عداد الزائرين

mod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_counter

إضافات حديثة

   
 
أدب العالم والمتعلم عند الماوردي صيغة PDF طباعة أرسل لصديقك
كتبها Administrator   
الأحد, 21 ديسمبر 2014 19:54

أدب العالم والمتعلم عند الماوردي


نشأ أبو الحسن الماوردي بالبصرة، ثم انتقل إلى بغداد، وشغل منصب القضاء في عدة أماكن، حيث سار فيه سيرة عادلة، وكان مشهورًا بالورع وصدق التدين، وتوفي سنة 450 هجرية.

كتب الماوردي في الفقه، ويعد كتابه "الحاوي" من أهم كتب المذهب الشافعي، وقد قيل فيه: إنه لم يطالعه أحد إلا شهد له بالتبحر والمعرفة التامة بالمذهب.

كما كتب في السياسة، وأشهر كتبه في هذا المجال كتاب "الأحكام السلطانية"([1])، بالإضافة إلى "قانون الوزراء" و"سياسة الملك" وهي كتب تضعه بجدارة بين كتاب الفكر السياسي في الإسلام، إن لم تضعه في مقدمتهم([2]).

وإذا كان الماوردي قد قصد بجهده السابق كلاًّ من طائفتي الحكام والقضاة، فإنه قد توجه في كتابه الأخلاقي "أدب الدنيا والدين" إلى الشخص العادي([3]).

ومع ذلك، فقد أبرز هذا الكتاب اسم الماوردي في مجال الإصلاح الأخلاقي، ونفذ ببساطة إلى معظم البيوت الإسلامية على شتى العصور، وقلما تجد أحدًا من أبناء الجيل الماضي ـ جيل النصف الأول من القرن العشرين ـ في مصر إلا وقد مر على هذا الكتاب: إما في دروس المطالعة الأميرية أو في مكتبة الأسرة الخاصة.

كتاب أدب الدنيا والدين:

يقع الكتاب في حوال ثلاثمائة وستين صفحة، وهو يبدأ بمقدمة يبين فيها الماوردي موضوعه وأهميته، فيقول:

"إن شرف المطلوب بشرف نتائجه، وعظم خطره بعظم منافعه.

وبحسب منافعه تجب العناية به.

وعلى قدر العناية به يكون اجتناء ثمرته".

ثم يقرر أن أعظم الأمور خطرًا، وأهمها نفعًا: ما استقام به أمر الدنيا والدين، وانتظم به صلاح الآخرة والأولى، فإنه باستقامة الدين تصح العبادة، وبصلاح الدنيا تتم السعادة"([4]).

ويحدد الماوردي الهدف من تأليفه، قائلاً:"وقد توخيت بهذا الكتاب الإشارة إلى أدب الدنيا والدين، وتفصيل ما أجمل من أحوالهما".

أما منهجه فقد تحدث عنه بوضوح، فذكر أنه راوح بين أسلوبي الإيجاز والبسط، وجمع فيه بين تحقيق الفقهاء وترقيق الأدباء، مستشهدًا من القرآن، والسنة، ثم متبعًا ذلك بأمثال الحكماء، وآداب البلغاء، وأقوال الشعراء.

ويفسر الماوردي سبب هذا التنويع في الاستشهاد بأن القلوب ترتاح إلى الفنون المختلفة، وتسأم من الفن الواحد، وقد قال علي بن أبي طالب: "إن القلوب تمل كما تمل الأبدان، فأهدوا إليها طرائف الحكمة"، فكأن هذا الأسلوب يحب التنقل في المطلوب من مكان إلى مكان([5]).

ويشير الماوردي إلى أن الإحاطة بموضوعات الأخلاق كلها تكاد تكون أمرًا مستحيلاً، فإن "الآداب ـ مع اختلافها بتنقل الأحوال وتغير العادات ـ لا يمكن استيعابها، ولا يقدر على حصرها وإنما يذكر كل إنسان ما بلغه الوسع من آداب زمانه، واستحسن بالعرف من عادات دهره"([6]).

وهذه نقطة جديرة بالاعتبار، فالماوردي إذن يؤمن بأن لكل عصر آدابه كما أن الآثار الأخلاقية تعد - بوجه ما - مرآة ينعكس عليها واقع ذلك العصر بخيراته وشروره، كذلك فهي تكشف عن التطلعات الأخلاقية التي تتواثب في نفوس مصلحيه.

ومن ناحية أخرى، فإن الحاجة ستظل مستمرة إلى كل من الإصلاح الأخلاقي، والكتابة في الأخلاق، إذ لو أمكن لمؤلف أن يحصر الآداب جميعًا في كتاب "لكان الأول قد أغنى الثاني عنها، والمتقدم قد كفى المتأخر تكلفها"([7]).

دور الكاتب الأخلاقي ومنهجه في البحث :

لا شك في أن أي كاتب في الأخلاق سوف يلتقي بمحصلة ضخمة من تراث السابقين عليه، وإذا كان من الضروري أن يستوعب هذا التراث ويهضمه، فإن هناك خمس مراحل - في نظر الماوردي - ينبغي أن يجتازها الكاتب في سبيل الوصول إلى هدفه.

ويمكن القول بدءًا بأن هذه المراحل تعد أسسًا رائدة في مناهج البحث عند مفكري الإسلام، وهي تبرز بوضوح اكتشافهم المنهج التجريبي المعتمد على الوقائع، واستخدامهم له، أما المراحل فهي:

المرحلة الاولى: "أن يتعانى الكاتب حفظ الشارد، وجمع المفترق"([8])، وهذا ما يطلق عليه في مناهج البحث الحديثة "مرحلة الملاحظة والجمع" وفيها يجب على الباحث أن يقوم بعملية مسح شامل ودقيق لجوانب الظاهرة، موضوع البحث. ومن الواضح أن هذه العملية تتطلب منه بذل مجهود شاق في الاطلاع على شتى المصادر الأصلية والثانوية، السابقة والحية، لاستخراج كل العناصر التي تتصل بالظاهرة.

المرحلة الثانية: "أن يعرض الكاتب ما تقدم على حكم زمانه، وعادات وقته، فيثبت ما كان موافقا، وينفي ما كان مخالفًا"([9])، وتشبه هذه المرحلة ما يطلق عليه في مناهج البحث: مرحلة التصنيف، التي تقوم على اختيار العناصر الهامة، واستبعاد ما لا يخدم الفكرة الرئيسية في البحث، ثم ترتيب ما يتبقى على أحد الأسس التي تختلف باختلاف الباحثين والموضوعات.

ويلاحظ أن الأساس الذي اختاره الماوردي لعملية التصنيف هو واقع العصر الذي يعيش فيه الكاتب الأخلاقي، ومراعاة قوانين التطور الاجتماعي، ولا شك في أن إدراك الماوردي لأهمية "الواقع" في الدراسات الأخلاقية ـ أمر يستحق منا كل تقدير واهتمام؛ لأنه قد أصبح من المقرر أن أية محاولة للإصلاح الأخلاقي تفرض على المجتمع من الخارج يكون مصيرها الفشل الأكيد.

