عداد الزائرين

mod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_counter

إضافات حديثة

   
 
نظرية العدل عند الجبرتى صيغة PDF طباعة أرسل لصديقك
كتبها Administrator   
الأربعاء, 25 فبراير 2015 18:28

نظرية العدل عند الجبرتى



أ.د. حامد طاهر



لم يركز الباحثون كثيرا على الفكر السياسى للجبرتى كما ركزوا على تاريخه الهام ــ وهو بالفعل يستحق كل الاهتمام ــ والذى انفرد به ، من بين كل المؤرخين السابقين عليه بتسجيل هموم الشعب أكثر من احوال الحكام . وقد غطى تاريخه الفترة التى شهدت أهم حدثين وقعا فى نهاية القرن 18 وبداية القرن 19 وكان لهما اثرهما الواضح على مسيرة الشعب المصرى والمنطقة المحيطة به ، وهما : الحملة الفرنسية التى استمرت ثلاث سنوات ، وصعود محمد على الى السلطة الذى استمر 43 سنة ، ولأحفاده من بعده 106 اعوام .

 


وقد لاحظت ان الباحثين لا يتوقفون طويلا عند حياة الجبرتى وافكاره ، مع انها موضع اعتبار وغاية فى العمق . فالرجل عالم ازهرى ، تكون وتخرج فى ذلك الجامع العريق ، الذى وفد اليه جده من قرية ( جبرت) باريتريا ، ثم الحق ابنه به حتى اصبح من علما ئه ، وعلى دربهما سار الحفيد عبد الرحمن ، الذى ورث عن والده شبكة علاقات واسعة ، وثروة طيبة . لكنه تميز عن الازهريين من اساتذته وزملائه بحب التاريخ وجمع مواده ، سواء من المؤلفات التى لم تكن متوافرة فى عصره ، او من فوق شواهد القبور التى لم تنمح منها تواريخ الوفاة ! وهذا وذاك بالاضافة الى مشاهداته الشخصية ورؤيته المباشرة .

 


اما حياته العلمية فقد توزعت بين : رصد ذكى وواع لكل الاحداث التى وقعت فى عصره ، وتسجيل امين وواضح لها فى لغة بسيطة يفهمها جميع الناس. وبهذا كله اصبح الجبرتى واحدا من اكبر واشهر مؤرخى العرب والمصريين.

 


واما حياته الشخصية فيوجد بها حدثان مهمان ، وهما يتصلان ببعضهما . الاول حين اراد محمد على ان يدفعه ليكتب عنه تاريخا يمجده فيه ويشيد بمآثره ، لكن الجبرتى رفض هذا الطلب مرتين ، والواقع انه كان غير راض عن سياسة محمد على الاستبدادىة والقمعية التى بدأت بمذبحة القالعة وكذلك نفى كبار علماء الازهر الذين ساعدوه فى تولى الحكم الى الواحات !ّ ثم الاهم من ذلك : انشقاقه عن الدولة العثمانية التى كانت تعد حتى ذلك الوقت رمزا لوحدة المسلمين وحاملة لراية الخلافة الاسلامية . وهنا يبرز الحدث الثانى ، حين قتل ابن الجبرتى (خليل) فى حادث غامض ، يقال انه كان من تدبير محمد على ، مما جعل المؤرخ الكبير يشعر بالماساة ويعتزل المجتمع ويمضغ احزانه فى صمت لمدة ثلاث سنوات ، يتوفى على اثرها سنة (1240ــ1825 ).

 


وقد ترك الجبرتى لنا ، ولكل الاجيال ، عملين جليلين هما : تاريخه المسمى : ( عجائب الآثار فى التراجم والاخبار ) و( مظهر التقديس بذهاب دولة الفرنسيس) وكلاهما كنز من المعلومات التاريخية الهامة عن حياة مصر والمصريين فى فترة مفصلية كانت تتأهب فيها لتنتقل من مرحلة الى مرحلة مغايرة لها تماما .

