عداد الزائرين

mod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_counter

إضافات حديثة

   
 
ديوان الشجرة وعصافيرها صيغة PDF طباعة أرسل لصديقك
كتبها Administrator   
الخميس, 08 ديسمبر 2016 20:15

ديوان الشجرة وعصافيرها

 

 


 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

تقديم

هذه مجموعة قصائد من النثر ، كتبتها فى الفترة الأخيرة ، وكنت أنشرها على الفيس بوك ، حيث كانت تلقى تجاوباً طيباً من الأصدقاء المتابعين ، وهو الأمر الذى شجعنى على جمعها ، وطبعها فى نسخة ورقية ، حتى يسهل تداولها وأتمكن من إهدائها لمن أحب .

أما مفهومى لقصيدة النثر فهى من حيث الشكل عبارة عن نثر فنى يكتب على هيئة سطور تشبه الشعر الحر ، ومن حيث المضمون : هى بناء موضوعى ووجدانى تترابط مكوناته من واقع الحياة اليومية البسيطة ، ومظاهر الطبيعة المتنوعة ، وحركة النفس المتقلّبة ، بحيث تتطور فيه الأحداث ، محاولة وضع المتلقى فى جوّ نفسى مركز ، ينتهى به إلى خط النهاية الذى قد يكون مفاجأة بكل معنى الكلمة .

إذن فإن مفهومى لقصيدة النثر يكاد يختلف كثيراً عما شاع عنها لدى معظم الشعراء الذين كتبوها . فهى ليست تهويمات فى الفراغ ، ولا تركيبات لغوية خارجة عن المألوف ، ولا انتقاصا من القيم الدينية والأعراف الاجتماعية والمبادئ الأخلاقية ، بل إنها على العكس من ذلك كله : تعبير محدد وملتزم بموقف اجتماعى وإنسانى واع ، يسعى إلى إدانة السلبيات ، وتعظيم الإيجابيات .

وأنا لم أكتب قصيدة النثر إلا بعد أن مررت بكتابة الشعر العمودى (الملتزم بالوزن الخليلى والقافية) ، والشعر الحر الذى فتح صفحة جديدة فى تاريخ الشعر العربى الحديث ، وفى كل من هذين الشكلين نشرت أكثر من عشرة دواوين ، بالإضافة إلى ثلاث مسرحيات شعرية . وإنما أصرح بذلك حتى لا يظن ظان أننى أكتب قصيدة النثر لسهولتها لأننى أؤكد أنها لا تقل صعوبة عن كل من القصيدة العمودية ، وقصيدة الشعر الحر .

وأخيراً فإن قصيدة النثر عبارة عن تجربة جديدة فى تاريخ الشعر العربى ، أرجو أن يفسح لها المكان بدلاً من إقصائها ، وأن يتم تناولها ببعض التعاطف بدلاً من معاداتها، وأن يعتبرها النقاد المحترمون إضافة للشعر العربى وليست انتقاصا منه .

وإلى القارئ التحية

أكتوبر 2016

حامد طاهر

 

 

 


الشجرة وعصافيرها

كانت شقتى تطل من الخلف

على فيلا من الطراز القديم

وأمامها فناء واسع

تتوسطه شجرة معمّرة

كان يقال إنها ترجع لأكثر من مائة عام

المهم أن أوراقها الخضراء لم تكن تجف ،

طوال الفصول الأربعة

وكان يسكن فى هذه الشجرة

حشد هائل من العصافير

التى تظل تزقزق على مدى ساعة كاملة ،

فى الصباح الباكر.

وأذكر أن أصواتها الزاعقة

كانت تزعجنى جداً

وتقلق راحتى تماماً

فى ذلك الوقت الذى يسبق نهوضى من السرير

واستعدادى للذهاب إلى العمل .

* *

لكننى من مرور الوقت

الذى يَضطرنا فى العادة إلى التأقلم

صرت أتحمل أصوات تلك العصافير

بل إننى رحت أحاول

أن أجد فى أصواتها المتناثرة والمتضادة

خيطا من الانسجام والوحدة

وقد لاحظت أنها لا تبدأ عزفها مرة واحدة

وإنما بصوت واحد أو اثنين

ثم تتبعها باقى الأصوات الأخرى

حتى تكتمل الجوقة كلها فى لحن متكامل .

* *

وبعد مرور حوالى الساعة

تنطلق هذه الفرقة المغردة

فى رحلتها الصباحية

لتلتقط رزقها من حقول الجيزة

المحيطة بنهر النيل

ثم لا تعود إلا مع غروب الشمس

حيث تسكن تماماً داخل الشجرة

ولا يصدر منها أى صوت طوال الليل ..

* * *

صارت معزوفة العصافير الصباحية

جزءاً لا يتجزأ من نظام حياتى اليومية

أتابعها برضا

وأصحو على أصواتها بنشاط

وأسكن معها فى الليل بهدوء كامل

ومن الغريب أننى لم أكن أتبين أجسامها

بين الأغصان أبداً

فهى تسكنها ، لكنها لا تظهر نفسها منها

فقط : أصواتها الطويلة والقصيرة والمتقطعة

هى التى أسمعها ..

* *

وذات يوم

فاجأنى القدر بما لم يكن فى الحسبان

أصوات عمال تتنادى

وزمجرة بلدوزارات تعلو وتهبط

وسألت .. فعلمت

أن أصحاب الفيلا المجاورة قد باعوها

وأن المشترى سيبنى مكانها برجا سكنيا

وبالطبع كان عليهم أن يزيلوا الشجرة العتيقة

وقفت فى نافذتى مشدوها

وكان أهم ما فكرت فيه

هو حال تلك العصافير

حين تعود مع غروب الشمس

فلا تجد شجرتها التى توالدت ،

وتكاثرت ،

وعاشت كل حياتها فيها !

* *

راح البرج السكنى يعلو ويعلو ..

حتى حجب عن نافذتى الصغيرة

كلا من السماء والشمس والقمر

وقد انعكس ذلك على حالتى النفسية

فصرت أكثر كآبة

واضطربت مواعيد نومى ويقظتى

وران الكسل والخمول على حركتى

وفى أحد الأيام

فوجئت بعصفور يحط على حافة النافذة

فرحت به كثيراً

وأسرعت نحوه مرحبا

لكنه أسرع بالطيران

ألقيت نفسى على أقرب مقعد

ورحت أتساءل :

ماذا كان يفعل ؟

ولماذا جاء ؟

وأين باقى إخوته ؟

هل وجدوا شجرة أخرى ؟

أم أنهم تفرقوا فى أشجار مختلفة ؟

وهل مازالوا يزقزقون ؟

أم أنهم سكتوا عن العزف ؟

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


قلوب من زجاج

فى البدء ..

خلفنا الله من صلصال كالفخار

وحين نفخ فينا من روحه

جعل قلوبنا من زجاج

وهذا الزجاج رقيق جدا

وشفاف للغاية

لذلك عندما نقع فى الحب

يتحول لونه

فيصبح ورديا

وفى أحيان أخرى

بلون البحر والسماء

ولكنه حين يخلو من الحب

يصبح فى سواد الحجرة المظلمة

وقد ينكسر ..

فتتطاير شظاياه فى كل أركان الصدر

وتنغرس أطرافها المدببة

فى اللحم والعظام

ويستحيل اقتلاعها منها

ما الذى يجعل الحب

الذى يسكن القلب

بهذا الضعف

وبكل تلك القوة ؟ !

إنه يشبه القطة الصغيرة

التى نتبناها بعد الولادة

ونظل نسقيها رشفات اللبن

ونربت عيها بحنان

حتى تألفنا

وتتعود علينا

وعندما تكبر

يصبح من الصعب التحكم فيها

وبالتدريج .. تبرز شخصيتها

وتصير لها عاداتها الخاصة

التى لا يمكننا أن نكسرها

أو نعدّل منها

فهى تمضى كما يحلو لها ، وتذهب

وتنام ، وتستيقظ

وإذا رغبنا فى دعوتها إلى حجرنا

نظرت إلينا بلا مبالاة

ومشت لتجلس حيث تريد

* *

وهكذا الحب

عندما نريده لا نجده

وحين نجده

لا نعرف أبدا

متى يرحل عنّا !


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أوراق النتيجة

أوراق النتيجة هى نفسها أيام العمر

وكلما قطع الإنسان منها ورقة

فكأنما أسقط من عمره يوما

لكن من منا يفكر فى شىء من ذلك

إننا فى العادة

نقطع ورقة اليوم المنتهى ،

فى المساء ، وقبل النوم

أو فى الصباح ، قبل أن نذهب إلى عملنا

وغرضنا الأساسى :

أن نكون على بينة من اليوم الحالى

أى الأيام هو ؟

وما هو موقعه من أيام الشهر ؟

وأحيانا ننظر إلى النتيجة

لنتذكر موعد تقديم هدية لأحد أحبابنا

أو عمل عزومة لأصدقائنا

وهناك أيضاً من ينظر إلى النتيجة

ليستعجل حلول الأجازة

لكى يستعد للذهاب إلى المصيف

وإلى جانب هؤلاء

يوجد من لا يهتم بالنتيجة على الإطلاق

وهو يكتفى بسؤال من حوله :

فى أى يوم نحن ؟ !

وبالطبع فإن الاهتمام بالنتيجة أو إهمالها

لا يمنع أبدا من مرور الأيام ،

وتستمر الأوراق فى السقوط

عند كل مغيب شمس !

* *

أما فى السجن

فلا توجد نتيجة حائط

ولذلك يستخدم السجين جدار الزنزانة

لحفر خطوط صغيرة

تمثل عدد الأيام التى قضاها

حتى يعرف : كم مضى عليه ؟

ومتى يخرج للحرية ؟

* *

وعموما فإن النتيجة قد تكون

منبها جيداً لتنظيم خطواتنا فى الحياة

كما قد تكون نذير سوء

لترويعنا مما تخبئه الأيام

وبهذه المناسبة

فأنا أعرف بعض الأصدقاء

الذين لا يحبون أن يذكّرهم أحد

بيوم ميلادهم

الذى يسميه الناس عيد ميلاد

لأنهم يعتقدون أن مجئ هذا اليوم

يعنى انتقاص عام من عمرهم

وقد كان المطرب الكبير عبدالوهاب

واحدا من هؤلاء !

* *

والسؤال الآن :

هل النتيجة وحدها هى التى تذكّرنا

بانقضاء أيام الحياة ؟

لقد كان أمير الشعراء أحمد شوقى

صادقا جدا حين قال :

دقات قلب المرء قائلة له :

إن الحياة دقائق وثوانى

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


السماء فى مصر

السماء فى مصر

أجمل من الأرض

فهى زرقاء طوال العام

وصافية فى معظمه

والسحب البيضاء

التى تمر بها

لا يكاد يسمع لها صوت

وكأنها تخشى

أن تزعج النائمين تحتها

* *

فى الأحيان القليلة

التى تمتلئ فيها السماء بالغيوم

يتساقط منها بعض المطر

المطر الخفيف

الذى يرطّب سطح الأرض

فيخمد الغبار المتراكم فوقه

ذلك الذى يلوث الجو

ويحدث خشخشة فى صدور الأطفال

* *

السماء فى مصر

أجمل من الأرض

لأن الفلاح

بعد أن يتعب من العمل فى الحقل

ويتناول غداءه المعتاد

من الخبز والجبن

الذى لم يتغير منذ آلاف السنين

يستلقى على ظهره

تحت شجرة مورقة

ويتجوّل بنظره فى السماء

حتى تلفحه نسمة باردة

فيستغرق فى نوم عميق

* *

السماء فى مصر

أجمل من الأرض

لأنها خالية من أوجه القبح

فى الطرقات المتعرجة

والبيوت المتكدسة فوق بعضها

ونداءات الباعة المزعجة

ومناوشات الشارع

التى لا تتوقف أبدا

طوال النهار والليل

* *

السماء فى مصر

أجمل من الأرض

لأنها الملاذ الرحيم

للفقير والمريض وأصحاب الحاجة

أما الأرض . .

فهى مليئة بالصعاب والعقبات

وكلما تجاوز الإنسان منها حفرة

سقط فى هاوية

ولا يكاد يخرج من مشكلة

حتى يقع فى أزمة

وإذا عثر على عشرة أصدقاء

تبين له أن تسعة منهم

كانوا مزيفين !

* *

السماء فى مصر

أجمل من الأرض

فهى اللوحة

التى يرسم عيها كل إنسان

آماله وأحلامه منذ الطفولة

ويظل على مدى سنوات العمر

يزينها بمختلف الألوان

وقد يحذف منها

أو يضيف إليها

أو يعدّل فيها

لكن ملامح اللوحة الأساسية

تظل كما هى ..

وحين ينظر إلى حياته فوق الأرض

يجدها باهتة ، ولا لون بها

بل إنها تكاد تتناقض تماما

مع لوحته التى رسمها بنفسه

فى السماء.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


القاهرة وأنا..