المرحلة الثالثة: "أن يستمد الكاتب خاطره في استنباط زيادة واستخراج فائدة، فإن أسعف بشيء فاز بدركه، وحظى بفضيلته"([10])، وليست هذه المرحلة سوى "مرحلة وضع الفروض" في المنهج الحديث، فالباحث لكي ينتقل من مرحلتي الملاحظة والتصنيف إلى مرحلة صياغة القانون ـ عليه أن يمر بتلك المرحلة الهامة والحيوية في مسيرة البحث، وهي التي يتدخل فيها الخيال العلمي للباحث في محاولة ملء ما قد يبدو من ثغرات بين العناصر التي قام بتصنيفها. وهو هنا بين أمرين: إما أن تتكشف له الحقيقة في ضوء ساطع، فتفسر له كل شيء، وإما ألا تتكشف على الإطلاق.

المرحلة الرابعة: وهي المرحلة التي تبدأ بها عملية التركيب، أي تركيب العناصر التي قام الباحث بتحليلها ووضع الفروض لها، فيما سبق، بصورة منطقية منظمة، يقول الماوردي: ثم يرتب الكاتب ذلك على أوائله ومقدماته، ويثبته على أصوله وقواعده، حسب ما يقتضيه الجنس، فإن لكل نوع من العلوم طريقة هي أوضح مسلكًا، وأسهل مأخذًا"([11])، ومن الواضح أن هذه المرحلة تعني إعادة التبويب والتقسيم بطريقة تنسجم مع كل موضوع، وتتمشى في الوقت نفسه مع النتيجة التي وصل إليها الباحث، ويلاحظ إدراك الماوردي لاختلاف طريقة التقسيم باختلاف العلوم.

المرحلة الخامسة: "أن يعبر الكاتب عن ذلك كله بما كان مألوفًا من كلام الوقت، وعرف أهله، فإن لأهل كل وقت في الكلام عادة تؤلف، وعبارة تعرف، ليكون أوقع في النفوس، وأسبق إلى الأفهام"، وتلك هي "مرحلة الصياغة" والأساس الذي يضعه لها الماوردي في القرن الخامس الهجري هو نفسه الأساس الذي قرره العلماء في القرن التاسع عشر الميلادي: الوضوح والبعد عن التعقيد والالتواء، مع مراعاة العصر الذي يعيش فيه الكاتب، ويخاطب أهله دون تعمية أو إلغاز.

ننتقل بعد ذلك إلى التقسيم الذي وضعه الماوردي لكتابه "أدب الدنيا والدين" فقد جعله خمسة أبواب:

الباب الأول: في فضل العقل وذم الهوى.

الباب الثاني: في أدب العلم.

الباب الثالث: في أدب الدين.

الباب الرابع: في أدب الدنيا.

الباب الخامس: في أدب النفس.

والباب الثاني هو الذي يهمنا في هذه الدراسة. وينقسم إلى ثلاثة أقسام رئيسية:

أ- مقدمة في العلم.

ب- أدب المتعلم.

ج- أخلاق العالم.

أ - مقدمة في العلم:

يبدأ الماوردي فيبين أهمية العلم للإنسان عن طريق الإشارة إليه كقيمة عليا في حد ذاته، وكمنفعة شخصية لكل لمن اشتغل به، فيقول: "العلم أشرف ما رغب فيه الراغب، وأفضل ما طلب وجد فيه الطالب، وأنفع ما كسبه واقتناه الكاسب"([12]).

ثم يستشهد بقول الله تعالى: )قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ( ([13])،

وبما روي عن الرسول r أنه قال: "أوحى الله إلى إبراهيم، u : أني عليم أحب كل عليم".

ويقول مصعب بن الزبير لابنه "تعلم العلم، فإن لم يكن لك جمال كان لك جمالاً، وإن لم يكن لك مال كان لك مالاً".

ويقول الشاعر:

وإنّ امرءًا لم يحى بالعلم ميتْ

فليس له حتى النشور نشور

وبما ورد عن الحكيم الفارسي، بزرجمهر حين سئل: العلم أفضل أم المال؟ فقال : بل العلم، قيل: فما بالنا نرى العلماء على أبواب الأغنياء، ولا نكاد نرى الأغنياء على أبواب العلماء ؟ فقال: ذلك لمعرفة العلماء بمنفعة المال، وجهل الأغنياء بفضل العلم([14]).

ويمكن أن يلاحظ فيما سبق طريقة الماوردي في الكتابة: حيث يبدأ بتقرير قضية معينة، ثم يستشهد عليها من القرآن، والسنة، وأقوال البلغاء والحكماء والشعراء.

وبعد أن بين الماوردي أهمية العلم، بصفة عامة، ينتقل إلى بيان شرف العلوم كلها، ومع أن لكل علم منها فضيلة، فإن شخصًا واحدًا ذا عمر محدود لا يستطيع أن يحيط بها جميعًا، قيل لبعض الحكماء: من يعرف كل العلوم؟ فقال: كل الناس([15]).

وهنا تجدر الإشارة إلى أهمية التخصص في المجال العلمي، وهو ما بدأت الدعوة إليه لدى المسلمين، وكان ا لشائع في الحضارة اليونانية، أن يلم الإنسان بجميع المعارف في عصره، ولو إلمامًا سطحيًّا([16]).

الإنسان مطالب إذن باختيار مجال واحد، ويسرع الماوردي فيقدم له أساس الاختيار، وهو يراعي في ذلك كلاًّ من الأهمية والأفضلية، فإذا ألقينا نظرة إلى العلوم وجدنا أن أولاها وأفضلها "علم الدين؛ لأن الناس بمعرفته يرشدون، وبجهله يضلون"([17]).

ومع ذلك فقد يلجأ بعض الناس إلى دراسة العلوم العقلية، وهذا لا بأس به في حد ذاته، وإنما نجدهم أحيانًا يفضلونها على العلوم الدينية، بل يزدرون أصحاب هذه العلوم، وهنا يكشف الماوردي عن السبب الذي يدفع هؤلاء بأنه:

الاستثقال لما تضمنه الدين من التكاليف.

والاسترذال لما جاء به الشرع من التعبد والتوقيف.

ثم يشير إلى أن هذا ليس مجال الرد عليهم بالتفصيل، وإنما تكفي الإشارة إلى أنك لن ترى ذلك "فيمن سلمت فطنته، وصحت رويته"([18]).

ويعتقد الماوردي بأن الدين هو الأساس الهام لقيام الحياة الاجتماعية السليمة، بما تقتضيه من ود وتآلف، كما أنه المرجع الفاصل لكل ما يحدث بينهم من اختلاف ونزاع "بل إن العقل يمنع أن يكون الناس هملاً أو سدى يعتمدون على آرائهم المختلفة، وينقادون لأهوائهم المتشعبة"([19]).