 


ولا بد من الاعتراف ان هذا البحث الذى اخصصه لنظرية العدل عند الجبرتى انما تبلور لدى من قراءتى المتكررة لمقدمة تاريخ الجبرتى ، والتى تقع فى حوالى عشرين صفحة من القطع الكبير . وفيها تحدث عن سبب تاليفه ، وشكا من ندرة المراجع وصعوبة الحصول على المعلومات، كما انتقد انصراف معاصريه عن علم التاريخ ، وعدم ادراكهم للفوائد التى يمكن ان تستخلص منه .

 


لكن الذى لم يتحدث عنه بشكل صريح انما تمثل فى : ادانته غير المباشرة للظلم وتمجيده لفكرة العدل : التى هى اساس الملك . وكما ادار ابن خلدون مقدمته الشهيرة على اساس فكرة العصبية ، ادار الجبرتى مقدمته كلها حول فكرة العدل . فماذا كان يقصد من ذلك او بذلك ؟ ــ لا شك عندى انه كان يقصد نظام الحكم الفردى المستبد الذى ارساه محمد على فى مصر، والذى غابت منه كل مظاهر الشورى والمعارضة .

 


ومما لاحظته بوضوح ان الجبرتى ــ العالم الازهرى الذى درس القرآن والسنة والفقه والتاريخ الاسلامى ، والذى شارك فى ديوان الشورى الذى انشأه نابليون فى مصر ــ كان حانقا على القرارت الفردية التى يتخذها الباشا وحده او بمعونة بعض مستشاريه الاجانب ، فضلا عن احاطة نظامه بجيش قوى ، راح يقوم بمغامرات فى الخارج ، بينما الشعب المسكين يعانى من الفقر والمرض والجهل فى الداخل .

 


لماذا نظرية وليست فكرة ؟


لاننى وجدت ان فكرة العدل عند الجبرتى تقوم على اساس فكرة اخرى هى فكرة الاستخلاف ، كما انها تستتبع افكارا اخرى ، مثل المساواة ، واستقرار الدولة، وتحقيق الازدهار الاقتصادى والرفاه الاجتماعى ، وبالتالى الاستغناء عن تكاليف اسلحة القمع والحكم بالقوة ، لذلك فضلت ان اطلق عليها مصطلح ( نظرية ) وانا مطممئن لذلك تماما .

 


سبب آخر ، هو ان الفت انظار دارسى الفلسفة الاسلامية الى اهمية ان تاخذ هذه النظرىة المتماسكة لدى الجبرتى مكانها اللائق بها بين النظريات السياسية فى الفكر الاسلامى ، وان يوضع الجبرتى جنبا الى جنب مع الفارابى ، والماوردى ، وابن خلدون .

 


يصدر الجبرتى فى فكرته عن العدل من منطلق قرآتى خالص , فتراه لا يلجا - مثلا - إلى المقولات الوضعية لدى الفلاسفه السابقين من أمثال أفلاطون وأرسطو وجان جاك روسو , والتى تقرر ان الأنسان مدنى بالطبع , وإنمايقول : " اعلم ان الله تعالى لما خلق الارض ودحاها ، وأخرج منها ماءها ومرعاها , وبث فيها من كل دابة ، وقدر أقواتها ، أحوج بعض الناس الى بعض فى ترتيب معايشهم ومآكلهم ، وتحصيل ملابسهم ومساكنهم لأنهم ليسوا كسائر الحيوانات ، التى تحصل ما تحتاج إليه بغير صنعه "(مقدمة الجبرتى 12) .

 


وحاجة الناس بعضم إلى بعض ترجع إلى أن الله تعالى خلق الإنسان ضعيفا ، لا يستقل وحده بأمر معاشه : لاحتياجه إلى غذاء ومسكن ولباس وسلاح ، فجعلهم الله تعالى يتعاضدون ويتعاونون فى تحصيلها وترتيبها ، بأن يزرع هذا لذاك ، ويخبز ذاك لهذا ، وعلى هذا القياس تتم سائر أمورهم ومصالحهم .( م.ج.12)

ولأن هؤلاء الناس قد ركز فى نفوسهم الظلم والعدل ، فقد مست الحاحة بينهم إلى سائس عادل ، وملك عالم ، يصنع بينهم ميزانا للعدالة ، وقانوناً للسياسة توزن به حركاتهم وسكفاتهم ، وترجع إليه طاعاتهم ومعاملاتهم ، فأنزل الله كتابه بالحق ، وميزانه بالعدل ، كما قال تعالى ( الله الذى أنزل الكتاب بالحق والميزان ) (سورة الشورى آيه 17) وقد قال علماء التفسير : المراد بالكتاب والميزان : العلم والعدل .