القاهرة

هى مدينتى

التى ولدت بأحد بيوتها العتيقة

فى حىّ الخليفة

وقضيت تحت جناحها صباى

فى حى الحسين

وأستقى شبابى من مشربياتها

فى حى الدرب الأحمر

وكنت أخطو بحذر ودهشة

فى أحيائها الراقية :

جاردن سيتى ، والزمالك ،

ومصر الجديدة

كما كانت خطاى تحملنى

إلى بعض أحيائها المكتظة

مثل بولاق ، وباب الشعرية ،

ودار السلام

* *

الناس فى القاهرة

مشغولون دائما بأعمالهم

وترى الجدية على وجوههم

وكذلك تجاعيد السنين

وحين يضحكون .. فبصوت عال

لكن عيونهم تمتلئ بطيبة كامنة

وهى لا تظهر

إلا عندما تحتاج إلى مساعدتهم

فيجلسونك على كرسى أمام محل

أو يقدمون لك كوب ماء

ويتركونك حتى تستعيد قواك

ثم تقوم لتواصل طريقك ..

* *

فى القاهرة

تسير عربات الكارو

بجانب سيارات المرسيدس

ولا أحد يتضايق أو يعترض

فالشارع رغم ضيقه

يتسع أيضا للمشاة

ولسائق عجلة الخبز

الذى يقودها بيد ،

ويضع بيده الأخرى فوق رأسه

عدة أقفاص بها مئات الأرغفة !

فى القاهرة

الكثير من القطط والكلاب الضالة

أو هكذا يسمونها

وهى تتجول بأمان

وتتناول طعامها من القمامة

أو ما يمنحه لها بعض الناس

وغالبا ما تشاهدها بجوار المقاهى

تتأمل الجالسين فيها

وهم يلعبون الطاولة ،

أو يدخنون الشيشة

* *

نساء القاهرة

نوعان :

فى الأحياء الشعبية

سمينات وصريحات

وفى الأحياء الراقية

أنيقات ومتحفظات

لكنهن جميعا

يتابعن المسلسلات بعشق

ويحلمن بأبطالها

دون أن يصرّحن بذلك

يقال إن القاهرة

هى مدينة الألف مئذنة

وهى فى الواقع أكثر من ذلك

فالمساجد لا حصر لها

والقديمة منها تحف معمارية

بناها المماليك

كفّارة لهم عن قسوتهم

تجاه الشعب المصرى الطيب

الذى احتضنهم ،

وتركهم يحكمونه لعشرات السنين

* *

فى شوارع القاهرة

وبسبب الزحام والحرّ

تهبّ المشاجرات لأتفه الأسباب

وتشتبك الأيدى ، ويعلو الصراخ

وتمتلئ البلكونات بالمتفرجات

ويحلف كل متصارع بالطلاق

أن يمحو خصمه من الوجود !

لكن أهل الحكمة يسرعون بالتدخل

ويبعدون أحدهما عن الآخر

وتنتهى الخناقة بالمصافحة

والصلاة على النبى الهادى ..

* *

القاهرة فى شهر رمضان

تظل ساهرة طوال الليل

فالأطفال يلعبون بالفوانيس

وحبال الزينة تمتد بين المنازل

وباعة العرقسوس

يستخدمون صاجاتهم فى النداء عليه

وعربات الفول المدمّس

ومحلات الكنافة والزبادى

عليها زحام دائم

وقبل أن ينطلق مدفع الإفطار بدقائق

تتوقف الحركة تماما

فتخلو الشوارع من المارة

ولا تكاد تسمع صوت محرك سيارة واحدة

وكل أسرة ملتفة حلو مائدتها

وهى تحمد الله على ما فوقها

من ماء وخبز وطعام ..

* *

وبالنسبة لى

فقد زرت كثيرا

من مدن العالم المتألقة

باريس وروما وبكين وكولا لامبور

ومعظم العواصم العربية

وأعترف الآن

بأننى ما استرحت إلا فى القاهرة

وأن الشوق إليها يبدأ فى نفس اللحظة

التى أغادرها فيها

وطوال ابتعادى عنها

أظل أعد الأيام المتبقية

لكى أعود إليها

وحين أنزل فى مطارها

أستنشق بملء رئتىّ

الهواء الخاص بها

وعندما أجلس فى إحدى مقاهيها

أشعر كأننى وسط عائلتى

وحين أتعثر فى أحد طرقاتها

أنهض بدون تذمر

وحين تنقطع الكهرباء فى شقتى

أظل هادئا

وأنتظر عودتها من جديد

وحين أذهب لوداع أحد أصدقائى

إلى مقره الأخير بمدافن القاهرة

أقول لنفسى :

لعلنى أكون التالى ..

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


عالم الإنترنت

مجرد النقر على الأزرار

يحرك العلامات

والعلامات تستدعى المعلومات

وأمام الإنسان أن يختار

أو يغرق فى الاختيار ..

* *

المعلومات كثيرة جدا

وهى أكثر بآلاف المرات

مما هو موجود فى الكتب ،

والمجلدات

ولا أحد يستطيع

أن يتأكد تماما

من أنها صحيحة أو خاطئة

حقيقية أو مزيفة

لكن وجودها على الشاشة

وسرعة الحصول عليها

يرضيان فضول المتصفّح

فى معرفة ما يريد

* *

وفى اللحظة التى يدخل فيها الإنسان

إلى هذا العالم الافتراضى الشاسع

يفقد صلته تماما بالواقع

ويصبح مثل شخص

متعلق بلوح من الخشب

فوق سطح المحيط

والموج يعلو به ويهبط

وعيناه ترصدان بسرعة خاطفة

ما يتراءى له تحت الماء

أو ما يبدو له حين يصعد

ليستنشق بعض الهواء ..

* *

الجرائد الورقية

ما قيمتها الآن ؟

وقد أصبحت تنشر أخبارا

يمكن لمتصفّح الإنترنت

أن يعرفها قبل نشرها بيوم

بل فى نفس لحظة وقوعها

وكثيرا ما تصحبها الصور الملونة

الثابتة ، والحيّة

والأهم أنها لا تخضع لرئيس تحرير

يتدخل فيها بالحذف أو التعديل !

* *

وقد أتاح الإنترنت

لكل إنسان على وجه الأرض

أن يفتح بالمجان حسابا خاصا به

ويصبح عضوا فاعلا

فى شبكة التواصل الاجتماعى

فينشر عليها ما يشاء من أخباره

ويتلقّى بالتالى أخبار أصدقائه

وبعضهم يتجاوز ، فيشتم ويسبّ ..

والبعض الآخر

يتلذذ بنشر الفضائح والشائعات

وهؤلاء يشبهون بعض الحشرات

التى تلدغ من يمر بها

سواء آذاها أم تجنبها !

* *

ومثل كل الملكيات الخاصة

تتعرض بعض المواقع للسرقة

وأحيانا للقرصنة

وهناك أولاد عفاريت

يجيدون اختراق الحسابات الشخصية

بل ويتمكنون من سرقة الحسابات البنكية

وتحويلها من بنك إلى آخر

كما يمكنهم الولوج إلى أجهزة كمبيوتر

لشركات ومصانع كبرى

فيشوّشون سير العمل بها

وهناك فتيات

يكتبن على استحياء

ويعرّفن عن أنفسهن باحترام

لكن هناك فتيات أخريات

يعرضن صورا مصنوعة لجمالهن

وأحيانا لأجسادهن

وهكذا يمتلئ الإنترنت

بمختلف المتناقضات

التى يمتلئ بها المجتمع ..

* *

وإلى جانب هؤلاء وأولئك

هناك من يستعرض صورته

وهو يؤدى العمرة

ومن يصور وليده قبل أن يفتح عينيه

ومن يقدّم أمه وأباه

وهما على فراش الموت

ومن يضع صورته

بجوار شط النيل أو البحر

ومن يغيّر فى كل أسبوع

صورته الشخصية

كما أن هناك

من ينصّب من نفسه داعية

فيظل ينصح الناس ويؤنبهم

مع تخويفهم من عذاب القبر

ونيران الجحيم

وكأنه هو الوحيد الناجى منها !

* *

ومع هذا كله

فإن مساوئ الإنترنت

أقل من فوائدها

فهى موصّل جيد للأخبار

ومصدر مسعف للمعلومات

وشبكة عالمية للتواصل الاجتماعى

وإذا كان خصومها يهاجمونها بشدة

فلأنهم من الجيل القديم

الذى لا يجيد استخدام الكمبيوتر !

أما الأجيال الجديدة

فهى مؤهلة لذلك

ويمكنها الإفادة منها

ولا شك أن الإنترنت

قد أثبتت جدارتها

فى معظم مجالات التقدم

التى يشهدها العالم كلها

فى الوقت الحاضر

أما المستقبل فإنه واعد

بتطورات جديدة

سوف تخرج من الكمبيوتر

وربما تجاوزته ..

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


الدوائـــر

أحب الدوائر فى كل شئ

استدارة الرغيف الطازج فوق المائدة

وطبق الفول المدمس الذى أتناوله فى الصباح

وفنجان القهوة الصغير بعد الإفطار

ودرابزين السلم الذى أهبط عليه

ووجه بائعة الجرائد

التى تبتسم لى

قبل أن تعطينى جريدتى المفضلة

* *

أحب الدوائر فى كل شئ

قرص الشمس قبيل المغرب

وهو يتوهج بالحمرة

والقمر .. عندما يبدأ هلالا

ثم يصبح نصف دائرة

حتى يكتمل بدرا ،

وقوس قزح

الذى تستدير خطوطه الملونة

وتتلامس على قبة الأفق

* * *

أحب الدوائر فى كل شئ

الطريق المسفلت

الذى يلتف حول الجبل

فأطل منه على كل ما يحيط به

من غابات ، وصخور ، وصحارى ..

* *

أحب الدوائر فى كل شئ

الدبلة التى تضعها فى إصبعها

الفتاة المخطوبة

والرقصة التى يدور فيها

أصدقاء العريس حوله فى ليلة الفرح

والمرأة

التى وهب الله جسمها

أروع الاستدارات !

* *

أحب الدوائر فى كل شئ

النافورة التى تتوسط الميدان

وساعة البرج الموضوعة فى أعلاه

والطوق البلاستيك

الى تلعب به الفتيات أمام البيت

والكرة الشراب

التى يتقاذفها الفتيان فى الشارع ..

* *

أحب الدوائر فى كل شئ

مائدة الإنسان الكريم

الذى يدعو إليها بعض الفقراء

وحلقة النقاش الهادئ

التى تدور حول ما يصلح الأحوال

والرحلة المدرسية

التى يلتف فيها التلاميذ

حول معلمهم المحبوب ..

* *

أحب الدوائر فى كل شئ

الحمامات التى تطير فى دوائر

ثم تحط بكل أمان فى عشها

والطائرات التى تحلق عاليا فى السماء

دون أن تلقى قنابلها على المدن

وسفينة الفضاء

التى تتخذ مسارها بين النجوم

لكى تصوّر الحركة الدائرية

لكوكب الأرض

* *

أحب الدوائر فى كل شئ

الرقم خمسة ، ومضاعفاته

والصفر العربى

الذى يوضع فى ركن من الدولار

والوردة المستديرة

التى تتفتح فى أصيص الشرفة

والأغنية الشجية

التى تكرّر خاتمتها

ما ورد فى مطلعها ..

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


الحب نوعان

سألنى أحد الشباب المقبل على الحب

كيف ينشأ ؟ ويستمر ؟ وينتهى ؟

فاستجمعت قواى

واستعرضت ما ترسّب من قراءاتى

واستخرجت من تجربتى ما لم أعد أخفيه

وقلت له :

الحب يا بنىّ نوعان لا ثالث لهما

حب الغريزة ، وحب العاطفة

* *

أما حب الغريزة فهو رغبة حسية

يشتعل بسرعة

وينطفئ بمجرد إشباع الغريزة

لذلك فإنه لا يدوم طويلا

وصاحبه يكاد ينساه تماما

بعد سنوات

وربما بعد شهور

وسبب هذا الحب

رؤية جمال المرأة

أو دلالها

وهذان هما اللذان يثيران فى نفس المحب

عاصفة من اللهفة

التى تشبه الجوع والعطش

ولا تخمد هذه العاصفة إلا بالإشباع ،

أو باستحالة التحقق

الذى يدفع المحب للبحث عن حب آخر ..

* *

أما حب العاطفة

فهو الأقوى تأثيرا والأطول عمرا

وقد يستمر مع صاحبه طوال أيام حياته

وهو يبدأ بالإعجاب بملمح من حسن المرأة

من وجهها ، أو عينيها ،

أو حضورها ، أو حيائها ..

وما أن يمسك المحب بهذا الملمح

الذى قد لا يشاركه فيه الآخرون

حتى يحتفظ به فى وجدانه

ويظل يضيف إليه الكثير من الملامح الأخرى

حتى يصنع لنفسه تمثالا خاصا به

وحين يفيض به الشوق

يستحضر هذا التمثال

ويروح يطوف به ، ويناجيه

وكلما مر الزمن

زاد جمال التمثال المتخيل

وغطى على كل ما يراه من أنواع الجمال الواقعى

وعلامة ذلك

أن المحب إذا افترق عن حبيبته لسنوات

ثم رآها فجأة

لم يجد فيها ما كان يراه من النظرة الأولى

لذلك فإنه يسرع بالانطواء على ذاته

وإخراج تمثاله من موضعه

لكى ينظر إليه ويستمتع بمرآه

وهذا ما يجعل هذا النوع من الحب

يستمر ، ولا يكاد ينتهى ..

