد الإنسان مكانته ، ويصبح معرضًا للوقوع فى الكفر والشرك ، والنفاق والعصيان .

إن الإنسان – الفرد – عبارة عن مملكة قائمة بذاتها ، وهو لا يختلف عن الممالك الدنيوية التى لابد لها من ملك يحكمها ، ونظام يسيطر عليها ، وأفراد مسئولين ، يديرون شئونها .

من هنا يبدأ ابن عربى فى عقد مقارنة تفصيلية بين ما يوجد فى الإنسان من قوى ووظائف ، وبين العالم الكبير وما فيه من قوى ووظائف. هذا من ناحية ، ومن ناحية أخرى يقوم بمقارنة تفصيلية – أيضًا – بين قوى الإنسان الفرد ووظائفها وبين أفراد الدولة ووظائفها المختلفة .

إذن تقوم فكرة الكتاب الرئيسية على وضع الإنسان فى مقابلة بين العالم من فوقه ، وبين الدولة من حوله ، فى محاولة فريدة من نوعها بين إحداث التطابق بين ثلاثة أطراف قد تبدو متباعدة ، وهى : الإنسان والعالم والدولة .

وهنا يحق لنا أن نتساءل : وما الهدف من هذه المحاولة ؟ أو ما  جدواها ؟ فى تصورى أن ابن عربى يريد أن ينفذ من وراء ذلك إلى القول بأنه إذا كان هناك نظام يحكم العالم ، فلماذا لا يكون هناك نظام يحكم كلا من الفرد والدولة .

أما الفرد ، فليس أمامه سوى السيطرة على قواه التى يمكنها أن توقعه فى الشر ، أو تهوى به إلى المعصية ، لكن الدولة التى كانت ، من قبل ابن عربى ، وفى عصره ، لا تتبع بصورة عادلة أصول النظام الأمثل ، فإنها تصبح هى المقصودة من هذا الحديث .

ولكى ينجو ابن عربى بكتابه من سلطة الرقابة الصارمة للدولة ، سوف نجده يحدثنا كثيرًا عن محاولة الإنسان الفرد السيطرة على قواه الشريرة وإطلاق قواه الصالحة لكى تبلغ به السعادة المنشودة ، لكنه مع ذلك ، أو إلى جوار ذلك ، سوف يتحدث عن نظام الدولة : كيف يكون صالحًا ؟ ومتى يدخله الفساد ؟

إنه إذن يراوح بين التصور الصوفى للإنسان ، والفكر السياسى للدولة بصورة تجعلنا ننتقل من أحدهما للآخر دون صعوبة ، كما أنها تتيح له أكبر قدر ممكن من حرية النقد والتوجيه ، الذى قد يصطبغ أحيانًا بصيغة بلاغية ، ويكشف عن نفسه فى أحيان أخرى ، فيأتى فى صورة نصائح موجهة للحاكم مباشرة .

وأوضح مثال على ذلك ، حين يعرض لفكرة العدل فى الدولة ، وكيف أن الحاكم ينبغى أن يكون هو مصدره ، سواء بتصرفاته أو بالقوانين التى يضعها للتطبيق على المحكومين ، ولكى يبين ذلك يعتمد على مصطلح (مركز الدائرة) الذى أطلق على الإنسان الذى جعله الله تعالى خليفة له فى الأرض ، (ويقابله الروح الذى له الحكم فى بدن الإنسان وقواه المختلفة) ، ثم ينتقل إلى الإمام الذى يحكم الدولة : يقول ابن عربى : "وعبر عنه بعضهم بمركز الدائرة، والذى حملهم على ذلك أنهم لما نظروا إلى عدل هذا الخليفة فى ملكه واستقامة طريقته فى هباته وأحكامه وقضاياه سمَّوه : مركز دائرة الكون لوجود العدل به. وإنما حملوه على مركز الكرة نظرًا منهم إلى أن كل خط يخرج من النقطة إلى المحيط مساويًا لصاحبه رأوا ذلك غاية العدل ، فسموه مركز الدائرة لهذا المعنى"(14) .

إنه هنا يثير مسألة عدل الحاكم الذى ينبغى أن يتوزع بالتساوى على جميع أفراد رعيته ، فلا يجامل المقربين منه متجاهلاً البعيدين ، ولا يظلم أحدًا لحساب أحد آخر . ومن المعروف أن العدل يتطلب وجود قانون عادل ، يجرى تطبيقه على الجميع بدون استثناء ، وإذا كان قد قيل قديمًا أن العدل أساس الملك، فإنه أيضًا السبب الرئيسى فى بقائه واستمراره ، وفى غيابه يحدث التذمر ، وتهب الثورات ، وتعم الفوضى ، فتهتز قوائم الحكم ، وتنهار أركانه.

إن التشبيه بمركز الدائرة الذى تخرج منه الخطوط متساوية إلى محيطها يعد مثالاً عبقريا على تعميم سلطة القانون على جميع أفراد الرعية ، والحفاظ فى نفس الوقت على المسافة المنضبطة بين الحاكم والمحكومين .

ثم يؤكد ابن عربى أنه "إذا صلح الإمام صلحت الرعية ، وإذا فسد فسدت" ، ويعقب على ذلك قائلاً : "بذا جرت العادة وارتبطت الحكمة الإلهية"(15).
ويبين السر فى ذلك بأن الله تعالى إذا ولى خليفة على قوم فإنه يعطيه أسرارهم وعقولهم ، فيكون إذ ذاك "مجموعَ رعيته" فمتى خانهم فى أسرارهم وعقولهم ظهر ذلك عليهم . وإن اتقى الله فى ذلك ظهر ذلك عليهم .وقد تكون أسرار رعيته حين تعطى إليه رذلة ناقصة ، ولهذه الإشارة "مثلما تكونون يولى عليكم" فإن غلب عليها صلاح الإمام صلحت ، وظهر آثار ذلك فى الرعية وأرباب الدولة (تمشية غيبية إلهية) يجدها الإنسان فى نفسه بعد أن لم تكن ، ولا يدرى من أين وردت عليه ، ولا كيف حصلت له ، فهذا سر قوله r  : "إذا صلحت صلح لها سائر الجسد"(16) .