وفي الواقع، يصدر الماوردي هنا عن تجربته الخاصة في مجال القضاء، حيث لاحظ أن أحكام الناس على القضايا إنما تخضع لعاملين: أحدهما عقلي تتدخل فيه درجة الثقافة ومنهج التفكير، والآخر نفسي تحكمه الأهواء والمنافع الشخصية.

ثم إن دراسة الدين لا تعني الانحصار داخل دائرة ضيقة، بل إنها تتطلب دراسة عدد من العلوم الأخرى التي يطلق عليها في مناهج البحث الحديثة اسم "العلوم المساعدة" وهي علوم يحتاج إليها موضوع الدراسة، وتعد معرفتها ضرورية لتكوين ثقافة الدارس نفسه، وتنمية ملكاته الفكرية، وتتمثل هنا في معرفة القرآن، والحديث، والفقه، والحساب، واللغة.

الجانب الآخر المهم في تكوين العالم هو "صيانة نفسه عن التبذل الذي لا يليق وشرف العلم" يروى عن الشافعي أنه قال: "من لم يصن نفسه لم ينفعه علمه" ويشرح الماوردي ذلك قائلاً: "إن من أهمل صيانة نفسه ثقة بما منحه العلم من فضيلته، وتوكل على ما يلزم الناس من صيانته، سلبوه فضيلة علمه، ووسموه بقبيح تبذله، فلم يفِ ما أعطاه العلم بما سلبه التبذل"([20]).

ومعنى ذلك أن علم الإنسان مهما دق وحسن وزاد، فإن زلة واحدة في أخلاقه كفيلة بهدمه، وتشويه صورته.

ويفسر الماوردي، في دقة بالغة، هذه الظاهرة، فيقول: إن الناس - لما في طبائعهم من البغضة والحسد ونزاع المنافسة ـ تنصرف عيونهم عن المحاسن إلى المساوئ، فلا ينصفون محسنًا، ولا يحابون مسيئًا، لا سيما من كان بالعلم موسومًا، فإن زلته لا تقال، وهفوته لا تعذر:

- إما لقبح أثرها واغترار كثير من الناس بها، وقد قيل: زلة العالم كالسفينة، تغرق ويغرق معها خلق كثير.

- وإما لأن الجهال بذمه أغرى، ليسلبوه فضيلة التقدم([21]).

لكن إذا صان المشتغل بالعلم نفسه حق صيانتها، ولازم فعل ما يلزمها أمن "تغيير الصديق، وتنقيص العدو، وجمع إلى فضيلة العلم جميل الصيانة، وعزة النزاهة، فصار بالمنزلة التي يستحقها بفضائله"([22]).

ولا شك في أن محاولة الماوردي تكوين العالم تكوينًا أخلاقيًّا بالإضافة إلى تكوينه العلمي - تسد ثغرة هائلة في مناهج البحث الحديثة التي قصرت كل اهتمامها على الأسلوب العلمي في البحث، ولم تعط أية عناية للإنسان الذي يستخدم هذا الأسلوب، ويكفي أن نشير إلى الأضرار الخطيرة التي ترتبت على هذه الثغرة، ومنها على سبيل المثال أن العلماء الغربيين قد وجهوا قدراتهم الفكرية العظيمة إلى تطوير وسائل تدمير الجنس البشري وإبادته.

هذا، وتعد الرغبة الصادقة لدى المشتغل بالعلم أهم عوامل نجاحه، وينبغي ألا تعوقه عن الاستمرار في طلب العلم إحدى المغريات الأخرى، كالثروة، والشباب، والجاه، والمنصب، بل إن التميز بأحد هذه الأشياء ينبغي أن يكون من أشد الدوافع لطلاب العلم "فإن من نفذه أمره، فهو إلى العلم أحوج، ومن علت منزلته فهو بالعلم أحق"([23]).

وهناك فكرة خاطئة ترى أن العلم مرتبط بالفقر، كما أن الذكاء قرين ضيق الحال. ومن الطبيعي أن شيوع هذه الفكرة مما يسئ كثيرًا إلى قيمة العلم كمعوق عن الحياة الرغدة، فيؤدي ذلك إلى انصراف الناس عنه، ونفورهم منه، وقد حاول الماوردي نقض هذه الفكرة الخاطئة، وقبل أن ينقضها قام بتفسيرها فقال: ربما رأى الناس عاقلاً غير محظوظ، وعالمًا غير مرزوق، فظنوا العلم والعقل هما السبب في قلة حظه ورزقه، وقد انصرفت عيونهم عن حرمان أكثر الحمقى، وإدبار أكثر الجهال؛ لأن في العلماء والعقلاء قلة، وعليهم من فضلهم سمة، ولذلك قيل "العلماء غرباء" لكثرة الجهال، فإذا ظهرت سمة فضلهم، وصادف ذلك قلة حظ بعضهم تنوهوا بالتمييز، واشتهروا بالتعيين، والجهال والحمقى لما كثروا ولم يتخصصوا انصرفت عنهم النفوس، فلم يلحظ المحروم منهم، ولا قصد المجدود، فلذلك ظن الجاهل المرزوق أن الفقر والضيق مختصان بالعلم والعقل دون الجهل والحمق([24]).

ولا يقف الماوردي عند هذا التفسير النظري، بل يلجأ إلى الاستقراء ويدعونا إلى استخدامه في معرفة الأحوال المادية للعلماء فيقول: "ولو فتشت أحوال العلماء والعقلاء ـ مع قلتهم ـ لوجدت الإقبال في أكثرهم، وإنما يصير ذو الحال الواسعة منهم ملحوظًا مشتهرًا؛ لأن حظه عجب، وإقباله مستغرب، كما أن حرمان العاقل العالم الغريب، وإقلاله عجيب"([25])، قالت الحكماء: "لو جرت الأرزاق على قدر العقول لم تعش البهائم"([26]).

بالإضافة إلى ما سبق، يذكر الماوردي بعض الأسباب الأخرى التي قد تمنع الإنسان من طلب العلم، أو الاشتغال به، ومنها: كبر السن، والحياء من أن يزامل الإنسان من هم أصغر منه.

ويحمل الماوردي على من يتصور ذلك قائلاً: "وهذا من خدع الجهل وغرور الكسل؛ لأن العلم إذا كان فضيلة، فرغبة الكبار فيه أولى، والابتداء بالفضيلة فضيلة؛ ولأن يكون شيخًا متعلمًا أولى من أن يكون شيخًا جاهلاً"([27]).

وسبب آخر هو قلة الإمكانيات المادية التي تعين على التفرغ للعلم، والحصول على أدواته، فيضطر الإنسان إلى الاشتغال بعمل ما، قد يضيع فيه وقته وجهده من أجل الكسب.