 

 


وقد جعل الله تعالى هذا الأمر له مباشرة ، ومن غير واسطة , تم استخلف فى الأرض من الآدميين خلائف ( خلفاء ) ووضع فى قلوبهم العلم العدل ، ليحكموا بهما بين الناس ، حتى يصدر تدبيرهم عن دين مشروع ، وتجتمع كلمتهم على رأى متبوع ، لأنهم لو تنازعوا فى وضع الشريعة لفسد نظامهم ، واختل معاشهم . (م.ج.13) .

 


وهنا لا بد من التوقف عند معنى الخلافه الذى يعنى فقط ، وكما هو مشهور ، أن ينوب أحد مناب أحد فى التصرف ، لكن الأصل أن يقف على حدود المستخلف (بكسر اللام ) فى أوامره ونواهيه . وهذا يقتضى ألا يتصرف المستخلف أو الخليفة تبعا لهواه ، أو قوانينه الخاصة ، أو مصلحتة الشخصية ، أو مجاملته لأقاربه ومعارفه ، وإنما عليه أن يراعى شروط هذا الاستخلاف وضوابطه . ومدار ذلك كله على تحقيق العدل .

 


يقول الجبرتى : وأما معنى العداله فهى خلق فى النفس أو صفة فى الذات تقتضى المساواة ، لأنها أكمل الفضائل ، لشمول أثرها ، وعموم منفعتها كل شئ . ويشرح الجبرتى معنى خلافه الانسان عن الله تعالى فى الارض من خلال تحديد معنى الخلافه عموما : بأن ينوب أحد مناب أخر فى التصرف واقفا على حدود أوامره ونواهية .

 


وإنما يسمى الانسان عادلآ لما وهبه الله قسطاً من عدله ، وجعله سببا وواسطة لإيصال فيض فضله ، واستخلفه فى أرضه بهذه الصفة ، حتى يحكم بين الناس بالحق والعدل . كما قال تعالى ( يا داود إنا جعلناك خليفة فى الأرض فاحكم بين الناس بالحق ( سورة ص، أية26 ) . وخلائف الله هم القائمون بالقسط والعدالة فى طريق الاستقامة ، ( ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه ) ( سورة الطلاق ،الآية الاولى ) .

 


والعدالة تابعة للعلم بأوساط الأمور ، المعبر عنها فى الشريعة بالصراط المستقيم . ويلاحظ أن الجبرتى هنا لا يستخدم تعريف الفضيلة لدى أرسطو القائل بأنها وسط بين طرفين ، وإنما يستشهد بقوله تعالى ( ان ربى على صراط مستقيم ) ( سورة هود ، الأية56 ) اشارة إلى أن العدالة الحقيقية ليست إلا لله تعالى ، فهو العادل الحقيقى ، الذى لا يعزب عنه مثقال ذرة فى الأرض ولا فى السماء ، ووضع كل شئ على مقتضى علمه الكامل، وعدله الشامل ، وقوله ، صلى الله عليه وسلم: بالعدل قامت السماوات والأرض " إشارة إلى عدل الله تعالى الذى جعل لكل شئ قدرا ، لو فرض فارص زائدآعليه أو ناقصا عته لم ينتظم الوجود على هذا النظام بهذا التمام والكمال .

 

 


وهكذا يرى الجبرتى ويؤكد أن الله تعالى قد خلق الإنسان ولم يجعله مستقلا بنفسه، بل أحوج بعض الناس إلى بعض لتستقيم شئون معاشهم ، ثم وضع لهم ميزان الحق والعدل لينظموا بها أمور حياتهم . وهذا النظام البشرى الذى ينتظم بالحق والعدل يرتفع فوقه نظام كونى أكبر خلقه الله تعالى وقدره ونظمه أيضا بالحق والعدل .