أما الخطاب المباشر للحاكم ، والذى يتضمن توجيهات محددة له (17) ، فيبدأه ابن عربى ببيان مكانة الإنسان عمومًا عند الله تعالى ، الذى خلق الدنيا كلها من أجله ، وخلقه هو نفسه من أجل الله تعالى : "فأوجدك له ، وأوجد الأشياء لك"(18) .
يقول ابن عربى مخاطباً الحاكم المفترض

· يا أيها السيد الكريم .. تحبب إلى رعيتك ، وأجزل لهم العطايا ، كل صنف ما يصلح به ، وذلك بأن تمنعهم من المحارم ، وتجزل لهم مواهب الطاعات على قدر الاستطاعات ، فاجعل أبدًا همتك فى إصلاح الأقرب فالأقرب يقل شغبك وتعبك ، وسلط الصالح على الفاسد يصلحه، وإياك أن يكون ذلك بالخوف الشديد فتزيدهم نفورًا .. فإن النفوس مجبولة على حب من أحسن إليها(19) .

· يا أيها السيد الكريم .. ينبغى لك بل هو آكد عليك ألا تضع شيئًا فى غير موضعه ، ولا تبرز شيئًا إلا فى وقته المعهود عندهم . وإياك وخرق العادة ، وعند مسيس الحاجة إليه ، ليكون القبول عليه أشد(20).
وإذا هممت بأمر فقل : إن شاء الله ، كما أمر الله تعالى .
واحذر قرناء السوء ، فإنهم يأكلون درهمك ، ويقربون للنار لحمك  ودمك ، فلا تصحب إلا خليلاً تجد معه الزيادة فى دينك .
فإن رأيت منه فى صحبته النقص فى ذلك فبئس القرين (وهو أكبر عدو لك) فاحترز منه فى ملكك ، فإنه يكون سبب خرابه(21) .

· أيها السيد الكريم .. أوص وزيرك وحاجبك ألا يدخل عليك من الصفات (التى هى جباياتك) إلا صفة يتحقق فيها أنها نتيجة عن مقدمتين صحيحتين ضروريتين ، وفرع عن أصلين كريمين مستقيمين .
فإن من الصفات ما ترد عليك بها النفس مما يعطيها الهوى لتهلك بها ، فتأتى إليك بها فى أحسن صورة تكون ، وباطنها غير ذلك ، حتى إذا اختبرت ذلك وجدت صحته ، فتحفظْ .
فإذا جاءتك بصفة ودخلت عليك فانظر سابقتها وعاقبتها بالأدلة الواضحة الشرعية العقلية والعادية ، واسبرها فى محك النظر ، ومجارى الفكر، وزنها بمعيار العلم ، وتفرس فيها ما تعطيك الأدلة المنصوبة للفراسة ، فإن تُعقب خيرًا فتحل بها ، وإن كانت خلاف ذلك فاقتلها .
فتلك الصفة هى التى نبهنا رسول الله r عليها بقوله : "إياكم وخضراء الدمن"(22) .
وهنا لابد أن نتوقف لنشير إلى حقيقة ما يقصده ابن عربى من تلك "الصفة" : هل هى الآراء التى يمكن أن تتحول إلى قرارات يصدرها الحاكم ويجرى تطبيقها على الرعية ؟ أم أنها الرشوة التى كان يُدلى بها بعض المحكومين إلى الحكام ليأكلوا أموال فريق منهم ، وهى ما نهى عنه القرآن الكريم بصراحة(23) .

· حافظ على ذاتك الشريفة الروحانية ، واعرف قدرها ، ولأى شيء وجدت ؟ وما المراد منها ؟ وإن أمكنك ألا تصرفها فى قيام وقعود وحركة وسكون وأشباه ذلك من جميع أفعالك إلا عن أمر إلهى علوى ، فتحققْ .

· وإياك وإنفاذ أمر فى ملكك حتى تشاور فيه وزيرك ، فإنه فى مشاورتك إياه تثبت مودتك فى قلبه ، والمودة تورث الشفقة ، والشفقة تورث النصح ، والنصح يورث العدل . وبالعدل بقاء المملكة .. هكذا ينبغى أن تكون صفات الإمام وأحواله ، وإلا هلك ويهلك(24) .

· ويورد ابن عربى أقسام الملوك التى حددها الحكماء القدماء فى أربعة :
1-
ملك سخي على نفسه وعلى رعيته .
2-
ملك لئيم على نفسه وعلى رعيته .
3-
ملك سخي على نفسه لئيم على رعيته .
4-
ملك لئيم على نفسه سخى على رعيته .
وهو يحول هذا التقسيم على أساس العلم والعمل فيقول :