والماوردي يلتمس العذر لمثل هذا الشخص، ولكنه ـ على الرغم من ذلك - يحثه على ضرورة تخصيص وقت للعلم، حتى لو كان من راحته، مع ملاحظة أن الانصراف الكامل إلى الكسب ناشئ عن ضيق في النظرة إلى الحياة، وما فيها من جوانب أسمى من إشباع الحاجات المادية فقط: "فينبغي أن يصرف للعلم حظًا من زمانه، فليس كل الزمان زمان اكتساب"، ولا بد للمكتسب من أوقات استراحة وأيام عطلة، ومن صرف كل نفسه إلى الكسب حتى لم يترك لها فراغًا إلى غيره، فهو من عبيد الدنيا، وأسرى الحرص"([28]).

وسبب ثالث يتمثل في رغبة الإنسان أن يهيئ لأهله حياة مترفة، والتخوف من أن يصيبهم الحرمان، إذا ما ضيع وقته في الاشتغال بالعلم، وغالبًا ما تجد هذا الشخص ينفر من العلماء، ويتشاءم لمجرد رؤيتهم "فإن رأى محبرة تطير منها، وإن وجد كتابًا أعرض عنه، وإن رأى متحليًا بالعلم هرب منه" ويحدثنا الماوردي عن إحدى مشاهداته في هذا المجال فيقول: "ولقد رأيت من هذه الطبقة جماعة ذوي منازل وأحوال كنت أخفي عنهم ما يصحبني من محبرة وكتاب لئلا أكون عندهم مستثقلاً"([29]).

وتبلغ الدعوة إلى العلم ذروتها عند الماوردي عندما يقرر أن "العلم والعقل سعادة وإقبال، وإن قل معهما المال، وضاقت معهما الحال، والجهل والحمق حرمان وإدبار، وإن كثر معهما المال، واتسعت معهما الحال"([30]).

وعلى طالب العلم أن يخلص النية لله، وأن يصدق العزيمة في طلب العلم، واثقًا بتيسير الله له "وليحذر أن يطلبه لمراء أو رياء، فإن المماري به مهجور لا ينتفع، والمرائي به محقور لا يرتفع"([31]).

ويرى الماوردي أن لكل مطلوب باعثًا، والباعث على المطلوب دائمًا إما أن يكون رغبة أو رهبة، لكن طالب العلم عليه أن يكون راغبًا راهبًا، أما الرغبة ففي ثواب الله تعالى، لطالبي مرضاته وحافظي مفترضاته، وأما الرهبة فمن عقاب الله تعالى، لتاركي أوامره، ومهملي زواجره، فإذا اجتمعت الرغبة والرهبة أدتا إلى كنه العلم، وحقيقة الزهد؛ لأن الرغبة أقوى الباعثين على العلم، والرهبة أقوى السببين في الزهد.. فإن اقترن الزهد والعلم فقد تمت السعادة، وعمت الفضيلة([32]).

كما يحذر الماوردي طالب العلم من أن يتشاغل بطلب ما لا يضر جهله، فيمنعه ذلك من إدراك الضروريات، فإن لكل علم فضولاً مذهلة، وشذورًا مشغلة، إن صرف إليها نفسه قطعته عما هو أهم منها. قال ابن عباس: "العلم أكثر من أن يحصى، فخذوا من كل شيء أحسنه"، وقال بعض الحكماء: "بترك ما لا يعنيك يتم لك ما يعنيك"([33]).

ومع ذلك، فلا ينبغي لطالب العلم إذا ما اصطدم بصعوبة ما، أن يدعوه ذلك إلى ترك ما استصعب عليه، إشعارًا لنفسه أن ذلك من فضول علمه، وإعذارًا لها في ترك الاشتغال به، فإن ذلك مطية الحمقى، وعذر المقصرين.

ومن أخذ من العلم ما تسهل وترك منه ما تعذر كان كالقانص إذا امتنع عليه الصيد تركه، فلا يرجع إلا خائبًا، إذ ليس يرى الصيد إلا ممتنعًا، كذلك العلم طلبه صعب على من جهله، سهل على من علمه([34]).

ومن الأمور التي ينبغي لطالب العلم أن يقف عليها ويراعيها : أحوال نفسه، فإن لها نفورًا يفضي إلى تقصير، ووفورًا يؤول إلى سرف. وقيادها عسير، لكنه مطالب بأن يحسن سياستها بحيث لا يضطرها إلى التعلم، وهي نافرة، أو يثقل عليها في البحث، وهي طيعة.

ومن الواضح أن التوسط في الأمر هو ما يدعو إليه الماوردي مؤمنًا بحقيقة تربوية حديثة، تقرر أن الاستجمام العقلي ضروري لكل مفكر، فهو يقول: "فإذا استصعب على طالب العلم قياد نفسه، ودام منه نفور قلبه، مع سياستها ومعاناة رياضتها، تركها ترك راحة، ثم عاودها بعد الاستراحة"([35]).

وأخيرًا يضع الماوردي عددًا من الشروط التي يلزم توافرها في طالب العلم، والتي يمكن باجتماعها فيه أن يبلغ أسمى المراتب، ويحقق أكمل النتائج، يقول الماوردي: "وأما الشروط التي يتوفر بها علم الطالب، وينتهي معها كمال الراغب - مع ما يلاحظ من التوفيق ويمد به من المعونة - فتسعة شروط:

الأول: العقل الذي يدرك به حقائق الأمور.

الثاني: الفطنة التي يتصور بها غوامض العلوم.

الثالث: الذكاء الذي يستقر به حفظ ما تصوره، وفهم ما علمه.

الرابع: الرغبة التي يدوم بها الطلب، ولا يسرع إليها الملل.

الخامس: الاكتفاء بمادة تغنيه عن كلفه الطلب.

السادس: الفراغ الذي يكون معه التوفر، ويحصل به الاستكثار.

السابع: عدم القواطع المذهلة من هموم وأشغال وأمراض.

الثامن: طول العمر واتساع المدة لينتهي بالاستكثار إلى مراتب الكمال.

التاسع: الظفر بعالم سمح بعلمه، متأن في تعليمه.

فإذا استكمل هذه الشروط التسعة، فهو أسعد طالب، وأنجح متعلم"([36]).

ب - أدب المتعلم:

1- يقول الماوردي: "إن للمتعلم في زمان تعلمه ملقًا وتذللاً، إن استعملهما غنم، وإن تركهما حرم؛ لأن التملق للعالم يظهر مكنون علمه، والتذلل له سبب لإدامة صبره، وبإظهار مكنونه تكون الفائدة، وباستدامة صبره يكون الإكثار"([37]).

وقد يقابل طالب العلم، في عصرنا الحاضر الدعوة إلى مثل هذا السلوك بالتعجب أو الاستنكار، إذ كيف يقال له: "تذلل وتملق" في عصر تسود فيه الحرية، وتستنكر كل صنوف الذل والاستعباد.

