عداد الزائرين

mod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_counter

إضافات حديثة

   
 
نقد أخلاق العصر عند ابن الجوزي صيغة PDF طباعة أرسل لصديقك
كتبها Administrator   
الأحد, 21 ديسمبر 2014 19:53

نقد أخلاق العصر عند ابن الجوزي


ابن الجوزي أحد أعلام الثقافة الإسلامية، ولد في بغداد سنة 510 هجرية، وقام بعدة رحلات في سبيل تحصيل العلم، ثم استقر في بغداد، وكانت وفاته بها سنة (597هـ/1200م).

كانت مواهبه متعددة، فقد كتب في التفسير، وصنف في التاريخ كتاب (المنتظم) وألف في علم الحديث عدة كتب، أهمها كتاب (الموضوعات) تناول فيه الأحاديث التي وضعت بعد وفاة الرسول r ونقدها من حيث المتن والسند.

أما اهتمامه الرئيسي فقد كان موجهًا إلى جلاء العقلية الإسلامية . مما علاها من صدأ الأوهام، وتنقية الضمير الإسلامي مما شابه من الخرافات، لذلك عاش أكثر حياته التي قاربت التسعين، بين الناس، يراهم ويسمع منهم، وهو في ذلك يكتشف، ويحاول أن يصل إلى أصول كثير من أدواء المجتمع الإسلامي الذي كان حينئذ يترنح من حملات الصليبيين، ويتحامل على نفسه منتظرًا الضربة القاضية على أيدي التتار.

كانت الحضارة الإسلامية تنهار ـ في الوقت الذي اكتشف فيه ابن الجوزي أهم عوامل تدهورها، وهو فساد الأخلاق على كل المستويات، الحكام، والعلماء، والصوفية، والتجار، والعامة، وعلى الرغم من أن الوقت لم يكن في صالحه، فقد بذل غاية ما يستطيع.

يروى ابن جبير في رحلته الشهيرة أن مجالس وعظ ابن الجوزي كانت تمتلئ بالتائبين، ويحكي هو عن نفسه أن أكثر من مائتي رجل قد أسلموا على يديه، وهذا يدلنا على ما كان يمتاز به من تأثير روحي على الجماهير.

والواقع أن كتبه كذلك زاخرة بدفء هذا التأثير، مع وضوح في عرض فكرته، وبساطة في لغته.

لم يكتف ابن الجوزي بطريقة الوعظ المباشر وحده، فقد وضع عدة كتب عن حياة أعلام الإسلام من أمثال: عمر بن الخطاب، وعمر بن عبد العزيز، وأحمد بن حنبل، وغيرهم لتكون نماذج يقتدى بها في مجال السلوك.

ومع ذلك فإن وعظه المباشر يمتاز بعدة خصائص تبعده عن الجفاف الذي يغلب على هذا اللون، فيحس القارئ له أنه أمام رجل مخلص في إسداء النصح، قوى الحجة في تقديم الأدلة، مدرك تمام الإدراك للطبيعة الإنسانية، وما فيها من جوانب القوة والضعف.

بالإضافة إلى ذلك، يكثر ابن الجوزي من الحديث عن تجاربه الشخصية في مجال الجهاد الخلقي، ويقدم أمثلة من حياته عن الميل إلى الشهوات، والضعف الإنساني بوجه عام، مما يجعل القارئ يطمئن إلى أنه أمام شخص مثله، يواجه في الحياة ما يواجه، ثم لا يلبث ابن الجوزي أن يأخذ بيده ـ في رفق وإقناع ـ إلى الطريق الصحيح.

لقد قيل: إن البحث الفلسفي في الإسلام قد اقتصر على الناحية النظرية العقلية، ولم يستطع الفلاسفة أن يعالجوا المسائل التي عرضتها لهم الحياة الواقعية من اجتماعية وسياسية، وذلك لبعدهم عن الأمور العملية([1]).

وقد يكون هذا صحيحًا بالنسبة لأمثال الكندي والفارابي وابن سينا وابن رشد الذين تأثروا كثيرًا بالفلسفة اليونانية، واشتهروا بأنهم فلاسفة الإسلام.

لكن التاريخ الفكري للحضارة الإسلامية يثبت أنه، بالإضافة إلى هؤلاء، ظهر، وحظى بنفوذ أوسع طائفة من المصلحين الدينيين والاجتماعيين، كانت لهم فلسفة تناولت جوانب الحياة العملية في مجتمعاتهم، وقدمت تصورًا شاملاً للإصلاح، ومن أمثلة هؤلاء: الماوردي، والغزالي، وابن تيمية، وابن الجوزي الذي سنخصص الجزء التالي لدراسة موقفه النقدي من عصره.