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


أحلامى المزعجة

أين هم أصدقائى من علماء النفس ؟

لكى يخبرونى

عن حقيقة تلك الأحلام المزعجة

التى كانت وما تزال تعاودنى

وكلما ظننت أنها سوف تتلاشى

أفاجأ بها تعود من جديد

والغريب أنها فى كل مرة

تصبح أكثر وضوحا وتحديدا

كما أن تفاصيلها الصغيرة جدا

تتموضع فى أماكنها تماما

إلى درجة أننى حين أصحو من النوم

أجدها حاضرة أمام عينىّ

ولا يكاد يسقط منها أى تفصيل

الحلم الأول :

أنا طالب فى الجامعة

وعلىّ امتحان مهم

كنت قد استعددت له جيدا

وراجعت المقرر أكثر من مرة

وفى صبيحة يوم الامتحان

راحت علىّ نومة

فأسرعت بارتداء ملابسى

ونزلت متجها إلى كليتى

لكن المواصلات كانت كلها متوقفة

وهى تسد الشوارع

فاضطررت للجرى بأقصى سرعتى

وكنت أتعثر وأنهض

حتى وصلت إلى مكان الامتحان

فوجدت جميع الطلاب يجلسون فى هدوء

والمراقب يقول لى : آسف ، لقد تأخرت

لكننى رحت أرجوه وألحّ

إلى أن رق قلبه

وسمح لى بالجلوس فى آخر المقاعد

وعندما أعطانى ورقة الأسئلة

لم أجد فيها سؤالا واحدا أعرف إجابته

وانتهى الأمر بأن سلمته ورقة الإجابة

خالية من أى كلمة !

الحلم الثانى :

أنا مسافر بالطائرة

وموعدها فى التاسعة مساء

وحين أدخل المطار

أجد حشدا مائجا بالناس

وحين أسأل عن السبب

يقال إنها احتفالات ، ومهرجان تسوق

ومن كثرة الأضواء والبالونات الملونة

لم أستطع أن أرى لوحة السفر

وحاولت الاستفسار فلم يهتم بى أحد

وفى وسط هذا الهرج والمرج

تذكرت انى لم أحمل معى جواز السفر

كنت قد نسيته فى البيت

وفكرت أن أعود لإحضاره

لكننى وجدت عقارب ساعتى تشير إلى العاشرة

يعنى طائرتى رحلت منذ ساعة

عندئذ فقدت كل أمل فى السفر

وخرجت من باب المطار

منكسر الخاطر، حزينا ..

على عكس كل القادمين إليه

أو الراحلين منه !

الحلم الثالث :

بعد التخرج

عيّنت فى قرية نائية

وكانت الوظيفة سهلة ومريحة

والزملاء ودودون جداً

لكنهم قالوا لى إن الأهالى هنا

متشددون ومتزمتون

سألت : فى ماذا ؟

قالوا : لا يقبلون تزويج بناتهم من أى غريب

راعيت ذلك جيدا

وكنت أتجنب الحديث مع أى فتاة

كما حرصت على تأجير بيت

فى أطراف القرية

وذات ليلة بدون قمر

فوجئت بطرقات متتالية على الباب

وما كدت أفتح جزء منه

حتى دفعته فتاة غاية فى الجمال

وأمرتنى أن أغلقه خلفها بسرعة

وبعد أن جلستْ على أقرب مقعد

راحت تتحدث عن أحوالها

وأنها ترغب فى مواصلة تعليمها بالقاهرة أق\

بعد مقتل زوجها فى حادث ثأر!

كنت مضطربا جدا

وقلت لها بعض الكلمات

ثم أوصلتها إلى الباب

بعد أن تأكدت أن أحدا لا يراها

فى اليوم التالى مباشرة

جاء إلىّ فى مكان عملى

ثلاثة رجال مدججين بالسلاح

قال الأول :

- نحن نتابعك منذ جئت للبلد

تأكدنا من أدبك ونقدر خدمتك للناس

وقال الثانى :

- لكننا لا نقبل أبدا أن يجرح شرفنا

هممت أن أشرح له ، وأبرّر ما حدث

لكن الثالث وهو الأكثر شراسة قال :

- لقد قررنا أن تغادر البلد

فى ظرف 24 ساعة من الآن

وانصرفوا ..

جلست خلف مكتبى الصغير

لا أعرف ماذا أقول ، أو أفعل

وأخيراً وجدتنى أكتب طلب نقل

وكانت المفاجأة أن رئيسى وافق عليه فورا

رجعت إلى بيتى لأجمع أغراضى

فى الحقيبة التى جئت بها

وكان علىّ أن أحملها

وأمشى ما يقرب من عشرة كيلومترات

لكى أصل إلى الطريق الرئيسى ..

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


ذلك الإحساس ..

أين ذهب ذلك الإحساس ؟

حين كانت يدى تلمس يدك

ونحن نمشى متجاوريْن

نتحدث فى أمور كبيرة

وأحيانا فى أشياء صغيرة

كنت تتركين يدك للحظة

ثم تسرعين بسحبها بعيدا

بدافع الحياء الذى تعودت عليه

وكنت إذا نظرت إلى وجهك

وجدته يمتلئ بحمرة الخجل

وألاحظ ارتعاش جفونك

وعندما كنت أحاول تغيير الموضوع

أراك تبعدين كثيرا

فى سفر هادئ لطيف

مثل سحابة خفيفة بيضاء

تتهادى فى صفحة السماء ..

* *

أين ذهب ذلك الإحساس ؟

حين تقابلنا فى تلك اللحظة المقدرة

وكانت بيننا مسافة طويلة

لكننا وجدنا أنفسنا

نتبادل نظرة ثابتة

كانت قوية جدا

وواثقة من هدفها

وقد حاول كل منا التراجع

فلم يستطيع ..

عندها تركنا قواربنا تتصادم

ونجومنا تشتعل

وهكذا كان الإعلان الأول عن حبنا

والذى اعتقدنا يومها

أن الزمن لن يقدر أن ينال منه

أو يغيّره

* *

أين ذهب ذلك الإحساس ؟

الذى حملته بين جنبىّ

وانطلقت به فى فضاء واسع

أتحدث عنه مع الأشجار والأحجار

والأنهار والصحارى

كنت أريد أن أصيح بأعلى صوتى :

لقد أحببت !

ورحت ألمس الأشياء بيدىّ

وأبتسم فى وجوه من أعرف

ومن لا أعرف

وأتمنى أن يفيض إحساسى بالسعادة

على جميع الناس

* *

أين ذهب ذلك الإحساس ؟

حين قابلتك بعد عدة سنوات

وأنت تمسكين بيدك طفلة جميلة

كان من الممكن أن تكون ابنتنا

هنّأتك بها

وحاولت أن أتجنب النظر إلى عينيك

لكنك كنت أجرأ منى

حملت الصغيرة التى كانت تشبهك

وقبلتها بحنان زائد

وعندما سألتها عن اسمها

قالت : ياسمين

إنه نفس الاسم

الذى سبق أن اتفقنا عليه !

وضعت الطفلة على الأرض

واستدرت إلى الغوص فى عالمى الخاص

الذى كانت طبقاته المظلمة

قد تراكم بعضها فوق بعض

وفى هذه اللحظة

حاولت البكاء فلم أستطع

إن الدموع لا تسقط

فى لحظات الحزن الشديد

وهى لا تريح إلا أنصاف المحزونين

ولم يكن أمامى سوى أن أعبر الشارع

وأتلاشى وسط زحام العابرين

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


الفانوس أبو شمعة

قبل أن تقوم الصين بثورتها الكبرى

سنة 1949

كنا – نحن أطفال مصر –

نحصل فى مطلع شهر رمضان

على فانوس صغير

مصنوع من الصفيح والزجاج الملوّن

وله باب ندخل منه شمعة رفيعة

كانت تلسعنا أحيانا

ونروح ندور فى الحارات بعد الإفطار

ونحن نغنى ونهلل

وبيد كل منا فانوسه

حتى تذوب الشموع

فننخرط فى ألعاب أخرى ..

* *

كان هذا فى الزمن الجميل

الذى مازلت أذكر تفاصيله بكل وضوح

وكانت أيامه ولياليه

تتوالى بسيطة وطيبة

ولم يكن فيها تليفزيون

بل كان راديو المكوجى على الناصية

هو الذى يجمعنا حول مسلسلات

مثل ألف ليلة وليلة

والظاهر بيبرس

حيث نصغى لها بانتباه شديد

ونعيش أحداثها بانفعال كامل

ونتعاطف بكل جديّة مع أبطالها

كما ندين أشخاص الأشرار

* *

وفى الليالى الأخيرة من رمضان

وحين يقترب عيد الفطر

نتجمع بالفوانيس المضيئة بالشموع

ونطرق بكل جرأة

أبواب المنازل التى لا نعرف أصحابها

ونحن نغنى وننشد :

" وحوى .. يا وحوى "

ومن الجميل أن الناس

كانوا ينفحوننا بعض النقود

والكثير من الحلوى

فنملأ بها جيوبنا

ونعود كما بدأنا سعداء !

واليوم ..

جاء الفانوس الصينى

الذى يمشى ويتكلم ويغنى ويرقص..

ويتم تشغيله بالبطارية

لكن شحنتها حين تفرغ

يتوقف كل شئ فيه

ويصمت تماما

لأنه غالى الثمن

ولا تلقيه الأسرة فى القمامة

بل تحتفظ به فى أحد أركان الشقة

أما الأطفال ..

فيسرعون بلا مبالاة

لمشاهدة التليفزيون

والانغماس فى أفلام الكرتون

* *

وأنا أتساءل بكل جدية :

هل يسعد أطفال اليوم

بالفانوس الصينى

الذى يمشى ويتكلم ويغنى ويرقص ..

مثلما كنا – نحن أطفال الأمس –

نسعد .. بالفانوس أبوشمعة ؟ !


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

حين يعود الماضى

نحن نعيش أجمل أيامنا

وأقساها أيضا

معتقدين أن الحياة كلها

هى ما نمر به فى يومنا الحاضر

غير مدركين أن الأحباب ،

والأصدقاء ، والأشياء ..

تتفلّت منا ، كما الماء من بين الأصابع !

* *

وبمرور الوقت

نجد أنفسنا قد انتقلنا إلى مرحلة أخرى

بل إلى حياة أخرى

تمتلئ هى أيضا بالأحباب ،

والأصدقاء والأشياء ..

وفى غمرة هذه الحياة الجديدة

ننسى الماضى

أو بالأحرى نضعه فى صندوق

ونلقى به فى ركن مهجور من الذاكرة

وأحيانا عندما نشعر بشئ من الحزن ،

أو الوحدة ، أو الكآبة ..

نفتح الصندوق

ونخرج ما يحتوى عليه من التذكارات ،

والخطابات ،

والصور القديمة ..

ومن العجيب أنها صور حية

والوجوه فيها قريبة من القلب

ونحن نتذكر جيدا : متى أخذت ؟

ومن التقطها ؟ وأين كان المكان ؟

ومن شدة إعزازنا لها .. نكاد نقبّلها

لكننا ندرك مع الأسف

أنها تنتمى إلى زمن ولّى ، ولن يعود !

عندئذ نعيدها بكل حرص إلى مكانها

ونرجع لممارسة حياتنا الحاضرة .

* *

من منا لا يضع الماضى فى قلبه ؟ !

وأحيانا يحمله على ظهره ؟ !

والغريب أن الكثيرين ما زالوا يحسبون

أن الماضى ليس سوى بناء هش

مكوّن من عدة رسائل أو صور

يمكن الإطاحة بها فى الهواء

أو القضاء عليها بحريق

لكنهم يفاجئون

بقوة ومتانة هذا البناء ٍٍ

وصلابة أساسه وأعمدته

ومقاومة كل حجر فيه ضد الانكسار !

* *

إن الماضى حين يخرج من مكمنه

وتدبّ فيه الحياة من جديد

يتحول إلى وحش كاسر

يسحق بقدميه الفولاذيتين

كل ما يعترض طريقه

من أبنية الحاضر ، وقصور المستقبل ..

* *

عندما يعود الماضى بقوة

لا يحب أن يشاركه أحد أو شئ

إنه يستولى على الإنسان كله

بقلبه ، وعقله ، وجسده ..

بل إنه يسعى إلى امتصاص روحه

لكى يتركه بعد ذلك هيكلاً عظميا

وقد يدفعه إلى القيام بأفعال

يراها الناس جنونا

لكن الحكماء ، الذين يقدّرون لكل مذنب عذرا

يعتبرونه مريضا يستحق العلاج

وقد يرحمه الله ،

فيمنّ عليه بنعمة النسيان!