والواقع أن المسألة لا ينبغي أن ينظر إليها من هذه الزاوية، وبتلك الحدة، فإن علاقة المتعلم بالعالم أسمى من علاقة الشعوب بالمستعمر أو المستبد، ويمكن تصويرها بأنها علاقة مثالية تتخذ مظهر العطاء الروحي من جانب العالم، والتلقي الخاشع من قبول المتعلم، فضلاً عن أن الملق والتذلل المطلوبين إنما يقصد بها شدة التوقير، وتجنب الكبر، وحسن الاستماع، وإظهار الحاجة الحقيقية إلى المعرفة.

وهذا أحد العلماء يحدثنا أنه اضطر لإمساك ما عنده من العلم حينما وجد التلميذ غير مقبل عليه إقبالاً حقيقيًّا، يقول ابن الجوزي: "قرأت من غرائب العلم، وعجائب الحكم على بعض من يدعي العلم فرأيته يتلوى من سماع ذلك، ولا يطلع على غوره، ولا يشرئب إلى ما يأتي، فصرفتُ عن إسماعه شيئًا آخر، وقلت: إنما يصلح مثل هذا لذي لبَّ يتلقاه تلقي العطشان الماء".

ومن جانب آخر، فإن كل واجب يفرضه الماوردي على المتعلم يقابل بحق يفرضه على العالم نحوه، وبذلك تكتمل الدائرة، ويصبح في مقدور تلك الصلة العقلية والروحية أن تصنع أروع النتائج.

2- يقول الماوردي: "ثم ليعرف المتعلم للعالم فضله عليه، وليشكره على جميل فعله، ولا يمنعه من ذلك علو منزلة إن كانت له، وإن كان العالم خاملاً، فإن العلماء بعلمهم قد استحقوا التعظيم، لا بالقدرة والمال".

وبالعبارة الأخيرة يقرر الماوردي القيمة الذاتية للعلم، وأن احترام المجتمع لصاحبه ينبغي ألا يزداد بمنصب دنيوي قد يتولاه، أو يتناقص بخمول قد يرضاه لنفسه، أو تفرضه الظروف عليه، كما ينبه المتعلم إلى توقير العلم لعلمه، لا لأنه يملك له نفعًا أو ضرًا.

3- يقول الماوردي: "وليحذر المتعلم التبسط على من يعلمه، وإن آنسه، والإدلال عليه، وإن تقدمت صحبته"([38]).

ومن الواضح أن هذا التحذير يقوم على أساس نفسي صحيح؛ إذ إن العالم - مهما تبسط مع تلميذه - فإنه لن يستطيع أن يمحو الفارق الذي يفصل بينهما.

ولنستمع في هذا الصدد إلى محيي الدين بن عربي يحدثنا عن علاقته بأساتذته فيقول: "وكنت إذا قعدت بين يدي أبي يعقوب وبين يدي غيره من شيوخنا، أرعد مثل الورقة، في يوم الريح الشديدة، ويتعثر نطقي، وتتخدر جوارحي، حتى يعرف ذلك في حالي، فيؤنسني، ويطمع أن يبسطني، فلا يزيدني ذلك إلا مهابة وإجلالاً"([39]).

4- يقول الماوردي: "ولا يظهر المتعلم للعالم الاستكفاء منه، والاستغناء عنه؛ فإن في ذلك كفرًا لنعمته، واستخفافًا بحقه".

ويمكن أن نتمثل شعور العالم الذي يصدمه سلوك مثل هذا التلميذ الجاحد بشعور من اصطفى شخصًا، وحاول التودد إليه، فادخر من ماله، ثم تخير له هدية، وذهب بنفسه ليقدمها له، فرفضها في وجهه.

5- وليس ببعيد أن يكون التلميذ أنجب من أستاذه، وأحدَّ ذكاء، بل إن الأمثلة على ذلك كثيرة، ومن الضروري أن تكون كذلك حتى يطرِدَ العلم، ويكتمل نموه.

غير أن الماوردي يوصي هذا التلميذ النجيب وأمثاله بأن يكونوا رفقاء مع الأستاذ، فلا يحاولوا إعناته، والإزراء به؛ لأنهم قد لا يعلمون أن الأثر النفسي لمثل هذا العمل مدمر، يقول الماوردي: "وربما وجد بعض المتعلمين قوة في نفسه لجودة ذكائه وحدة خاطره، فيقصد من يعلمه بالإعنات له، والاعتراض عليه، إزراء به، وتبكيتًا له، وهذه من مصائب العلماء، وانعكاس حظوظهم: أن يصيروا عند من يعلمونه مستجهلين، وعند من قدموه مسترذلين".

6- وعلى الرغم من دعوة الماوردي المتعلم أن يعرف حق العالم، وألا يحاول إعناته، فإنه لا يرضى بحال ما أن يقبل منه شبهة في العلم، أو يأخذ عنه النتائج والحلول تقليدًا، دون اقتناع ذاتي، يقول الماوردي: "ولا ينبغي أن يبعثه معرفة الحق له على قبول الشبهة منه، ولا يدعوه ترك الإعنات له على التقليد فيما أخذ عنه، فإنه ربما غالى بعض الأتباع في عالمهم حتى يروا أن قوله دليل، وإن لم يستدل، وأن اعتقاده حجة، وإن لم يحتج"([40]).

وينبه الماوردي إلى خطورة التقليد في العلم بما يورده من حادثة طريفة شاهدها بنفسه، فيقول: "ولقد رأيت من هذه الطبقة رجلاً يناظر في مجلس حافل، وقد استدل عليه الخصم بدلالة صحيحة، فكان جوابه عنها أن قال: إن هذه دلالة فاسدة، ووجه فسادها أن شيخي لم يذكرها، فأمسك عنه المستدل تعجبًا، وقال لي: "والله لقد أفحمني بجهله!" وصار سائر الناس بين مستهزئ ومتعجب ومستعيذ([41]).

على المتعلم إذن أن يبذل من نفسه مثلما يبذل أستاذه، والطريق إلى ذلك أن يتقن منهج البحث، ويستخدم الأساليب الصحيحة للتفكير؛ حتى يمكن له أن يقف على قدميه، وأن يتناول المشكلات بوجهة نظره، لا بعين أستاذه، فإذا صح لديه ما توصل إليه الأستاذ خرج عندئذ من مجال التقليد، ودخل في عالمه الفكري الخاص.

7- ويبيح الماوردي للمتعلم أن يسأل عند كل شبهة تعرض له، أو أمام كل غامض يواجهه، وقد قيل: العلم خزائن، ومفتاحه السؤال، وقال رسول الله r : "هلا سألوا إذا لم يعلموا، فإنما شفاء العي السؤال".

غير أنه لا ينبغي أن يكون السؤال في كل وقت، ومن غير تفكير، قيل لابن عباس، بم نلت العلم؟ فقال: بلسان سئول، وقلب عقول، والواقع أن السؤال إذا طرح في موضعه أزال الشكوك ونفى الشبهة([42]).

