عداد الزائرين

mod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_counter

إضافات حديثة

   
 
ملحمة جلجامش : عرض ودراسة تحليلية صيغة PDF طباعة أرسل لصديقك
كتبها Administrator   
السبت, 12 مارس 2016 18:11

 

 

 

ملحمة جلجامش

(دراسة تحليلية)

 

أ.د.حامد طاهر


[ إهداء إلى الشعب العراقى الذى

حاول محدثو التقدم الإطاحة بحضارته العريقة.. ]

 

تمهيد لازم :

سبق أن نشرت بحثا عن (المناهج الحديثة فى دراسة الأساطير الإغريقية) فى مجلة البيان بالكويت، سنة 1978م ، ثم طلب منى بعض القراء أن أعيد نشره على الإنترنت، فوضعته على موقعى به ، سنة 2015م . وفى هذه الأيام ، وجدت الفرصة سانحة لقراءة (ملحمة جلجامش) التى تعتبر أقدم ملحمة فى تاريخ الشرق القديم، بل على مستوى العالم كله، فقد تم انشاؤها فى مطلع الألف الثانية قبل الميلاد، أى مضى عليها حتى الآن أربعة آلاف عام، وبذلك تعد أقدم من ملحمتىْ الإلياذة والأوديسة الإغريقية، وملحمة الرج فيدا الهندية، وملحمة الأفستا (ألابستاق) الفارسية، بل إنها تكاد تسبق ملحمة ايزيس وأوزوريس المصرية.


وقد أعجبنى فى هذه الملحمة البابلية القديمة أنها متكاملة الأجزاء، ومترابطة الأحداث، وتتضمن فكرة فلسفية ذات أهمية بالغة. فهى تصور نزوع الإنسان إلى محاولة التشبث بالحياة والحصول على الخلود، بدلاً من مصيره المحتوم بالموت.. وهو نزوع انسانى قديم وحديث، نقرأ عنه فى الأزمنة السحيقه، (المعابد المصرية والأهرامات) كما نراه واضحا فى الأيام الأخيرة من حياة بعض زعماء العالم وأثريائه حتى اليوم .


لكن الملحمة – قبل ذلك – تعد تحفة أدبية نادرة ليس فقط بشخصياتها المتحركة، وإنما أيضًا بأحداثها المليئة بالمغامرات . ولا تكاد الدهشة تترك قارئها قبل أن ينتهى من قراءتها .


ولحسن الحظ أن لها – فى اللغة العربية – عدة ترجمات ، أرى أن أفضلها هى ترجمة الأستاذ طه باقر، التى قدم لها بدراسة جيدة جدًا عن الآداب القديمة فى العراق .


ولأن دارسي الأدب المقارن لدينا ما زلوا مبهورين بالملاحم الإغريقية ، فإننى أحاول فى هذا البحث أن ألفت نظرهم إلى الآداب الشرقية القديمة، وفى مقدمتها (ملحمة جلجامش) التى تعتبر نبعًا لا ينضب لمقارنات هامة مع كل ما جاء بعدها من ملاحم الأمم الأخرى .


وإذا كنت قد أشرت فى بحثى السابق عن (المناهج الحديثة فى دراسة الأساطير الإغريقية) وهى بالتحديد أربعة مناهج (اللغوى ، والاجتماعى ، والمقارن ، والسيكولوجى) فإننى فى هذا البحث قد استفدت من كل هذه المناهج ، بل وأضفت إليها جزءًا من المنهج الفلسفى الذى سبق أن دعوت إليه، ودرست على أساسه رواية (العجوز والبحر) للكاتب الامريكى الكبير هيمجواى ، انظر : سلسلة دراسات عربية (جـ. 17) .


وفى ختام هذا التمهيد ، أؤكد اهدائى هذا البحث حول إحدى روائع العراق القديم إلى الشعب العراقى الذى حاول محدثو التقدم أن يمحوا حضارته العريقة لأنهم لا يملكون مثلها..


**

مقدمة :


( أ ) حاجة الإنسان إلى الملاحم :


كانت الملاحم ضرورية لإنسان العهود القديمة فى الاستجابة لخياله المتطلع إلى الانشغال بأمور تتجاوز واقعه الصعب فى صراعه اليومى مع الطبيعة من ناحية ، وفى كفاحه المرير داخل تجمعاته السكنية الناشئة من ناحية أخرى. وإذا أردنا تشبيها مقاربا لها فى الوقت الحاضر استحضرنا على الفور (لمسلسلات التليفزيونية) التى تجتذب أكبر نسبة من المشاهدين ولا يكاد أحد من أفراد الأسرة المعاصرة أن يهمل مشاهدتها ، أو عدم التعلق بأحداثها وأبطالها.


إن واقع الإنسان اليومى بحاجة ماسة إلى بعض الراحة، التى تتضمن بعض التسلية، ولا شئ أفضل من أن يختم الإنسان يومه بالاستماع إلى بعض الحكايات والأساطير التى تذهب بخياله إلى آفاق بعيده تنسيه كآبة واقعه المعاش، وإلا لما استطاع أن ينهض من فراشه فى اليوم التالى لكى يمارس عمله المعتاد من جديد، ويصبح أكثر نشاطا.


لقد كانت الملحمة هى بساط الريح الذى يجلس عليه الإنسان المنهك القوى الضعيف الجسد لكى يحلق عاليا فى اجواء البطولة الخارقة، وتصارع الآلهة مع بعضها، وأحيانا مع البشر. ولذلك نراها تقدم لهذا الإنسان صورًا مما كان يتمنى أن يظهر هو نفسه بها ، تمامًا كما يتقمص الإنسان المعاصر شخصيات أبطال المسلسلات التليفزيونية والأفلام السينمائية لكى يحقق نفسه فيها، رغم استحالة ذلك فى واقع الحياة .


إن الملاحم من عمل الشعوب، بل هى من ابداعاتها. والواقع أنها لجأت إليها لكى تفسح لخيال الإنسان – والذى هو جزء أساسى من كيانه – المجال الواسع لكى يتمدد فيه وينطلق .. والمسألة هنا أشبه ما تكون بالبخار الذى يتكون فى وعاء مغلق، لابد له من فتحة يخرج منها، حتى لا ينفجر الوعاء. وليس إنسان الأمس مختلفا عن إنسان اليوم فى حاجاته الأساسية، أو فى متطلبات جسده وروحه . وكل ما حدث أن الوسائل والأساليب هى فقط التى تطورت .


إن أساطير العصر الحاضر – التى تتمثل حاليا فى الأفلام الأمريكية باهظة التكاليف – والتى تتناول حرب النجوم، وصراع الدنياصورات ، ومغامرات الرجل العنكبوت .. إلخ – ما زالت هى التى تحقق أكبر نسبة من المشاهدة ، وبالتالى الأرباح للسينما الأمريكية فى كل بلاد العالم ، والمثال فى هذه الظاهرة لا يكاد يفصلها عن أساطير العالم القديم، التى كان الرواة يقدمونها للجماهير عن طريق المشافهة. ولو فحصنا المضمون جيدا لوجدناه غير مختلف، بل يكاد يكون واحدا .


