عداد الزائرين

mod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_counter

إضافات حديثة

   
 
تحليل النص الفلسفى صيغة PDF طباعة أرسل لصديقك
كتبها Administrator   
الأحد, 18 أكتوبر 2015 22:12

تحليل النص الفلسفى


أ.د. حامد طاهر(*)

 


تمهيد لازم :


كان لى شرف اقتراح هذا الموضوع لكى يتم تدريسه ضمن مقررات الدراسات العليا بقسم الفلسفة الإسلامية بكلية دار العلوم فى اطار خطة التطوير التى يجرى اعدادها حاليا.


وترجع أهمية هذا الموضوع إلى أنه يعتبر أولا : مدخلا ضروريا لقراءة النصوص الفلسفية العديدة التى تحتوى عليها الفلسفة الإسلامية فى مختلف مجالاتها، وفى كتابات أعلامها الذين يتميز كل منهم بأسلوبه الخاص. كما يعد ثانيا : أداة لا غنى عنها للباحث الذى ينبغى عليه التعامل مع نصوص الفلسفة الإسلامية قبل وأثناء إعداده لرسالته العلمية ، سواء فى مرحلة الماجستير أو الدكتوراه . وأخيرا فإنه يفتح آفاقا واسعة وجديدة من الرؤية الداخلية والعميقة لذلك التراث الفلسفى الضخم الذى ورثناه عن أجدادنا، وأصبح الكثير منه صعبا، وأحيانا مغلقا بالنسبة للقارئ المعاصر.


وبالطبع سوف يقتصر هذا البحث على النص الفلسفى المكتوب باللغة العربية فقط. وهذا يعنى مجرد بداية لتناوله بهذه المنهجية فى كل من اللغات الفارسية، والتركية، والأوردية، التى سجلت جوانب عديدة ومهمة من النصوص الفلسفية فى الإسلام.


إن الفكر الفلسفى فى الإسلام يرجع فى جذوره الأولى إلى القرآن الكريم، الذى دعا إلى إعمال العقل فى كل شئون الحياة، وحذر من تقليد السابقين بدون وعى، حتى لو كانوا هم الآباء، وأدان اتباع الهوى دون التجرد بموضوعية إلى جانب الحق، ثم حين بدأ المسلمون يتصلون بالأمم الأخرى، ويتعرفون على ثقافاتها اقتبسوا منها ما وجدوه صالحا لحل مشكلاتهم الفكرية، أو مفيدًا فى تنظيم عملهم العقلى، كما حدث بصفة خاصة مع منطق أرسطو.


وإذا كانت الفلسفة الإسلامية قد بدأت مسيرتها لدى المسلمين بعلم الكلام، الذى ناقش فى مراحله الأولى قضيتيْن دينيتيْن هما : مشكلة القدر (الجبر والاختيار) ومشكلة مرتكب الكبيرة، فإنه قد توسع فيما بعد فتناول مسألة الصفات الإلهية، ثم استقر أخيرًا ، وحتى اليوم، فى ثلاثة مباحث رئيسية هى : الإلهيات، والنبوات، والسمعيات.


وقد نشأت إلى جانب علم الكلام: الفلسفة ذات الاستلهام اليونانى ، أو كما يسميها البعض تجاوزا : الفلسفة المشائية. وهذه راحت تقدم أفكارًا دقيقة للغاية حول طبيعة النفس وخلودها، وكيفية خلق العالم وحدوثه، وعلاقة العالم بالله، ثم تجلت عبقريتها فى أهم مسألة حينئذ وهى محاولة التوفيق بين الفكر الفلسفى التابع من العقل الإنسانى ، وبين الوحى المنزل من السماء، وهى المسألة التى عرفت باسم العلاقة بين الحكمة والشريعة .


وإذا كان هذان المجالان : علم الكلام ، والفلسفة ذات الاستلهام اليونانى قد اعتمدا (العقل) وسيلة أساسية للمعرفة ، ومرجعية لها، فإن الصوفية الذين انتشروا منذ القرن الثالث الهجرى ذهبوا إلى أن العقل لا يكفى وحده فى المعرفة، بل لابد من التجربة التى تقوم على (الذوق) الخاص، ومن مبادئهم الشهيرة فى هذا الصدد أن (مَنْ ذاق عرف) ، وهم يتمسكون بقول الله تعالى : ) وَاتَّقُواْ اللّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللّهُ ( [سورة البقرة : 282ٍ] وهذا يعنى أن الطريق إلى العلم لا ينحصر فى براهين العقل، وإنما فى طريق أخلاقى طويل قوامه التقوى .


وهكذا أصبح لدى المسلمين أكثر من منهج للمعرفة ، خاصة وأن علماء الحديث رفضوا كلا من عقل الفلاسفة، وذوق الصوفية، وأكدوا على منهج (النقل) الموثق القائم على الفحص الدقيق لسيرة الرواة، وأنتجوا فى ذلك علما هو علم مصطلح الحديث، الذى يتميز بالأصالة الكاملة.


ولم تقتصر الفلسفة الإسلامية على مناقشة المسائل الفكرية والدينية الخالصة، وإنما تشابكت مع السياسة . فقد جرى استخدامها فى تدعيم آراء الفرق السياسية التى ظهرت لدى المسلمين منذ وقت مبكر ، واستمرت حتى اليوم، وهى الفرق الكبرى التى يمثلها : أهل السنة والشيعة، والخوارج – بتفرعاتها التى تكاد تستعصى على الحصر.


وعند التحليل ، يتضح أن مجالات الفلسفة الإسلامية تزيد على عشرة مجالات. وقد ترك لنا أعلامها فى كل مجال ثروة فكرية رائعة، ومعظمها ما زال مخطوطًا حتى اليوم، والكثير منها ضاع فيما ضاع بسبب الحروب والكوارث التى نزلت بالمسلمين، ومع ذلك فإن الباقى من هذه التركة ما زال يمثل نسبة أكبر من نسبة أى تراث آخر، تركته أمة لأبنائها.


فما هو واجبنا تجاه هذا التراث الثمين ؟ أولا : لابد من البحث عنه، والكشف عن كنوزه، وإخراجه للناس بصورة محققة حديثة. وثانيًا : دراسته بمنهج علمى حديث للوقوف على أبرز أفكاره، وما يمكن أن يستفاد منها فى الوقت الحاضر. وبالطبع لا يمكن التوصل إلى هذا وذاك إلا بفهم واستيعاب وتحليل ومقارنة، حتى تظهر القيمة الحقيقية لما بين أيدينا، ولما يمكن أن نتركه لأبنائنا من بعدنا.