· أيها السيد الكريم .. إن كنت صاحب علم وعمل فأنت سخى على رعيتك سخى على نفسك ، وإن كنت لا صاحب علم ولا عمل فأنت لئيم على نفسك ورعيتك وإن كنت صاحب علم لا صاحب عمل فأنت سخى على نفسك ، لئيم على رعيتك ، وإن كنت صاحب علم لا عمل ، فأنت لئيم على نفسك سخى على رعيتك ، وان كنت صاحب عمل لا علم ، فأنت سخى على نفسك ، لئيم على رعتيك(25) .
ومن الواضح أنه يشير هنا إلى قضية التزام الحاكم بالشريعة فى حياته الخاصة ، وهى المسألة التى ناقشها بعض الفقهاء حول فسق الحاكم ، وهل ينعزل بهذا الفسق أم يبقى للحفاظ على الأمن والاستقرار ؟! وبالنسبة إلى ابن عربى يحدد كلا من اللؤم والسخاء بقوله : إن السخاء هو بذل الشيء عند الحاجة إليه من غير زيادة ولا نقصان . واللؤم منع الشىء مع الحاجة إليه . فمن جاوز فقد أفرط ومن قصَّر فقد فرَّط . وكلا طرفى الأمور ذميم .
ثم يوصى الحاكم قائلاً :

· أيها السيد الكريم .. إن السخاء كل السخاء : الزهد فيما فى أيدى الناس . فما أحبت الرعية مليكها حتى زهد فيما عندها ، والسخاء يورث المحبة، والمحبة تورث القربة ، والقربة تورث الوصلة ، والوصلة تورث الجمع .

ثم يحكى ابن عربى من تجاربه فيقول : وقديما خبرتُ الناس فى أوطاننا وأوطانهم فلم أر لديهم أعظم قدرًا ولا أكبر خطرًا فى نفوسهم من رجل طال صمته وقل كلامه ، وإن تكلم فبالحكمه فإن القلة منها أحسن من الكثرة ، وأقبل لنفوسهم حذر السآمة – وهو حد السخاء المتقدم(26) .

وكذلك لم أر أعظم عندهم وأجل فى نفوسهم ، وأحب إليهم من رجل زهد فيما فى أيديهم واحتجب عنهم ، ولم يظهر لهم إلا عندما يعرف أن الحاجة قد مستهم للنظر إليه ، فحينئذ يظهر لهم .. فكل شيء يورده فى ذلك المقام قُبل لتعطش النفوس إليه .
ثم يصرح أكثر من ذلك فيقول : "فإن أقبلوا عليك بشيء من دنياهم فارغب عنها ، وردها على فقرائهم ، فإن أَبَوْا إلا بواسطتك فخذ منهم وادفعها إلى فقرائهم على علم منهم بذلك . ثم يعقب قائلاً : "هكذا تكون حالة الإمام ، وبها يعظم عند أهل مملكته"(27) .
وسوف يعود ابن عربى مرة أخرى إلى فكرة العدل ، التى سبقت الإشارة إليها ، فيخصص لها فصلاً كاملاً بعنوان : (فى العدل ، وهو قاضى هذه المدنية ، القائم بأحكامها) فيقول مخاطبًا الحاكم (المتوهّم) :

· أيد الله السيد الهمام الأعدل الأكمل : ينبغى لك إن أردت بقاء مملكتك عليك ، والظفر بأعدائك – أن يكون متولى أحكام رعيتك ، ومنفذ قضاياك : العدل .
فإنه - أبقاه الله عليك – ما ولى مدينة قط ولا مملكة إلا ظهرت فيها البركة ، ونمت الأرزاق ، وعمت الخيرات جميعها (تقارن هذه الفكرة بما بسطه ابن خلدون فى المقدمة)(28) وهو موجود محمود محبوب على ممر الدهر والأعصار ، وهو الميزان الموضوع فى الأرض ، وبه يكون الفصل يوم العرض الأكبر بين العباد ، وهو الحاكم فى ذلك اليوم ، وهو المأمور به شرعًا، وإن الملك جسد روحه العدل ، ومتى لم يكن العدل خرب الملك ، وكانت الحكماء يقولون : "عدل السلطان أنفع للرعية من خصب الزمان" ، وقد أمر الله تعالى به فقال : ) إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ ( وذم من لم يتصف به ولا جعله حاكما عليه ، فقال : ) وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ ( ... فاجعل العدل حاكما على نفسك وأهلك ورجلك وخولك وعبيدك وأصحابك ، وجميع من توجه عليه حكمك، وفى كلامك وفعلك ظاهرًا وباطنًا(29) .


الوزير وأهميته :

يقول ابن عربى : "جرى التدبير الربانى الحكمى فى العادة ألا يستقيم أمر مَلِك فى ملكه إلا بوزير يدبره ، يكون واسطة بين الملك والمملوك"(30) .

ونظرًا لأهميته ، فهو يقارن بينه وبين العقل فى الإنسان . وللعقل معنيان نابعان من اللغة العربية : فهو يعقل عن الله تعالى كل ما يلقى إليه ، وهو على مملكة الجسم كالعقال الذى يوضع للدابة فيحفظها من الانفلات.

أما مصطلح الوزير ، فيحتمل أن يكون من الوزر ؛ أى الثقل ، فإنه هو الذى يحمل أثقال المملكة وأعباءها ، ويحتمل أن يكون من الوَزَر ؛ الذى هو الملجأ ، فإنه هو الذى يلجأ إليه فى جميع الأمور ؛ إذ هو لسان الخليفة ، والمنفذ لأوامره .

والوزير بالنسبة إلى الخليفة ، كالقمر بالنسبة للشمس . فمتى احتجب الخليفة كان للوزير الظهور ، وإنفاذ الأوامر ، والإعطاء والمنع ؛ إذ هو لسان الخليفة والمترجم عنه .
وينبغى أن يكون الوزير حسن التدبير والسياسة ، وجميع الأمور اللائقة بالمملكة من مقامه إلى أدنى موجود من رعيته(31) .