والخلاصة أن الإنسان فى كل العصور سيظل بحاجة إلى الأساطير، التى توجد فى الملاحم، كما توجد فى الروايات ، والمسلسلات التليفزيونية، والأفلام السينمائية، بل حتى فى حكايات الأمهات التى ترددها لأبنائهن قبل النوم .


( ب ) بين الملحمة والرواية :


تمتاز الرواية بأنها بناء درامى محكم، يكتبه مؤلف واحد، بحيث يضع له بداية، وحبكة، ونهاية . وتتموضع التفصيلات داخلها فى أماكن مناسبة ، وقلما يحدث بينها تعارض أو تناقص. ولأنها تكون دائما مكتوبة، فإنها تخضع دائمًا للصقل والتنقيح، وقد يزيد المؤلف فيها أو ينقص قبل النشر تبعًا لما تحدده رؤيته الخاصة.


أما الملحمة فإنها تكون فى العادة من صنع أفراد متعاقبين، يقومون بإلقائها شفويا على المستمعين، ويلاحظون ردود أفعالهم لمسيرة شخصياتها وأحداثها، ولذلك يكون من الممكن أن يتدخل كل منهم بإضافة ما يراه ذا تأثير أكبر فى نفوسهم، أو فى جذب انتباهم، أو فى استثارة دهشتهم. وهنا قد تقع الملحمة فى فخ افتقاد الحبكة، والوقوع أحيانا فى التناقض. لأن الراوى، فى هذه الحالة قد يأخذ مكان المؤلف. ومما يساعد على حدوث ذلك أن المساحة المكانية والزمانية للملحمة تمتد و تتسع على نحو يتيح هذا التدخل، وذلك بخلاف الرواية المحددة من حيث الزمان والمكان.


وإذا تقدمنا قليلا فى المقارنة التحليلية بين الرواية والملحمة، أمكننا القول بأن الملحمة تمتاز عن الرواية بأنها عمل جماعى. يتشارك فى إقامته المؤلف (المجهول غالبًا) والمتلقى، بخلاف الرواية التى تختص بمؤلف محدد، ولا يمكن للجمهور أن يتدخل فيها اللهم إلا من خلال فهمها، أو توجيه أحداثها وشخصياتها حسب مزاجه وثقافته. أما الملحمة فإنها (قد) تخضع لإضافة أو حذف، أو تحوير من المتلقى تبعًا لما يرضى خياله الذى يحلو له أن يحلق فى أجوائها. لكن كل هذا إنما يحدث فى حالة تناقل الملحمة بصورة شفوية من خلال رواة ، أو حكائين يجيدون فن القص، وجذب انتباه الجمهور. أما عندما يتم تدوين الملحمة كتابيا فإنها تصبح مثل الرواية غير قابلة لأى اضافة أو تحوير.


ومن حيث الحجم، تمتاز الملحمة – كما قلنا – بالاتساع المكانى والزمانى وتتناول شخصيات تنتقل من بلاد إلى أخرى، وقد تنتقل بين السماء والأرض ، وذلك بخلاف الرواية التى تكون فى العادة أقل حجما من الملحمة. وغالبًا ما تتناول موضوعات أرضية، باستثناء روايات الخيال العلمى التى تتحدث عن كائنات ميكانيكية أو مختلطة بشخصيات بشرية. وهذه أيضا تتميز بوضع خاص، يبعدها عن الملاحم التى تتشابك فيها العلاقات بين آلهة العهود القديمة مع بعض الشخصيات البشرية التى تتميز بالبطولة الخارقة، وتنتهى عادة بالمآسى المفجعة .


ملحمة جلجامش ومكانتها :


الملاحم الأشهر فى العالم القديم هى الاليادة والأوديسة لدى اليونان، والرج فيدا – لدى الهند ، والأفستا (الأبستاق) لدى الفرس، وايزيس وأوزيريس لدى المصريين – وكلها مدونة فى بداية الألفية الأولي قبل الميلاد، أما ملحمة جلجامش (البابلية) لدى العراقيين فهى أقدم منها جميعًا، حيث تم تدوينها مطلع الألف الثانية قبل الميلاد – كما أنها تتميز أيضا بوصولها إلينا كاملة، لم ينقص منها سوى عدة سطور، لا تكاد تخل بالمعنى الأصلى. وميزة أخرى: أنها وصلت إلينا غير محرفة، أى بلا زيادة أو نقص متعمد من الرواة الذى كانوا يلقونها شفويا قبل التدوين .


وقد عثر من ملحمة جلجامش على نسخ عديدة من جنوب ووسط العراق (بلاد سومر وأكاد) كما وجدت لها نسخ أخرى فى شمال العراق (بلاد آشور) كما عثر الأثريون على نسخة منها فى فلسطين (مدينة مجدو، المذكورة فى التوراة) وهذا كله يدل على أن الملحمة كانت منتشرة على مساحة واسعة من بلاد العراق حتى فلسطين. أما النسخة المحققة للملحمة، فهى المأخوذة من مكتبة قصر الملك (آشور بانيبال) .


وتقدم الملحمة لدارس الانثربولوجيا والأدب المقارن فرصة كبيرة لمقارنات عديدة مع الملاحم العالمية الكبرى التى دونت بعدها، سواء من حيث الأحداث، أو الشخصيات، ويكفى أن نشير هنا إلى أن شخصية بطلها جلجامش يتشابه مع هرقل، والإسكندر، وذى القرنين، وأوديسيوس، وكذلك شمشون. أما فيما يتعلق بالأحداث فهناك قطعة من الملحمة تتحدث عن (الطوفان) الذى يمكن مقارنته بما ورد خاصًا به فى التوراة. وكذلك الحديث عما رآه صديق جلجامش فى العالم الآخر (السفلى) من صنوف العذاب والتنكيل للذين أساءوا التصرف فى الحياة الدنيا .


لقد مر على ظهور ملحمة جلجامش حوالى أربعة آلاف سنة حتى الآن، والعجيب فعلاً أنها ما زالت محتفظة بقوتها، وحيويتها، وتأثيرها البالغ فيمن يقرأها، أو حتى من يعيد قراءتها. وهناك أسباب عديدة وراء ذلك. منها :


1- الصراع الإنسانى المستمر حتى الأن ضد قوى الطبيعة ، والوحوش ، ومحاولة التغلب عليها .

2- العلاقات المتشابكة بين بعض أبطال البشر والآلهة التى كانت تدير العالم .

3- استخدام أساليب المكر والخداع فى التوصل إلى الأهداف .

4- الصداقة الحميمة التى تكاد تصل إلى حد التماهى بين الأصدقاء.

5- احترام الأمومة، والطاعة المطلقة لتوجيهاتها .

6- الإصرار العنيد على تحقيق الرغبة البشرية فى الأعمال المجيدة.

7- إغراء الأنثى للأبطال، ونجاحها أو فشلها فى ذلك .

8- انتقام المرأة عند عدم تحقيق رغبتها فى الحصول على الرجل الذى يعجبها .

9- تآمر الآلهة على البشر، والقيام بإغراقهم للتخلص منهم عن طريق طوفان شامل .

10- وجود بعض النوايا الطيبة لإنقاذ البشر من الطوفان ببناء سفينة للإنقاذ .