ومن إحساسى العميق بهذه المشكلات، كتبت منذ فترة بحثا بعنوان (منهج التعامل مع النصوص التراثية) (انظر : سلسلة دراسات عربية وإسلامية – الجزء 38) تناولت فيه مشكلات النص التراثى عموما فى بعض مجالات العلوم الإسلامية واللغوية. لكننى أتجه هنا إلى (تحليل النص الفلسفى) وهو موضوع أضيق، لكنه يعتبر جديدا تماما فى اللغة العربية. وأرجو أن يكون تناولى له فاتحة لدراسات أعمق وأوسع، وخاصة من الباحثين الشبان. ومن الله أستمد العون .

 


مفهوم النص عموما :


هناك أبحاث كثيرة ومتنوعة حول النص، تناولته من الناحية اللغوية والأسلوبية الحديثة. وقد اطلعت على معظمها، وأعترف بأننى لم أخرج منها بطائل. والسبب فى ذلك أن المشتغلين بهذه الأبحاث يريدون أن يقيموا علمًا ليس له موضوع، ولذلك تكثر الطنطنة حوله، ويجرى استخدام مصطلحات تخيف القارئ بدلاً من أن تأخذ بيده إلى الفهم الصحيح.


النص ببساطة هو مجموعة الجمل أو الفقرات التى تترابط فيما بينها للتعبير عن فكرة جزئية واردة فى سياق عام. والباحث الجيد هو الذى يحدد بدايته ونهايته، كما أنه يمكنه أن يسقط بعض أجزائه حتى يخلص إلى المعنى الذى يريده منه . وهل من الممكن أن يكون النص كلمه واحدة ؟ أحيانا ، وخاصة عندما يأتى إجابة بالإيجاب أو بالسلب عن سؤال بسيط يبدأ بـ (هل ..؟) وهو بهذا يعبر عن رأى المؤلف فى موضوع معين .


ومما يؤكد أن الباحث هو الذى يحدد النص أن كلام المؤلف يمكن أن يؤخذ منه نص ليعبر عن فكرة ما، كما يمكن أن يؤخذ نفس النص ليعبر عن فكرة أخرى. بل أن الباحث الواحد قد يستخدم نفس النص فى موضعين مختلفين تماما.


ومع ذلك فإن النص فى حد ذاته يستحق أن يكون موضعًا للتحليل بهدف الوقوف أولاً على ما يحتوى عليه من مضمون ، وثانيًا على الأسلوب الذى استخدمه فى تقديم هذا المضمون: هل هو بالتأكيد أو بالظن والاحتمال؟ هل هو بالاحالة أم بالنقل؟ وما هى أهم التراكيب اللغوية التى استعملها المؤلف فى النص من حيث اختيار الأسماء والأفعال والأدوات ، وكيفية تركيبها، وتحقيق الاتصال أو الانفصال بينها ؟

 


النص الفلسفى وخصوصيته :


يختص النص الفلسفى – ولا أقول يتميز – بعده خصائص أهمها: :


أولاً : أنه يتضمن أفكارا دقيقة أو عميقة أو غامضة . وهو بذلك يختلف كثيرًا عن النص الأدبى أو الفقهى أو التاريخى، التى تبدو فيها الأفكار بسيطة وواضحة (باستثناء بعض المؤلفين الذين يميليون بطبعهم إلى التعقيد، وخاصة فى مجال اللغة وأصول الفقه).


ثانيًا : أن النص الفلسفى ينبع عادة من العقل ويتجه إلى العقل . فهو لا يستخدم – إلا فى النادر – الآيات القرآنية والأحاديث النبويى التى تكون عاملاً مهما فى توضيح المعنى، وبيان المقصود أو تقريبه إلى الأذهان.


ثالثًا : أن الذين أنتجوا النص الفلسفى لم يكونوا – فى أغلب الأحوال – ممن يجيدون اللغة العربية، الناصعة البيان. وبعضهم كان موزعًا بين أكثر من لغة ، لذلك فإن استعماله للغة العربية جاء غير منسجم تماما مع بساطتها ونصوعها.


رابعًا : أن النص الفلسفى يحتوى فى الغالب على مصطلحات وافدة، وهذه قد تمت ترجمتها بصورة حرفية، الأمر الذى جعلها غير مألوفة على القارئ العربى القديم، وكذلك المعاصر.


خامسًا : أن مؤلف النص الفلسفى لم يكن يتجه فى العادة إلى القارئ العادى، أو حتى المتوسط ، بل إلى طائفة مغلقة على نفسها ممن تتعاطى الفلسفة بعيدًا عن المجتمع، وكذلك عن الفرق الأخرى التى كانت مناوئة للفلسفة، ومن هنا يمكن وصفه بأنه نص (فئوى) وليس نصًا جماهيريًا.

 


صعوبة النص الفلسفى :


لا شك أن القارئ فى التراث العربى يجد فروقًا واضحة بين نصوصه العديدة، لكنه يصطدم بصعوبة خاصة فى قراءة النص الفلسفى. وفى رأيى أن هذه الصعوبة ترجع إلى عدة عوامل :


- العامل الأول : غموض الفكرة التى يحتوى عليها النص .


- العامل الثانى : غرابة الفكرة التى يقدمها النص.


- العامل الثالث : الاستدلال على الظواهر الطبيعية أو الإنسانية بأدلة عقلية .


- العامل الرابع : تناول مشكلات زائفة .

 


وفيما يلى بيان مختصر عن كل واحد من هذه العوامل :


أولاً : غموض الفكرة التى يحتوى عليها النص :


يقرر الفيلسوف الفرنسى ديكارت أن "الفكرة الصحيحة هى دائمًا واضحة" وهذا يعنى أن الفكرة الغامضة قد تكون صحيحة وقد تكون خاطئة. لذلك فإننا إذا وقفنا أمام نص يحتوى على فكرة غامضة فليس علينا أن نتهم عقولنا بالغباء ، أو عدم الفهم ، بل على العكس يمكن أن نقول لصاحبها: إما أن تعرضها فى بيان واضح، وإما أن تسكت ! لأن العائد من بذل الجهد فى فهم النص الغامض لن يكون كثير الفائدة ، بل ربما كان عديم الفائدة تماما.