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


لحظات الحب والكلام

للحب فى حياتنا لحظة واحدة

أما الكلام فله لحظات كثيرة

وإذا كنت عاشقا موهوبا

فما عليك إلا أن تتجاوز بسرعة

لحظات الكلام

وألا ترهق روحك فى سراديبها

وأن تتمسك جيدا بلحظة الحب

وتعيشها بكل جوارحك

دون أن تفقد منها دقيقة واحدة ..

* *

لحظات الكلام

قد تكون فى بعض الأحيان مسلية

لكنها فى الغالب طويلة ومملة

وهى تتضمن أحيانا بعض الصدق

لكنها تحتوى على الكثير من الكذب

وكما تكون صريحة وشفافة

فإنها تكون أيضا غائمة وملتوية

فى الكلام

ألفاظ عديدة

تلف وتور وتناور وتتهرب

كما أن بها ألفاظا

مكسوة بالنفاق

ومحشوة بالنميمة

وإذا حاولت الإمساك بها

تفلّتت كالماء من بين أصابعك ..

* *

أما لحظة الحب النادرة

فهى صافية كقطرة الندى

ورقيقة كورقة الورد

ومنعشة كنسمة البحر

وحلوة كحبة التوت

لا يوجد فيها كذب

ولا خداع

ولا تحتوى على شك

ولا ظنون

إنها حقيقة كاملة

وواقع يفوق الخيال

* *

ما أطول لحظات الكلام

التى تمر بنا !

إنها تملأ حياتنا كلها

وتشكّل صور الناس فى أعيننا

وتتسرب ساعة النوم إلى أحلامنا

كما أنها هى التى تقف

وراء تصرفاتنا

وقد تدفعنا أحيانا إلى التهور

وأحيانا أخرى إلى الانسحاب

إن كل كلمة

تحتوى على شحنة قاتلة

ونحن نظل نعمل بكل جهدنا

لكى نبطل مفعولها

ومع ذلك

فإن بعض الكلمات تريحنا

بينما بعضها الآخر يرفع من ضغطنا

فنظل نرددها لأنفسنا

سواء فى أثناء النهار

أو فى ظلمات الليل

* *

لكن متى وكيف تأتى لحظة الحب ؟

إنها ليست مثل لحظات الكلام

متاحة فى كل وقت

بل هى ضنينة جدا

وسرها مكتوم

قد تأتى فى مطلع العمر

أو فى وسطه

وقد تأتى فى اللحظة الأخيرة

قبيل الموت

لكنها عندما تأتى

تمنحنا من السعادة

ما يعوّضنا عن كل ما فقدناه

من عمرنا ..

فى لحظات الكلام !

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


العجوز وعبور الشارع

كان العجوز يمشى مترنحا

محاولا التوكؤ

على ركبتيه الضعيفتين

وعكازه الخشبى

بمقبضه الملفوف

بقطعة قماش متهرئة

وحين وصل إلى حافة الرصيف

ألقى ببصره إلى الأرض

لكى ينزل بصعوبة إلى نهر الشارع

ومن أجل ذلك

بذل جهدا كبيرا

وحين استقر فوقه

كان عليه أن يعبر الشارع

الذى لا تتوقف فيه السيارات ..

ظل فى مكانه لا يتحرك

وراح يتابع بدهشة حركة السيارات

منتظرا أن تنتهى

حتى يتمكن من العبور

لكن السيارات لم تتوقف للحظة واحدة

ظل العجوز واقفا فى مكانه

وأخيرا ظهر شاب

يتحلّى بقدر من الشهامة

أمسك بذراع العجوز

مؤكدا له أنه سيساعده

وعلى الفور راح يشير للسيارات

أن تتوقف قليلا

لكنه فوجئ بأن أصواتها تعلو،

وتحذّره من عدم التصدى لها

أدرك العجوز استحالة الوضع

فأشار للشاب بعدم أهمية العبور

وحاول أن يسحب ذراعه من يده

لكن الشاب أصر على المحاولة

واندفع بكل جرأة

إلى منتصف الطريق المائج

وراح يشير بذراعيه إلى السائقين

لكى يوقفوا سياراتهم

وبالفعل توقف بعضها

وكاد بعضها الآخر يصطدم ببعض

نتيجة التوقف المفاجئ

* *

أسرع الشاب يشير للعجوز

كى يلحق به

لكن العجوز لم يستطع المشى

وارتعشت ركبتاه قليلا

ثم سقط على الأرض

صاح الشاب فى السيارات

مشيرا إلى سائقيها

أن يستمروا فى التوقف

ريثما يحمل العجز ، ويعبر به

وما كد يصل الشاب إلى العجوز

حتى عادت السيارات

تندفع بكامل سرعتها كما كانت ..

ألقى الشاب بجسده إلى جانب العجوز

وراح كل منهما ينظر إلى الآخر

دون أن ينطقا بكلمة واحدة !

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


الموت أنواع

يتفق جميع الأطباء

على أن الموت يعنى

توقف القلب عن الخفقان

بينما يذهب الفلاسفة

إلى أنه مفارقة الروح للجسد

وعلى الرغم من هذا الخلاف الظاهرى

بين الطرفين

فإن الموت يعنى نهاية الحياة،

وما يصاحبها من توقف التنفس

وخمود الحركة

وترك الجسد جثة هامدة

تتطلب تكريمها بالغسل ، والتكفين ،

ثم الدفن فى باطن الأرض ،

التى تحولها بمرور الوقت إلى رماد ..

لكن الملاحظ ..

أن الموت لا يأتى بصورة واحدة ،

وإنما فى شكلين كبيرين

أحدهما سريع خاطف

والآخر بطئ .. بطئ

أما الموت البطئ

فهو الذى يسبقه المرض

وقد قيل بحق

إن المرض ليس سوى موت أجزاء من الجسد

والمقصود بذلك أن بعض أعضائه

تتعطل عن العمل

إما بضعف فطرى فيها ،

أو بإدخال عنصر مضرّ إليها ،

أو بكثرة الاستهلاك ،

وتحميلها ما لا تطيق !

لكن على أمل الشفاء ..

يظل المريض – الميت

يعرض نفسه على الأطباء ،

ويتنقل بين المستشفيات

ويلجأ أحيانا إلى الوصفات الشعبية

والمسكين لا يدرك أبدا

أن جزءا منه قد مات

وأن الباقى فى طريقه للموت !

* *

وأما الموت السريع

فبعضه هادئ جدا ، ومريح

ومنه ما يحدث فى حال النوم ،

أو الجلوس ، أو الاتكاء ..

وبعضه صاعق وعنيف

كالذى يتم فى غمار الحرب ،

أو فى حادث غرق ، أو حريق

أو بسبب انقلاب سيارة ،

أو سقوط طائرة

ومنه ما قد يحدث أثناء مشاجرة

حول أمر تافه من أمور الحياة اليومية

وهناك الموت الخائن

الذى يتناول فيه الإنسان السم

من يد أقرب الناس إليه !

* *

وقد يتساءل البعض :

هل الموت حقيقة تواجه حقيقة الحياة ؟

أم أنه جزء منها ؟

والواقع أن معظم الناس لا يعترفون بذلك

والدليل أن الموت الذى يحدث بينهم

فى كل يوم ، بل فى كل لحظة

يمثل لهم صدمة فاجعة

وكأنه جديد تماما عليهم

وهو عندما يقع ..

يبكون ، ويصرخون

ويكاد بعضهم يفقد عقله

لكنهم ما يلبثون أن يعودوا لممارسة حياتهم

قائلين لأنفسهم :

ليس هذا بسبب مفاجأة الموت

وإنما بسبب لوعة الفراق

مع أن لوعة الفراق لا تحدث إلا بسبب الموت !

* *

أما صور الموت بالإعدام

التى تنهى حياة الخارجين على القانون

فإنها هى الأخرى قد تطورت كثيرا ، وتنوعت

فبعضها كان بالسيف الذى ينغرس فى الصدر

وبعضها بالمقصلة التى تطيح بالرأس

وبعضها بالمشنقة التى تكسر عظم الرقبة

وبعضها رميا بالرصاص

وبعضها صعقا بالكهرباء ،

أو اختناقا فى غرفة الغاز

* *

وعلى الرغم من أن عقوبة الإعدام

تردع الجميع عن ارتكاب الجرائم الكبرى

فقد استهان بها الفيلسوف الإغريقى سقراط

وأقدم عليها مختارا

بعد أن سهّل له تلاميذه

كل وسائل الهرب منها

- لماذا فعل ذلك ؟

- لكى يدين عصره

الذى اتهمه بإهانة الآلهة ، وإفساد الشباب

مع أنه كان الأحرص على إصلاحهم ،

وبيان الحقيقة لهم !

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


بحر الحب الشاسع

كل قصة حب

لها مذاقها الخاص

الذى لا يتشابه مع أى قصة أخرى

ومن الغريب ..

أن كل محب

يحسب أن قصته التى عاشها

هى وحدها التى تعبر عن الحب

فى حين أنها لا تمثل

إلا جانبا واحدا من حقيقته

* *

قال الراوى :

الحب يا سادة عبارة عن بحر شاسع

بعض المحبين يجلسون على شاطئه الرملى

مستمتعين بنسماته الباردة

وأشعة شمسه الهادئة

ومكتفين بالنظر إلى زرقته الممتدة

التى تتلامس فى نهاية الأفق

مع محيط السماء الصافية

* *

والبعض الآخر

يبلّون أقدامهم فى مياهه

حريصين على ألا يبتعدوا كثيرا عن الشاطئ

وحين يشعرون بحركة الرمل تحتهم

يسرعون بالخروج من الماء

ويستلقون تحت مظلاتهم

مستغرقين فى أحلامهم الخاصة جدا

* *

لكن هناك من يجيدون السباحة

فيدخلون فى البحر إلى مسافات بعيدة

أبعد من فوران الأمواج

التى تتكسر قبل الشاطئ

وعلى الفور تظهر أمامهم بعض الجزر الصغيرة

فيستريحون قليلا فوقها

ثم يعودون مرهقين ، وجائعين ..

* *

وإلى جانب هؤلاء وأولئك

مازالت – أيها السادة – تروى حكايات ..

عن محبين أوغلوا كثيرا فى عمق البحر

وظلوا يسبحون ، ويسبحون

حتى خارت قواهم تماما

فهبطوا إلى القاع

بعد أن حلّقت فوقهم بعض النوارس

وفشلت كل محاولات العثور عليهم

- أين ذهبوا ؟

- لا أحد يعرف .

- وهل سيظهرون فى شاطئ آخر ؟

- بما .. لكن لا شىء مؤكد .

* *

واستمر الراوى :

صدقونى أيها السادة

إن بحر الحب شاسع وعميق

وهو أيضا جميل وجذاب

يشد إليه الناس من كل الأعمار

بل إنه يغرى حتى الأطفال

لكنه حين يحتضن أحدهم

لا يفلته أبدا من ضمته القوية

إنه يقدم السعادة ، لكنه يقتل

ويبتسم ، لكنه سرعان ما يكشّر عن أنيابه

ولا يدرك ذلك جيدا

سوى ركاب السفن العملاقة

الذين يستقبلهم البحر عند الميناء بحفاوة

حتى إذا صاروا فى وسطه

تلاعب بهم

كالصبيان الأشقياء الذين يخنقون بأيديهم

القطط الصغيرة !

* *

ثم توقف الراوى برهة ، وقال :

وأنا أؤكد لى ولكم

إنه لا يوجد فى بحر الحب

سبّاح ماهر ، ولا قبطان محترف

كلهم فيه ضعفاء

رغم ادعاءاتهم العريضة أنهم أقوياء

فمن الذى يستطيع أن يتحدى موجته العاتية ؟ !

أو يتخلص من قاعه الرهيب المظلم ،

الذى تتجوّل فيه حيتان شرهة

تتعقب رائحة الدم بشهوة عارمة ؟ !

* *

أما أنا ..

فقبل عدة أيام

وبينما كنت أمشى على الشاطئ

شاهدت غريقا قد طرحه الموج

والناس متجمعون حوله

يضغطون على صدره

ويحاولون إنقاذه بالتنفس الصناعى

وعندما أدركوا أنهم فشلوا

وقفوا واجمين

وانصرف بعضهم

سألت أحدهم عن حاله

أجاب ببساطة :

- يبدو أنه شرب كثيرا من ماء البحر .

وكدت من سذاجتى أسأله :

- تقصد بحر الحب ؟

لكننى أمسكت !

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


فى سرادق عزاء

شهدت العديد من سرادقات العزاء

التى يلتقى فيها أهل المتوفى

مع أصدقائه ومعارفه

ويظهرون الحزن على فراقه

والواقع أن بعضهم يكون حزينا بالفعل

لكن الغالبية إنما تفعل ذلك بدافع المجاملة

أو سد الخانة ،

أو متابعة من حضر ، ومن تخلّف ..

وهؤلاء يحاولون رسم ملامح الحزن

على وجوههم

مع أن قلوبهم خالية تماما منه

ومما يدل على ذلك

أنهم يظلون يتهامسون فيما بينهم

وقد يبتسمون أحياناً !