نقد أخلاق العصر:

من الأفضل أن نعتمد هنا على كتابين لابن الجوزي يبرزان هذا الجانب الذي أعطى له جزءًا كبيرًا من اهتمامه وعمره.

أما الكتاب الأول فهو المسمى "تلبيس إبليس" ومعنى التلبيس إظهار الباطل في صورة الحق، وقد يكون ظاهرًا أو خفيًا.

ومن الجدير بالذكر أن ابن الجوزي يبين أن إبليس إنما يقوى تلبيسه على قدر قوة الجهل في النفوس، وقد تتبع المظاهر التي يتمثل فيها هذا الداء لدى الفلاسفة، والمتكلمين، ومقرئي القرآن، والفقهاء، والوعاظ، والصوفية، واللغويين، والأدباء، والشعراء، والسلاطين والولاة، وأصحاب المناصب، والأغنياء، والفقراء، والنساء، والعامة.

ويلاحظ أنه ركز بصفة خاصة على الصوفية والزهاد، وكشف عن مواطن انحرافهم عن المبادئ الإسلامية الصافية في الحياة الدينية والاجتماعية، ويكاد يبلغ هجومه على الصوفية أكثر من ثلثي الكتاب ويعتمد ابن الجوزي فيه على كثير من النقول ليدعم بها آراءه الجريئة في نقد تلك الطوائف التي كان لها خطرها الكبير في المجتمع.

وأما الكتاب الثاني: "صيد الخاطر" ، فهو عبارة عن تأملات متفرقة في الشئون الدينية والاجتماعية والأخلاقية والفلسفية ـ كانت تسنح لابن الجوزي في أوقات هدوئه النسبي، وعندما لاحظ أهميتها من ناحية، وسرعة نسيانها من ناحية ثانية، بادر إلى تسجيلها في هذا الكتاب القيم الذي يحتوي على نظرات صائبة في أمور مازالت تتكرر حتى اليوم.

ويلاحظ أن النقول في هذا الكتاب تقل كثيرًا جدًّا عن الكتاب السابق، وهذا بالطبع ناتج عن اعتماد مادة "صيد الخاطر" بصفة أساسية على الملاحظات الشخصية، والتجارب الذاتية التي مر بها ابن الجوزي.

وسوف نقوم فيما يلي بتصنيف الطوائف التي نقدها ابن الجوزي، ويلاحظ أننا استبعدنا نقده للفلاسفة والمتكلمين، نظرًا لما يتطلبه هذا النقد من الدخول في مشكلات عقلية خالصة، ونحن هنا نهتم، في المقام الأول، بنقد الواقع العملي.

نقد مقرئى القرآن:

تأمل ابن الجوزي حالة قراء عصره، فلاحظ عددًا من العيوب العلمية والأخلاقية يمكن إجمالها فيما يلي:

1- أن بعضهم يشتغل بالقراءات الشاذة وتحصيلها، فيفنى أكثر عمره في جمعها وتصنيفها والإقراء بها، ويشغله ذلك عن معرفة الفرائض والواجبات، فربما رأيت إمام مسجد يتصدى للإقراء ، ولا يعرف ما يفسد الصلاة، ولو تفكر مثل هؤلاء لعلموا أن المراد: حفظ القرآن، وتقويم ألفاظه، ثم فهمه، ثم العمل به، ثم الإقبال على ما يصلح النفس، ويطهر أخلاقها، قال الحسن البصري: "أنزل القرآن ليعمل به، فاتخذ الناس تلاوته عملاً"([2]).

2- أن أحدهم يقرأ في محرابه بالشاذ ويترك المتواتر المشهور، والصحيح عند العلماء أن الصلاة لا تصح بهذا الشاذ، وإنما مقصود هذا إظهار الغريب لاستجلاب مدح الناس وإقبالهم عليه، وعنده أنه متشاغل بالقرآن، ومنهم من يجمع القراءات فيقول (ملك ـ مالك ـ ملاك) وهذا لا يجوز؛ لأنه إخراج للقرآن عن نظمه([3]).