نص الكندى فى البرهان على وجود النفس مستقلة عن البدن ومباينها له. والدليل هو مغايرة النفس الغضبية للنفس الشهوانية : (ذلك أن القوة الغضبية قد تتحرك على الإنسان فى بعض الأوقات فتحمله قد تتحرك على الإنسان فى بعض الأوقات فتحمله على ارتكاب الأمر العظيم، فتضادها هذه النفس، وتمنع الغضب أن يفعل فعله، كما يضبط الفارس الفرس إذا هم أن يجمح. وهذا دليل على أن القوة التى يغضب بها الإنسان غير هذه التى تمنع الغضب أن يجرى إلى ما يهواه، لأن المانع لا محالة غير الممنوع، لأنه لا يكون شىء واحد يضاد نفسه. فأما القوة الشهوانية فقد تتوق فى بعض الأوقات إلى بعض الشهوات فتنكر النفس العقلية فى ذلك أنه خطأ، وأنه يؤدى إلى حال ردية، فتمنعها عن ذلك وتضادها. وهذا أيضا دليل على أن كل واحدة منهما غير الأخرى) .


ثانيًا : غرابة الفكرة التى يقدمها النص :


الفكر الفلسفى يتميز عموما بميزتين أساسيتين هما : الدقة والوضوح. ومن الممكن الوقوف بسهولة على هاتين الميزتين لدى كبار الفلاسفة الذين عرضوا آراءهم ونظرياتهم ومذاهبهم بلغة دقيقة وواضحة . ولعل هذا هو السبب فى استمرار انتاجهم الفلسفى مقروءًا على مدى عصور طويلة، وحتى اليوم. وتكفى الإشارة هنا إلى كل من أفلاطون وأرسطو (من القرن الرابع قبل الميلاد) اللذيْن لا يكاد القارئ المعاصر يجد صعوبة كبيرة فى قراءة نصوصهما وفهمها، وهى قد كتبت منذ أكثر من عشرين قرنا. وفى رأيى أن السبب الرئيسى فى ذلك يرجع إلى أنهما كتبا نصوصهما وهى تتضمن أفكارًا نابعة من صميم اهتمامات المجتمعات التى عاشا فيها. بل إن الكثير منها كان يتناول مشكلات وقضايا ما زالت مطروحة على العقل الإنسانى حتى يومنا هذا، وبالتالى فإن الأفكار الغريبة أو الغامضة أو الشاذة أو التى لا تنبع من معاناة الناس أنفسهم، هى التى تقف وراء تعقد النصوص وتصيبها بالغموض والالتباس، لأنها لا توجد إلا فى ذهن صاحبها وافتراضاته الخاصة


ثالثًا : الاستدلال المنطقى على ظواهر طبيعيه أو إنسانية :


من الملاحظ على كثير من علماء الكلام المسلمين أنهم قد أدخلوا أنفسهم – متابعين فى ذلك بعض الفلاسفة – فى بحث موضوعات لم يكن لهم علاقة بها ، لأنها تنتمى إلى علوم الطبيعة أو الحياة. ولعلهم لم يدركوا أن الفلسفة الإغريقية بالذات كانت تضم بين دفتيها كل العلوم ، ومنها الهندسة التى اشترط أفلاطون على تلاميذه الذين يريدون الالتحاق بالأكاديمية أن يدرسوها قبل الالتحاق بها لدراسة الفلسفة. لكن ما لبثت معظم العلوم الطبيعية والرياضية أن انفصلت عن الفلسفة ، واستقلت بنفسها، ولم يعد للفلسفة القديمة سوى موضوعيْن فقط هما : الميتافيزيقا، أى ما وراء الطبيعة، وعلم المنطق، الذى يعد مدخلا لكل العلوم.


وهكذا وجدنا علماء الكلام المسلمين عندما يحاولون البرهنة على حدوث العالم يستخدمون براهين عقلية – منطقية ، مبتعدين بذلك عن المنهج القرآنى ، الذى يأخذ بين الإنسان إلى الإيمان بوجود الله وخلقه للعالم كله عن طريق شواهد الحس ، ومظاهر الطبيعة التى ما كان لها أن توجد، ويستمر نظامها المطرد، إلا بالعناية الإلهية.


وقد كان هذا بدون شك أحد الأسباب الأساسية فى غموض النصوص الكلامية، ومن قبلها الفلسفية، لأنها اقتحمت ميدانا لها تجيد الرماية فيه ، وليس من اختصاصها على الإطلاق .


وفيما يلى نص من كتاب المواقف للايجى يحتوى على فكرة الرد العقلى – المنطقى على من قال بأن الحياة مجموع اجزاء صغيرة جدا (لا تتجزأ) وكان المفترض أن من يبحث هذه المسألة الدقيقة : علماء الأحياء ، وليس المتكلمين : يقول الإيجى :


(الحياة عند الحكماء مشروطة بالبنية المخصوصة

وهو جسم له صورة مخصوصة وكيفات تتبعها من اعتدال خاص وغيره، وكذا عند المعتزلة. وهى مبلغ من الأجزاء التى لا تتجزأ ، والذى يبطل مذهبهم : أنه :


- أما أن يقوم بالجزئين معا حياة واحدة فيلزم قيام الواحد بالكثير، وإنه محال.


- وإما أن يقوم بكل جزء حياة على حدة، وحينئذ : فإما أن يكون كل واحد مشروطا بالآخر، ويلزم الدور أو يكون أحدهما بالآخر غير عكس، ويلزم الترجيح بلا مرجح. أو لا يكون شىء منهما مشروطًا بالآخر، وهو المطلوب.


والجواب : أنك قد عرفت مرارًا أن دور المعية ليس باطلا، وحكاية الترجيح بلا مرجح كما قد علمته فى الأولوية، فإنه إذا أريد فى نفس الأمر منع، وعندنا لا يفيد) .


نص آخر من رسائل الكندى فى الفاعل الحق الأول التام ، والفاعل الناقص الذى هو بالمجاز :


( قال : ينبغى أن نبين ما الفعل ، وعلى كم ضرب يقال

الفعل ، فنقول : إن الفعل الحقى الأول تأسيس الأيسات

عن ليس . وهذا الفعل بين أنه خاصة لله تعالى الذى هو

غاية كل علة ، فإن تأييس الأيسات عن ليس ، ليس لغيره

وهذا الفعل هو المخصوص باسم الإبداع . فأما الفعل

الثانى الذى يلى هذا الفعل هو أثر المؤثر فى المؤثر ،

فأما الفاعل الحق فهو المؤثر فيه ، من غير أن يتأثر

هو بجنس من أجناس التأثر ، فإذن الفاعل الحق هو

الفاعل مفعولاته من غير أن ينفعل هو بتة ، فأما المنفعل

فهو المتأثر من تأثير المؤثر ، أعنى المنفعل عن الفاعل).