فإذا أراد معرفة شيء فى تدبير الملك وإصلاحه افتقر حينئذ إلى مشاهدة الإمام ، وعند المشاهدة يلوح له المراد ، ويقوم له التجلى منزلة الخطاب من الملك إلى الوزير بدون حاجة إلى حروف وألفاظ .

وينبغى أن يكون الوزير فى موضع يتمكن فيه من الإشراف على جميع أقطار المملكة ، حتى يتسنى له النظر فى جميع مهماته .

ثم يخاطب ابن عربى الحاكم قائلاً له : فينبغى لك أيها الخليفة الأكرم أن تحافظ على وزيرك وتسايسه ، وتتحبب إليه ، فإن فى بقائه صلاح ملكك ومدينتك .. لأنه مثل العقل تماما فى مملكة البدن ، إذا فسد خربت مدينة الجسم، ولا يقدر الروح على تداركها : "فحافظ على الوزير حفظك على نفسك ، فهو يدك التى بها تبطش ، وعينك التى بها تبصر ، فمتى هممت بإمضاء أمر فى ملكك فقرب العقل (= الوزير) وتدبر معه ، وشاوره ، وانظر إلى ما يصدر عنه فيه ، واعمل بما يشير به عليك ، فإن الله تعالى قد أودع الصواب فى رأيه"(32) .

وأخيرًا يحذر ابن عربى الحاكم من اختيار الوزير المزيف ، الذى قد يبدو فى هيئة الوزير الحقيقى ، تمامًا كما يحاول الوهم أن يظهر بمظهر العقل ، مع أن البون شاسع بينهما ؛ لذلك فإنه يفرد للوزير فقرة كاملة ، يخلع عليه فيها كل الصفات الحسنة ، والأخلاق الفاضلة (تبلغ 37 صفة وخلقًا) ويجعل من بين علومه التى يتميز بها : الفراسة ، وهذا ما دفعه إلى أن يخصص الباب الثامن بكامله من الكتاب لبيان موضوع الفراسة ، الحكمية والشرعية ، لكى يساعد الملك على اختيار وزيره الصالح ، كما يساعد الوزير على اختيار أعوانه .

وظيفة الكاتب :

يعطى ابن عربى أهمية كبرى لدور الكاتب ، وخاصة بالنسبة للحاكم ، ويكفى أن وظيفته تأتى مباشرة بعد الوزير ، بل إنه يعتبر فى مكان أقرب للحاكم من الوزير . يقول ابن عربى : "فهذا الكاتب موجود شريف ، اصطنعه الخليفة لنفسه ، واتخذه سميرًا ؛ لأنه فيما يجب عليه أن يكون : حسن الخلق ، صبورًا ، حمولاً للأذى ، كاتمًا للأسرار الملكوتية ، فصيحًا ، بليغًا ، يستدرج المعانى الكثيرة فى عبارات وجيزة تنبئ عنه صريحًا ، لا يسوق نصًّا فى كتابه إلا فى مكان يأمن عقابه ، فإن لم يأمن فليسق من الألفاظ فى كتابه ما تحتمل معنيين فصاعدًا ، حتى لو ظهر على الإمام فى بعض كتبه شيء يعطيه أحد محملات اللفظ ، وكره الإمام ذلك عَدَل الإمام إلى الاحتمال الثانى الذى يحتمله ذلك اللفظ – والله كثير العفو والتجاوز – فإنه إذا دخله الاحتمال سقط كونه دليلاً على شيء معين ، وهذا من مهارة الكاتب وثقابته"(33) .
ولابد من الإشارة هنا إلى أن ابن عربى يدعو الكاتب لكى يضع مصلحة الأمير فوق مصلحة الرعية ، فهو يحافظ على ألا يخطئ فى    الرسائل التى يوجهها أو المتعهدات التى يلتزم بها ، ويدعو الكاتب – فى بعض المواطن – أن تكون رسائله التى يكتبها محتملة لأكثر من معنى ، حتى إذا كره الحاكم أحدهما ، أصبح فى مقدوره أن يلجأ للمعنى الآخر .

ثم يستمر ابن عربى فى بيان أصول الكتابة ، فيقول : "وأن يجمع بين اعتدال حروفه ومعانيه ، ولا يستعمل فى كتابه إلا الألفاظ الصقيلة المعتادة الخطابية التى بها وقع فى النفس وتعلق بالقلب .

وأن يبدأ فى سجلاته بالحمد والثناء والصلاة ، ثم يأخذ فى عدل الإمام ، وأوصافه الحسنة الشريفة ، ومقامه المنيف ، ويرغب فيه .. ثم بعد ذلك يذكر ما أمر به ، فإن كان خيرًا فهو المرغوب ، وإن كان غير ذلك فقد قيل لأبى يزيد البسطامى : أيعصى العارف ؟ فقال : "وكان أمر الله قدرا مقدورًا"(34) .

ويشدد ابن عربى فى النصيحة للحاكم كى يحرص على كاتبه ، مبينًا خطورة وظيفته ومدى حساسية موقعه لمنصب الإمارة نفسه ، فيقول : "فيا أيها السيد .. تفطن لهذا الكاتب ، فإنه وإن كان لك منصب الإمامة فله منصب الخطابة ، لا تستقل بها دونه ، فهو الإمام فيها ، لو حصلت معه فيها لخدمته ، ولكنه لإقامة الحق لك فى الإمامة الإحاطية دخل هذا وغيره فى حزبها .. فراع حرمته ، فهو صاحب طابعك ، والمخاطب عنك ، فتحبب إليه ، وإلا أفسد ملكك!"(35) .