3- أن بعضهم يكاد يجعل تلاوته القرآن على نمط تلحين الأغاني، وكلما قرب ذلك من مشابهة الغناء زادت كراهيته. والواقع أن جماعة من متقدمي القراء هم الذين (أحدثوا) قراءة الألحان ، وعلى الرغم من أنها كانت، إلى حد كبير، بصورة مقبولة، فقد كرهها الإمام أحمد بن حنبل وغيره، وأباحها الشافعي، لكن ابن الجوزي يرى أن الشافعي إنما أشار في إباحتها إلى ما كان في زمانه (النصف الثاني من القرن الثاني الهجري) وكانوا يلحنون يسيرًا، ولو رأى الشافعي حال التلاوة في عصر ابن الجوزي لما أباحها على الإطلاق! ([4]).

4- أن بعضهم يتسامح بشيء من الخطايا كأن يتناول زميلاً له في غيابه، وربما أتوا أكبر من ذلك الذنب، واعتقدوا أن حفظ القرآن يرفع عنهم العذاب، واحتجوا بقول الرسول: "لو جعل القرآن في إهاب ما احترق" وذلك من تلبيس إبليس عليهم؛ لأن عذاب من يعلم أكثر من عذاب من يجهل ، فزيادة العلم تقوي الحجة، وكون القارئ لم يحترم ما يحفظ ذنب آخر([5]).

نقد الفقهاء:

كان الفقهاء في صدر الإسلام هم أهل القرآن والحديث، فما زال الأمر يتناقص حتى قال المتأخرون: يكفينا أن نعرف فقط آيات الأحكام من القرآن، وأن نعتمد فحسب على الكتب المشهورة في الحديث، ثم استهانوا بهذا الأمر أيضًا وصار أحدهم يحتج بآية لا يعرف معناها، وبحديث لا يدري: أصحيح هو أم لا؟ وربما اعتمد على قياس يعارضه حديث صحيح وهو لا يعلم، لقلة معرفته بعلم الحديث، وإنما الفقه استخراج الأحكام من الكتاب والسنة، فكيف يستخرجها من شيء لا يعرفه([6]).

وبالإضافة إلى هذا التقصير، لاحظ ابن الجوزي ـ في فقهاء عصره ـ عددًا من مظاهر الضعف العلمي والأخلاقي يمكن إجمالها فيما يلي :

1- أن معظم اعتمادهم على تحصيل علم الجدل، والاهتمام بمسائل عامة تتيح للناظر فيها التقدم عند الناس "فهمّ أحدهم بترتيب المجادلة والتفتيش على المناقضات طلبًا للمفاخرات والمباهاة وربما لم يعرف الحكم في مسألة صغيرة تعم بها البلوى"([7]).

2- أنهم يؤثرون القياس على الحديث المستدل به في مسألة ما، ليتسع لهم المجال في النظر العقلي، وإن استدل أحدهم بالحديث هُجن، ومن الأدب تقديم الاستدلال بالحديث([8]).

3- أن طلبهم للرئاسة بالمناظرة تثير غريزة حب الرئاسة الكامنة في النفس، فإذا وجد أحدهم في كلامه ضعفًا يتيح لخصمه أن ينتصر عليه خرج إلى المكابرة، فإن رأى خصمه قد استطال عليه بلفظ أخذته حمية الكبر فقابل ذلك بالسب، فصارت المجادلة مخاذلة([9]).

4- إن بعضهم يقدم على الفتوى وما بلغ مرتبتها بعد، وربما أفتى بعضهم بواقعاتهم المخالفة للنصوص، ولو توقفوا في المشكلات كان أولى، وقد روى عن عبد الرحمن بن أبى ليلى قال: "أدركت مائة وعشرين من أصحاب رسول الله r يسأل أحدهم عن المسألة فيردها هذا إلى هذا، وهذا إلى هذا، حتى ترجع إلى الأول"([10]).

5- أنهم جعلوا النظر في مسائل الخلاف جل اشتغالهم، ولم يمزجوه بما يرقق القلوب من قراءة القرآن، وسماع الحديث، وسيرة الرسول r وأصحابه، ومعلوم أن القلوب لا تخشع بتكرار إزالة النجاسة والماء المتغير، وهي محتاجة إلى التذكار والمواعظ لتنهض لطلب الآخرة([11]).

والواقع أن هذه الحقيقة مما أدركه ابن الجوزي نتيجة تجربة، فهو يقول في "صيد الخاطر"([12]): "رأيت الاشتغال بالفقه وسماع الحديث لا يكاد يكفي في صلاح القلب إلا أن يمزج بالرقائق والنظر في سير السلف الصالحين الذين تناولوا مقصود النقل، وخرجوا عن صور الأفعال المأمور بها إلى ذوق معانيها، والمراد بها، وما أخبرتك بهذا إلا بعد معالجة وذوق".