رابعًا : تناول مشكلات زائفة :


المقصود بالمشكلات الزائفة هى تلك المشكلات التى تثور بين المفكرين والمثقفين فى أى مجتمع دون أن تكون نابعة من عقبات حقيقية تعوق مسيرة الفكر أو العمل فى هذا المجتمع. ومن الملاحظ أن التاريخ الفكرى ملىء بأمثال هذه المشكلات التى أثارها أفراد، أو جماعات ، أو حتى السلطات القائمة لكى تشغل الناس بما لا ينبغى أن ينشلغوا به من صميم حياتهم الواقعية. ومن خصائص المشكلة الزائفة أنها تثار، ويكثر الحديث حولها ، وتقدم لها حلول مختلفة وأحيانا متناقضة، ثم تنتهى بالاستبعاد التام، وعدم مراجعتها. وأحيانا يتوقف بعض العقلاء ليسأل : ما الذى جعلنا نهتم بهذه المشكلات؟ وكيف أخذت كل هذا الجهود الوقت؟ وما هو العائد الحقيقى منها على المجتمع؟


أن الفلسفة الحقيقية هى التى تواجه – على نحو صريح وحاسم – المشكلات الحقيقية التى تمثل عقبة فى مسيرة الفكر والعمل داخل أى مجتمع وحين يبتعد المفكر الحقيقى عنها، فإنه يغرق فى بحث مشكلات زائفة لا تحتمل فى أغلب الأحيان إلا لغة غامضة، وتهويمات خارجة عن حدود العقل والمنطق الصحيح.


ولعل من أشهر الأمثلة على تلك المشكلات الزائفة فى تاريخ الفكر الإسلامى ما حدث بالنسبة لمشكلة خلق القرآن : وهل هو قديم أو حادث؟ وبدلاً من أن يتجه المتكلمون إلى تدبر آياته التى تحض على العمل، وتحث على تعمير الأرض، والحفاظ على البيئة، وتبين حدود الحرام وآفاق الحلال ، فإنهم راحوا يتصارعون حول قضية لا تقدم ولا تؤخر، وقد خلطوها بإحدى صفات الله تعالى الواردة فى القرآن الكريم وهى صفة الكلام، ومن المؤسف أن المشكلة انتقلت حينئذ من حلقات العلم بالمساجد إلى دواوين الخلفاء، ومن ثم إلى غياهب السجون. ثم ما لبثت أن خمدت، وانطفأ لهيبها، ولم تعد نثير أى نزاع أو خلاف.


مضمون النص الفلسفى :


لا يوجد كلام مفيد بدون فكر، كما لا يوجد فكر بدون كلمات ، وقد كتبت فى ذلك بحثا هامًا بعنوان (اللغة والفكر) انتهيت فيه إلى أن اللغة والفكر يمثلان وحدة واحدة، حتى أننى رفضت قول بعض الباحثين عنهما انهما (وجهان لعملة واحدة) لان الفكر لا يبدأ ويتطور إلا من خلال اللغة، كما أن اللغة إذا لم تكن محملة بالفكر تصبح ضربًا من اللغو أو الأصوات العشوائية. وإذا كان الحديث الشفوى قد يخلو أحيانا من المضمون الجيد، فإن الكلام المكتوب لابد أن يكون له مضمون جيد، ومفهوم ، لأن الغرض من تسجيله بالكتابة هو العمل على نشره بين الناس، وإلا فقد كان من الأفضل أن يحتفظ الكاتب لنفسه بما يفكر فيه !


إن مضمون النص هو الهدف الأساسى منه. ولذلك ينبغى على الباحثين عندما يتناولون النصوص الفلسفية أن يبحثوا عما تحتويه من مضامين، ولا يتوقفوا عند شكلها الظاهرى، أو بلاغتها الخارجية. وهذا هو الفارق الكبير بين تناول نص فلسفى، ونص أدبى.(أنظر بحثنا بعنوان : المضمون الأخلاقى فى كتاب كليلة ودمنة،دراسات عربية وإسلامية ، الجزء .2)


وإذا كان النص يمكن اقتصاره على جملة بسيطة مكونة من (فعل وفاعل أو مبتدأ وخبر) فإنه من الممكن أن يمتد ليصبح فقرة كاملة. وهناك من النصوص الفلسفية ما يصل إلى نصف صفحة، وأحيانا صفحة كاملة من القطع الكبير، وهذا يرجع أولاً إلى طبيعة الكاتب التى تميل إلى الإطالة ، وثانيا إلى طبيعة المضمون الذى يريد أن يوصله للقراء .


وإذا كان النص يتكون من جمل، قد تطول أو تقصر، فإن مضمونه ينبغى أن يتم تقسيمه إلى أفكار جزئية، تبعًا لتوارد هذه الجمل. وهذه الأفكار يمكن وضعها فى نسق متدرج حتى يتبين مدى التتابع والترابط بينها. والباحث الجيد هو الذى يتمكن من إعادة وضع الأفكار الجزئية فى تسلسلها المنطقى الذى يراه مناسبًا. وقد يصل من خلال ذلك إلى جعل كل مجموعة من الأفكار الجزئية فى سطور متتالية (تشبه سطور الشعر الحر) حتى يظهر له الخيط العقلى الذى يربطها مع بعض البعض من ناحية، ثم مع النص كله فى مجمله العام من ناحية أخرى.


ومضمون كل نص يتطلب من الباحث أن يعطيه عنوانا خاصا به . وكلما كان العنوان دقيقا ومعبرًا عن محتوى النص سهل على الباحث متابعة فكر المؤلف، ومعرفة : هل يواصل ربط أفكاره، أم يميل إلى الاستطراد الذى يخرج أحيانًا عن الموضوع؟


أن تحليل مضمون النص بهذه الطريقة لا يمكن فقط من فهم النص واستيعابه فى عمومه وتفصيلاته، بل أيضا فى تقييمه تمهيدًا لوضعه فى التصنيف الذى يستحقه، سواء كان من نصوص المرتبة الأولى أم ما يليها. هذا وإن كل كاتب – شأنه شأن أى إنسان – تمر عليه لحظات تتألق فيها موهبته، فتصدر عنه نصوص رائعة، تخرجه من المحلية وتكاد تلحقه بالعالمية. كما أنه يمر فى أحيان أخرى بلحظات باهته أو عادية لا يكتب فيها شيئا يلفت الانظار!