11- سعى الإنسان للحصول على نبتة الخلود حتى لا يلحقه الموت.

12- فشل بطل الملحمة فى امتلاك نبتة الخلود، والرجوع إلى بلده خاضعًا لقانون الحياة والموت .

13- وأخيرا تحتل الأحلام التى يراها النائم جزءًا هاما من أحداث الملحمة، والكثير منها يتحقق..


أما العنوان الذى وجد على الصفحة الأولى من الملحمة، فكان كالتالى : (هو الذى رأى كل شيء) والمقصود بذلك هو البطل جلجامش الذى قام بمغامرات عديدة مع صديقه انكيدو، وعندما توفى هذا الأخير، قرر أن يتغلب على مصير الموت الذى ينتظره فقام بمغامرته الكبرى والأخيرة ، حتى حصل على نبتة الخلود، لكن حيّة اختطفتها منه لنفسها، وأصبحت تجدد جلدها كلما يسقط .. وتحولت إلى رمز لفن الطب والصيدلة حتى اليوم !!


ترجمات ملحمة جلجامش:


منذ اكتشفت الواح الملحمة فى العصر الحديث، وخاصة فى أوائل الستينات من القرن العشرين، اهتم بترجمتها إلى العديد من اللغات العالمية المعاصرة نخبة من المترجمين، وأهم هذه اللغات : الألمانية – الإنجليزية – الفرنسية (بعدة ترجمات فى أوقات مختلفة) الروسية – الإيطالية – الهولندية – الدنماركية – الفنلندية – الجورجية – العبرية الحديثة (أنظر هامش (1) من مقدمة طه باقر لترجمته العربية). وقد قام بترجمتها إلى العربية الأستاذ الفاضل طه باقر . وهى من أفضل الترجمات الدقيقة للملحمة. وقد اعتمدت عليها فى هذه الدراسة، كما استعنت بالمعلومات القيمة التى ذكرها سيادته فى مقدمتها.

 

 


أهم شخصيات الملحمة :


جلجامش : الشخصية الرئيسية. حاكم مدينة أوروك، سخّر رعيته كلها فى بنائها، وتحصين أسوارها من الداخل والخارج، وعدّد أسواقها ، وهو مزيج من عنصر الهى (من ناحية أمه) وعنصر بشرى (من ناحية أبيه). قوى البنية، جميل الطلعة. يحب المغامرة ، ولا يخشى الوحوش والمصارعين .


أنكيدو : إنسان متوحش، خلقته الآلهة لمنافسة جلجامش، لكنه بعد الصراع معه أصبح أخلص أصدقائه. وقاما معًا برحلات صعبة، ودخلا فى مغامرات عنيفة. كان يعيش بصورة وحشية فى الغابات، يصارع الوحوش، ويأكل الأعشاب، ويشرب مع الظباء من منابع المياه.


ننسوب : أم جلجامش . حكيمة الحكيمات. وقد ساندت ابنها كثيرًا. وباركت صداقته مع انكيدو .


خمبايا : العفريت المارد، الذى كان مكلفا بحراسة غابة الأرز، قوى جدا، من خلق الإله انليل .


شمس الإله الذى كان يتضرع له جلجامش لحمايته.


أنليل : اله كبير. هو الذى قرر عقاب جلجامش، وموت صديقه انكيدو. كما كان هو صاحب قرار إغراق البشر بالطوفان.


عشتار : الهة جميلة ومدللة. تزوجت أكثر من مرة ، وعندما أعجبت بجلجامش عرضت عليه الزواج منها، مع الكثير من الهدايا والعطايا، لكنه رفض بشدة، وأهانها فصعدت إلي أبيها لكى ينتقم لها، فأعطاها مقود الثور السماوى ليقتل جلجامش وصديقه ،! لكنهما تغلبا عليه وذبحاه، وتقربا بقلبه إلى الإله شمس .


البشر العقارب : رجل وزوجته ، كان يحرس الجبل العظيم الذى يحمى مشرق الشمس ومغربها.


سدورى : صاحبه الحانة التى حاورت جلجامش، ودلته علي الطريق الذى يوصله إلى هدفه.


أور– شنابى : الملاح الذى صحب جلجامش لعبور البحر، حتى بلوغ مياه الموت.


أورو – بنشتم : الإنسان الذى أنقذ البشر من كارثة الطوفان بواسطة بناء سفينة كبيرة ، والذى منحته الآلهة بعد ذلك صفة الخلود بشرط أن يعيش مع زوجته بعيدا عن البشر عند منبع الأنهار.


ملخص لأهم أحداث الملحمة :


1-تبدأ الملحمة بوصف بطلها الرئيسى جلجامش. فهو حاكم مدينة أوروك. قوى البنية، جميل الطلعة، مخلوق من زواج بين إلهة وبشر. أما سلوكه كحاكم فهو مستبد، ظالم، يعتبر الرعية كلها من ملكه الخاص. فهو لم يترك فتاة واحدة لخطيبها، ويفرض على الرعية كلها أوامره وفرماناته. وقد كلفهم بتحصين مدينة (أوروك) وبناء أسوارها من الآجر المحروق، مما جعلها حصينة ضد الأعداء.


2-عندما اشتكى أهالى أوروك المساكين للآلهة من ظلم جلجامش، خلقت له (انكيدو) منافسًا من البشر، قوى البنيه جدا ، ويغطى جسده الشعر، يعيش فى الغابات، ويتصارع مع الوحوش، وحين علم جلجامش بأمره، وافق أن يستدرجه بحيله ماكرة عن طريق إرسال إحدى الغوانى له، وقد استطاعت هذه أن تغرى انكيدو بمفاتن جسدها، حتى وقع فى حبها، وخضع لنصيحتها. وذات يوم دعته لترك الحياة الوحشية التى يعيشها، وينزل معها ليعيش حياة المدينة.


3-كان لقاء جلجامش بأنكيدو قاسيا، فقد تصارعا طويلاً، حتى ظهر انتصار جلجامش عليه، وحينئذ اعترف له انكيدو بالغلبة، وتعاهدا على صداقة عميقة باركتها أم جلجامش، التى اعتبرت انكيدو مثل ابنها تماما، وأوصته برعايته .


4-قرر الصديقان – بعد تردد من انكيدو – الذهاب إلى غابة الأرز، للقضاء على حارسها المارد الضخم (خمبايا) وقد تصدى لهما، لكنهما بتعاونهما استطاعا أن يهزماه ، ويقتلاه. ثم عادا منتصرين إلى مدينتهما ، وأقاما احتفالا .


5- حين جلس جلجامش على عرشه، أعجبت الإلهة (عشتار) بجماله، فطلبت منه أن يتزوجها، فى مقابل أن تمنحه الكثير من العطايا ، لكنه أجابها بالرفض القاطع، كاشفًا عن ماضيها القاسى مع أزواجها السابقين والمصائر المأساوية التى انتهوا إليها . وبالطبع غضبت عشتار من هذا الرفض، وصعدت إلى أبيها (أنو) وأمها (أنتم) فبكت لهما، ورجتهما أن ينتقما لها من جلجامش.. وبعد استعطاف شديد ، قدم أبوها لها سلسلة الثور السماوى الذى يمكنه أن يقتل جلجامش .