 


إن جوهر نظرية الجبرتى فى فلسفة التاريخ تتمحور حول : العدل . فهو الذى تستقيم به حياة الإنسان ، ونظام المجتمع . وهنا يبرز سؤال هام : من الذى يعدل بين الناس ويطبق عليهم قيمة العدل ؟

 


يعتمد الجبرتى أيضا على القرآن الكريم ، الذى يقرر أن الله تعالى قد رفع بعض الناس على بعض . يقول ( وهو الذى جعلكم خلائف الأرض ، ورفع بعضكم على بعض درجات ) ( سورة الأنعام ، أية 160 ) . وهنا يقوم الجبرتى بعملية ترتيب لأصناف الناس الذين يتدرجون - من حيث وظيفتهم - ليقوموا بتبصير الجميع بقيمة العدل ، وتطبيقه فى حياتهم .

 


وهولاء هم :

1- الأنبياء

2- العلماء

3- الملوك وولاة الأمور

4- أوساط الناس

5- القائمون بسياسة نفوسهم

 


وفيما يلى توصيف مختصر لكل صنف ، تبعا لما ذكره الجبرتى :


1- الأنبياء ، عليهم الصلاة والسلام ، فهم أدلاء الأمة ، وعمد الدين، ومعادن حكم الكتاب ، وأمناء الله فى خلقه . وهم السرج المنيرة على سبيل الهدى ، وحملة الأمانة عن الله إلى خلقه بالهداية . بعثهم الله رسلاً إلى قومهم ، وأنزل معهم الكتاب والميزان ، ولا يتعدون حدود ما أنزل الله إليهم من الأوامر والزواجر ، ارشادآ وهداية لهم حتي يقوم الناس بالقسط والحق ، ويخرجونهم من ظلمات الكفر والطغيان ، إلي نور اليقظة والإيمان . وهم سبب نجاتهم من دركات جهنم إلي درجات الجنان .

 


وميزان عدالة الأنبياء ، عليهم الصلاة والسام ، الدين المشروع ، الذي وصاهم الله بإقامته في قوله تعالي (شرع لكم من الدين ما وصي به نوحا ) (سورة الشوري ،أيه13 ) . فكل أمر من أمور الخلائف : دنيا وآخرة ، عاجلا وآجلا ، قولا وفعلا ، حركة وسكونا - جار علي نهج العدالة ، ما دام موزونا بهذا الميزان ، ومنحرف عنها بقدرانحرافه عنه . ولا تصح الإقامه بالعدالة الا بالعلم ،وهو اتباع أحكام الكتاب والسنة .

 


وخلاصة هذا النص الهام أن ميزان العدالة الحقيقي الذي ينظم حياة الناس - موجود في الشرائع الالهية التي انزلها الله تعالي علي أنبيائه ، وأن مفتاح هذا الميزان هو العلم بأوامر تلك الشرائع وزواجرها .

 

 


2-العلماء ، الذين هم ورثة الأنبياء . فهم فهموا مقامات القدرة من الأنبياء ،وإن لم يعطوا درجاتهم ، واقتدوا بهداهم ، واقتفوا آثارهم ،إذ هم أحباب الله وصفوته من خلقه ، ومشرق نور حكمته - فصدقوا بما آتوا به ، وساروا علي سبيلهم ، وأيدوا دعوتهم ، ونشروا حكمتهم : كشفا وفهما ، ذوتا وتحقيقا ، إيمانا وعلما، بكمال المتابعه لهم ظاهرا وباطنا ، فلا يزالون مواظبين علي تمهيد قواعد العدل ، وإظهار الحق برفع منار الشرع ، وإقامة أعلام الهدي والإسلام ، واحكام مباني التقوي ، برعاية الأحوط في الفتوي تزهدا للرخص ، لأنهم أمناء الله في العالم ، وخلاصة بني آدم ، مخلصون في مقام العبوديه ، مجتهدون في اتباع أحكام الشريعة ، من باب الحبيب لا يبرحون ، ومن خشية ربهم مشفقون . مقبلون علي الله تعالي بطهارة الأسرار ، وطائرون إليه بأجنحة العلم والأنوار . هم أبطال ميادين العظمة ، وبلابل بساتين العلم والمكالمة (اولئك هم الوارثون ، الذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون ) (سورة المؤمنون ، آية10) وتلذذوا بنعيم المشاهدة ، ولهم عند ربهم ما يشتهون .