ويمكن أن أقول بكل اطمئنان – بعد اطلاعى على مئات النصوص الفلسفية العربية ــ إن لدينا من المفكرين والفلاسفة الذين استطاعوا أن ينشئوا بكل جدارة نظريات ومذاهب لا تقل عن مثيلاتها فى الفلسفة العالمية، إن لم تتفوق أحيانا عليها. ويكفى أن أشير هنا إلى مذهب الفارابى فى السعادة، وابن سينا فى النفس، والسهروردى فى الإشراق، والغزالى فى الشك المنهجى، وابن عربى فى الوحدة الوجودية، وابن خلدون فى قيام الدول وسقوطها.. وهذا كله معروض فى نصوص فلسفية غاية فى الدقة والوضوح، لكنها مع الأسف لم تلق ما تستحقه حتى الآن فى العالم العربى من المكان والمكانة التى تليق بها. وهنا يأتى دور الباحثين المخلصين فى الفلسفة الإسلامية للكشف عنها، وابرازها، وتحليلها، وتقديمها للنشئ فى الصورة التى تحبيهم إليها ، ولا تنفرهم منها .


وفيما يلى نص من مطلع كتاب ابن رشد المعروف بعنوان (فصل

المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال) ، وقد كتبته بطريقة الأسطر:

( الغرض من هذا القول

أن نفحص على حهة النظر الشرعى :

هل النظر فى الفلسفة وعلوم المنطق

مباح بالشرع ، أم محظور ، أم مأمور به :

إما على جهة الندب ، أو الوجوب ؟

فنقول :

إن كان فعل الفلسفة ليس شيئا أكثر من :

النظر فى المجودات ،

واعتبارها من جهة دلالتها على الصانع

أعنى من جهة أنها مصنوعات

فإن الموجودات إنما تدل على الصانع لمعرفة صنعتها

وأنه كلما كانت المعرفة بصنعتها أتم ..

كانت المعرفة بالصانع أتم

وكان الشرع قد ندب إلى اعتبار الموجودات وحث على ذلك

فبين أن ما يدل عليه هذا الاسم(يقصد الفلسفة والمنطق)

إما واجب بالشرع ، وإما مندوب إليه .

فأما أن الشرع دعا إلى اعتبار المجودات بالعقل

وتطلب معرفتها

فذلك بين فى غير ما آية من كتاب الله تبارك وتعالى

مثل قوله تعالى :(فاعتبرو يا أولى الأبصار)

وهذا نص على وجوب استعمال القياس العقلى ،

أو العقلى والشرعى معا )


المصطلح فى النص الفلسفى


المصطلح عبارة عن لفظ (مكون من كلمة أو أكثر) يتعارف عليه أهل كل علم لكى يشيروا به – اختصارا – إلى معنى أو مجموعة معان متقاربة. وقد يكون لفظا مختارًا من كلمات اللغة، كما قد يكون منحوتًا بواسطة العلماء أنفسهم. وكما يوجد المصطلح فى العلوم الإنسانية يوجد فى كل من العلوم التجريبية والرياضية. وكما يكون فى مجال العلم يوجد فى كل المهن والحرف تقريبًا . والمطلح دائما عبارة عن اسم، أى ليس فعلاً ولا أداة. وكلما كان يعبرعن معنى محدود كان أفضل من تعبيره عن معنى واسع، أو أكثر من معنى. وأحيانا يتبعه وصف لكى يزيد من تحديده مثل (الجوهر الفرد) الذى هو أصغر جزء من المادة، وهو الجزء الذى لا يمكن تجزئته لأصغر منه. ولدى المعتزلة مصطلح (الأعيان الثابتة فى العدم) وهو يحتوى على ثلاث كلمات وأداة. لكن هذا وأمثاله ليس مطردا فى الفلسفة الإسلامية. والهدف الرئيسى من المصطلح هو استحضار المعانى المتعددة بلفظة واحدة، كما أن استعماله يؤدى إلى الاختصار فى الوقت والمجهود، فبدلاً من أن يجرى شرح المعنى المقصود وتفسيره فى كل مرة يستخدم المصطلح للإمساك به مباشرة. ومن المقرر أن وجود المصطلحات فى علم من العلوم يدل على نضجه ووصوله إلى حد كبير من التأصيل.


وقد اهتم علماء المسلمين بالمصطلح اهتمامًا بالغا ، حتى أنهم أفردوه بالتأليف، لكى يبدأ به المتعلمون. والواقع أنه كلما وقف المتعلم على مصطلحات العلم سهل عليه استيعابه والتمكن منه.


وبالنسبة إلى المصطلح الفلسفى الإسلامى كان الصوفية أكثر الطوائف اهتمامًا به. فقد كتبوا فيه مؤلفات خاصة جامعة، من أشهرها (اصطلاحات الصوفية للكاشانى) بل ان ابن عربى وضع لمؤلفاته العديدة رسالة خاصة بمصطلحاته هو. وقد كان هذا راجعا إلى أن التصوف قد جرى فهمه – وما زال – بصورة غير صحيحة فحاول أصحابه أن يضعوا لمصطلحاته تعريفاتها المحددة لكى لا يساء فهمها، لكننا نجد لدى الجرجانى كتابًا رائعًا بعنوان (التعريفات) يضم كل مصطلحات العلوم العربية والإسلامية تقريبًا. وقد أطلق على المصطلح لقب التعريف، أى المعنى الخاص الذى يحدده فى كل علم من العلوم.


وفى رأيى أن الوقوف على المصطلح فى مؤلفات المسلمين ذوى الاستلهام اليونانى من أهم ما يوضح غموض ما تركوه لنا. ومن أمثلة ذلك مصطلحات مثل (الهيولى. المادة. الصورة0 العقل الفعال. العقل المستفاد. الجوهر العرض.. إلخ) . ِلذلك فإننى أدعو ، قبل دراسة هذا المجال من الفلسفة الإسلامية ، أن يلم الباحث بمصطلحاته إلماما جيدا ، لأنه حينئذ سيكون متمكنا من فهم الأفكار والآراء ،ويمكنه بسهولة أن يعرف الأصيل فيها من الوافد .