8- يقول الماوردي: "وليأخذ المتعلم حظه ممن وجد طلبته عنده، من نبيه وخامل، ولا يطلب الصيت وحسن الذكر باتباع أهل المنازل من العلماء إذا كان النفع بغيرهم أعم، إلا أن يستوي النفعان فيكون الأخذ عمن اشتهر ذكره، وارتفع قدره أولى؛ لأن الانتساب إليه أجمل، والأخذ عنه أشهر"([43]).

وهكذا ينفي الماوردي عن العلم كل المظاهر التي لا قيمة لها في تقدمه، كمحاولة اكتساب الشهرة، أو الافتخار أو نحوهما، وهو يصدر في ذلك عن مبدأ علمي ممتاز شاع في الفكر الإسلامي كله، وطالما ردده أعلامه كالغزالي، وابن حزم، وابن عربي، وهو المتمثل في قول علي بن أبي طالب: "لا تعرف الحق بالرجال، بل اعرف الحق تعرف أهله".

وما يتصل بما سبق قول الماوردي: "وإذا قرب منك العلم فلا تطلب ما بعد، وإذا سهل من وجه فلا تطلب ما صعب، وإذا قصدت من خبرته فلا تطلب من لم تختبره، وربما تتبع الإنسان من بعد عنه استهانة بمن قرب منه، وقد قالت العرب: "العالم كالكعبة يأتيها البعداء، ويزهد فيها القرباء"([44]).

جـ-أدب العالم:

1- "ينبغي أن يكون التواضع ومجانبة العجب من أهم ما يتحلى به العالم من أخلاق؛ لأن التواضع يعطف القلوب إلى صاحبه، والعجب ينفرهم عنه، وهو بكل أحد قبيح، وبالعلماء أقبح؛ لأن الناس بهم يقتدون"([45]).

ويفسر الماوردي سبب العجب الذي يصيب بعض العلماء بأنهم يرون تفردهم بالعلم دون سائر الناس، ولهم يقول: "لو أنهم نظروا حق النظر، وعلموا بموجب العلم لكان التواضع بهم أولى، ومجانبة العجب بهم أحرى؛ لأن العجب ينافي الفضل، لا سيما مع قول النبي صلى الله عليه وسلم: "إن العجب يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب"([46]).

وقد يكون السبب أيضًا: انصراف نظرهم إلى كثرة من دونهم من الجهال، وتحول نظرهم عمن فوقهم من العلماء، وينبه الماوردي أمثال هؤلاء بأنه ليس هناك متناهٍ في العلم إلا وسيجد من هو أعلم منه؛ إذ العلم أكثر من أن يحيط به بشر([47]).

ومع ذلك، فالماوردي يقرر أنه "قلما تجد بالعلم معجبًا، وبما أدركه مفتخرًا، إلا من كان فيه مقلاً ومقصرًا؛ لأنه قد يجهل قدره ويحسب أنه نال بالدخول فيه أكثره، فأما من كان فيه متوجهًا، ومنه مستكثرًا، فهو يعلم من بعد غايته، والعجز عن إدراك نهايته، ما يصده عن العجب به"([48]).

ويحدثنا هنا الماوردي عن تجربة شخصية له في هذا المجال، فيقول: "ومما أنذرك به من حالي أنني صنفت في البيوع كتابًا جمعت فيه ما استطعت من كتب الناس، وأجهدت فيه نفسي، وكددت فيه خاطري، حتى إذا تهذب واكتمل، وكدت أعجب به، وتصورت أنني أشد الناس اضطلاعًا بعلمه حضرني - وأنا في مجلسي- أعرابيان، فسألاني عن بيع عقداه في ا لبادية، على شروط تضمنت أربع مسائل لم أعرف لواحدة منهن جوابًا، فأطرقت مفكرًا، وبحالي وحالهما معتبرًا، فقالا: ما عندك فيما سألناك جواب، وأنت زعيم هذه الجماعة؟ فقلت: لا، فقالا: واهًا لك! وانصرفا.

ثم أتيا من يتقدمه في العلم كثير من أصحابي، فسألاه فأجابهما مسرعًا بما أقنعهما، وانصرفا عنه راضيين بجوابه، حامدين لعلمه.

فبقيت مرتبكًا، وبحالهما وحالي معتبرًا، وإني لعلي ما كنت عليه في تلك المسائل إلى وقتي، فكان ذلك زاجر نصيحة، ونذير عظة، تذلل بهما قيادة النفس، وانخفض لهما جناح العجب"([49]).

2- ترك الادعاء في العلم، وعدم خوض العالم فيما يجهله أو لا يجيد الإجابة عنه، يقول الماوردي: "وحق على من ترك العجب بما يحسن أن يدع التكلف لما لا يحسن" ومن أشهر ما ورد في ذلك دعاء الجاحظ في مقدمة كتابه المشهور "البيان والتبيين" الذي يقول فيه: "اللهم إنا نعوذ بك من فتنة القول، كما نعوذ بك من فتنة العمل، ونعوذ بك من التكلف لما لا نحسن، كما نعوذ بك من العجب بما نحسن، ونعوذ بك من شر السلاطة والهذر، كما نعوذ بك من شر العي والحصر".

وينصح الماوردي العالم الذي يستنكف أن يقال عنه إنه لا يعلم هذا الموضوع أو ذاك قائلاً: "إذا لم يكن إلى الإحاطة بالعلم سبيل، فلا عار في أن يجهل بعضه، وإذا لم يكن في جهل بعضه عار، لم يقبح به أن يقول: لا أعلم فيما ليس يعلم".

ويرشده إلى اتباع الطريق الأفضل، وهو محاولة التعلم من جديد، دون حياء أو خجل، فذلك أفضل من أن يدلي بآراء خاطئة قد يضل بسببها خلق كثير، فيقول: "ولا ينبغي للرجل وإن صار في طبقة العلماء الأفاضل أن يستنكف من تعلم ما ليس عنده، ليسلم من التكلف به"([50]).

على العالم إذن ألا يدع القراءة والبحث طيلة حياته "ولا يقنع من العلم بما أدرك؛ لأن القناعة فيه زهد، والزهد فيه ترك، والترك له جهل"([51]).

3- يقول الماوردي: "وليكن من شيمة العالم العمل بعلمه، وحث النفس على أن تأتمر بما يأمر به، ولا يكن ممن قال الله تعالى فيهم: (مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا). وقال علي بن أبي طالب: إنما زهد الناس في طلب العلم لما يرون من قلة انتفاع من علم بما علم.

وقال أبو الدرداء: أخوف ما أخاف إذا وقفت بين يدي الله أن يقول: قد علمت فماذا عملت؟

والواقع أن ارتباط العلم بالعمل من هم وأعظم الحقائق التي سادت الحضارة الإسلامية، وبنظرة سريعة إلى تراجم العلماء المسلمين، نقف على أنهم قدموا أصدق النماذج في هذا المجال، فقد عاشوا مشكلات مجتمعاتهم، وشاركوا بإيجابية في حلها، ويكفي على سبيل المثال أن يتأمل المرء تاريخ الفتن والحروب التي نشبت في أنحاء العالم الإسلامي ليقف على مظاهر الكفاح التي تمثلت في مواقف علمائه، وهي تبدأ من الدفاع عن الحق بالكلمة، حتى التضحية في سبيله بالروح([52]).