بل إن الوزير مفتقر إلى الكاتب ، وغايتك وغاية وزيرك : تدبير حضرة مسكنك ، وكتبه تمشى فى باديتك بما يريده ، لا بما تريده أنت ، إن شاء ذلك.

واعلم أن الحضرة لا معنى لها إلا بباديتها ، فإن فسدت البادية وثارت عليك أدى ذلك إلى فساد ملكك ، وأنى لك تلافيه !! فهو الأمين على الفجور والتقوى وملكك يقبل الصفتين معا ، وقد نصحتك فالزم"(36) .

وينبه ابن عربى الحاكم إلى أن الملوك لم تفتضح أمورهم إلا من مجالسها ، ولم يغير حالها إلا من بساطها "فتفقدْ بساطك الكريم ، وميِّز بين الولى والعدو منه ، بفعلك معه (مع الكاتب) والاحسان فى الجملة مقيد مسترد ، يذهب بالضغائن ، ويزيل الحقد ، ويثمر المودة والغيرة(37) .

العاملون على الجبايات والخراج :

يوصى ابن عربى الحاكم – ما دام غير قادر على مباشرة أمور المال بنفسه – أن يتخير شخصيًا أمينًا ، ثقة ، قوى الجأش ، ينظر فى استخراج هذه الجبايات من أيدى الرعية على طريق العدل والسياسة .

وهو يرى أنه لا بقاء لملك الأمير أو الحاكم بدون بيت مال ، ولا غنى عنه ألبتة . لكنه فى نفس الوقت مطالب من جهتين :
-
فالرعية تطالبه بالرفق وحسن المعاشرة .
-
والله تعالى الذى استخلفه يطالبه بامتثال أوامره ، وتمشية العدل .
يقول ابن عربى : "فاحذر هذين المقامين ، ولا تول مسدَّدًا ولا عاملاً إلا عارفًا بقدر ماله ، وعليه شحيحًا .

وليكن واحدًا ، فإن الكثرة تؤدى إلى الفساد فى الأمر الواحد ، فإنك إن وليت أكثر من واحد طلب كل واحد منهم الجاه عندك ، والظهور على صاحبه، فيظهرون الاجتهاد ، والرعية ضعيفة – فربما حملوا عليها ما لا تحتمل ، فيكون ذلك سببا إلى قطيعتهم وهلاكهم . فالذى يفسده بهذا النظر أكثر مما يصلحه"(38) .

ويوصى ابن عربى الحاكم أن يكون متوسطا فى شئون الإنفاق ، غير مقتِّر ولا مبذر ، يقول الله تعالى : ( وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ )  [الإسراء : 29] ، "فصم وافطر . وقم ونم . وقد اخترت لك مسددًا لن تعدم خيرًا ما دام معك . وقد نظرت له فى وَزَعة (أى اخترت له أعوانًا) يمشون معه ، فابعثه على هذه الجبايات بوزعته ، فإنك تحمد سيرته ، وتشكر بصيرته ، وهو العلم – ووزعته : الثبات والاقتصاد والحزم والرفق ، فإنه إذا دخل إلى عمالتك مع وزعته أقام ميزان العدل ، وحسن السياسة ، فإنه نافذ البصيرة يعرف خبث الرعية ومكايدها ، فيأخذ ما يجب له ، ويكلف على قدر المصلحة والوسع ولم يتجاوز .. فاعتمد عليه ، وأقره على ما ذكرناه من الرؤساء أصحاب الخراج ، فإنك تحمد عاقبته"(39) .

ويمكن أن نستخلص من هذه النصوص بعض الأفكار الأساسية ،   وهى :
-
أن المال ضرورى للملك ، لازم لبقائه .
-
أنه لابد أن يستخرج من الرعية
-
ضرورة مراعاة ظروف الرعية واستعمال العدل معها حتى لا تثور .
-
اختيار أكفأ العناصر لجمع الأموال من الرعية ، وكذلك اختيار معاونيهم .
-
بعد جمع المال ..لابد من التوسط فى إنفاقه بدون تقتير أو تبذير .

السفراء :

يفصل ابن عربى فى مهمة السفراء بين من يرسلهم الملك إلى أعدائه ، أو من يرسلهم إلى الثائرين ليقوموا بتهدئتهم . وهو هنا ينتقل إلى المستوى الرمزى غير المباشر ، فيتحدث عن قوى الإنسان الداخلية ، والتى يمكن إسقاطها بعد ذلك على الواقع العملى .

لكنه فى البداية يحدد صفات السفير فيقول : "اعلم أيها السيد الكريم أن الحكمة قد أعطت عند مَنْ غلب عليه عقله على شهوته من الملوك أنه لا يوجه رسولاً إلى عدو من أعدائه إلا إذا كان ذا فطنة ، وذكاء ، وشجاعة ، ووفاء ، وسخاء ، وصدق ، وديانة ، وأمانة ، وعلم بالحجة ومواقع الكلام . فإن الرسول دليل على مرسله ومنزلته . فإن كان على هذه الأوصاف علم أن مرسله بهذه المثابة وأعلى ، فإنه لولا علم من أرسله وعقله لما ميَّز هذا الرسول من غيره ، وإن كان بضد ما وصفنا :  كاذبًا خائنًا ، كثير الهوس ، سخيفًا عُلم أن الذى أرسله أسخف منه"(40) .