أما علم الكلام ، فالمصطلحات فيه ما زالت متناثرة ، وغير محددة ، ولامجموعة فى معاجم أو حتى قوائم ، ولعل هذا ما يضفى على نصوصه سمةالغموض وعدم التحديد . ويكفى أن نشير هنا إلى أن الخلط فى المصطلح لدى علماء الكلام كان أحد أسباب وقوعهم فى خلاف عنيف حين ناقشوا مسألة خلق القرآن ، حيث ذهب فريق منهم إلى عدم التمييز الدقيق بين كلام الله باعتباره صفة إلهية ، وبين القرآن باعتباره كلاما منزلا ، أى حادثا .


ولا بد من الإشارة إلى أحد مجالات الفلسفة الإسلامية ، وهو

آداب البحث والمناظرة ، الذى يكاد يتكون كله من مجمعة


مصطلحات.ويمكن أن ترجع قلة المؤلفات فى هذا المجال الهام إلى أن أصحابه اكتفوا بالمؤلفات التى قدمته من خلال المصطلحات فقط . وهنا نقطة جديرة بالاعتبار وهى أن المصطلح الجيد يوفر على الباحثين فى مجال معين كثرة الكلام والجدل والخلافات حول مشكلات لفظية لا حلول لها .


علم الأخلاق أيضا به الكثير من المصطلحات ، لكنه ما زال

بحاجة إلى وضع مصطلحات جديدة تتمشى مع المستجدات ، وبلورة مصطلحات قديمة ، حتى يتخلص من العمومية ، والإطالة اللتين تكادان تبعدانه عن نطاق العلم المحدد . والسبب هنا واضح ، وهو أن هذا العلم يتصل اتصالا وثيقا بكل من الوعظ والقصص الذى يقوم به كل على هواه ويستمد من ثقافته الخاصة ، ويعمل فى معظم الأحيان على إرضاء الجماهير دون أى اهتمام بالتوثيق .


مشكلة الترجمة فى النص الفلسفى :


من المعروف أن الفلسفة تتعدد مجالاتها. وبعض هذه المجالات تابع بصورة طبيعية من المصادر الإسلامية، أو من الحياة الجارية فى المجتمعات الإسلامية. لكن بعضها الأخر كان مستوردا من الثقافات لدى شعوب العالم القديم كاليونان ، والفرس، والصينين، والهنود. وقد كانت الترجمه هى أهم وسائل نقل تراث الأمم السابقة إلى المسلمين الذين أقبلوا بصفة خاصة عليها من أمتين هما : اليونان والفرس.


وكانت الترجمة من الفارسية أكثر سهولة لأن أعدادا كبيرة من الفرس أسلموا، وتعلموا اللغة العربية، بل وأجادوها اجادة تفوقوا بها على العرب أنفسهم (مثال : ابن المقفع) وأما الترجمة من اليونانية فقد تطلبت جهدًا أكبر، حيث سافرمبعوثون من المسلمين (وبعضهم من النصارى) لكى يجلبوا ما يرونه مناسبة للترجمة، ويتعلموا فى نفس الوقت اللغة اليونانية (مثال : ثابت بن مرة) ، كذلك تم النقل من اليونانية إلى العربية عن طريق وسيط آخر، هم السريان الذين وجدت فى أديرتهم الكثير من المؤلفات اليونانية المترجمة سلفًا إلى السريانية.


وقد برزت الترجمة من اليونانية بصفة خاصة فى المؤلفات الفلسفية لدى المسلمين، ومن أعلامها (حنين بن اسحاق، والفارابى) ومما يلاحظ على ترجمة النصوص الفلسفية، وخاصة فى مراحلها الأولى عدة أمور :


أولاً : أن بعض الترجمات كانت حرفية، وغير متمشية تمامًا مع الأساليب العربية المبينة. ولذلك جاءت صعبة الفهم، ولم تنتشر قراءتها على نطاق واسع. ومن أبرز الأمثلة على ذلك ترجمة حنين ابن اسحاق لكتاب الأخلاق لأرسطو.


ثانيًا : أن الفلاسفة المسلمين وقعوا فى خطأ فادح، دفعهم فيه المترجمون السريان الذين وجدوا فى أديرتهم كتابًا لأفلوطين (الفيلسوف المصرى، وصاحب فلسفة الأفلاطونية المحدثة) منسوبًا لأرسطو. ونتيجة عدم تثبتهم من حقيقة نسبته، راحوا يدرسونه على أنه لأرسطو، مع أن ما فيه يتناقض تمامًا مع مذهبه.


ثالثًا : وهنا إيجابية لابد أن تذكر للمترجمين الأوائل، وهى اجادتهم لترجمة المصطلح الفلسفى اليونانى بصورة دقيقة للغاية. وقد تجلى ذلك بصفة خاصة فى مصطلحات علم المنطق العديدة التى تعبر فى اللغة العربية عن نفس معناها فى اللغة اليونانية، ومن أمثلة ذلك مصطلحات (التصور – التصديق – القضية – السلب – الايجاب – الأشكال الأربعة – التضاد – التناقض – التطابق ... الخ) .


رابعًا : أن الترجمات المتاحة تميزت بمزيد من تحرير نصوصها باللغة العربية وإن ظل بعضها غير معزو لأصحابه، أو للمؤلفات المنقول منها. والمثال على ذلك كتاب جيد للمبشرين فاتك بعنوان (مختار الحكم) جمع فيه حشدًا هائلاً من الحكم والأقوال الفلسفية اليونانية دون ذكر مصادرها، لكنها منقولة بلغة عربية سليمة جدا.


خامسًا : ومن أعجب ما ينبغى ذكره على هامش الترجمة ، ما قام به ابن رشد (ت 595هـ) الذى لم يكن يعرف اللغة اليونانية، من شرح مؤلفات أرسطو بثلاث مستويات من الشروح : (أكبر ، أوسط ، أصغر) نتيجة مقابلته الدقيقة بين كل ما ترجمه السابقون عليه، ثم استخلاص المعنى المقصود منه، والقيام بعد ذلك بتحريره باللغة العربية. ومن المدهش أن هذه الشروح تكاد تتطابق تماما مع مؤلفات أرسطو اليونانية، حين تم العثور عليها ونشرت محققة فى تفكيك النص وتركيبه :


أ-تفكيك النص :

تقدم البنيوية Structralisme فائدة كبيرة فى مجال تحليل النص الفلسفى، حيث يمكن الاستعانة بأسلوبها فى تفكيك النص الفلسفى، ثم فى اعادة تركيبه بلغة معاصرة . وسوف أحاول تطبيقها هنا – لأول مرة – فى هذا المجال ، راجيا بالطبع أن تكون هذه المحاولة فاتحة لدراسات أعمق وأوسع من شباب الباحثين.