6- ومن تلبيس إبليس على الفقهاء مخالطتهم الأمراء والوزراء والسلاطين ومداهنتهم وترك الإنكار عليهم مع القدرة على ذلك، وربما رخصوا لهم فيما لا رخصة لهم فيه، لينالوا من دنياهم عرضًا، فيقع بذلك الفساد لثلاثة أوجه:

الأول: الأمير يقول: لولا أني على صواب لأنكر على الفقيه، وكيف لا أكون مصيبًا وهو يأكل من مالي؟!

الثاني: العامي أنه يقول: لا بأس بهذا الأمير ولا بماله ولا بأفعاله فإن فلانًا الفقيه لا يبرح من عنده.

الثالث: الفقيه فإنه يفسد دينه بذلك([13]).

7- وأخيرًا لاحظ ابن الجوزي ميل صغار الفقهاء إلى التبسط في المنهيات: فبعضهم يلبس الحرير ويتحلى بالذهب إلى غير ذلك من المعاصي، وقد بحث عن السبب الذي يدفع هؤلاء لمثل هذه الأعمال فوجده متنوعًا.

فمنهم من يكون فاسد العقيدة في أصل الدين، وهو يتفقه ليستر نفسه، أو ليأخذ من الوقف، أو ليرأس، أو ليناظر.

ومنهم مَنْ عقيدته صحيحة، لكن يغلبه الهوى، وحب الشهوات، وليس عنده صارف عن ذلك؛ لأن نفس الجدل والمناظرة تحرك إلى الكبر والعجب، وإنما يتقوم الإنسان بالرياضة ومطالعة سير السلف.

ومنهم من يزين له إبليس بأنك عالم وفقيه ومفت، والعلم يدفع عن أربابه، وهيهات! فإن العلم أولى أن يلزم صاحبه الحجة، ويضاعف عذابه، قال الحسن البصري: "إنما الفقيه من يخشى الله"([14]).

نقد الوعاظ:

وهذه الطائفة هي التي كانت ابن الجوزي يعد نفسه واحدًا منها، ويبدو أن إدراكه لدورها الذي كان من الممكن أن تؤديه في عصره جعله يفرد لها كتابًا سماه "كتاب القصّاص والمذكرين"([15])، تناول فيه آداب الوعظ، وطرق أدائه، وكشف عن عيوبه وآفاته، وهو يذكر أن ما يعرضه هنا من آفات الوعاظ مقتطف من الكتاب المذكور، فمن ذلك:

1- أن بعض الوعاظ كانوا (يضعون) أحاديث الترغيب والترهيب، وأغراهم إبليس بأنكم إنما تقصدون حث الناس على الخير، وكفهم عن الشر.

وهذا افتئات منهم على الشريعة؛ لأنها عندهم ـ بهذه الصورة ـ ناقصة تحتاج إلى تتمة، ثم نسوا قول رسول الله r : "من كذب عليَّ متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار"([16]).

2- ومنهم من يظهر من التواجد والتخاشع زيادة على ما في قلبه، وتدفعه كثرة الحاضرين إلى زيادة التصنع في هذا، وقد تسمح نفسه بفضل بكاء وخشوع، فمن كان منهم كاذبًا فقد خسر الآخرة ومن كان صادقًا لم يسلم صدقه من رياء يخالطه([17]).

3- ومنهم من يزوق عبارات لا معنى تحتها، وأكثر كلامهم اليوم فى (موسى والجبل) و(زليخا ويوسف) ولا يكادون يذكرون الفرائض ولا ينهون عن ذنب، فمتى يرجع صاحب الزنا، ومستعمل الربا، وتعرف المرأة حق زوجها، وتحفظ صلاتها؟([18]).

4- ومنهم من يتكلم في الرجاء والطمع من غير أن يمزج ذلك بما يوجب الخوف والحذر، فيزيد الناس جرأة على المعاصي، ثم يقوى ما ذكر بميله إلى الدنيا من المراكب الفارهة، والملابس الفاخرة ، فيفسد القلوب بقوله وفعله([19]).