ومن ناحية العدو المرسل إليه السفراء ، فإن ابن عربى يشير إلى الهوى باعتباره الملك المطاع فى مدينة البدن ، وهو الذى يمكن أن يثور ، فيتطلب الأمر إخماد ثورته عن طريق السفراء . يقول ابن عربى : "فلتكن رسلك – أيها السيد الكريم إلى الهوى ، الملك المطاع ، الثائر فى مدينتك : التوفيق ، والهدى ، والفكر ، والاعتبار ، والتدبر ، والثبات ، والقصد ، والحزم، والاستبصار ، والتذكر ، والخوف ، والرجاء ، والتدبر ، والثبات ، والقصد ، والحزم ، والاستبصار ، والتذكر ، والخوف ، والرجاء ، والإنصاف، وما شاكل هذه الأوصاف فهذه ينبغي أن تكون رسلك .

فأفلح وربح وعظم ملك كان رسله هؤلاء إلى أعدائه ، فإنه يُعلم على الضرورة أنهم يقمعون عدوه بالحجة القاطعة ، وربما أسلم ويرجع الهوى الذى كان يقصد الشر إلى الخير ، وتُكفى مؤونه المقابلة والمقاتلة(41) .

أما بالنسبة إلى استقبال السفراء ، من هذا العدو الثائر عليك ، والساعى إلى فساد ملكك .. "فلا تغلظ عليهم ، فإن إهانة الرسل من عدم السياسة . ورسله هى : الحرص والكذب والخيانة والغدر والجبن والبخل والجهل والشره، والعى ، والبلادة ، وما شاكل هذا الصنف .
فمن جاء منهم إليك فلا تنفر عنهم ابتداء ، فلا تنهرهم وقل لهم قولاً كريمًا فإنك تأخذ بأسماعهم وأبصارهم . واقعد على سرير ملكك ، وأخل لهم مجلسك ، وأمر وزيرك العقل يترجم لهم عنك ، فإنه سؤوس" .

ويؤكد ابن عربى على حسن معاملة السفراء ومخاطبتهم بأحسن الحديث كاشفًا السر فى ذلك : "فتقول له : أيها الرسول – مكانتك عندنا عظيمة ، ومنزلتك كريمة ، فإنه إذا سمع هذا منك سُرَّ به ، فإنه لا يسمع مثل هذا الكلام من سلطانه !" (42) .

ويؤكد ابن عربى على نجاح هذه الطريقة فى معاملة السفراء ، معتذرًا بأنه لم يقدم سوى مثال واحد عليها بسبب الاختصار ، لكنه يمكن أن يعمم على أمثلة أخرى كثيرة .
القواد والجنود :

هنا – أيضًا – يتحدث ابن عربى من المستوى الرمزى ، ومع ذلك يمكن إسقاطه – كما سبق القول – على الواقع العملى .

وهو يبدأ ببيان أهمية الجند للمملكة ، فيقول : "إن الأجناد هم الأعمدة التى يقوم عليها فسطاط الملك ، والأوتاد الذين يمسكونه"(43) .

ثم يذكر أن الملك عبارة عن بيت ، فلابد له من أربعة أركان تمسكه. ولذلك ينبغى على الملك أن يختار أربعة قواد من الخواص تدور عليهم أفلاك مملكته ، ورحى سلطانه . وما بقي من الأجناد فتحت أمر هؤلاء الأربعة ، ومن ثم يتاح للملك النظر فى هؤلاء الأربعة ، وهم يديرون الملك ، كل واحد بأتباعه المحددين(44) .

أما السبب فى تحديد عدد الأربعة ، فيشير ابن عربى أولاً إلى أحد أسرار الرقم (4) ، وهو أنه الرقم الوحيد الذى يجمع العشرة . ففيه الثلاثه ومجموعها (7) ، وفيها الاثنان ومجموعها (9) ، وفيها الواحد ومجموعها (10) ، أما السبب الثانى فهو أن الجهات التى يدخل على المملكة الخلل منها أربع : اليمين والشمال والخلف والأمام . ولم يبق بعد ذلك سوى التحت والفوق. أما التحت فإليه يَدَعُوك ( ! ) ، وأما الفوق فهو محل طريق التنزل الإلهى ، فلا تقربه لئلا تهلك ، وهو طريق القضاء والقدر ، اختص الله به فلا مدخل لمخلوق فيه" (45) .

ثم إن القواد الأربعة الذين يحمون المملكة تقابلهم أحوال أربع فى الإنسان وهى : الخوف والرجاء والعلم والتفكر . ومن المقرر أن الإنسان الفرد إذا تحصن بهذه الأربعة أمن هجوم أى عدو عليه من أى ناحية ، كذلك الملك ينبغى أن يحمى نفسه ومملكته بهؤلاء القواد الأربعة الذين يمكن أن يتطابقوا مع هذه الأحوال(46) .

ويؤكد ابن عربى على أن الحاكم إذا حقق العدل فى رعيته ، وحماها بالفضائل جلب القوة والمهابة لمملكته ، فلم يطمع فيها سوى الظلمة ، والأشرار، وهؤلاء يسهل قتالهم ، والانتصار عليهم(47) .

وأخيرًا يوصى الحاكم ، بعد بيان حد الاعتدال فى تحصيل الغذاء البدنى على مختلف فصول السنة الأربعة (كما فعل أرسطو فى خطابه إلى الاسكندر)، بالسعى إلى تحصيل العلم ، وهو نوعان : كسبى يأتى من المعارف والتجارب والمعقولات والمحسوسات ... الخ ، ولدنى يهبه الله تعالى للخاصة من عباده ، إذا أجادوا عملهم فى الدنيا ، واتبعوا الشريعة ، وعاملوا الرعية بالعدل والانصاف . يقول ابن عربى : "فاسعَ أيها السيد الكريم .. فى نجاه نفسك ، ونجاه رعيتك ، واعلم أن أهل دولتك إن عاشرتهم فى الدنيا بالحق والعدل والإنصاف ، وتمشيت بهم على الطريقة الواضحة الشرعية ، فإن الله تعالى يقيمهم يوم القيامة شهداء لك بالعدل وحسن النقيبة والسيرة والمعاشرة ، وإن عدلت بهم إلى طريق المخالفات والمحظورات انعكس عليه ، وأوقفهم الحق يوم القيامة شهداء لك بالعدل وحسن النقيبة والسيرة والمعاشرة ، وإن عدلت بهم إلى طريق المخالفات والمحظورات انعكس عليك ، وأوقفهم الحق يوم القيامة شهداء عليك بقبح السيرة ، وسوء المعاشرة .. فالله الله تحفّظْ" (48) .