4- ومما يرتبط بالخلق السابق: "أن يتجنب العالم قول ما لا يفعل، أو الأمر بما لا يأتمر هو به، أو إظهار غير ما يعتقده في قلبه، معتمدًا على الحجة التي صاغها شاعر عربي في قوله:

اعمل بقولي وإن قصرت في عملي

ينفعك قولي، ولا يضررك تقصيري

عذرًا له في تقصيره، فيضره، وإن لم يضر غيره، فإن إعذار النفس يغيرها، ويحسن لها مساويها، فإن من قال ما لا يفعل فقد مكر، ومن أمر بما لا يأتمر فقد خدع، ومن أسر غير ما يظهر فقد نافق"([53]).

5- ومن آداب العلماء ألا يبخلوا بتعليم ما يحسنون، ولا يمتنعوا من إفادة ما يعلمون، فإن البخل به لؤم وظلم، والمنع منه حسد وإثم.

وكيف يسوغ لهم البخل بما مُنحوه جودًا من غير بخل، وأوتوه عفوًا من غير بذل؟! أم كيف يجوز لهم الشح بما إن بذلوه زاد ونما، وإن كتموه تناقص ووهى؟ ولو استن بذلك من تقدمهم لما وصل العلم إليهم، ولانقرض عنهم بانقراضهم!

قال الله تعالى: )إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلعَنُهُمُ اللّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ( ([54]).

وروى عن الرسول r أنه قال: "لا تمنعوا العلم أهله، فإن في ذلك فساد دينكم، والتباس ضمائركم".

وقال خالد بن صفوان: "إني لأفرح بإفادتي المتعلم أكثر من فرحي باستفادتي من العلم"([55]).

ومن المفيد هنا أن ننبه إلى أن دعوة الماوردي العلماء لنشر العلم في المشرق العربي، كان يقابلها في نفس الوقت تقريبًا دعوة أخرى من ابن حزم في المغرب العربي والأندلس، وذلك دون تخطيط مسبق من جهة عليا، فكلاهما كان يعيش تحت حكم دولة تختلف عن الأخرى في سياستها، يقول ابن حزم: "إن الحظ لمن آثر العلم، وعرف فضله أن يسهله جهده، ويقربه بقدر طاقته، ويخففه ما أمكن، بل لو أمكنه أن يهتف به على قوارع طرق المارة، ويدعو إليه في شوارع السابلة، وينادي عليه في مجامع السيارة، بل لو تيسر له أن يهب المال لطلابه، ويجزى الأجور لمقتنيه، ويعظم الأجعال عليه للباحثين عنه، ويسنى مراتب أهله، صابرًا في ذلك على المشقة والأذى لكان ذلك حظًا جزيلاً، وعملاً جيدًا، وسعيًا مشكورًا كريمًا، وإحياءً للعلم"([56]).

6- وينبغي أن يكون للعالم "فراسة" يتوسم بها المتعلم ليعرف مبلغ طاقته، وقدر استحقاقه، ليعطيه ما يتحمله بذكائه، أو يضعف عنه ببلادته، فإنه أروح للعالم، وأنجح للمتعلم"([57]).

ومن الواضح أن مراعاة قدرات الطالب قد أصبحت من أهم الأسس التربوية الحديثة، ويمكن القول بأن "الفراسة" التي يشترطها الماوردي في العالم - لا تكاد تخرج عن "ضرورة" إلمام المدرسين حاليًّا ببعض فروع علم النفس.

كما تتضمن الفقرة السابقة دعوة ضمنية إلى أهمية التخطيط العلمي، ووضع المناهج المناسبة لكل مرحلة من عمر الطالب، وبهذا يمكن للتعليم أن يؤتي ثمرته، ولا يصبح الطالب بقدراته واهتماماته في وادٍ، والأستاذ بتفرده ومعلوماته في وادٍ آخر.

7- ومن آداب العلماء: نزاهة النفس عن شبه المكاسب، والقناعة بالميسور عن كد المطالب، فإن شبه المكتسب إثم، وكد طالب الدنيا ذل، ومن أروع ما عبر عن هذا الناقد العربي الكبير عبد العزيز الجرجاني([58])، حينما قال من قصيدة جيدة:

ولم أبتذل في خدمة العلم مهجتي

لأخدم من لاقيت، لكن لأخدما

أأشقى به غرسًا، وأجنية ذلة

إذن فاتباع الجهل قد كان أحزما

ولو أن أهل العلم صانوه صانهم

ولو عظموه في النفوس لعظما

ولكن أهانوه فهان، ودنسوا

محياه بالأطماع حتى تجهما

ويعلق الماوردي على ذلك "بأن العالم المخلص لا يجد متعة فيما سوى العلم، فإنه عوض من كل لذة، ومغن عن كل شهوة"([59]).

8- ومن آداب العلماء: أن يقصدوا وجه الله بتعليم من علموا ويطلبوا ثوابه بإرشاد من أرشدوا، من غير أن يعتاضوا عليه عوضًا ولا يلتمسوا عليه رزقًا([60])، فقد قال الله تعالى: )وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلاً( ([61]).

وحقيقة كان العلماء في العصور الإسلامية الأولى، لا يتقاضون أجورًا لقاء تعليمهم الناس، فقد كان يجلس في المسجد من يحس الكفاءة في نفسه، ثم يأخذ في عرض ما عنده، ولا يلبث أن يتحلق حوله طائفة، يسمعون ويسألون ويناقشون، دون أن يدفعوا في مقابل ذلك شيئًا، هذا مع ملاحظة أن العالم ـ قبل أن يجلس للتعليم ـ يكون قد قام بعدة رحلات في سبيل طلب العلم، ولا شك في أن هذه الرحلات كانت تكلف الكثير من المال، بالإضافة إلى شراء ما يلزمه من كتب وأدوات.

ومع ذلك فقد كان خلفاء هذه العصور وأمراؤها يجزلون العطاء لبعض العلماء، ولكنه كان عطاء متقطعًا، أما العطاء الثابت فقد اختص به العلماء الذين كانوا يتفرغون أحيانًا لتعليم أولاد الخلفاء والأمراء، والذين أطلق عليهم لقب "المؤدبين" وكذلك لبعض العلماء الذين كانت الدولة تستعين بهم في بث أفكارها السياسة وصد الأفكار المناهضة.

ومن الطريف أن الوزير السلجوقي نظام الملك عندما أنشأ مجموعة المدارس النظامية، في منتصف القرن الخامس الهجري، ورتب لها المدرسين بأجور، أقام علماء ما وراء النهر "مأتم العلم" وقالوا: "كان يشتغل بالعلم أرباب الهمم العلمية، والأنفس الزكية الذين يقصدون العلم لشرفه والكمال به، وإذا صار عليه أجر، تدانى إليه الأخساء وأرباب الكسل فيكون ذلك سببًا لمهانته وضعفه"([62]).