 

 


هذه الأوصاف الرائعة لعلماء الدين ، التي يخلعها الجبرتي عليهم ، تكاد تجعلنا نحسب أنهم ملائكة ، أو أشباه ملائكة ، لكنه في الحقيقة إنما ينبههم إلي مسئوليتهم الضخمة التي يحملونها من أجل تحقيق العدل في حياة الناس ، ولن يتم ذلك إلا بشعورهم القوي أنهم ورثة الأنبياء ، والقائمون علي حفظ شرع الله، وبيانه للأفراد والمجتمعات . ولا شك أن وضع الجبرتي لهم في مقام تحت الأنبياء مباشرة ، وفوق الملوك والأمراء في تصنيف المراتب دليل واضح علي تحميلهم المسئولية الاجتماعيه والسياسية إلي جانب مسئوليتهم الدينية .

 


وينتهز الجبرتي فرصة مدحه الشديد للعلماء الصادقين المخلصين ليشير إلي بعض نقانص العلماء في عصره ، فيقول : " وما ظهر في هذا الزمان من الاختلال في حال البعض (من علماء الدين ) من حب المال والجاه والرياسة والمنصب ، والحسد والحقد - لايقدح في حال الجميع ،لأنه لا يخلو الزمان من محقهم ، وإن كثر المبطلون ، ولكنهم أخفياء مستورون تحت قباب الخمول " (م.0ج. 14) .

 

 


3- الملوك وولاة الأمور : وهنا أيضا كما في فقرة العلماء يغلب علي الجبرتي الطابع المعيارى في الوصف ، لكن لا ينبغي أن تحكم علي معياريته تلك بالمثاليه المفرطة ، لأنها إنما تضع النموذج المعياري الجميل لكي تدين قبح الواقع من حوله فهو يتحدث عن العلم بينما الجهل ضارب حوله من كل جانب ، ويتحدث عن العدل في حين أن الظلم منتشر في كل المجتمعات الإسلاميه . وعلي هذا نفهم أن تمجيده للعلم إنما يقصد به اداته المتشبهين بالعلماء وليسوا منهم ، وكذلك تمجيده للملوك العادلين إنما يقصد به أدانته الكاملة للملوك وأولي الأمر الظلمة ، الحريصين أشد الحرص علي تحقيق مصالحهم الشخصية ، واشباع رغياتهم الخاصة. وبالطبع الاسقاط هنا واضح على الحاكم فى عصره .

 

 


وهكذا يري الجبرتي أن الملوك وولاه الأمور(الحقيقيين) هم الذين يراعون العدل والانصاف بين الناس والرعايا ، توصلا إلي نظام المملكة ، وتوسلا إلي قوام السلطنة ، لسلامة الناس في أموالهم وأبنائهم ، وعمارة بلدانهم . ولولا قهرهم وسلطانهم لتسلط القوي علي الضعيف ، والدنىء علي الشريف .

 

 


فراس المملكة وأركانها ، وثبات أحوال الأمة وبنيانها : العدل والانصاف ، سواء كانت الدولة اسلاميه أو غير اسلاميه . فهما أس كل مملكة ، وبنيان كل سعادة ومكرمة ، فإن الله تعالي أمر بالعدل ، ولم يكتف به حتي أضاف إليه الإحسان (إن الله يأمر بالعدل والإحسان ) (سورة النحل ، أيه 90) .

 

 


ويؤكد الجبرتي أنه بالعدل يتحقق ثبات الاشياء ودوامها ، وبالجور والظلم خرابها وزوالها . فإن الطباع البشريه مجبولة علي حب الانتصاف من الخصوم ، وعدم الانصاف لهم والظلم . والجور كامن في النفوس ، لا يظهر إلا بالقدرة ، كما قال (المتنبي) :

 


والظلم من شيم النفوس فإن تجد ذا عفــــــة ، فــلعلة لا يظلـــــم

 


فلولا قانون السياسة وميزان العدالة ، لم يقدر مصل علي صلاته ، ولا عالم علي نشر علمه ، ولا تاجر علي سفره . ورحم الله عبد الله بن المبارك ، الذي قال :

لولا الخلافة ما قامت لنا سبل وكان أضعفنا نهبا لأقوانا

ويتساءل الجبرتي : ما حد الملك العادل ؟ فيقول - اعتمادا علي أقوال بعض الصوفية - هو من عدل بين العباد ، وتحذرمن الجور والفساد .