6-أنزلت عشتار الثور السماوى معها، حيث أثار الرعب الشديد فى مدينة أوروك كلها، وعندما واجهه جلجامش وانكيدو استطاعا أن يمسكا به . ويذبحاه . وحينئذ جمعت عشتار فتيات المعبد ورحن يندبنه ، وعاد البطلان إلى القصر للراحة من هذا الصراع.


7-عندما نام انكيدو رأى حلما قصه على جلجامش، خلاصته أن الآلهة قد اجتمعوا للتشاور، حول مصير البطليْن اللذيْن قطعا أشجار غابة الأرز، وقتلا حارسها خمبايا، وقضيا على الثور السماوى.. لكن القرار صدر بموت انكيدو كعقاب على ما حدث، رغم أنه كان تابعًا لجلجامش !


8- وقع أنكيدو مريضا، فحزن من أجله جلجامش كثيرًا، وظل ملازما له بجوار فراشه يناجيه ويحاول التخفيف من آلامه، لكن الموت اختطفه من صديقه. وهنا بدأ يظهر الحزن العميق على جلجامش، ويقوم برثائه رثاء مؤثرا، وراح يجوب الصحارى والقفار غاضبا وخائفًا من الموت ، الذى اختطف أعز صديق له !


9- فى تلك الأثناء، بدأت رحلة جلجامش إلى (أوتو – بنشتم) الذى سيمنحه سر الخلود. وتتخلل الرحلة أهوال رهيبة ، وأحلام بعضها مزعج ، وبعضها مشجع . حتى وصل إلى جبل (ماشو) العظيم، الذى يحرس كل يوم مشرق الشمس ومغربها، ويرتفع إلى عنان السماء، ويحرسه فى الأسفل (البشر- العقارب) الذين يفتحون له باب الشمس ويسمحون له بالمرور، محذرين له فى نفس الوقت من مخاطر الرحلة المتهورة .


وصل جلجامش إلى ساحل البحر، حيث التقى بصاحبة الحانه، التى أخافها شكله الأشعث أولاً ثم تحدثت معه بعد ذلك ناصحة :

"إلى أين تسعى يا جلجامش ؟

ان الحياة التى تبغى لن تجد

إذْ لما خلقت الآلهة البشر

قدرت الموت على البشرية

واستأثرت هى بالحياة"


لكن جلجامش أصر على تحقيق مطلبه. فأوصته بملاح اسمه (أور – شنابى) الذى يمكنه أن يعبر معه البحر، حتى مياه الموت .


وعندما قابله ، أمره الأخير بأن يصنع الكثير من القوارب من أخشاب الغابة، وبالفعل راح يقطع بفأسه الأخشاب، ويصنع منها تلك القوارب..


وبعد أن استلهكها فى عبور البحر، بلغا مياه الموت، وهنا تخلى الملاح عن جلجامش، وأوصاه بألا تمس يده مياه الموت.


حين شاهد (أوتو – نبشتم) هذا المغامر الذى يعبر مياه الموت ناحيته، تعجب من جرأته، وعندما قابله راح جلجامش يستعطفه كى يساعده فى الحصول على الخلود..حيث انساب حديث فلسفى حول الحياة والموت، وهنا أطلع (أوتو – نبشتم) جلجامش على سر الطوفان ، قال له :


فى مدينة (شروباك) اجتمع الآلهة وقرروا إغراق أهل الأرض بطوفان هائل لا يبقى على أى منهم. لكن أحد الآلهة الطيبين جاء إلى كوخ القصب حيث يقيم (أوتو – نبشتم) وأوصاه بعمل سفينة كبيرة، يجمع فيها العديد من الأشخاص والحيوانات لكى ينجو بهم من الطوفان.. وبالفعل قام بهذا العمل الكبير، بمساعدة أهل المدينة، وحين بدأ الطوفان ، طفت السفينة على السطح، وظلت هكذا لسبعة أيام حتى هبط الماء، فنجا كل مَنْ كان عليها، بعد أن صعد الآلهة إلى السماء هلعا من الطوفان الذى عم الأرض كلها !


وقد أعلن الآلهة غضبهم من نجاة أحد البشر، لكنهم عادوا وتناقشوا حول قسوة هذا العقاب الذى أنزلوه بأهل الأرض، وعندما هدأ الإله (أنليل) صعد إلى السفينة ، وباركنى أنا وزوجتى، وقرر أن يحولنا إلى آلهة لا نموت بشرط أن نعيش بعيدًا عند (فم الأنهار) !


وأخيرًا قال له : هذا ما حدث معى .. أما أنت ، فمن سيجمع لك الآلهة ليبحثوا مطلبك فى الخلود ؟!


ومع إصرار جلجامش وتوسلاته، أوصت زوجه (أوتو – نبشتم) زوجها بأن يساعده، وبالفعل استجاب لها، ودلّه على طريق العودة، محملا اياه ببعض الزاد، لكنه تفضل فزوده بسر الحصول على (نبته الخلود) التي تنبت فى المياه وتجرح البشر مثل الشوك. وبالفعل حصل عليها جلجامش، ثم فى طريق العودة نزل إلى جدول ماء ليغتسل من غبار الرحلة ، فإذا بحية تسرع فتسرق النبته منه . وهنا أدرك جلجامش أنه لا نصيب له فى الخلود، لأنه بشر، قد كتبت عليه دورة الحياة والموت .


إلى هنا تنتهى ملحمة جلجامش . لكن اللوح الثانى عشر، الذى قيل إنه لا علاقة له بها، يحدثنا عن محاورة بين جلجامش وأنكيدو حول (النزول إلى العالم السفلى) بعد الموت . ورغم نصح جلجامش لصديقه بالأسلوب الأمثل للتعامل مع الأرواح فى هذا العالم، إلا أن انكيدو لايلتزم بها . وأخيرًا يطلب منه جلجامش أن يحدثه عما رآه هناك.. وحينئذ يبدأ وصف مرعب لأهوال هذا العالم السفلى، ومصير الأشرار الذين ارتكبوا المعاصى فى الدنيا، وحال الذين لم ينجبوا أبناء، أو الذين انجبوا سبعة وثمانية. وكذلك عن الشخص الذى لم يدفن وكيف أن روحه تظل هائمة بلا قرار، وكذلك الشخص الذى لا يقدم من أجله القراين: بأنه يأكل الفضلات التى تلقى فى المزابل !


قضايا الملحمة الرئيسية :


تصرح ملحمة جلجامش بعدد من القضايا الهامة التى ما زالت مطروحة على الإنسانية حتى اليوم، كما أنها تثير قضايا أخرى تستحق الوقوف عندها، والتفكر فيها نظرًا لما تثيره من أسئلة، وتحمله من دلالات. وفيما يلى قائمة بأهم القضايا الكبرى التى تناولتها الملحمة بصورة مباشرة :


1-البطولة .

2-الصداقة .

3-المغامرات ومواجهه الصعاب.

4-الحيلة واستغلال الإغراء.

5-الانتقام .

6-الموت والرثاء.