والواقع أن تحقق المبادئ الأخلاقية في المصلح الأخلاقي أولاً ينبغي أن يسبق دعوته الناس إلى التمسك بها، وهذه نقطة تتصل بمنهج الإصلاح، ويمكن القول بأنها كانت ـ وما زالت ـ تقف وراء نجاح كل الدعوات الإصلاحية ، كما أن غيابها كان يؤدي دائمًا إلى فشل دعوات أخرى.

5- كذلك لاحظ ابن الجوزي أن مما يسئ إلى مهمة الوعظ الأخلاقى اتخاذها وسيلة للاكتساب، فهو يقول: "ولقد ظهر في زماننا هذا من القصاص ما لا يدخل في التلبيس؛ لأنه أمر صريح من كونهم جعلوا القصص معاشًا يستمحنون به الأمراء والظلمة، والأخذ من أصحاب المكوس (الضرائب) والتكسب به في البلدان، وفيهم من يحضر المقابر فيذكر البلى وفراق الأحبة، فيبكي النسوة، ولا يحث على الصبر"([20]).

نقد الأدباء والشعراء:

أفرد ابن الجوزي لنقد كل من هاتين الطائفتين فصلاً خاصًا لكننا نلاحظ أنه لم يعطهما الاهتمام الذي أعطاه لغيرهما، لذلك وضعناهما تحت عنوان واحد.

وأهم ما انتقد فيه ابن الجوزي الأدباء وأهل اللغة أنه رأى فيهم كبرياء عظيمة، وهو يرجعها إلى اعتقادهم بأن الأدب والنحو واللغة من علوم الإسلام، وبها يعرف معنى القرآن العزيز.

ويوافقهم ابن الجوزى على هذا، لكنه يرى أن المهم في معرفة اللغة والنحو هو ما يقيم اللسان فقط، ثم إن ما بعد ذلك هو من فضول العلم التي يعد غيرها أهم منها بكثير([21]).

ولا شك في أن ابن الجوزي لا يغض من قيمة هذه العلوم في حد ذاتها، وإنما يحاول هنا أن ينبه أصحابها المتكبرين فقط إلى أنهم يقفون في بداية طريق العلم الطويل، ومن الأجدر بهم أن يهدهدوا من كبريائهم التي لا مبرر لها.

أما الشعراء فمن أطرف ما لاحظه ابن الجوزي ظاهرة شكواهم وتسخطهم ولومهم الأقدار، إذا ضاق بهم رزق، كقول بعضهم:

لئن سمت همتي في الفضل عالية

فإن حظى ببطن الدهر ملتصق

كم يفعل الدهر بي ما لا أسر به

وكم يسئ زمان جائر حنق

ويعلق ابن الجوزي على ذلك قائلاً: إن هؤلاء نسوا أن معاصيهم هي التي تضيق أرزاقهم فهم لا يتحاشون من لبس الحرير، والكذب في المدح، ولا يتورعون عن حكاية اجتماعهم على الفسق وشرب الخمر، ثم على أي شيء رأوا أنفسهم مستحقين للنعم، مستوجبين السلامة من البلاء([22]).

فهل يمكن القول بأن ابن الجوزي كان يرجو من شعراء عصره أن يساهموا في إصلاح مجتمعهم عن طريق الكلمة الموجهة، والقدوة الطيبة، في الوقت نفسه؟!

نقد الصوفية:

يرى ابن الجوزي أن التصوف "طريقة" كان ابتداؤها " الزهد الكلى"، ثم ترخص المنتسبون إليها بالسماع والرقص في حلقاتهم : مال إليها طلاب الآخرة من العوام لما يظهرونه من التزهد، ومال إليها أيضًا طلاب الدنيا لما يرون عندهم من الراحة واللهو([23]).

ثم يبين التطور الذي أدى إلى هذه الظاهرة، فيقول: إن النسبة في زمن الرسول r كانت إلى الإيمان والإسلام، فيقال: (مسلم ومؤمن) ثم حدث اسم (زاهد وعابد)، ثم نشأ أقوام تعلقوا بالزهد والتعبد فتخلوا عن الدنيا وانقطعوا إلى العبادة، واتخذوا في ذلك طريقة تفردوا بها فسموا (صوفية أو متصوفة).

وقد اختلف في منشأ تسمية هذه الظاهرة باسم (التصوف). وابن الجوزي يرجح أنها تعود إلى "أهل الصُّفّة" وكانوا جماعة فقراء يقدمون على الرسول r وما لهم أهل ولا مال فبنيت لهم صُّفّة (بضم الصاد) - مظلة أو تعريشة - في مسجده، وقيل عنهم: أهل الصفة([24]).