 

 


فمن عدل في حكمه ، وكف عن ظلمه ، نصره الحق ، وأطاعه الخلق ، وصفت له النعمي ، وآقبلت عليه الدنيا ، فتهنأ بالعيش ، واستغني عن الجيش ، وملك القلوب ، وأمن الحروب ، وصارت طاعته فرضا ، وظلت رعيته جندا ، لأن الله تعالي ما خلق شيئا أحلي مذاقا من العدل ، ولا أروح إلي القلوب من الانصاف ، ولا أمر من الجور ، ولا أشفع من الظلم . (م.ج. 16) .

 

 


وفي رأيي أن الجبرتي بهذه الكلمات القوية يستطيع أن يحتل مكانة متميزة للغاية بين اكبر فلاسفة السياسة الذين مجدوا قيمة العدل ، وأدانوا الظلم في مختلف صوره وممارساته ، ليس فقط على مستوى العالم الاسلامى ، ونما على مستوى العالم كله .

 


ويواصل الجبرتي بيان واجبات الملك وولاة الأمر بضرورة مراعاة العدل كما وردت أصوله وتعاليمه في القرآن الكريم والسنة النبوية . لأن الملك يتصرف في ملك الله وعباد الله بشريعه نبيه ورسوله ، نيابة عن تلك الحضرة ، ومستخلفا عن ذلك الجناب المقدس ، ولا يآمن من سطوات ربه وقهره ، ما يخالف أمره، فينبغي أن يحذر عن الجور والمخالفة ، والظلم والجهل ، فإنه أحوج الناس إلي معرفة العلم ،واتباع الكتاب والسنة ، وحفظ قانون الشرع والعدالة ، فإنه منتصف لمصالح العباد ، واصلاح البلاد ، وملتزم بفصل خصوماتهم ، وقطع النزاع بينهم ، وهو حامي الشريعة بالإسلام ، فلابد من معرفة أحكامهم ، والعلم بحلالها وحرامها ، ليتوصل بذلك إلي إبراء ذمته ، وضبط مملكته ، وحفظ رعيته ، فيجتمع له مصلحة دينه ودنياه ، وتمتلئ القلوب بمحبته والدعاء له ، فيكون ذلك أقوم لعمود ملكه ، وأدوم لبقائه ، وأبلغ الأشياء في حفظ المملكة : العدل ، والإنصاف علي الرعية .

 

 


ومن هذا النص ، يبدو الجبرتي أيضا حريصا علي بيان أن العدل هو أساس الاستخلاف ، وأن هذا الاستخلاف لا ينطبق تماما علي نظام الخلافة الذي عرفه المسلمون ، وتوارثة الأبناء عن الآباء بمجرد صلة الدم والقرابه ، وليس بالاستحقاق . وإنما هو الاستخلاف الإلهي لمن يصلح من البشر لقيادة مجتمعهم علي أساس شرائعه السماويه ، وهكذا يبدو من حديث الجبرتي عن الاستخلاف والخلافة انها استحقاق للأحق ، أي القادر علي تحمل ذلك التكليف الإلهي بتحقيق العدل والإنصاف بين الناس ، وليس بمجرد حمل لقب عن طريق الميراث ، وتنظيم بيعة لا يشارك فيها بحرية واختيار كامل كل أفراد المجتمع. ويبقي بعد أن يصبح الملك ملكا أن يحكم بالشريعة ، وهذا الحكم يتطلب معرفة الأحكام ، إذ كيف يحكم بين الناس ويفصل في خصوماتهم من لا يعلم الحلال والحرام ، ويميز بدقة بين الخطأ والصواب ؟!

 

 


وإذا كانت فكرة (الحاكم - العالم ) تذكرنا بفكرة كل من افلاطون والفارابي ، فإنها تصدر عند الجبرتي من تصور قرآتي خالص ، يبدأ من استخلاف الله تعالي للإنسان في الأرض ، ثم تكليفه بإقامة العدل بين رعاياه ، وتحقيق مصالحهم التي بها تنتظم شئون معاشهم ، وتكتمل الغاية من خلقهم .