7-الأحلام وشفافيتها.

8-عقاب الآلهة للبشر.

9-الرغبة فى الخلود.

10-أهوال العالم السفلى.


وحرصًا على الاختصار، سوف أتناول كلا من هذه الأفكار الرئيسية بكلمة بسيطة :


1-البطولة :

تتمثل البطولة بمعناها الخارق فى شخصيتين هما جلجامش وأنكيدو . أما جلجامش فهو إنسان مكون من ثلث بشرى وثلثين من مصدر إلهى ولذلك جاء قوى البنية، مكتمل الخلقة، جميل الطلعة، لكنه حاكم مستبد أذل رعاياه، وكلفهم بناء مدينة أوروك وتحصين أسوارها حتى أصبحت منيعة على كل الأعداء . وتذكر الملحمة أنه لم يترك فتاة لخطيبها، ولا ابنًا لأبيه ! وسوف تظهر قوته الشخصية فى الصراع مع حارس غابة الأرز، وفى ذبح الثور السماوى الذى أرسلته الآلهة للقضاء عليه. كما أنه تغلب على انكيدو القادم من أعماق الغابات، والذى سبق له أن قتل الوحوش الضارية وكانت تخشاه كل حيوانات الغابة. أما جمال جلجامش فهو الذى أغرى الإلهة (عشتار) بكل جمالها وثروتها بطلب الزواج منه، لكنه رفضها بسبب ماضيها الحافل بالقضاء على أزواجها السابقين .


2-الصداقة :

ما أسرع ما تحول الصراع بين جلجامش وأنكيدو المتوحش إلى صداقة عميقة، سوف يتجلى الإخلاص الكامل فيها طوال أحداث هامة من الملحمة! وجدير بالذكر أن أم جلجامش قد باركت هذه الصداقة، بل وأوصت أنكيدو بأن يرعى ابنها فى كل ما يقوم به من أعمال. وقد حقق أنكيدو بأمانة كل ما طلب منه. فصاحب جلجامش إلى قتال حارس غابة الأرز، وكان وحشًا هائلا. كما تعاون معه فى قتل الثور السماوى الذى أنزلته الآلهة للانتقام من جلجامش بسبب رفضه الزواج من الإلهة (عشتار)، وكان هذا العمل سببًا فى غضب الإلهة منه، والإفضاء إلى موته .


أما الصداقة من جانب جلجامش فتتمثل فى الحزن الشديد أثناء مرض صديقه، ورعايته الدائمة له، والسهر بجوار فراشه محاولاً التسرية عنه . وعندما وافته المنية، راح يرثية رثاءً صادرًا من أعماق القلب، وجمع حاشيته لكى تشارك فى تكريمه، وإقامة تمثال له. وظل بعد ذلك يندب حظه على فقده، ويحدث كل من يقابله عن الألم الدفين الذى يعتصره منذ فارقه صديقه أنكيدو .. ومن المؤكد أن وفاة صديقه كانت هى السبب الرئيسى فى مغامرته الأخيرة بحثا عن الخلود، ومحاولته هزيمة الموت .


3ــــ المغامرات ومواجهة الصعاب :

امتلأ قلب جلجامش منذ البداية بحب المغامرة ، والسفر الطويل والمرهق فى سبيل تحقيق بعض رغباته من خلالها . والواقع أن المغامرات لم تبدأ إلا بعد أن عقد أواصر الصداقة الحميمة مع أنكيدو، الذى لم يكن فى الغالب ميالا إليها، نظرًا لحياته السابقة فى الغابات الوحشية ، لكنه مع ذلك كان يستجيب لتحقيق رغبات صديقه، بعد أن يقوم أولا بمعارضته أو نصحه .


وكانت المغامرة الأولى هى السفر لمواجهه (خمبايا) حارس غابة الأرز المعين لمهمته تلك من جانب الآلهة. وقد تعاون الصديقان فى الصراع معه ، وقتله .

وكانت المغامرة الثانية فى تعاونهما معا من أجل قتل (الثور السماوى) الذى أنزلته الآلهة لعقاب جلجامش بسبب رفضه الزواج من عشتار. لكن الصديقين نجحا أيضا فى مقاومته وذبحه .


أما بعد وفاة أنكيدو، فقد انفرد جلجامش بالخروج فى مغامرة كبرى بحثا عن الخلود، ومحاولة هزيمة الموت الذى يلحق بالبشر، بينما تختص الآلهة بعكس ذلك ! وفى هذه المغامرة وصل إلى جيل ماشو، الذى يحرسه (البشر – العقارب)، ومنه إلى (بحر الظلمات)، حتى بلغ (مياه الموت) ومنها إلى (أوتو – نبشتم) الذى أطلعه على بعض الأسرار. ثم حاول العودة بنبتة الخلود ، لكن الحية سرقتها منه فرجع إلى بلده خائب الرجاء.


4 ــــ الحيلة واستغلال الإغراء :

حين فوجئ أحد الصيادين برؤية (انكيدو) فى الغابة، واندهش لقوته ووحشيته وتغلبه على الوحوش، أسرع إلى والده ليقص عليه ما شاهده ، فاقترح عليه الأب أن ينقل ذلك إلى جلجامش حاكم مدينة أوروك، وأن يستخدم الحيلة فى اصطحاب (انكيدو) هذا إلى لقاء جلجامش عن طريق إرسال احدى البغايا لكى تعرض عليه مفاتنها. وبعد أن خضع لها، أغرته بالذهاب معها إلى مدينة أوروك للقاء جلجامش، وتحويله إلى انسان مدنى بدلاً من حياة التوحش الذى يعيشها. وهكذا تمت هذه الحيلة فى اجتذاب (أنكيدو) إلى مدينة أوروك حيث أصبح فيما بعد أخلص أصدقاء جلجامش.


وهناك محاولة أخرى للإغراء، قامت بها الإلهة (عشتار) حين أعجبت ببطولة جلجامش وجماله، فعرضت عليه الزواج منها، فى مقابل الكثير من الهدايا والعطايا، لكنه رفضها رفضا مهينا، مما جعلها تلجأ إلى أبيها لكى ينتقم لها من جلجامش، فأرسل معها (الثور السماوى) لكى يقتله، لكن جلجامش وصديقه الحميم أنكيدو تغلبا عليه، وذبحا


5-الانتقام :

يصدر الانتقام فى ملحمة جلجامش من الآلهة أكثر مما يصدر من البشر. فقد استعانت عشتار بأبيها لكى ينتقم لها من رفض جلجامش الزواج منها، وحديثه معها بإهانة بالغة ، فقام الأب بتسليمها مقود (الثور السماوى) لتنزله معها إلى الأرض، ويقوم بقتل جلجامش.


وحين نجح الصديقان البطلان (جلجامش وأنكيدو) فى التغلب على هذا الثور وذبحاه غضبت الآلهة ، وعقدت اجتماعًا قررت فيه أولاً قتل جلجامش، لكنها عدلت عن ذلك باعتباره يحتوى على عنصر إلهى، لذلك حوّلت انتقامها إلى صديقه (انكيدو) مع أنه مجرد تابع له، وهو برئ كما صرح بذلك أحد الآلهة . لكن القرار صدر بالفعل ضد أنكيدو، الأمر إلى أوقعه فى المرض، ثم الموت.