إلى هنا تنتهى المادة العلمية المتعلقة بالجانب السياسى من كتاب : "التدبيرات الإلهية فى إصلاح المملكة الإنسانية" لتستمر بعدها الأبواب والفصول (من 16-22) حول مضاهاة الإنسان للعالم الكبير ، وحقيقة التجليات الإلهية مع الفارق بينها وبين التخيلات الشيطانية لدى الصوفية ، ثم وصايا هامة لتربية المريدين فى طريقة التصوف .. أما بالنسبة إلى موضوع مضاهاة العالم للإنسان، فقد قمنا ببحث دقيق تبعًا لتقسيمات ابن عربى نفسه ، فوجدناه غير مستوعب فيها ، فبينما يحدد مثلاً عشرين حالة لمضاها طبقات العالم الأعلى للإنسان لا يذكر منها سوى (12) حالة فقط ، وبينما يحدد (15) حقيقة لعالم الاستحالة لا يذكر منها سوى خمسة فقط ، ومن الجدير بالملاحظة هنا أننا قد سبق أن درسنا لديه موضوع أسرار الحروف فوجدنا نفس الأمر ، وأحيانا بعض الخلط فى إضافة أشياء سبق أن أضافها لغيرها(49) .

وعمومًا فإن هذا هو طابع التأليف عند ابن عربى : الاستطراد الذى قد يقصر أو يطول أحيانًا ، والتعريج على بيان بعض أخطاء الصوفية وأوهامهم ، إلى جانب حرصه الدائم على إيراد نصائحه للمريدين الذين يبدأون خطواتهم الأولى على طريق التصوف . لكن شيئًا من ذلك لا ينبغي أن يصرفنا عن التركيز على الموضوع الرئيسى الذى ألف من أجله الكتاب ، محاولاً أن يضع فيه خلاصه مركزة بالفعل لأفكاره السياسية ، التى قد تكتسى أحيانا بطابع صوفى أو روحاني ، ولكنها تظل بالنسبة إلينا كاملة الوضوح .

خلاصة بأهم أفكاره السياسية :

اولاً : إعطاء مكانة عالية جدًا للإنسان ، بصورة قد لا نجدها عند غيره من مفكرى الإسلام ، على أساس أنه أسمى المخلوقات الإلهية ، والذى منحه الله تعالى خلافة الأرض ، وعلمه الأسماء كلها ، وأسجد له ملائكته ، وفضله على كثير من الكائنات الأخرى .

ثانيًا : هذا الإنسان الفرد عبارة عن النسخة (طبق الأصل) المصغرة للعالم الكبير بكل ما يحتوى عليه من أمور علوية ، وأجرام وأفلاك سماوية ، وإذا كان هذا العالم يسير تبعًا لنظام إلهى محكم ، فإن النظام الموجود فى الإنسان لا يختلف عن ذلك .

ثالثًا : من حق هذا الإنسان أن يعيش فى دولة يحكمها نظام محكم ، مثل النظام الإلهى الذى يسيطر على العالم ، والذى يتحكم فى الإنسان نفسه . وبهذا يصبح النظام السياسى للدولة مضاهيًا لكل من النظام الكونى ، والنظام الإنسانى .

رابعًا : كما يسيطر الإنسان على بدنه وقواه المختلفة بواسطة الروح القدسى الذى نفخه الله تعالى فيه ، والذى يعد هو الرئيس فى مملكة الإنسان الفرد، فإن النظام السياسى للدولة يتطلب أيضًا رئيسًا واحدًا ، يسير شئونه ، ويطبق قوانينه.

خامسًا : على هذا الرئيس مدار صلاح الدولة وفسادها ، يقول ابن عربى : "إذا صلح الإمام صلحت الرعية ، وإذا فسد فسدت" ، ويعقب قائلاً : "بذا جرت العادة ، وارتبطت الحكمة الإلهية" .

سادسًا : من هنا يأتى اهتمام ابن عربى الشديد بتكوين هذا الإمام ، وتقديم النصائح المباشرة له ، حتى يكون أهلاً لهذا المنصب الخطير ، الذى تتوقف عليه حياة الدولة والرعية .
ومن أهم هذه النصائح : الإقرار بنعمة الله عليه ، وتسخير الأشياء والناس له .. وضرورة التحبب إلى الرعية بالهبات ، وعدم إضاعة الحقوق ، وتجنب قرناء السوء الذين يأكلون دراهم الإنسان ، ويقربون للنار لحمه ودمه، وعدم قبول الهدايا من الرعية ، فهى رشوة ملعونة ، والتحفظ فى الكلام والحركة ، والالتزام بالشريعة فى حياته الخاصة ، حتى يقنع الرعية بتطبيقها فى سلوكهم وتصرفاتهم ، كما يوصى الحاكم بالسخاء على الرعية ، فالسخاء هو الذى يورث المحبة ، التى تؤدى فى النهاية إلى تدعيم الملك .