 

 


ومن المأثورات التي يوردها الجبرتي لتأكيد قيمة العدل عند الحاكم : الأقوال التالية :

 


- قيل لحكيم : أيما أفضل العدل أم الشجاعة ؟ قال : من عدل استغني عن الشجاعة ، لأن العدل أقوي جيش وأهنأ عيش .

 


- وقال الفضيل بن عياض : النظر إلي وجه الإمام العادل عبادة . وإن المقسطين عند الله علي منابر من نور يوم القيامه عن يمين الرحمن .

 


- وقال سفيان الثوري : صنفان إذا صلحا صلحت الأمة . وإذا فسدا فسدت الأمة : الملوك والعلماء . والملك العادل يقضي بكتاب الله عز وجل ، ويشفق علي الرعية شفقة الرجل علي أهله .

 


- وروي ابن يسار عن ابيه قال : سمعت رسول الله ، صلي الله عليه وسلم يقول : إيما وال ولي من أمر أمتي شيئا ، فلم ينصح لهم ، ويجتهد كنصيحته وجهده لنفسه كبه الله علي وجهه يوم القيامة في النار .

 

 


الصنف الرابع : أوساط الناس :


وهم الذين يراعون العدل في معاملاتهم ، وأروش ( جمع ارش وهى دية الجروح) جناباتهم بالانصاف ، فهم يكافئون الحسنة والسيةئة بمثلها .

والواقع أننى أجهدت نفسي طويلا في تحديد هذا الصنف الذي لم يكتب عنه الجبرتي سوي سطر ونصف ، وتركه عاما في أولئك الذين يراعون العدل في معاملاتهم ، ويقتصون بالعدل والانصاف ممن اعتدي ظلما علي الآخرين .

هل يريد بهم : القضاة ، أم : قواد العسكر ؟ أم حكام القري الصغيرة ؟ وايا كان المقصود ، فإن مراعاة العدل مازالت موجودة لدي هذا الصنف .

 

 


الصنف الخامس : القائمون بسياسة نفوسهم ، وتعديل قواهم ، وضبط جوارحهم ، وانخراطهم في سلك العدول ، لأن كل فرد من أفراد الإنسان مسئول عن رعاية رعيته التي هي جوارحه وقواه . كما ورد : "كلكم راع ، وكلكم مسئول عن رعيته " كما قيل : " صاحب الدار مسئول عن أهل بيته وحاشيته " .

 

 


ومن الواضح أن المقصود هنا هم جميع أفراد الرعية أو الشعب . وكل منهم مسئول عن تحقيق العدل فيمن يتولي أمورهم تبعا لدرجة القرب منه . ويؤكد الجبرتي أن عدالة الشخص لاتؤثر في غيره " ما لم تؤثر أولا في نفسه ، لإن التأثير في البعيد - قبل القريب - بعيد . والله تعالي يقول : (أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم ) (سورة البقرة آية 44) .

 


ويعتمد الجبرتي علي قوله تعالي ( ويستخلفكم في الأرض فينظر كيف تعملون ) (سورة الاعراف ، آية 129 ) ليؤكد اتصاف الإنسان بالخلافة . وبالتالي : لا تصح خلافة الله إلا بطهارة النفس ، كما أن أشرف العبادات لاتصح إلا بطهارة الجسم . فما أقبح بالمرء أن يكون حسن جسمه باعتبار قبح نفسه . وإذن فإن طهارة النفس شرط في صحة الخلافة ، وكمال العبادة . ولا يصح نجس لخلافة الله تعالي ، ولا يكمل لعبادته وعمارة أرضه الا من كان طاهر النفس ، قد أزيل رجسه ونجسه ، فللنفس نجاسة ، كما أن للبدن نجاسة . فنجاسة البدن يمكن ادراكها بالبصر ، ونجاسة النفس لا تدرك إلا بالبصيرة ، كما أشار إليه بقوله تعالي ( إنما المشركون نجس ) ( سورة التوبة ، أية 28 ) ومما يؤكده الجبرتي في مشروعية استحقاق الإنسان الخلافة الإلهية أن الخلافة هي الطاعة . والاقتدار علي قدر طاعة الإنسان في اكتساب الكمالات النفسية والاجتهاد بالإخلاص في العبودية ، والتخلف بأخلاق الربوبية . ومن لم يكن طاهر النفس لم يكن طاهر العقل ، فكل إناء بالذي فيه ينضح . ولهذا قيل : " من طابت نفسه طاب عمله ، ومن خبثت نفسه خبث عمله " وقيل في قوله ، صلي الله عليه وسلم : " لا تدخل الملائكة بيتا فيه كلب " : انه اشار بالبيت إلي القلب ، وبالكلب إلي النفس الأمارة بالسوء ، أو إلي الغضب والحرص والحسد وغيرها من الصفات الذميمة الراسخة في النفس، ونبه بأن نور الله لا يدخل القلب إذا كان فيه ذلك الكلب كما قيل ومن يربط الكلب العقور ببابه فعقر جميع الناس من رابط الكلب !