6-الموت والرثاء :

أصاب الموت أنكيدو تحت سمع وبصر صديقه جلجامش الذى لم يستطع أن يدفع عنه المرض الذى ألزمه الفراش، ولا الألم الذى كان يعتصره. ويبدو بالفعل أن الموت هنا كان جرس انذار لجلجامش لكى يدرك مصير البشر، وأنهم لا محاله مائتون، مهما كانت قوتهم ، أو صلابتهم.


وعلى قدر ضخامة المصيبة بفقد الصديق المخلص، كان حزن جلجامش، ولوعة روحه التى انسابت فى رثاء دامع يهز القلوب، ويدفع للتعاطف مع صاحبه. وقد كرر جلجامش هذا الرثاء أمام كل مَنْ قابلهم سواء من البشر أو الآلهة ، ليس فقط لكى يثبت حزنه على صديقه الحميم ، وإنما أيضا لكى يبرر بحثه الدائب عن سر الخلود، وهزيمة الموت .


7-الأحلام وشفافيتها:

فى ملحمة جلجامش تتعدد الأحلام التى رآها فى النوم كل من الصديقيْن. والواضح أن تلك الأحلام لم تكن أضغاثا، بل إنها كنت بمثابة الرؤى الشفافة للمستقبل، حتى أن معظمها كان يتحقق فى الواقع، وكأنها كانت مثل الكشافات التى يستهدى بها السائر فى الظلمة، فتضىء له معالم الطريق ، وتنبهه إلى ما قد يوجد فيه من عقبات وموانع.


وفى البناء الداخلى للملحمة ، تلعب الأحلام دورًا هامًا بالنسبة للمتلقى، فهى التى تمهد له الأحداث القادمة، وتجعله مهيأ لقبولها.


وأخيرًا فإن الأحلام فى الملاحم بصفة عامة هى التى تملأ المنطقة الواقعة فى الوسط بين الواقع ــــــ وما وراء الواقع ، أو ما فوقه . وباكتمال المناطق الثلاث (الواقع – الوسط – ما فوقه) يصبح الانتقال من منطقة إلى أخرى صعودًا وهبوطًا أمرًا مقبولاً من المتلقى.


8-عقاب الآلهة للبشر بالطوفان :

فى إحدى سورات غضب الآلهة، اجتمعوا فى مدينة (شرباك) وقرروا إغراق أهل الأرض جميعا بطوفان شامل، لا يترك على ظهرها أحدًا منهم. وحين بدأت المياه تغمر الأرض بقوة عارمة، صعد هؤلاء الألهة إلى السماء نجاة بأنفسهم ، غير أن واحدًا منهم اتجه إلى (كوخ القصب) حيث كان يقيم رجل اسمه (أونو – نبشتم) ، وأوصاه بسرعة بناء سفينة ضخمة ، وأن يحشد فيها عددًا من البشر والحيوانات والطيور، لكى تتم نجاتهم . وبالطبع اعتبر باقى الآلهة أن هذه خيانة لهم، لأن السفينة أنقذت تلك الجماعة من الغرق، وبها بدأت أجيال جديدة من البشر. وحين نزل الإله (انليل) ، الذى أصدر الأمر بالطوفان، وشاهد السفينة، دخلها وبارك منشئها مع زوجته، ومنحهما لمسة الخلود التى تستثيهما من الموت ، بشرط أن يعيشا بعيدًا .. عند فم الأنهار . حيث وصل إليهما جلجامش فى مغامرته الأخيرة ، وأقام عندهما لفترة من الوقت.


المهم أن العقاب كان قاسيا للغاية، لكن بطولة (أوتو – نبشتم) كانت رائعة فى إنقاذ الجنس البشرى من الهلاك الشامل. وكذلك طيبة قلب الإله الذى نصحه ببناء السفينة.


وتجدر الإشارة هنا إلى أن بعض الدراسات المقارنة قد أجريت حول أوجه الشبه بين هذا الجزء الخاص بالطوفان فى ملحمة جلجامش، وما ورد بعده فى نص نوراة اليهود من حديث تفصيلى عن الطوفان الذى عم الأرض فى زمن الرسول نوح، عليه السلام.


9-الرغبة فى الخلود

هل كان موت انكيدو ، الصديق الصدوق لجلجامش، هو السبب الأساسى فى محاولة القيام بمغامرته الكبرى بحثا عن سر الخلود، ومحاولة هزيمة الموت، أم أن هذه الرغبة كانت كامنة فى نفس البطل الأسطورى الذى كان يتكون من عنصر إلهى إلى جانب العنصر البشرى ؟ أم أن خَلْقه علي تلك الصورة القوية والجميلة، وتوسده سدة الحكم، كل ذلك جعله يرفض الموت الذى يهيل عليه التراب، ويدفنه فى الأرض ؟


إن فكرة رفض الموت قد لازمت الإنسان منذ بدء الخليفة، وربما استمرت معه حتى اليوم. وليس بناء الهياكل الضخمة، والأهرامات الشاهقة، والتماثيل العملاقة سوى محاولة لإبقاء الإنسان حيا، أو مستعدًا لقيامه مرة أخرى فى هذه الحياة.


لكن مغامرة جلجامش من أجل الحصول على سر الخلود وهزيمة الموت كانت أثناء حياته، وقد حاول القيام بها بنفسه، وإن كان فى أحد نصوص الملحمة يشير إلى أنه بعد أن حصل على نبتة الخلود كان سيقدمها أيضا إلى شعبه ! وليس هذا مستغربا، فلأنه حاكم لابد أن يكون له شعب .


أما النهاية فكانت مأساوية. فقد سُرقت منه النبتة فعاد أدراجه موقنا بأن الموت قدر مقدور على بنى الإنسان، وعليه ألا يتطلع إلى محاكاة خلود الآلهة الذين لا يموتون أبدا .


10-أهوال العالم السفلى

ولا تقتصر ملحمة جلجامش على تحديد مصير الإنسان بالموت، لكنها تقفز قفزة أخرى لاستطلاع ما بعد الموت، فى الحياة الأخرى، وهى فى لوحها الثانى عشر، لا تعرض لأهل الجنة، بل إنها تشير إلى أهل الجحيم، الذين هم أشرار هذا العالم الدنيوى.


وفى الحوار الهام الذى دار بين جلجامش، وصديقه انكيدو بعد موته، يحدثه الأخير عما رآه من أهوال. لكن أهم الأسئلة التى أراد جلجامش معرفة إجابتها من المتوفى هى المتعلقة بمن مات ولم ينجب ذرية، سواء كانت ولدًا واحدًا – حتى ثمانية أبناء؟ كما سأل عن الشخص الذى لم تدفن جثته؟ وكذلك الشخص الذى لم يقدم له أهله القرابين بعد وفاته؟ وقد أجابه أنكيدو عن كل هؤلاء، وبالنسبة لهذا الأخير يقول إنه رآه يأكل الفضلات التى تلقى فى المزابل !