إن تفكيك النص يعنى ببساطة استخراج كل عناصره الرئيسية والفرعية. وإذا كانت الأسماء هى البنى أو الكتل الأساسية للغة ، فإن أول ما ينبغى الاهتمام به هو الأسماء المذكورة فى النص. كم عددها؟ وما مدى تكرارها؟ وماذا يقصد بها؟ والمجال الذى تنتمى إليه؟ والهدف من ذكرها؟ ثم تأتى الأفعال التى تحدد الزمن الذى تنمو فيه الأسماء وتتحرك . هل هو الماضى أم الحاضر أم المستقبل؟ وإذا كانت فى الماضى : هل يستند المؤلف إلى مصادر أم يتحدث هكذا بدون مصادر؟ أما إذا كان فى الحاضر، فهل يرصد المؤلف بنفسه، أم يستعين بغيره؟ وأخيرًا إذا كان فى المستقبل: فهل هذه تنبؤات من المؤلف ، أو توصيات أو رؤى قابله للتحقق ؟


وأخيرًا يأتى دور الأدوات التى تربط بين الأسماء والأفعال : هل هى مستخدمة بدقة أم بتجاوز؟ وهل تحدد الاتجاهات أم تتركها غائمة؟ ثم هل هى تقرير أم استفهام أم دهشة وتعجب؟


إن تفكيك النص الفلسفى بهذه الطريقة هو الذى يؤدى بالباحث المعاصر إلى التمكن منه، والوقوف على مضمونه، ومعرفة الهدف منه. وعلى هذا الأساس يمكنه بعد ذلك أن يضعه فى المكان المناسب من عمله العلمى. وذلك بدلاً مما يجرى حاليا من اقتطاع جملة من النص، ويبنى رأى المؤلف عليها وحدها. والمهم هنا هو أن النص لا يقصد به مجرد فقرة، فقد يكون مكونا من عدة فقرات، وربما جاء فى بعض عباراتها ما يخالف العبارة التى اقتطفها الباحث، بل ربما يكون صاحب النص قد استشهد بها من مؤلفين سابقين عليه ، أو معاصرين له. وهنا تقع الكثير من الأخطاء المتداولة، نتيجة عدم الفحص الداخلى الدقيق والشامل للنصوص.


ثم تأتى المرحلة التالية لتحديد الأسماء والأفعال والأدوات وهى النقول التى اعتمد عليها مؤلف النص : هل هى نصوص دينيه، أم فلسفية؟ وهل يعزوها لأصحابها أم يذكرها مطلقة بدون تحديد؟ وهل يذكر النقول لتأكيد ما يقدمه أم لتوضيحه فقط ؟ وما مدى غلبة جانب النقل على جانب الابداع والعكس؟ وهل يعتمد فى النقل على مصدر واحد أو عدة مصادر؟ وما هو الاتجاه العام لهذه المصادر تبعًا لمذاهب مؤلفيها؟


إن هذه المرحلة هى التى تبين مدى أصالة مؤلف النص من عدمها، وهى التى تضفى على النص نفسه أهميته الخاصة، من حيث اضافته للمعرفة الإنسانية شيئًا جديدًا، أو أنه مجرد انعكاس لها، أو تعليق عليها.


ومما أذكره هنا أن رسالتى للدكتوراه الدولة فى جامعة السوربون التى اجيزت سنة 1981، كانت حول هذا الموضوع بالتحديد، وكان عنوانه :


La structure logique de l oevre de Tirmidhi

 

(البناء المنطقى لأعمال الحكيم الترمذى) وقد خلصت فيها إلى تصنيف متكامل لهذه الأعمال، بعد دراستها على أساس المنهج البنيوى الذى ذكرته هنا.


بــ ـــ إعادة تركيب النص

بعد القيام بتفكيك النص فى مرحلتيْه السابقتين، يصبح من السهل على الباحث المعاصر أن يعيد صياغته بأسلوب عربى حديث، متجنبا الأساليب الغريبة ، والقديمة التى لم تعد تستعمل فى عصرنا الحاضر، وسوف تكون فى خدمته كل العناصر الجزئية التى ظهرت له من تفكيك النص إلى أبسط عناصره الرئيسية والفرعية، وكذلك ما يتضمنه من نقول، أو ما يتميز به من أصاله.


وهنا يتميز الباحثون فى أمرين . الأول القيام بعملية التفكيك على نحو دقيق، وهذا يتطلب صبرًا ومثابرة ودقة ملاحظة، والثانى التمكن من استخدام أساليب اللغة العربية ومفرداتها استخداما صحيحا، وواضحا . وكلما كان الباحث المعاصر أميل إلى الاختصار والتركيز جاء عمله أكثر جودة من نظيره الذى يؤثر الإطالة والاستطراد.


وهكذا يبدو الفارق واضحًا بين قراءة النص الفلسفى قراءة سريعة أو حتى متأنية، وبين تحليل عناصره الرئيسية والجزئية تمهيدًا لإعادة تركيبها – أى كتابتها على نحو عصرى. وبدون ذلك تظل المسافة شاسعة بين النصوص الفلسفية القديمة، والتى يرجع بعضها لأكثر من ألف عام وبين عقلية المعاصرين التى تسعى إلى الفهم والاستيعاب واستخلاص النتائج الأخيرة لنظريات الفلسفة القديمة.


النص الفلسفى بين الإطالة والاختصار:


يمكن القول بأن جهود مفكرى الإسلام فى الفلسفة الإسلامية لم يقتصر فحسب على شرح وبسط نظرياتها ومذاهبها، وإنما شملت أيضا التأريخ لها، ولأعلامها، كما وضعت بعض المؤلفات الهامة فى جمع مصطلحاتها ، والتعريف المختصر لكل منها. وهذا معناه أن النص الفلسفى لم يوجد هكذا معلقا وحده فى الفضاء ـــ بل هناك من العوامل التى تساعد على تناوله فى عدة مصادر وبيان ما فيه من أوجه الغموض أو القصور.


لكن طبيعة المفكرين أنفسهم تتفاوت من واحد لآخر فالبعض يميل إلى الإطالة والشرح وإعادة الشرح، وقد يتخلل ذلك استطراد هنا واستطراد هناك. وهذا ما يجعل انتاجه يطول ويتسع ويكاد يبلغ آلاف الصفحات. والبعض الآخر قد يميل إلى الاختصار والتركيز، معتمدًا فى ذلك على ذكاء القارئ، ولهذا جاءت مؤلفاته عبارة عن مسائل قليلة الصفحات.