* *

ومن أعاجيب سرادق العزاء

أن تجد متطوعا نشطا

يتولى إجلاس القادمين

تبعا لمظهرهم أو مكانتهم

على مقاعد متميزة

بينما يترك الباقين يجلسون

على الكراسى العادية

وهناك من يمشى بين الجالسين

ليوزع عليهم من علبة سجائر

وهناك من ينهض فجأة

ليقول بأعلى صوته :

" شكر الله سعيكم "

ومع هذا كله

هناك من يتخير مقعده فى ركن منعزل

يتيح له رؤية الجميع

دون أن يروه !

* *

أما قارئوا القرآن الكريم

فالكثير منهم يتلو من آياته

ما لا يناسب الموقف على الإطلاق

كالآيات التى تتوعد الكفار ، والمشركين

وما ينتظرهم من العذاب فى النار

وقد يحلو لأحدهم أن يذكر قصة يوسف

وإغراء امرأة العزيز له

* *

وإذا كان أهل الريف الأصلاء

يسارعون بتحضير الطعام اللازم

لأهل المتوفى ، وضيوفهم

فإن أهل المدينة (المتحضرين)

يكتفون بالمرور الخاطف على السرادق

لكى يسجلوا حضورهم ، وينصرفوا

دون أن يعرضوا على أبناء المتوفى وبناته القاصرات

أى نوع من المساعدة !

* *

وإذا كان النفاق الاجتماعى موجودا

فى مجالات كثيرة

فإننى أرى أن أسوأ أنواعه

ذلك الذى يظهر فى سرادقات العزاء

والتى كان ينبغى أن تكون

هى مواطن الحزن الصادق والتضامن

بدلا من تلك المظاهر الشكلية

التى يتفاخر بها الأحياء !

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


صبحى يتزوج ..

بعد تفكير طويل وعميق

قرر المعلم سلامه

أن يسلّف صبحى

صبى القهوة النشيط

المبلغ الذى يحتاجه

لإتمام زفافه على عطيات

ابنة المعلمة صباح الفرارجية

* *

قال له صبحى وهو يأخذ المبلغ

- والله العظيم يا معلم

لن أنسى لك أبدا هذا الجميل

الذى لا يفعله أب لابنه

وسوف نظل

أنا وأبنائى الذين سيأتون

نذكر لك هذا الفضل طول الحياة

لكن يا معلم

لابد أن تكتب علىّ وصل أمانة

قال المعلم سلامة :

- أستغفر الله يا بنى

فليس بيننا مثل هذه الأمور

ويكفى أنه عندما تتحسن أحوالك

ترد جزءا من المبلغ

حتى يتيسّر لك سداده

انحنى صبحى على يد المعلم

وقبلها بكل امتنان

* *

أسرع صبحى فرحا بالمبلغ

إلى الست حماته

وسلمه لها باهتمام كبير

أما هى فراحت تعدّه بكل دقة

ثم وضعته فى جيب جلبابها الواسع

وقالت له بعد نظرة حازمة :

- على بركة الله يا صبحى

وإن شاء الله نعمل الفرح

يوم الخميس الأخير من الشهر القادم

* *

أحس صبحى أن مشكلته قد حلّت

فعاد مسرعا إلى القهوة

لكى يلبى طلبات الزبائن

بنشاطه المعهود

وحين وجد فرصة مناسبة من الراحة

أحضر لنفسه فنجان قهوة

وراح يرشفه فى أحد أركان المقهى

وهنا بدأت أفكار متضاربة تنهشه

وأسئلة تهاجمه بدون إجابات :

صحيح أنه سيحظى بأجمل فتاة

فى الحارة

فهل سترضى عطيات

بالغرفة فوق السطوح

التى سيقيمان فيها بعد الزواج ؟

وكيف سيتمكن من سداد الكهربائيات

اللازمة لعش الزوجية :

البوتاجاز والثلاجة والتليفزيون ؟

وهل سيكفيهما الأجر

والبقشيش اللذان يحصل عليهما

من القهوة ؟

ثم كيف يتفرغ لعروسه ،

وهو يعمل منذ الصباح

حتى منتصف الليل ؟

وهل سيلبّى رغبات عطيات

من الفساتين والأحذية

التى تعشق اقتناءها ؟

وماذا سيكون موقفه

كلما ذهبت عطيات مع أمها

لزيارة والدها فى السجن ؟

والداهية : ماذا سيكون

رد فعل أبيه وأمه فى القرية

من هذه الزيجة

التى لا يعلمان عنها شيئا ؟

* *

لكن كل هذه المخاوف تبدّدت

كما تلاشت الأسئلة المرتبطة بها

حين شاهد عطيات

آتية نحوه بالملاية اللف

وجه مضئ بابتسامة عريضة

وعينان كحيلتان

وعلى رأسها منديل مليىء بالورود

وعندما اقتربت منه

همست فى أذنه

- أمى دعياك الليلة على العشا

ثم وهى تنصرف فى دلال :

- اوعاك تتأخر !


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

هى وابنتها

لا أدرى

هل كانت صدفة حسنة أم سيئة

حين صعدت إلى القطار

فوجدت مقعدى إلى جوارها

شابة فى مقتبل العمر ، حسنة الملامح

وتصطحب طفلة فى جمال الزهور

لكنها كانت تجلس شاردة

وحزينة

استرقت إليها النظر عدة مرات

لم تلتفت

حاولت مداعبة الطفلة

لم تهتم

وعندما توقف القطار فى المحطة الأولى

صعد باعة المثلجات والسميط والحلاوة

اشتريت لنفسى

ووجدتها فرصة أن أسألها

- هل تريدين شيئا ؟

- متشكرة

- لكن دعينى احضر شيئا للبنت

لم ترد ..

فابتعت للصغيرة بعض الحلويات

التى فرحت بها كثيرا

واقتربت منى فأجلستها بجوارى

وفجأة .. لمحت أمها تبكى

وتحاول كتمان نشيجها

سألتها :

- ماذا بك ؟ هل تشكين من شئ ؟

ظلت تبكى وأنا أعيد السؤال

وأخيرا قالت بانفعال :

- لقد رمى علىّ اليمين

وطردنى مع البنت من البيت

- زوجك ؟

نظرت إلى باستغراب . استدركت :

- ولماذا ؟ وما السبب ؟

- أبدا ، لقد أصبح عصبيا جدا

ولم يعد يطيقنا معه

- ولماذا لم يتدخل أحد من أقاربك ؟

- ليس لى أقارب فى الإسكندرية

- وأنت إلى أين تذهبين الآن ؟

- عند أمى فى حى الضاهر

لكن زوجها رجل صعب جدا

وإذا لم يقبلنى

سأذهب إلى أقارب المرحوم أبى

فى كفر الشيخ

حاولت تهدئتها قدر استطاعتى

وكلما توقف القطار فى إحدى المحطات

زادت معرفتى بأحوالها

هى من القاهرة

وتزوجت فى الإسكندرية

والزوج يعمل يوما

ولا يعمل أياما ..

وقد صار مدمنا

وحينمالا يتمكن من شراء الكيف

ينقلب على زوجته بالإهانة والضرب

وفى ثورة غضبه الأخيرة

حلف عليها بالطلاق

سألتها :

- وماذا تنوين أن تفعلى الآن :

انخرطت فى البكاء وهى تتمتم :

- لا أدرى..

أما ابنتها الجميلة

فكانت تلعب حول مقاعدنا

وتنظر أحيانا من شباك القطار

ولا تكاد تفهم شيئا من حال أمها

* *

اعتدلت فى مقعدى

ورحت أفكر فى حل لمشكلتها

هل أعطيها بعض المال ؟

أم اصطحبها لمنزل أمها ،

وأتحدث مع زوجها لقبولها عندهما ؟

أم أدعوها إلى منزلى

لتقيم فيه عدة أيام

حتى تنحل مشكلتها ؟

عرضت عليها المال

رفضت بشدة

وقالت أن معها خمسين جنيها

وسوف تبيع حلقها لتنفق منه

قلت لها :

ــــ هل تقبلين أن أصحبك إلى منزل أمك ؟

استنكرت ذلك ، وقالت :

- إن زوج أمى رجل شكّاك

ولن يقبل أبدا بوجودك !

لم يبق إلا الحل الثالث

لكننى لم أخبرها به

* *

فى محطة مصر

ساعدتها فى حمل حقيبتها

بينما حملت هى ابنتها

وخارج المحطة

استوقفت لها أول تاكسى

وطلبت من اليائق أن يوصلها إلى حى الضاهر

ودفعت له الأجرة مقدما

نظرت إليها

كانت عيناها ممتلئتين بالدموع

والطفلة ممسكة بالحلوى

التى اشتريتها لها من القطار

* *

مرت أعوام ..

وأنا مازلت أحتفظ فى ركن مهجور من قلبى

بوجه الشابة الحزينة

وابنتها الصغيرة

وأشعر أنهما كانتا من صميم مسئولتى

لكننى تخليت عنها !َ

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


حكايتى مع السمك

طوال عمرى وأنا أعشق السمك

وأتناوله بكل أشكاله :

المقلى ، والمشوى ،

والمطبوخ فى طاجن ..

وكان من أسعد أيام طفولتى

حين أعود من المدرسة

فأجد أسرتى قد أعدت للغداء

وجبة سمك

ورغم أننا كنا أسرة كبيرة العدد

فقد كان نصيبى من هذه الوجبة

جيدا أو معقولا

ولم يكن ينزل أبدا عن ذلك !

* *

وكان من معتقدات أمى

- رحمة الله عليها –

أن مخ السمكة يحتوى على الفوسفور

الذى ينشّط الذهن

ويقوّى الذاكرة

لذلك كانت تشجعنى على تناوله

لكى يساعدنى فى المذاكرة

أما أبى – يرحمه الله –

فكان يحرص دائما

على أن تكون التحلية بعد السمك

هى البلح

وأذكر عبارته الضاحكة لإخوتى :

إذا أسمكتم ..فأبلحوا !

* *

كان هذا فى الزمن الجميل

الذى مر بسرعة وسلاسة

مخلّفا وراءه

بعض الذكريات

التى لا تنمحى أبدا من القلب !

* *

ثم أعقب ذلك

زمن العمل والجهد والمسئولية

فصرت لكى آكل السمك فى البيت

لابد أن أذهب إلى سوقه الزاعق

وأحاول اختيار الطازج منه

وأعانى خداع البائعين

سواء فى الثمن أو الوزن

ورغم تنظيفه فى السوق

أعود فأساعد زوجتى فى إعادة غسله

وقليه ، وتقديمه

ونقضى فى ذلك أكثر من ساعة

وأخيرا نجلس لنأكل

ونحن مرهقون إلى أبعد حد

وبعد الطعام

لا يكون أمامنا سوى الاسترخاء

فى نوم عميق ..

تتخلله أحيانا بعض الأحلام !

* *

وذات يوم

وهذا من غرائب القدر

تعرفت على صديق جديد

من هواة صيد السمك

بل هو أحد المحترفين

وكنت أسعد كثيرا

بالحكايات المشوّقة

التى كان يجيد روايتها لى

عن صيد السمك

تارة فى أعالى النيل

وتارة فى البحر الأحمر

وكانت المفاجأة الأسعد

حين دعانى لمصاحبته

فى إحدى تلك الرحلات

ساعتها قلت لنفسى :

ما أروع أن أشاهد على الطبيعة

عملية صيد السمك

وأن أرى بعينىّ خروجه من الماء

وكله حيوية ومقاومة

ثم نضعه فى صندوق الثلج

ليصبح بعد ذلك غداء طيبا لنا !

* *

فى اللنش الخاص بصديقى

جلسنا متقابلين

وأنا لا أجيد السباحة

بل لا أعرفها أساسا

وراح هو بمهارة فائقة

يلقى فى الماء

بصنارات متفاوتة الأطوال والأحجام

ولأنه كان منهمكا جدا فى عمله

لم أحاول التحدث معه

أو أسأله عن أى شئ

لم تمض فترة طويلة

حتى غمزت إحدى الصنارات

لم أخذت تهتز بشدة

وعلى الفور نهض صديقى ليمسك بها

ويبدو أن السمكة التى التقطتها

كانت ضخمة

فراح اللنش يتمايل بشدة

وفوجئت به ينقلب

ويصبح مباشرة فوق رأسى !

سمعت صوت صديقى يصيح

طالبا النجدة من الشرطة البحرية

التى أسرعت بانتشالى من الماء

وكان جوفى قد امتلأ منه

وبعد محاولة إنقاذ طويلة

أجلسونى مهنئين بالسلامة ..

* *

فى طريق عودتنا إلى القاهرة

جلسنا فى السيارة صامتين تماما

ثم بدا لى أن أسأله :

- هل أمسكت بالسمكة ؟

أجاب بصوت خفيض :

- كلا ..فقد كانت من النوع المتوحش

وتمكنت من قضم الحبل

ثم قال معقبا :

- ولك أن تعلم

أن مغامرات الصيد

ليست كلها ناجحة

وهى إذا نجحت مرة

فقد تفشل مرات

نحن المحترفين

ندرك ذلك جيدا

كدت أقول له :

- ولماذا لم تقل لى هذا من قبل ؟

لكننى مجاملة له التزمت الصمت

وعزمت على عدم تكرار المحاولة

وصرت أكتفى بشراء السمك

جاهزا من المطاعم المتخصصة

وحين توضع أمامى على المائدة

سمكة كبيرة

أنظر إلى رأسها ..