سابعًا : العدل ، وهو جوهر النصائح التى يقدمها ابن عربى للحاكم : فهو أساس الملك ، وسبب بقائه واستمراره . بقول : "إن الملك جسد روحه العدل ، ومتى لم يكن العدل ضرب الملك . وهذه الفكرة سوف نجدها إحدى دعائم الفكر السياسى عند ابن خلدون (لمن يرغب فى المقارنة بينه وبين ابن عربى) ، بل إن العدل هو الذى يحمى الملك من الأعداء ، ويساعد الحاكم والرعية على الانتصار عليهم فى حال قيام الحروب .
وهذا العدل ينبغى أن يتوزع على جميع أفراد الرعية بالتساوى ، تمامًا كما تصدر الخطوط المستقيمة من مركز الدائرة إلى محيطها ، فلا محاباة لفئة على حساب فئة أخرى ، ولا تفضيل لأفراد على سائر الرعية .

ثامنًا : وبما أن الحاكم - باعتباره إنسانًا فردًا – لن يستطيع أن يباشر كل شئون مملكته ، فلابد له من أعوان ، يأتى على رأسهم الوزير ، الذى يضاهى العقل فى الإنسان ، وهو "الذى يحمل أثقال المملكة وأعباءها" ويعتبر نائب الملك عند غيابه ، ولذلك ينبغى التدقيق فى اختياره ، والإحسان الدائم إليه لاستبقاء صلاحه . إلى أن يقول له : "حافظ على الوزير حفظك على  نفسك" .. ولابد ن أن يتدبر معه سائر الأمور ، ويشاوره ، ويتابع ما  يصدر عنه .

تاسعًا : الكاتب ، وهو الذى يتلقى التعليمات شفويًا من الحاكم ، ثم يكتبها لكى يتم تبليغها لسائر جهات المملكة . ووظيفته غاية فى الأهمية والخطورة . ولذلك ينبغى أن تتوافر فيه مجموعة من الصفات المهنية إلى جانب محافظته على أسرار الحاكم ، بل إنه يوصى الحاكم بأن يحرص عليه ، ولا يستقل بوظيفته ولا بعمله الذى يمكن أن يقلب الأمور عليه . يقول : "إن الملوك لم تفتضح أمورهم إلا من مجالسها ، ولم يغير حالها إلا من بساطها"، ومن هنا ينبغى الحرص على الكاتب ، واستدامة مودته وإخلاصه".

عاشرًا : جُباة الأموال . وهنا يقرر ابن عربى أنه لا بقاء لمملكة بدون المال الذى يأتى فى الغالب من الرعية . ومن واجب الحاكم أن يعين لهذه المهمة شخصًا يراعى جانبين : جانب الله تعالى ، واستخراج الأموال اللازمة لمليكه ، وجانب الرعية التى لا ينبغى أن يظلمها فى شيء ، بل عليه أن يراعى ظروف المتعسر منها . أما الأموال بعد جمعها فينبغى انفاقها بالحكمة ، والتوسط ؛ أى : بدون تقتير ولا تبذير .

حادى عشر : السفراء ، وهم الأفراد الذين يرسلهم الملك إلى الأعداء ، أو الثائرين عليه لتهدئتهم ، وتجنب ويلات الحروب وشرورها ، وهنا لابد أن نعلم أن رسول الشخص دليل على مرسله ومنزلته . ولابد من توافر صفات مهنية وأخرى أخلاقية ينبغى أن يتحلى بها الشعراء ، حتى ينجحوا فى سفاراتهم.
أما استقبال سفراء العدو ، فينبغى على الحاكم أن يستقبلهم أحسن استقبال ، وأن يختلى بهم ، ويقدر مكانتهم عاليا ، فإنهم لا يجدون ذلك عند من أرسلهم !! وهكذا يمكن للحاكم بهذا الأسلوب أن يكسب هؤلاء السفراء إلى قضيته ، ويرجعهم إلى العدو أو الثائر بدون أى مكاسب .

ثانى عشر : القواد والجنود : وهنا يحدد ابن عربى عدد قوات الجيوش بأربعة تبعًا للجهات الأربع التى ينبغى الدفاع عنها ، وصد الأعداء عن المملكة وهى : الأمام والخلف واليمين والشمال . وبالطبع لابد أن يزودهم بالأعداد الكافية من الجنود الذين يأتمرون بأوامرهم ، حتى يحققوا الهدف الرئيسى للملكة وهو المتمثل فى صد الأعداء .
لكن ابن عربى ينبه الحاكم إلى أمر هام ، وهو أن سياسته إذا اتبعت الحق ، والعدل ، والإنصاف ، وتمشت مع الشرع فإن الرعية تتماسك معه ، وتصبح فى ذاتها قوية من الداخل بحيث يهابها الأعداء من الخارج .
إنه هنا يشير إلى أهمية تماسك الجبهة الداخلية لدعم الجيوش التى تقف مدافعة عنها ، وبذلك يتحقق للمملكة المزيد من القوة والاستقرار ، ولا يفكر عدو خارجى فى الاقتراب منها .

ثالث عشر : ويظل الحاكم هو مركز دائرة المملكة ، بحكمته تنهض ، وبسياسته الظالمة تنهار .
وبالتالى فإن عناصر استقامة رجال الدولة ، الذين يختارهم الحاكم ، والتزامهم بأحكام الشريعة الإلهية ، وتطبيقهم لمبدأ العدل ، وحسن معاملته للرعية ، مع إخلاصهم فى نفس الوقت للحاكم .. كل هذه العناصر تؤدى مجتمعة إلى إقامة حكم رشيد، يرضى عنه الله تعالى ، ويتمشى مع سننه التى أمضاها فى الكون والإنسان معًا .

آخر تحديث الجمعة, 30 يناير 2015 22:36