 

 

 


وإلي الطهارتين : طهارة النفس وطهارة الفعل ، يقول الله تعالي ( وثيابك فطهر،والرجز فاهجر ) ( سورة المدثر ، الآيتان 5،4 ) ويختم الجبرتي هذه النقطة بان الذي تطهر به النفس حتي تصلح للخلافة ، وتستحق به ثوابه إنما هو : العلم (م.ج.18) .

 

 


لكن الجبرتي يعود فيعقد فصلا هاما حول اسباب هلاك الملوك ومن أهمها:

 


- اطراح ذوي الفضائل ، واصطناع ذوي الرذائل .

- والاستخفاف بعظمة الناصح ، والاغترار بتزكية المادح . ثم يضع عدة مبادئ في صورة حكم فلسفية وسياسية لكي يعتبر بها الملوك :

- من نظر في العواقب سلم من النوائب .

- زوال الدول باصطناع السفل .

- من استغني بعقله ضل ، ومن اكتفي برأيه زل .

- ومن استشار ذوي الألباب سلك سبيل الصواب .

- ومن استعان بذوي العقول فاز بدرك المأمول.

- من عدل في سلطانه استغني عن أعوانه .

- عدل السلطان أنفع للرعية من خصب الزمان .

- الملك يبقي علي الكفر والعدل ولا يبقي علي الجور والإيمان .

- من كبرت همته كثرت قيمته

- لا تثق بالدولة : فإنها ظل زائل ،

ولا تعتمد علي النعمة ، فإنها ضيف راحل

- الدنيا لا تصفو لشارب ، ولا تفي لصاحب

- والخلافة لا يصلحها إلا التقوي ،

والرعية لا يصلحها إلا العدل .

- من ضعفت سياسته بطلت رياسته ، ومن جارت قضيته ضاعت رعيته . ويذكر الجبرتي الآفات التي تصيب الملوك والوزراء والجنود والناس عموما فيقول :

- آفة الملوك سوء السيرة

- وآفة الوزراء خبث السريرة

- وآفة الجند مخالفة القادة

- وآفة الرعية مخالفة السادة

- وآفة الرؤساء ضعف السياسة

- وآفة العلماء حب الرياسة

- وآفة القضاة شدة الطمع

- وآفة العدول قلة الورع

- وآفة القوة استضعاف الخصم

- وآفة الجرئ إضاعة الحزم

- وآفة المنعم قبح المن

- وآفة المذنب حسن الظن

 

 


وبهذه المبادئ العامة تكتمل دائرة الفكرة السياسية حول العدل لدي الجبرتي . وهي النظرية التي تبدأ من القرآن الكريم ، الذي قرر استخلاف الله تعالي للإنسان في الأرض ، ثم حدد له الطريق الذي يسلكه من أجل تحقيق هذه الخلافة التي تهدف إلي أمرين : عبادة الله تعالي ، وتعمير الأرض لتوفير صحة هذه العبادة . أما سياسة الناس فينبغي أن تقوم علي العدل . والعدل يعني المساواة بين جميع الأفراد دون مجاملة أو محاباة .


ـــــــــــــــــــــــــــــــ

 

التعليقات (0)Add Comment

أضف تعليق
تصغير | تكبير

busy
آخر تحديث الأربعاء, 25 فبراير 2015 21:16