هذا ويمكن القول بأن مصر القديمة قد بحثت بكل عمق، وبأدق التفاصيل حالة هذا العالم السفلى، الذى ينزل إليه المتوفى بعد الموت. واعتقدت فى خلود النفس، وفى حتمية الجزاء الأخروى على كل أعمال الإنسان فى هذه الدنيا – والمجال مفتوح للمقارنة فى هذا الصدد مع ما ورد فى ملحمة جلجامش ..


التقييم الأدبى لملحمة جلجامش

تقع ملحمة جلجامش فى قلب الأدب الملحمى، الذى يتميز برواية أحداث عجائبية، غالبا ما يتشارك فيها آلهة الأزمنة القديمة والبشر، وتكون فى الأغلب مكتوبة بالشعر، وقد تتخللها مقاطع نثرية. وتتميز بالطول المبالغ فيه، كما يوجد فيها بعض التكرار. وكل هذه الخصائص تنطبق على ملحمة جلجامش، التى تبدو – رغم تدوينها فى مطلع الألف الثانية قبل الميلاد – أنها محكمة البناء الدرامى، فهى تدور حول بطل واحد، يتميز بقوى خارقة، فثلثاه من عنصر الهى (من ناحية الأم) والثلث الباقى من البشر (من ناحية الأب) وعلينا هنا ألا نندهش من اطراد انتصاره على كل منافسيه وأعدائه من ناحية، وقيامه بالعديد من المغامرات التى يخترق فيها أعلى الجبال، ويخوض أعتى البحار، ويكاد يصل إلى هدفه النهائى فى امتلاك نبتة الخلود، لكنها عندما تضيع منه.. يعود إلى مدينته كبشر يخضع لقانون الحياة والموت .


والأحداث فى الملحمة متدرجة. وكل حادث يتكون من أحداث أخرى تزيد تشويق المتلقى للمتابعة، والتطلع لمعرفة نهاية الحدث وهذا يذكرنا بـ (ألف ليلة وليلة) العربية ، التى تتوالى حكايتها، وداخل كل حكاية : حكايات أخرى (انظر مقدمة تحقيق د. محسن مهدى لألف ليلة، وبحثه بعنوان : (الحكاية التمثيلية فى كتاب ألف ليلة وليلة ) سلسلة "دراسات عربية وإسلامية" جـ.3 1984 .


أما لغة الملحمة، التى قام بترجمتها الأستاذ طه باقر من أصلها القديم، فتتميز بالبساطة، وعدم التعقيد. وهى لا تخلو من اللمسات البلاغية الجميلة، من تشبيهات واستعاره بالإضافة إلى دقة الوصف والتصوير الفنى الذى يجسد الواقع، ويرصد أدق المشاعر.


ويمكن الوقوف على بعض ذلك من الوصف الجسدى لجلجامش، وكذلك وصف صديقه المتوحش أنكيدو حين كان يجوب الغابات ، صارعًا الوحوش، ولا يرتدى الملابس، وإنما يكسو الشعر جسده، ويشرب الماء مع الظباء .


وتبدأ الملحمة بلحن تمهيدى يبدو أنه كان غنائيا لكى يحضر المتلقى للإصغاء إلى أحداث الملحمة :

- هو الذى رأى كل شىء ،

فغنّى بذكره يا يلادى ..

- وهو الذى خبر جميع الأشياء

وأفاد من عبرها

- وهو الحكيم العارف بكل شيء

- لقد أبصر الأسرار،

وعرف الخفايا المكتومة

- وجاء بأنباء الأيام مما قبل الطوفان

- لقد أوغل فى الأسفار البعيدة

حتى حلّ به الضنى والتعب

- فنقش فى نُصُب من الحجر

كل ما عاناه وخَبَره ..


وتصور الملحمة جلجامش، حاكم مدينة أوروك ، شخصا مستبدأ تصحو رعيته على ضربات طبوله، ويبدو أنه جنّد كل شباب المدينة، فلم يترك ابنًا لأبية، كما اصطفى لنفسه كل خطيباتهم قبل الزواج منهم ! وكانت هذه هى الأسباب التى جعلت شعب أوروك يتذمر منه، فيلجأ بشكواه إلى الآلهة، التى استجابت له بخلق شخص آخر مماثل له فى القوة هو (أنكيدو) الذى عاش متوحشًا فى الغابات، يغطى الشعر جسده، ويصرع الوحوش، ويرعى الكلأ مع الغزلان ويشرب معها من منابع المياه .


وهنا تبدأ حركة التعادل بين قوتين : الشر المتمثل فى جلجامش، والخير المتمثل فى انكيدو. أما اللقاء بينهما فقد تم بحيلة ماكرة من جلجامش الذى سعى لاستقدام هذا المنافس القوى إلى مدينته ، بواسطة إحدى الغانيات التى أغرته بجسدها، ثم أوقعته فى عشقها، وأخيرًا اقتادته إلى حياة المدينة ، ولقاء جلجامش..


كان اللقاء قاسيا. وتمثل فى صراع بطليْن كبيرين، لكنه انتهى بغلبة جلجامش، فأذعن له أنكيدو ، وعاهده أن يكون صديقه المخلص حتى النهاية .


وهكذا استطاعت الملحمة أن تدخلنا فى سلسلة من المغامرات والصراعات التى قام بها الصديقان ضد ما اعتبراه قوى الشر التى كان بعضها يغضب الآلهة ، وبعضها الآخر تسمح به، ثم ما يلبث أن يجلب غضبها على الصديقين .


ويتجلى الأسلوب الأدبى اكثر ما يتجلى فى الأحلام التى يراها أبطال الملحمة أثناء نومهم، ثم يقومون بقصها على بعضهم، أو على الآخرين. ومن ذلك ما ذكره جلجامش لأمه عن الحلم الذى رآه ، خاصًا بقدوم منافسه أنكيدو:


- يا أمى .. لقد رأيت الليلة الماضية حلما

رأيت أنى أسير مخفا فرحًا بين الأبطال.

فظهرت كواكب السماء

وقد سقط أحدها إلىّ ، وكأنه شهاب من السماء

- لقد أردت أن أرفعه ، لكنه ثقل علىّ

- وأردت أن أزحزحه، فلم أستطع أن أحركه

- تجمع حوله أهل (أوروك) .

- ازدحم الناس حوله وتدافعوا عليه

- واجتمع عليه أصحابى يقبلون قدميْه

- انحنيت عليه، كما أنحنى على امرأة

- وساعدونى فرفعته،

وأتيت به عند قدميك

- فجعلته نظيرًا لى


ومن الواضح أن هذا الحلم عبارة عن صورة أدبية متكاملة مليئة بالتشبيهات وضروب المجاز البلاغى، لكنها تمهد فى نفس الوقت لما سيحدث بالفعل من اللقاء الحاسم والعنيف بين جلجامش وأنكيدو، ثم تحول هذا الصراع أخيرًا إلى صداقة بلا حدود .