وأتذكر على الفور

ما الذى كان سيحدث لى

إذا لم يسرعوا بانتشالى

وهبطت فى جوف البحر

بين أنياب تلك السمكة الشرسة ؟ !

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


من ذكريات الطفولة

كان عنتر

أقوى ولد فى شلتنا

موهوب بجسم مفتول العضلات

وله قبضة يد حديدية

لم يستطع أى منافس له أن يصمد أمامها

وكنا نستعين به

فى ضرب أو تخويف أولاد الحارات المجاورة

الذين يتعرضون لنا بالأذى ..

وكان يكفى أن نذكر اسمه لهم

حتى ينسحبوا من أمامنا صاغرين

أما مشكلة عنتر الكبرى

فكانت تتمثل فى أن الفتيات

لم يكنّ يملن إليه

بل كن يرين فيه فتى ثقيل الظل ،

ومنفّرا ..

وذلك على عكس بهاء الدين

الذى كان يصغره بسنوات

ولكنه كان معبود الفتيات

له بنت جميلة تحبه ،

وحوالى ثلاث أخريات يحلمن بالاقتراب منه

وكثيرا ما كنّ يحضرن له الهدايا ،

وعلب الحلوى غالية الثمن ،

فيأخذها منهن مع كلمة شكر بسيطة

وليس أكثر من ذلك !

وعندما كنت ألاحظ الحزن العميق

فى وجه عنتر

أقوله له :

ـــ ولا يهمك .. بكرة تقابل بنتاً

أحلى من كل هؤلاء !

فيعود علىّ قائلاً :

ـــ لكننى لا أدرى ما الذى يشدّهن إليه

انه لا يتحمل لكمة واحدة من يدى هذه !

كنت واثقا من ذلك ،

ومع ذلك فقد كان حرصى أيضاً على صديقى بهاء الدين

يدفعنى لتهدئة الأمور بينهما ..

* *

ذات يوم

صحتْ الحارة كلها على كارثة

فقد جاء شخصان لمنزل بهاء الدين

وهما يحملانه ،

والولد مشجوج الرأس ،

والدم ينثال منه بدون توقف

وعلى الفور ، حضر رجال الإسعاف

وحملوه فى سيارتهم

ورحنا نسأل عما حدث ؟ وكيف ؟

وأخيراً عرفنا السبب :

فقد اكتشف عنتر بالصدفة البحتة

أن اخته الصغرى تغازل بهاء ..

أجل والله : هى التى تغازله

وقد أرسلت إليه عدة خطابات

بخط يدها ..

فما كان من عنتر إلا أن أهوى

على رأس بهاء بحجر ..

* *

أخبرنا كبار الحارة

أن عنتر معرض للسجن

لو كانت إصابة بهاء أخطر من اللازم

ورحنا نتطلع إلى شفاء بهاء ،

ونتابع إقامة عنتر فى منزله

حتى جاء الفرج

حين ذهب والد بهاء الدين

إلى قسم الشرطة ،

وتنازل عن المحضر

وعاد بابنه ملفوفا بالشاش

* *

رحنا نلعب كالعادة فى الحارة

وكل من عنتر وبهاء ينظران إلينا

من شرفتيهما

ويشجعان اللعبة الجيدة

عندما فكّ بهاء الشاش من حول رأسه

نزل هو وعنتر

ليأخذا مكانهما فى مباريات الكرة الشراب

التى لم تكن تنتهى من حارتنا ..

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


العبارة الخالدة

كان يحسبها مجرد دعوة للتسلية

حين طلب منها أن تذهب معه للسينما .

وكانت المفاجأة أنها قبلت الدعوة على الفور ،

ووافته فى المكان المحدد دون تأخير .

جلسا متلاصقين .

وعندما راقبها فى الظلام

وجدها أجمل مما كان يتصور.

أمسك بكفها فلم تمانع

انتهى الفيلم وقد اقتنع

بأن هذه هى الفتاة

التى اختارها قلبه ،

وارتبط بها مصيره .

عندما ودعها قالت له بصوت خفيض :

- هل تعلم أنك أول شاب أخرج معه فى حياتى !

ظل يذكر هذه العبارة

كلما تشاجرت معه

حول مصروف البيت ،

أو مستقبل الأولاد !


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

السنوات الأخيرة من العمر

فى السنوات الأخيرة من العمر

وقد أصبحت شبه وحيد

فقد توفى الكثير من أصدقائى

وكذلك من خصومى

لكننى حين أغفو لبعض اللحظات

حتى وأنا جالس أمام التلفزيون

أراهم فى أحلامى

وهى أحلام واضحة تماما

رغم أنها سريعة وخاطفة

وحين أصافحهم

وأنا مندهش لرؤيتهم

أجدهم يتعجبون من دهشتى

وبعضهم يقول لى معاتبا :

ـــ ألم تكن تتوقع

أن ترانا مرة أخرى ؟!

* *

فى السنوات الأخيرة من العمر

صرت أفضّل الوحدة

على مصاحبة الناس

فالوحدة تتيح لى

ما كنت أتمناه من السكينة

كما تجعلنى أغوص عميقا فى ذاتى

وأعيد النظر فى كل ما مرّ بى

من مواقف محزنة ، أو مضحكة ،

أو حتى محرجة !

فمثلا ما زلت أذكر

ذلك اليوم

الذى صحوت فيه من النوم متأخرا

وأسرعت بارتداء ملابسى

لكى لا يفوتنى موعد المدرسة

وبعد أن جلست فى الفصل

وجدت فرْدتىْ الجورب مختلفتين

واحدة زرقاء ، والأخرى حمراء ..

وكان علىّ أن أظل أخفيهما عن زملائى

حتى انتهى اليوم الدراسى

وأسرعت بالعودة ألى البيت !

* *

أما المرة التى رسبت فيها

فكانت نتيجة حتمية لإهمالى

كنت أبغض مادة الرياضيات

الحساب والجبر والهندسة

وبالطبع لم أحاول أن أفهمها

كما لم أذاكرها

وفى ساعة الامتحان

لم أستطع إجابة أى سؤال

وراحت دموعى تنثال فى صمت

وحين لاحظ المراقب ذلك

اقترب منى وحاول تشجيعى

لكننى تأسفت له

ونهضت واقفا

وسلمته ورقة الإجابة بيضاء

كما تسلمتها ..

أما الذى حدث بعد ذلك

فهو أن زملائى الأكبر سنا

هم الذين ساعدونى على فهم المقرر

أثناء الوقت المستقطع من اللعب

حتى تغير الوضع فى الدور الثانى

وعبرت الرياضيات إلى غير رجعة !

* *

وحين أتساءل اليوم

ـــ لماذا فشلت فى الحب مرتين ؟

أدرك أننى لم أحب

إلا أجمل الفتيات

وهؤلاء كنّ مطلوبات بشدة

للزواج المبكّر

فى حين أننى لم أكن مستعدا له

ولهذا كنت أشاهدهنّ يرحلن

الواحدة تلو الأخرى

وأنا واقف فوق رصيف القطار

أتحسر على فقدهن !

* *

وقد دفعنى العمل

إلى المثابرة وحب التحدى

ولهذا كنت أبذل فيه الكثير من الجهد

وكلما ارتقيت درجة

وجدت ما فوقها أفضل منها

وهكذا صعدت

حتى وجدتنى أخيرا

فوق قمة باردة

تصفر حولها الريح

وتكاد تخلو من الصحبة الحميمة

وتمتلئ بأهل المصالح والأطماع ..

عندئذ أدركت أن بعض النجاح

يشبه فى لحظة منه

بعض الفشل !

* *

فى السنوات الأخيرة من العمر

يطيب للإنسان أن يقلّب صفحات الصداقة

والواقع أنها كانت تيعث فى نفسى

الكثير من السعادة

سعادة المودة ، والمشاركة ،

والتضحية فى أسمى معانيها

لكن أقسى ما كان يؤلمنى

نكران الأصدقاء الذين كنت أحسبهم

أصفياء !

ورغم ذلك ،

ومع مرور الوقت

صرت أسامحهم

وأتجاوز عن إساءاتهم

وأقيم لكل منهم عذرا ..

* *

وفى طفواتى

أحببت القطط كثيرا

والسر فى ذلك

هو جمال عيونها الذى كان يأسرنى

وكذلك اطمئنانها لى

ونومها فى حجرى

وكانت أسرتى تستاء من ذلك

لهذا عندما كبرت

اقتنيت قطة بيضاء

ذات عيون ساحرة

وظلت عندى لفترة طويلة

حتى تعبت من رعايتها

فأهديتها لمن يحبها ويرعاها

وأحيانا أأقول لنفسى معاتبا :

ــ ألم أفعل معها

مثلما فعل بعض الأصدقاء معى ؟!

* *

فى السنوات الأخيرة من العمر

تتوالى الأمراض

وتتعدد الأدوية

وتطول فترات الشفاء

ويظن معظم الناس

أن الوضع سيعود كما كان ..

ولكن هيهات !

كل جزء يصاب من الإنسان

لا يرجع أبدا لحاله .

ومما يدهشنى

أن أشاهد كبار السن فى النادى

يمارسون بعض الرياضات

أملا فى استرجاع صحتهم الآفلة

لذلك لا يفاجئنى على الإطلاق

نبأ وفاة أحدهم

ممن لم يدرك جيدا

أن العمر قبل الرحيل

مقسّم إلى ثلاث مراحل

ثلاث مراحل فقط

الطفولة ، والشباب ، والشيخوخة .

* *

فى ركن مهجور من الصدر

توجد حكايات

عن بعض الفرص الضائعة

أو هكذا كنت أحسبها حينئذ

وعندما تجاوزتها بسنوات

وجدت أنها لم تكن فرصا

ولم تكن ضائعة ..

فقد كانت مجرد أوهام

لمكاسب عابرة

ولو أنها تحقّقت بالفعل

لما كان لها أثر فى واقعى

ولا فى مستقبلى ..

لذلك أنظر إليها الآن

دون أن أشعر

بأى حسرة على مرورها

* *

وهناك داخل بئر مردوم

فى الجانب المقابل لهذا الركن

دفنت بكامل إرادتى

عدة مشاعر زائفة

أهمها النفاق والكبر واللامبالاة

والأهم .. أننى لم أتطهّر منها فقط

بل قاطعت كل من يمارسها

أو يتصف بها

وبالطبع كنت أفقد صداقتهم

لكننى كنت أسعد كثيرا

عندما أراهم يتساقطون

واحدا بعد الآخر

ويعانون من الرفض ،

والتشفّى ، والازدراء !

* *

فى السنوات الأخيرة من العمر

ورغم ضعف البصر

تبدو الأمور أوضح

والحقائق أنصع

ويكاد الإنسان يرى فى الظلام

تماما كما يرى فى النور ..

ولعل هذا ما يجعل ألآخرين

يتجنبون النظر مباشرة فى عينيه !

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أكذوبة الكلاب الضالة

لست أدرى بالضبط :

من الذى أطلق على هذه

الكلاب التى تتجول فى الشوارع

وليس لها أصحاب :

أنها كلاب ضالة ؟ !

* *

لقد تبين لى خطأ هذه المقولة تماماً

وذلك عندما انتقلت للسكن

فى شقة بالدور الأول

بأحد الأحياء الشعبية

ولأننى أحب السهر بالليل

فقد كنت أجلس فى البلكونة

وأتابع ما يجرى من طرائف وأحداث

عمال عائدون منهكون من عملهم

وصبية يلعبون الكرة الشراب

على ضوء لمبة شديدة الخفوت

وخناقات تثور لأدنى سبب

ثم ما تلبث أن تهدأ ، ويتصافى مشعلوها

وكان من بين ما ألاحظه :

تلك المجموعة من الكلاب

التى تتجمع فى ساعة محددة من كل ليلة

حول كومة من القمامة

وتروح تقلّبها بكل عناية

بحثا عما يمكن أن يوجد فيها من طعام

وبالطبع كان يثور بينها اشتباكات

عنيفة جدا حول عظمة ..

أو كيس بلاستيك مربوط

ولم تكن تنتهى إلا حينما يتنازل الكلب الأضعف

للكلب الأقوى ويتحول للبحث عن شئ آخر

وأحيانا ينتظر حتى ينتهى من طعامه

فيأخذ العظمة بحذر ويلتهم ما تبقى منها

وفى بعض الأحيان كان الكلب الأقوى

يتنازل بكل رضا ومودة

لكلب صغير يبدو أنه أحد أبنائه !

* *

أما المعركة الكبرى

فلم تكن تثور

إلا فى لحظة التزاوج

وهنا يحاول كل واحد من ذكور الجماعة

أن يفوز بالأنثى المرغوبة

ومن الغريب أن هذه رغم ضآلة جسمها

هى التى تقرر اختيار من تتزاوج معه

وعندما يحدث ذلك

ينسحب الباقون متقبلين الهزيمة !