ويمكن اعتبار رأي الماوردي السابق جزءًا من هذا الموقف الناشئ من الخشية على جلال العلم أن يتلوث بالأغراض المادية، وربما كان موقف ابن حزم السابق أكثر معقولية، وقربًا من الواقع.

9- ومن آداب العلماء: نصح من علموه، والرفق بهم، وتسهيل السبيل عليهم، وبذل المجهود في رفدهم ومعونتهم، فإن ذلك أعظم لأجرهم، وأسنى لذكرهم، وأنشر لعلومهم، وأرسخ لمعلوماتهم.

10- ومن آدابهم: ألا يعنفوا متعلمًا، ولا يحقروا ناشئًا، ولا يستصغروا مبتدئًا، فإن ذلك أدعى إليهم، وأعطف عليهم، وأحث على الرغبة فيما لديهم.

11- ومن آدابهم: ألا يمنعوا طالبًا، ولا ينفروا راغبًا، ولا يؤيسوا متعلمًا، لما في ذلك من قطع الرغبة فيهم، والزهد فيما لديهم، واستمرار ذلك مفض إلى انقراض العلم بانقراضهم.

وهكذا يتضح أن الماوردي حين دعا المتعلم إلى عدد من الآداب، يلتزمها نحو مهنته الشريفة بوجه عام، وتجاه أستاذه بصفة خاصة، فقد أوجب على العالم عدة آداب، تعد معظمها حقوقًا عليه للمتعلم، بل ربما لوحظ أنها أكثر من واجبات المتعلم نحوه.

* *



([1]) طبع بمطبعة الوطن في مصر سنة 1298هـ، وهو الكتاب الذي تأثر به أبو بكر الطرطوشي (الأندلسي ت 520هـ) في كتابه "سراح الملوك" ويقال إن ابن خلدون فلسف أقوال سراج الملوك في مقدمته الشهيرة، انظر: "ظهر الإسلام" لأحمد أمين 3/268، 269.

([2]) قدمت رسالة ماجستير بجامعة القاهرة عن "الفكرة السياسية عند الماوردي" مع تحقيق مخطوطة: "قوانين الوزراء".

([3]) الطبعة التي سندرسها هنا هي الطبعة التاسعة سنة 1917م، وانظر "ترجمة الماوردي" التي جمعها أحمد إبراهيم في المقدمة.

([4]) أدب الدنيا والدين، ص1.

([5]) أدب الدنيا والدين، ص1، 2.

([6]) نفس المصدر، ص 353.

([7]) أدب الدنيا والدين، ص 353.

([8]) نفس المصدر، ص 354.

([9]) نفس المصدر، ص354.

([10]) أدب الدنيا والدين، ص354.

([11]) نفس المصدر، ص 354.

([12]) أدب الدنيا والدين، ص 21.

([13]) سورة الزمر، الآية 9.

([14]) أدب الدنيا والدين، ص21ـ23.

([15]) نفس المصدر، ص 23.

([16]) انظر: تاريخ الفلسفة اليونانية ليوسف كرم، ص 45.

([17]) أدب الدنيا والدين، ص 24.

([18]) أدب الدنيا والدين، ص25.

([19]) نفس المصدر، ص 26.

([20]) نفس المصدر، ونفس الصفحة.

([21]) أدب الدنيا والدين، ص 26.

([22]) نفس المصدر، ص 27.

([23]) أدب الدنيا والدين، ص 27.

([24]) أدب الدنيا والدين، ص 32، والمجدود: المحظوظ.

([25]) نفس المصدر، نفس الصفحة.

([26]) نظم أبو تمام هذا المعنى في قوله:

ولو كانت الأرزاق تجري على الحجا

هلكن إذن مـن جهلهن البهائـم

([27]) أدب الدنيا والدين، ص 29.

([28]) أدب الدنيا والدين، ص 31.

([29]) نفس المصدر، نفس الصفحة.

([30]) نفس المصدر، ص 33.

([31]) يفرق الماوردي بين المناظر في العلم وهو الذي يقصده بمناظرته طلب الصواب، وبين المماري الذي يقصد بها رد الصواب والخطأ على السواء.

([32]) أدب الدنيا والدين، ص 35.

([33]) نفس المصدر، ص 39.

([34]) نفس المصدر، ونفس الصفحة - ويمكن الرجوع إلى الصفحات 40ـ48، حيث يشرح الماوردي بالتفصيل الأسباب التي تمنع طالب العلم من فهم المعنى، وطريقة التغلب عليها.

([35]) نفس المصدر، ص 56.

([36]) أدب الدنيا والدين، ص 56.

([37]) نفس المصدر، ص 57.

([38]) أدب الدنيا والدين، ص 57.

([39]) روح القدس بتحقيقنا، ص 287، الهيئة المصرية العامة للكتاب 2005م.

([40]) أدب الدنيا والدين، ص 58.

([41]) أدب الدنيا والدين، ص 58.

([42]) نفس المصدر، ص 59.

([43]) نفس المصدر، ص 60.

([44]) أدب الدنيا والدين، ص 61.

([45]) نفس المصدر، ص 61.

([46]) نفس المصدر، ص 61، 62.

([47]) نفس المصدر، ص 62.

([48]) نفس المصدر، ص 63.

([49]) أدب الدنيا والدين، ص 63.

([50]) نفس المصدر، ص 64، 65.

([51]) أدب الدنيا والدين، ص 65.

([52]) الرسول r هو الذي قدم النموذج الأول لذلك، فقد دعا إلى الحق، وحارب من أجله، وعلى هذا الطريق سار العلماء من الصحابة والتابعين، ويلاحظ أن انفصال العلماء عن قضايا مجتمعاتهم لم يكن مظهرًا من مظاهر ضعف العالم الإسلامي، بقدر ما كان من عوامل هذا الضعف.

([53]) أدب الدنيا والدين، ص 68.

([54]) سورة البقرة، الآية 159.

([55]) أدب الدنيا والدين، ص69.

([56]) التقريب لحد المنطق، ص 8، 9.

([57]) أدب الدنيا والدين، ص 73.

([58]) صاحب كتاب "الوساطة بين المتنبي وخصومه".

([59]) أدب الدنيا والدين، ص 74.

([60]) نفس المصدر، ص 75.

([61]) سورة البقرة، الآية 41.

([62]) لمزيد من التفصيلات القيمة عن موضوع التعليم والتربية في الإسلام، انظر كتاب الأستاذ الدكتور أحمد شلبي "تاريخ التربية الإسلامية" ط رابعة، مكتبة النهضة المصرية.

التعليقات (1)Add Comment
0
...
أرسلت بواسطة نور نيازي, يوليو 09, 2016
جزاكم الله خيرا ما أحوج طلابنا ومعلمينا أن يتمسكوا بهذه الآداب ويعود للعلم هيبته .

أضف تعليق
تصغير | تكبير

busy