وفيما يلى مجموعة من العبارات التى يمتزج فيها المجاز بالواقع ، وفيما يلى بعض العبارات التى وصف بها جلجامش غريمته

عشتار . فهى فى رأيه مثل :

- الموقد الذى تخمد ناره فى البرد

- الباب الناقص الذى لا يصد عاصفة ولا ريحا

- قصر يتحطم فى داخله الأبطال

- فيل يمزق رحله

- قير يلوث من يحمله

- قربة تبلل حاملها

- وتوصف (ننسون) أم جلجامش بأنها : البقرة المتوحشة

- كما يشبه صوت المارد خمبايا بأن زمجرته مثل عباب الطوفان،

وتنبعث من فمه شواظ النيران

وهناك بعد ذلك عبارات :

- الثور السماوى

- باب الأرواح

- البشر – العقارب ، الذين يحرسون جبل ماشو العظيم

- باب الشمس

- باب الجبال

- وبعد أن قطع جلجامش عشر ساعات مضاعفة

ظهر تألق الشمس

- وبعد أن قطع اثنتى عشرة ساعة مضاعفة .. عمّ النور

- وأبصر أمامه أشجارًا تحمل الأحجار الكريمة،

ولما رآها اقترب منها

- فوجد الأشجار التى أثمارها العقيق

- وتتدلى الأعناب منها، ومشهدها يسر الناظر

- ووجد الأشجار التى تحمل اللازورد ، فما أحلى مرآها !

- مياه الموت

- ياما أعظم الشبه بين النائم والميت!

- مطر من قمح

- فم الأنهار

- النبات الذى يمنح الخلود (يعيد الشيخ إلى صباه كالشباب) .


وعموما فإن النظرة العامة لملحمة جلجامش – من الناحية الأدبية الخالصة – تؤكد أنها عمل درامى متكامل الحلقات ، وأنها رغم احتوائها على العديد من الحكايات الجانبية أو الفرعية فإنها كلها موظفة توظيفًا جيدًا لتحقيق الهدف الرئيسى للملحمة . فقد بدأت بتمجيد بطلها مع عدم إغفال عيوبه – ثم سارت معه فى مغامراته حتى بلغت المغامرة الأخيرة، التى جاءت طبيعية، وهى مغامرة البحث عن الخلود، وهزيمة الموت بالنسبة للبشر.. لكن هذه المغامرة مع صعوبتها والكفاح الذى بذله البطل خلالها قد انتهت نهاية مؤسفة له وربما للبشرية كلها، فقد كان يأمل أن يعود بنبتة الخلود التى تعيد الشباب بعد ذهابه لرعاياه فى مدينة أوروك ، لكن الحية أسرعت بسرقتها منه، وأفادت بذلك أبناء جنسها الذين يبدلون جلودهم كلما شاخت وتهرأت .


المضمون الفلسفى لملحمة جلجامش

الفكرة الفلسفية الرئيسية فى ملحمة جلجامش – التى مضى على انشائها حتى الآن حوالى أربعة آلاف عام – هى الفكرة التى تقرر أن الموت هو نهاية كل انسان على هذه الأرض، وهذا قانون عام لا يتخلف مهما طال به العمر، أو تمكنت الصحة، أو اتسع السلطان، أو تراكمت الثروة ..


والواقع أن الطمع ، أو بالأحرى الجشع الذى جُبل عليه الإنسان هو الذى يدفعه إلي التطلع قرب انتهاء أجله إلى التشبث بالحياة، ومحاولة إبعاد الموت عن مصيره . وهذا ما يجعله يجهد نفسه ويرهق مَنْ حول ببناء شيء خاص به ، تكون له صفة الدوام، حتى يظل مستمرا فى هذه الحياة التى ستتفلت لا محالة منه. وليس ما قام بها فراعنه مصر من بناء التماثيل والمسلات ثم الاهرامات إلا نموذجًا واضحًا على محاولة التشبث بالحياة، حتى ولو كان ذلك بعد الموت. وقريب من هذا سوف نجد جلجامش يسعى فى مغامرته الأخيرة إلى محاولة امتلاك سر الخلود، أى عدم الانهزام أمام الموت. وإذا كان لكل فعل سبب، أو دافع ، فقد كان الدافع لذلك لدى جلجامش هو مرض صديقه الحميم أنكيدو، ومشاهدته فى النزع الأخير وهو يلفظ أنفاسه . وقد كانت صدمة الموت، وما يتبعه من الفراق رهيبة على نفس جلجامش، الذى قرر البحث عن طريقة للنجاه من الموت. وهو يقول :


- إذا ما مت أفلا يكون مصيرى مثل أنكيدو ؟!

- ملك الحزن والأسى روحى

- وها أنا أهيم فى القفار والبرارى ..

خائفًا من الموت !

ورغم النصائح التى قدمت له أثناء رحلته الصعبة، ظل مصرًا على تحقيق هدفه. قالت له صاحبة الحاتة على ساحل البحر :

- إلى أين تسعى يا جلجامش ؟

- إن الحياة التى تبغى لن تجد

- اذ لما خلقت الآلهة البشر،

قدرت الموت على البشرية،

- واستأثرت هى بالحياة

لكنه راح يلح عليها فى أن تدله على الطريق، الذى كان يحتوى على خطورة عبوره بحر الظلمات إلى (مياه الموت) ولا يمكن بلوغها إلا بملاح متخصص فى كيفية الوصول إليها.

وحين وصل جلجامش إلى (أوتو – نبشتم) : الرجل الذى أنقذ البشرية من الهلاك فى الطوفان ، ومنحته الآلهة مع زوجته منحة الخلود ، شريطة أن يعيشا بعيدا عن البشر ، عند فم الأنهار – يقول له :

- إن الموت قاس لا يرحم

- متى بنينا بيتا يقوم إلى الأبد ؟

- متى ختمنا عقدا يدوم إلى الأبد ؟

- وهل يقتسم الإخوة ميراثهم ليبقى إلى آخر الدهر ؟

- وهل تبقى البغضاء فى الأرض إلى الأبد ؟

- وهل يرتفع النهر، ويأتى بالفيضان على الدوام؟

- والفراشة .. لا تكاد تخرج من شرنقتها

فتبصر وجه الشمس ، حتى يحل أجلها

- ولم يكن دوام وخلود منذ القدم

- وياما أعظم الشبه بين النائم والميت !

- ألا تبدو عليهما هيئة الموت ؟!


ومع ذلك ، فإن هذه الأمثلة كلها لم تقنع جلجامش، كما أنها لم تحوله عن بلوغ هدفه الذى خرج من أجله. وهنا تستعطف زوجة (أوتو – نبشتم) زوجها أن يساعد هذا المسكين بما يستطيع،، فرق قلبه له، ودلّه على نبته الخلود التى يمكن أن يحصل عليها من أعماق الماء. لكنه حين شاهد نبعًا من الماء الصافى نزل ليغتسل فيه من وعثاء السفر، فانتهزت الفرصة حية سارقة، وخطفت النبتة من يده .. وهكذا ضاع الحلم الذى ظل يراوده، وتبدد الأمل فى خلود بدون موت !


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

التعليقات (1)Add Comment
0
...
أرسلت بواسطة د. أحمد طه ياسين المعضادي, أكتوبر 12, 2016
بحث ممتاز وقيم....جزاكم الله خير...وجعله في ميزان حسناتكم..

أضف تعليق
تصغير | تكبير

busy
آخر تحديث الأحد, 08 مايو 2016 17:27