والمثال الواضح على كلا النوعين يتمثل فى ابن عربى

(ت 638هـ) الذى تفوق مؤلفاته الحصر، وكتابة الفتوحات المكية، يبلغ وحده ما يقارب ثمانية ألاف صفحة. وفى المقابل منه هناك النفرى (ت354) الذى ترك لك كتابًا صغير الحجم، ولكنه ملىء بالمعانى الكثيرة التى لو أراد هو نفسه شرحها لبلغت ما بلغه كتاب الفتوحات( أنظر : المواقف والمخاطبات ) .


وإذا كانت الإطالة ترجع إلى أسباب أخرى غير طبيعة الكاتب نفسه، فيمكن أن نعد من بينها : الرغبة فى التعليم، والحرص على عدم سوء الفهم، وإظهار اتساع الثقافة وتنوع آفاقها . لكن هذه الإطالة تلقى على الباحث المعاصر مسئولية مضاعفة تتمثل فى ضرورة (الاختصار) : اختصار تلك الصفحات العديدة فى سطور قليلة، واستخراج المضمون منها دون متابعة الكاتب فى استطراداته، أو انطباعاته الشخصية.


أن الفلسفة تتكون من مذاهب، والمذاهب من نظريات، والنظريات من آراء . والمفترض أن يمضى التسلسل فيها على العكس من ذلك أى من الأضيق إلى الأوسع. ولو أننا تتبعنا كبار الفلاسفة العالمين لوجدنا أن مذاهبهم قد عرضت بصورة دقيقة وواضحة. والقليل منهم – نيتشه مثلا الذى كتب كثيرا ـــ لم يفهم بصوره كاملة حتى الآن، بخلاف فيلسوف مثل ديكارت وكانط، واسبينوزا، الذين تقدم مؤلفاتهم خلاصة مذاهبهم دون اختصار مخل، أو تطويل ممل.


لكن هناك من يتغلب على الإطالة بتعدد موضوعات فكرة الفلسفى. وهذا واضح لدينا فى (رسائل إخوان الصفا) التى تبلغ (51) رسالة ، تتناول كل منها موضوعًا محددًا. وينتهى غالبا بتشويق القارئ إلى الرسالة التاليه إليها عن طريق الإشارة إلى موضوع يهمه، ويكون موضع اعتباره.


وهناك من الفلاسفة الذين تميزوا بالتركيز الجيد كل من العامرى (ت 381 ) وابن رشد (ت 595) فقد كتب الأول (الإعلام بمناقب الإسلام) الذى يدخل فى مجال مقارنة الأديان، وكتب الثانى (فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال) فيما لا يزيد عن ثلاثين صفحة، تحسم الخلاف الطويل فى هذا الموضوع.


أن تضخم المؤلفات فى علم من العلوم لا يعد – فى رأيى – دليلاً على انتاجية هذا العلم، بل على العكس ربما كانت كثرة الكتابة فيه دليلا على عدم فعاليته. ويكفى أن أشير هنا إلى علم أصول الفقه الذى وردت منه عدة مؤلفات ضخمة لكبار علمائنا الأفاضل، ولم تستطع – مع الأسف – أن تخرج لنا (الفقيه – المجتهد) الذى وضع هذا العلم أساسا لتخريجه .

 


قائمة بأهم المصادر والمراجع :


· إخوان الصفا ، الرسائل ، ط. القاهرة 1928

· الإيجى ، المواقف

· برجستراسر ، أصول نقد النصوص ونشر االكتب

أعداد د. محمد البكرى 1969

· التهانوى ، كشاف اصطلاحات الفنون

تحقيق د. لطفى عبد البديع القاهرة 1963 .

· الجرجانى

التعريفات ، المطبعة الوهبية . القاهرة 1283ه

· الجليند(د.محمد السيد)

قضية الألوهية بين الفلسفة والدين

الكتبة الأزهرية للتراث 2008

· حامد طاهر (د.)

ـــ دليل عملى لطلاب الدراسات العليا،

سلسلة دراسات عربية وإسلامية ، ج 13 .

ـــ اللغة والفكر ، دراسات عربية وإسلامية ، ج 42

ـــ المضمون الأخلاقى فى كتاب كليلة ودمنة

سلسلة دراسات عربية وإسلامية ، ج 20

ـــ منهج التعامل مع النصوص التراثيىة ،

سلسلة دراسات عربية وإسلامية ، ج 38

· الحكيم الترمذى ، كتاب الفروق

تحقيق د. محمد الجيوشى القاهرة 1998 .

· الخوارزمي ، مفاتيح العلوم .ط. ثانية

مكتبة الكليات الأزهرية 1981 .

· عبد السلام هارون ، تحقيق النصوص ونشرها

ط. ثانية ، مؤسسة الحلبى 1965 .

· ابن سبعين ، الرسائل . تحقيق د.عبد الرحمن بدوى

الدار المصريى للنشر القاهرة 1965 .

· ابن سينا ، الإشارات والتنبيهات

تحقيق د. سليمان دنيا . دار المعارف 1986

· السيوطى ، مقاليد العلوم فى الحدود والرسوم

تحقيق د.محمد عبادة ، مكتبة الآداب 2004 .

· ابن عربى

ـــ روح القدس فى مناصحة النفس

تحقيق د. حامد طاهر هيئة الكتاب ، القاهرة 2005.

ـــ مختصر الدرة الفاخرة فىم انتفعت بهم فى طريق الآخرة

تحقيق د. حامد طاهر ، دار الهانى 2008 .

· محمود قاسم (د.) نصوص مختارة من الفلسفة الإسلامية

كمكتبة الأنجلو 1969 .

· المصطلح الفلسفى عند العرب ( كتاب مجمع )

من إعداد د.عبد الأمير الأعسر ، ويشتمل على :

ـــ الحدود لجابر بن حيان

ـــ الحدود والرسوم للكندى

ـــ الحدود الفلسفية للخوارزمى

ـــ الحدود لابن سينا

ـــ الحدود الفلسفية للغزالى

ـــ المبين للآمدى

 


مراجع بالفرنسية :

· Andre Jacob

Introduction a la philosophie du langage

Paris 1976

· Noel mouloud

Langage et satructuralisme

Paris 1969

· Jean plaget

La structuralisme

Paris 1974



 

التعليقات (0)Add Comment

أضف تعليق
تصغير | تكبير

busy
آخر تحديث الأحد, 18 أكتوبر 2015 22:22