* *

ظللت لفترة طويلة

وأنا ألاحظ هذه الجماعة المتجولة من الكلاب

ومع مرور الوقت

صرت أعرف موعد مجيئها وانصرافها

ومستويات تسلسلها فى القيادة

فالكلب الأسود الكبير هو الذى يرأسها

والجميع يتبعونه فى خضوع كامل

لكن هناك كلبين آخرين يتطلعان لمنافسته

الأبيض المنقط ، والكلب البرتقالى

ومع ذلك فإنهما ينسحبان عند أدنى زمجرة منه

وينتظران انتهاءه من طعامه

ثم يبدأن فى التهام ما يتركه لهما

أما الزوجات فهن متبوعات دائما بصغارهن

يتشاركن معهم فى الطعام

وكثيرا ما يتنازلن عنه تحت إلحاحهم

* *

الأمر العجيب

أنه على الرغم من تناول هذه الكلاب لطعامهم

من القمامة الملوثة

إلا أن صحتها العامة جيدة جدا

فهى قوية البنية

مفتولة العضلات

وعندما تنبح بأصواتها المجلجلة

فإن أحد من أهل الشارع لا يستطيع إسكاتها

أو حتى طردها من موضعها !

* *

كذلك لا يخلو الأمر

من أن يأتى كلب غريب من حى آخر

ويحاول أن يتناول شيئا من طعام الجماعة

وعندئذ يهب الذكور بالتصدى له بكل شراسة

فينهشون جسده

ويمزقون شعره

ويسقطونه على الأرض

ولا يتركونه إلا بعد أن يعترف بالندم

ويصدر عواء لا يشبه أبدا نباح الكلاب

* *

تلك هى بعض ملاحظاتى على تلك الجماعة

المتماسكة من الكلاب

والتى يحكمها قانون صارم

وتقاليد حيوانية مرعيّة بدقة

وهى بعد أن تتناول وجبتها المسائية

من كومة القمامة

تنصرف مختفية فى الشوارع الجانبية

لكنها تعود فى موعدها بالضبط

من مساء اليوم التالى

ومن المؤكد أنها تتواصل فيما بينها

بأصوات وإشارات خاصة

كما أن التماسك بينها

يجعل منها وحدة يصعب اختراقها ..

فهل يصح بعد هذا كله

أن نطلق عليها :

كلاب ضالة ؟ !

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


شقة بالقرب من مدرسة

كان لابد أن أشكر صديقى

الخبير فى شئون الحياة

الذى ساعدنى فى استئجار شقة

كانت متميزة بكل المقاييس

فهى قريبة من العمل

وإيجارها مناسب

ومساحتها معقولة

والشمس تدخلها من الشرفة

كما أنها تطل على فيلا مجاورة

ترتفع فى حديقتها بعض الأشجار المعمرة

تسكنها أعداد غفيرة من العصافير

التى لا تتوقف عن الزقزقة

وخاصة فى الصباح الباكر

* *

كان هذا فى الصيف

ثم ما لبث أن أقبل الشتاء

وبدأ العام الدراسى

ففوجئت بصوت ميكروفون زاعق

يأتى من مدرسة

على بعد ستة أو سبعة منازل

وهو يصحب طابور التلاميذ

المتجهين إلى فصولهم

كان الصوت مدويا

وليته توقف عند انتهاء الطابور

بل راح مدرس الألعاب ذو الحنجرة الخشبية

وعلى مدى اليوم

يعلن توجيهات المدير وأوامره وتحذيراته

وأحيانا تهديداته

بصورة لا يقتصر سماعها

على تلاميذ المدرسة وحدهم

بل يشمل كل سكان المنطقة ،

ومنهم أنا ..

حتى أننى لم أعد أستطيع القراءة ،

ولا الكتابة ، ولا التأمل ..

بل إننى لم أعد أستطيع أن أستمع جيدا

لمن يحدثنى فى التليفون !

* *

بعد عدة أيام عصيبة

وليالى كلها أرق

اتصلت بصديقى الخبير

ورجوته أن يبحث لى عن شقة أخرى

سألنى بدهشة :

ـــ لماذا ، وشقتك لقطة ؟ !

قلت له بصوت ممزوج بالاستعطاف والحزم :

ـــ اعمل معروف ، وابحث لى عن شقة أخرى ..

شرط أن تكون بعيدة

بعيدة جدا ..

عن أى مدرسة !

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


صندوق الذكريات

هو ذلك الصندوق العتيق

المصنوع من خشب السنديان

وله مفصلات من حديد علاها الصدأ

وعليه قفل كبير من نحاس

تحوّل لونه الأصلى إلى الرصاصى

وهو موضوع أسفل جدار قديم

من جدران الصدر ،

فى أقرب مكان للقلب ..

* *

وحين تضغط علينا قسوة الحياة

بمشاغلها اليومية

ولا نجد من أصدقائنا

من نفضفض إليه بمواجعنا

نمشى إلى ذلك الصندوق

بكل الرهبة والخشوع

وننفض من فوقه الغبار

ثم نفتحه بهدوء شديد

ونخرج ما به من صور وأوراق :

الصور لأحبابنا الذين رحلوا

إما إلى بلاد بعيدة ،

أو عن الدنيا كلها

وهى لا تظهر ملامحهم بوضوح

لأنها التقطت

أيام كان التصوير بالأبيض والأسود

ولأنهم كانوا يجلسون مندهشين

ولا يكادون يبتسمون !

أما الأوراق

فهى خطابات وقصاصات

تآكلت أطرافها مع مرور الزمن

لكنها ما زالت تنبض ببعض الحياة

وهى تتحدث عن الشوق إلينا

والسعادة بقرب لقائنا

فى حين أن خطاباتنا نحن إليهم

لم تعد للأسف موجودة

وكيف توجد ..

وقد ذهبت إليهم فى أماكنهم البعيدة

واختفت باختفائهم ؟!

* *

فى الصندوق أيضا

بعض اللعب الصغيرة

من أيام الطفولة

وكل لعبة ما زالت تحمل ذكراها الخاصة بها

وتشير إلى لحظة نادرة

من لحظات السعادة الخاطفة

بعضها من البرونز

وبعضها الآخر من البلاستيك

والعجيب أنها لم تفقد بريقها

وظلت كما هى

وسط الأوراق المتهرئة

لكى تكون شاهدة

على أن أيام الطفولة

لم تكن كلها بائسة ،

ولا حزينة !

* *

أما ساعة اليد

التى توقفت تماما عن العمل

فأنا لا أنسى لحظة حصولى عليها

كان ذلك فى عهد الحب الأول

وقد بذلت جهودا مضنية

لكى أجعل أسرتى تشتريها لى

وما أن وضعتها فى معصمى

حتى أسرعت إلى بيت حبيبتى

التى أعجبتها كثيرا

وهنأتنى قائلة :

ـــ إنها فعلا ساعة جميلة .. مبروك !

* *

لكن أغلى ما فى الصندوق

هو خاتم الفضة

الذى اسود لونه من عدم الاستعمال

وعليه نقش للحرف الأول من اسمى

قدمته لى حبيبتى

عندما أهديتها سلسلة مفاتيح

وقد ظللت ألبسه لعدة سنوات

حتى بعد أن تزوجتْ

وأنجبتْ

وافترقت بنا الدروب

ولم أخلعه من اصبعى

إلا حين اقترب موعد زواجى ..

* *

من بين أوراق الصندوق

خطاب تعيينى فى الحكومة

وشهادة تأدية الخدمة العسكرية

وخطاب الموافقة على بعثتى للخارج

وكارت بوستال من أحد أساتذتى

وتذكرة من ماكينة ميزان

تشير إلى أن وزنى سنة 1970

كان فى حدود سبعين كيلو !

* *

ليست هذه هى المرة الأولى .

ولا الثانية ، أو الثالثة ..

التى أفتح فيها صندوق ذكرياتى

بل لعلها المرة المائة

وكلما قلّبت محتوياته

كنت كمن يراها لأول مرة

وأكاد أؤكد أن الرحلة داخل الصندوق

تغسل القلب من همومه

وتزيح من فوقه الكثير من الإحباط.

واليأس ، وضيق النفس !

من هنا كان وما يزال حرصى على الصندوق

ليس فقط لأنه يضم جزءا عزيزا من الماضى

ولكن لأنه أيضا ..

يعتبر التلّة التى أصعد عليها

لكى أرى منها ما قد يأتى فى المستقبل ..


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ستائر أندلسية

فى أسبانيا

حيث الطبيعة الساحرة ،

والمدن العريقة ،

والشعب الذى يمتلئ بالحيوية ،

والإقبال على الحياة ..

يوجد وعى بالتاريخ ،

واعتزاز بالحاضر،

وتطلع نحو الأفضل ..

* *

فى أسبانيا

خلف القشرة الحضارية الحديثة

يقبع ماضى المسلمين

بكل عظمته وجلاله :

قلاع شامخة

وحدائق منسّقة

وقصور كانت تستقبل السفراء

من كل بلاد العالم

وما زالت زخارف الجدران

تحمل عبارة : لا إله إلا الله

فى أسبانيا

حيث لم يمض على فتح القسطنطينية

أكثر من أربعين عاما فقط

حتى تم تقويض دولة الأندلس

وتحويل أروع مساجدها إلى كنائس

وطرد المسلمين جميعا من كل ربوعها

أما من بقوا منهم

فقد أجبروا على ترك الإسلام

والتدين بالنصرانية

والله وحده هو الذى يعلم

كيف كانت مشاعرهم الدينية

وهم يؤدون الطقوس الكنسية !

* *

فى أسبانيا

بلغ التعصب الدينى مداه

وعقدت المحاكم

للبحث فى عقائد الناس

ولذلك اشتهرت بمحاكم التفتيش

التى صارت أسوأ بقعة

فى سجل العصور الوسطى

* *

لكن الزمن ما لبث أن أطفأ

جذوة التعصب ،

وبدأ يحل محلها

نسيم مخفف من التوازن والعقلانية

وأخيرا أدرك الأسبان

أن حضارة المسلمين

التى سبق أن حاربوها بقسوة

هى التى تضيف إليهم

الكثير من الخصوصية والتفرد

وصاروا يرون السياح الأجانب

يقفون مبهورين

أمام المعالم الباقية

من حضارة الإسلام

فى المدن الأندلسية

* *

فى أسبانيا

تخصص عدد من الباحثين

فى دراسة تراث المسلمين فى بلادهم

وراحوا يتتبعون بكل دقة

ما أضافه هؤلاء إلى ماضيهم ،

وحاضرهم على السواء

بل إنهم أصبحوا يتعاونون

مع زملائهم العرب

فى إزاحة الغبار المتراكم

على الحضارة الإسلامية

والتى صارت جزءا لا يتجزأ

من التاريخ الأسبانى نفسه

* *

وإلى أسبانيا

مازال بعض المسلمين حتى اليوم

يتطلعون إلى تلك الصفحة العزيزة

المسماة بالأندلس ،

بل إن بعضهم يتوقع عودتها من جديد

أملا فى أن التاريخ قد يعيد نفسه

لكن هيهات !

فقد تحولت القسطنطينية إلى استانبول

وانتهت الأندلس إلى أسبانيا

والقانون القرآنى يقول :

" إِنَّ الأَرْضَ لِلّهِ

يُورِثُهَا مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ

وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِين " .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

قصيدتى فى الحب الإلهى

تمنيت كثيرا

وبعض الأمانى قد تتحقق

أن أكتب قصيدة فى الحب الإلهى

على غرار ابن الفارض

أو جلال الدين الرومى

وقد حاولت جاهدا

أن أبدا أول بيت فيها

لكن ذلك لم يتيسر لى

وكان قلمى يتوقف تماما عن الحركة

حينئذ كنت أترك المحاولة

وأنغمس فى أمور الحياة اليومية

وهى كثيرة جدا ومتداخلة

وخطورتها

أنها تبعثر خطوات الإنسان

وتأخذه بعيدا ..

كما تعصف الموجة العاتية

بمن يقع فى قبضتها !

لكنها حينما كانت تفلتنى لبعض الوقت

أعود فأتحسّر على قصيدتى المنشودة

فأجدها صعبة المنال

كحمامة بيضاء

تحلق عاليا فى اتجاه آخر ..

* *

ذهبت إلى أحد المساجد العتيقة

فوجدت شيخا طاعنا فى السن

وبيده مسبحة تحركها أصابعه المعروقة

ابتسم لى فشجعنى على بث شكواى إليه

وبعد أن استمع إلىّ ، سألنى :

- هل تشعر حقا أنك تحب الله ؟

أجبت مسرعاً :

- بكل تأكيد

- وما هى علامة حبك له ؟

- أنا أتذكره دائما

وأحرص قدر الطاقة

على إطاعة أوامره

- كل المؤمنين يفعلون ذلك

وهذه هى الدرجة الأولى

- وهل هناك درجات أخرى ؟

زاد ابتسام الشيخ وقال :

- طبعا يا بنىّ

إنها مائة درجة

تبدأ بالتوبة . وتنتهى بالفناء

سألته

- وهل علىّ أن أجتازها كلها ؟

- المفروض ..

لكنه قد يقبلك ، متى شاء ،

حين تصل إلى إحداها

أطرقت لحظة ثم تمتمت :

- وهذا يعنى أننى لن أستطيع

أن أكتب قصيدة فى حبه ..

إلا إذا شاء ؟

- هذا صحيح يا بنىّ

* *

فى إحدى الليالى المقمرة

كانت السماء تزدان

بمئات النجوم

التى يتلألأ بعضها

ويومض بعضها الآخر بخفوت

ووجدتنى

أحضر ديوانىْ ابن الفارض والرومى

واستغرق فى قراءتهما

كنت أحس بقوة معانيهما

وجلال أسلوبهما

وأتحسر فى نفس الوقت

على ضعفى عن محاكاتهما

لكنى كنت أعزّى نفسى

بأننى لم أستطع مثلهما

أن أجتاز المائة درجة

التى حدثنى عنها الشيخ

وكذلك قوله :

- إن من ذاق .. عرف !

وأنا أضيف :

- ومن عرف .. كتب !

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


الفصول الأربعة

نفس المكان

تتوالى عليه الفصول الأربعة

الربيع والصيف

والخريف والشتاء

ثم تتركه كما كان ..

بدروبه ، وأشجاره

وحيواناته ، وأطياره

ومن العجيب

أن هذه كلها

تتحمل برد الشتاء

وحرّ الصيف

وتتعرض لزعابيب أمشير

التى تغمرها بالأتربة

وتكاد تخفى ألوانها

حتى تحين لحظة غير متوقعة

فترشها ببعض الأمطار الخفيفة

التى تنظف قشرتها

وتعيد إليها بعض اللمعان

* *

الشتاء فى مصر

قصير وحاد

فهو يجمّد الأطراف

وتسرى لسعته إلى العظام

ويملأ الخياشيم بالزكام

ومهما اتّقاه الإنسان

بالقطن أو بالصوف

فإنه يلفح الوجه

ويوقف الأصابع

ويدفع لتناول المزيد من الطعام ..

والذين يدخنون

يحسبون أن حلقات الدخان

التى تستدير حول رؤوسهم

توفر لهم بعض الدفء

ولكن هيهات !

أما المرأة

فتبدو أهدأ فى الشتاء

وكأنها لا تشعر كثيرا بالبرد

بل إنها تندهش من رؤية الرجل يرتعش

إنها دائما دافئة

بل هى المصدر الوحيد للدفء !

أما شهور الصيف

فهى طويلة جدا وثقيلة

وهى غير موزعة بالعدل ،

على بقية فصول السنة

نهارها ممتد

والشمس حارقة

والنسيم معدوم

والعرق ينساب من الجبهة

فتتعذر الرؤية من العينين

والملل يسرى فى النفوس

فتتوتر الأعصاب

وتنظر فى وجوه المارة

فلا تجد من يضحك أو يبتسم

الجميع كئيب ومتجهم

حتى الطيور ..

لا ترى واحدا منها يرفرف فى الفضاء

وتحاول أن تطفئ نيران جوفك

فتشرب بعض المثلجات

وكلما شربت ازداد عطشك

وانتفخ بطنك

ولم يعد أمامك إلا أن تسرع إلى البيت

وتتخلص من ثيابك

وتلقى بنفسك على السرير

وتنتظر الخلاص :

إما بالنوم ، أو الموت !

* *

شهور الخريف خادعة

تأتى وتذهب خلسة

وهى تتراوح بين الطول والقصر

لكنها أقرب إلى القصر

وهى أحد يومين :

يوم يبدأ بالرياح المتربة

التى تجفّف الحلق

وتحرق الجفون

وتغطى الأثاث بطبقة من الغبار المصفر ،

ويوم آخر

يكون أكثر صحوا

تعبره بعض النسائم

وقد تسقط فيه بعض الأمطار

لكن الإنسان فى أيام الخريف

نفسه مسدودة

وهو يفضّل الانزواء

فى قوقعته الخاصة

يتخيل السفر إلى أماكن أخرى

ومشاهدة بلاد بعيدة

والالتقاء بأناس مختلفين ..

* *

وحين يهل الربيع

تكتسى الأغصان الجرداء بالخضرة

وتتفتح مختلف أنواع الزهور

وتتطاير الفراشات فوق الحقول

وتزقزق العصافير فى الشجرة

التى توجد خلف شقتى

وتفتح النساء الشبابيك لتنظيفها

ومنها تطل بعض الفتيات الجميلات

وقد أرخين شعورهن

وابتسمت وجوههن

ورحن يستقبلن النسمات العابرة

والنظرات المعجبة

إنه موسم الحب

الذى تحلو فيه الدنيا

وتكفّر عما أحدثته

فى باقى فصول السنة !


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الوحدة ومساربها

ليست الوحدة أن تكون وحيدا

إنها لفحة حزن

قد تواتيك وأنت فى جلسة أصحاب حميمة

تتحدث إليهم ، ويحدثونك

ثم ما تلبث أن تشعر

أنك قد فارقتهم ، وأبعدت كثيرا

حاملا فى حقيبتك الخاصة

أفكارك الصغيرة

وأحلامك الكبيرة

وعندما تصل إلى كهفك المعلق

فى أعلى الجبل

تفتحها .. وتخرج كل ما فيها

بأصابع قلبك الرقيقة

وكم يسعدك أن تراها تبدو كما هى ..

فى حين أن بعضها يبدو ذابلا ومريضا

والقليل منها يكون قد مات

فتضعه جانبا

وتلقى عليه بعض الزهور اليابسة !

* *

ليست الوحدة أن تكون وحيدا

فقد تكون البيئة التى تعيش فيها

صاخبة ، ومائجة

تتحرك فيها السيارات

وتصدح الأغانى

وتنبعث الأضواء

من مختلف لمبات النيون

ويعرض السيرك بعض فقراته فى الشوارع

لكنك تترك ذلك كله

وتنكمش داخل قوقعتك

لكى تحمى عينيك من إبهار الأضواء

وأذنيك من صخب الضوضاء

وحين يسألك أحد الأصحاب :

- لماذا لا تشاركنا فى هذا المهرجان ؟

تنظر إليه طويلا

دون أن ترد عليه

وكأنك لم تسمع أى كلمة من سؤاله !

* *

ليست الوحدة أن تكون وحيدا

لأنك خال من التجارب

بل على العكس

لقد مررت بالعديد منها

العادى ، والبسيط ، والقاسى

كما شاهدت الكثير من بواكير الحياة ،

وهى تولد

واعتصرتك قبضة الموت ،

وهى تسحب الألوان من الأجساد

وكما سعدت برؤية القليل من الوفاء

مثل عروق الذهب التى تمتد فى باطن الصخر

شقيت بالكثير من الخيانات

وهى تنداح حولك مثل رمال الصحراء

وإذا كان عليك أن تصمد وتواجه

فقد انسحبت

مؤثراً الحفاظ على ما تبقى

من رأس مالك

ورغم أنه قليل جدا

فإن حفّارى القبور

مازالوا ينبشون لاستخراجه !

* *

ليست الوحدة أن تكون وحيدا

فقد تكون جالسا معها

وأنتما تشربان الشاى

أو تتناولان الآيس كريم

وفجأة تجد نفسك فى مكان آخر

ومع امرأة أخرى

قد لا تكون أجمل منها

لكن صورتها محفورة فى قلبك

وقد كانت لك معها حياة مختلفة

وترسّخت منها ذكريات لا تنمحى ..

كيف حدث هذا ؟

أو كيف يحدث ؟

وهل هذا معقول ؟

أو هو طبيعى ؟

تحاول أن تتماسك

وأن تركز على اللحظة الراهنة

لكنك لا تستطيع

فأنت أضعف من ذلك

لأنك وحيد !

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


على شاطئ العمر

أجلس الآن على شاطئ العمر

وحدى وسط برد الشتاء

أتأمل زرقة البحر

وامتداده اللانهائى

وفجأة تلوح سفينة من بعيد

تعبر فى إيقاع بطئ

لكنها ما تلبث أن تختفى

فى نهاية الأفق المترامى ..

* *

حولى رمال بيضاء

تتخللها بقايا أخشاب مسودّة

وبعض أكياس البلاستيك

وزجاجات المياه الفارغة

التى تركها المصطافون

قبل مغادرتهم

ورغم أن البرودة تلف المكان

فإننى أحتمى منها

بوضع كفىّ فى جيوب معطفى السميك

وأرتدى طاقية صوف

تغطى الوجه والأذنيْن .

خلفى بعض المبانى

التى لم يعد بها أحد من السكان

وهناك شباك أو أكثر

تركه أصحابه مفتوحا

فانكسر زجاجه

وراحت الريح تعصف به

فيصدر صوتا مزعجا

وهو الصوت الوحيد

الذى يمكننى أن أسمعه

* *

لماذا تلح علىّ بشدة

صور أصدقاء طفولتى ؟

بعضهم بالأسماء

والكثير منهم بالوجوه فقط

لقد عشت معهم أجمل فترات حياتى

ورغم رذالة القلة منهم

كانوا جميعا ودودين

ويتضاحكون طوال الوقت

وعندما كبرنا وتفرقت بنا السبل

كنت لا أسمع عن وفاة أحدهم

إلا بعد فترة طويلة

فأترحّم عليه

ولا أجد من أعزّيه فيه

فأنكفئ على حزنى

وأبكى بدون دموع !

* *

وكان الحب الأول

كالبدر المكتمل فى ليلة ظلماء

أضاء المكان كله من حولى

وجعلنى أرى ما لم يستطع غيرى

أن يراه ..

أحببت الشارع الذى تسكن فيه

وبيتها الذى كان يتوسطه

والشرفة التى كانت تطل منها

والمدرسة التى كانت تذهب إليها

ولم أكن أتخيل أبدا

أن السعادة التى تغمرنى

سوف تنتزع منى بتلك القسوة

عندما علمت أنها ستتزوج

وتغادر مع زوجها إلى مدينة أخرى !

* *

ثم جاءت سنوات الجامعة

فكانت هى الدواء لمريض

كان متوقد العقل ،

لكنه ممزق القلب !

وبالتدريج بدأ الجرح يندمل

والقلب يعود إلى الخفقان

حين شاهدت إحدى الزميلات

من ذوات العيون الخضراء

تضع وردة فى شعرها

ومجموعة من الكتب فوق صدرها

وكانت هى الحضن الثانى

الذى ضمنى إلى حنانه

واستطاع أن يعبر بى

سنوات الجامعة الأربعة

حتى غابت هى الأخرى

فى نفس الطريق الأول !

ومن نعم الله على الإنسان

أن العمل يأتى إليه

فى الوقت المناسب تماما

فيشغله عن همومه الشخصية

وأحزانه الخاصة جدا

ويلقى به فى أمواج الحياة اليومية

وهى مليئة بطعم الملح والسكر

تومض له أحيانا

فتخطف بصره من الفرحة

وفى أحيان أخرى

تطفئ من حوله كل المصابيح

وعندئذ يجد نفسه مضطرا

لعبور طريق طويل

به أشجار عالية

لكنها غير مورقة !

وبينما يسير الإنسان مجهدا فى طريقه

يتعرض للكثير من السهام

التى يطلقها عليه الحاقدون ،

والمنافسون ، والأشرار ..

وبعض هذه السهام تصيب جسده

فتترك فيها جروحا لا تلتئم

إلا بعد وقت طويل

وبعضها الآخر – وهى الأقسى –

ترشق روحه

وتستقر فى قلبه

وهى لا تقتله

لكنها تؤلمه بشدة

وتظل مكسورة فيه

مثل الرصاصة التى يقرر الأطباء

عدم نزعها

فيعيش بها الإنسان طوال عمره !

* *

وكما قيل بحق

الناس كائنات مدنية

يتأثر بعضها ببعض

ويستمع بعضهم لنصائح بعض

وفى لحظة

يجد الإنسان أنهم على حق

حين يلومونه على عدم الزواج

والواقع أن الزواج ضرورة :

نفسية واجتماعية

وهو المشغلة الكبرى

التى يتقاسم فيها الفرد حياته

مع شخص آخر

والغريب أن الزوج لا يشعر خلاله

بلحظات السعادة المركزة

إلا بعد أن تزول

أما المأساة الكبرى

فهى أن تموت الزوجة

الأصغر سنا

قبل زوجها الأكبر سنا !

* *

يتلاشى ضوء النهار

وتسقط شمس المغيب فى البحر

ويحل ظلام الليل

فتزداد برودة الشاطئ

وأحس بأن المعطف السميك

الذى أتدثر به

لم يعد يكفى لسريان الدفء فى أطرافى

أنهض متحاملا على جسدى

وقدماى تنغرسان

ثم تتحرران بصعوبة

من رمل الشاطئ المبتل

والملئ بالقطع الخشبية السوداء

وأكياس البلاستيك

وزجاجات المياه الفارغة

التى تركها المصطافون ، وغادروا

ويظل السؤال الذى يشغلنى :

لماذا أنا وحدى الذى بقيت

فى هذا الشتاء

على هذا الشاطئ !

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

 

 


التعليقات (0)Add Comment

أضف تعليق
تصغير | تكبير

busy
آخر تحديث الأحد, 18 ديسمبر 2016 23:30