لكن ابن الجوزي يؤكد أن هذا اللقب لم يظهر إلا في أواخر المائة الثانية من الهجرة، ولما ظهر أوائلهم تكلموا به، وعبروا عن صفته بعبارات كثيرة([25])، وحاصلها: أن التصوف عندهم رياضة النفس، ومجاهدة الطبع برده عن الأخلاق الرذيلة، وحمله على الأخلاق الجميلة من الزهد والحلم والصبر والإخلاص والصدق، إلى غير ذلك من الخصال الحسنة التي تكسب المديح في الدنيا، والثواب في الآخرة([26]).

وعلى هذا كان أوائل الصوفية.. فلبَّس إبليس عليهم في أشياء، ثم لبس على من بعدهم من تابعيهم، فكلما مضى قرن زاد طمعه في القرن الثاني، فزاد تلبيسه عليهم إلى أن تمكن من المتأخرين غاية التمكن.

والواقع أن ابن الجوزي قد اختص صوفية عصره بحملة عنيفة، ويبين عنفها مقدار ما وصلت إليه هذه الطائفة من نفوذ، كما يدل على مدى ما انحطت إليه من مفاسد دينية وأخلاقية.

يقوم نقد ابن الجوزي للصوفية على منهجين: أحدهما عقلي يعتمد على مناقشة حججهم، وبيان ما وقعوا فيه من أخطاء كدعوى انصرافهم عن العلم، والاقتصار على العمل، وفصلهم بين علم الظاهر وعلم الباطن، وسوء فهمهم لمعنى التوكل... إلخ.

أما المنهج الآخر فيعتمد على إيراد النقول الدينية من القرآن والسنة وسير السلف في مواجهة ذلك الحشد الهائل من التراث الصوفي الذي خلفه شيوخ الصوفية، وصار الأتباع يتلقونه عنهم في تقديس، ثم يحتجون به في عناد.

ويمكن الوقوف على أحد تطبيقات هذا المنهج الثاني من النموذج التالي الذي يتناول بعض مظاهر الصوفية الاجتماعية، وعلاقتها بالصدق مع النفس، يقول ابن الجوزي: "تاملت على متزهدي زماننا أشياء تدل على النفاق والرياء، وهم يدعون الإخلاص: منها أنهم يلزمون زاوية، فلا يزورون صديقًا، ولا يعودون مريضًا، ويدعون أنهم يريدون الانقطاع عن الناس اشتغالاً بالعبادة، وإنما هي إقامة نواميس ليشار إليهم بالانقطاع، إذ لو مشوا بين الناس زالت هيبتهم.

ولما كان الناس كذلك، كان رسول الله r يعود المريض، ويشتري الحاجة من السوق، وأبو بكر يتجر في البز (بفتح الباء: الحرير) وأبو عبيدة بن الجراح يحفر القبور، وابن سيرين يغسل الموتى، وما كان عند القوم إقامة ناموس.

وأصحابنا يلزمون الصمت بين الناس والتخاشع والتماوت، وهذا هو النفاق، فقد كان ابن سيرين يضحك بالنهار، وبين الناس، ويبكي بالليل.

وقد رأيت من المتزهدين من يلزم المسجد ويصلي، فيجتمع الناس فيصلون بصلاته ليلاً ونهارًا، وقد شاع هذا له فتقوى نفسه عليه بحب المحمدة والنبي r قال في صلاة التطوع: "اجعلوا هذه في البيوت".

وفي أصحابنا من يظهر الصوم الدائم، ويتقوت بقول الناس: فلان ما يفطر أصلاً، وهذا الأبله ما يدري أنه لأجل الناس يفعل ذلك.

وفيهم من يأخذ الصدقات وهو غني، ولا يبالي: أخذ من الظلمة أو من أهل الخير؟ ويمشي إلى الأمراء يسألهم، وهو لا يدري: من أين حصلت أموالهم؟

وقد بلغنا أن أحد الصوفية دخل على أمير ظالم فوعظه، فأعطاه شيئًا فقبله، فقال الأمير: "كلنا صيادون، وإنما الشباك تختلف"([27]).

ثم يعلق ابن الجوزي على هذه الملاحظات بقوله: "فالله الله في إصلاح النيات، فإن جمهور هذه الأعمال مردود، وليعلم المرائي أن الذي يقصده يفوته، وهو التفات القلوب إليه، فإنه متى لم يخلص حرم محبة القلوب، ولم يلتفت إليه أحد، والمخلص محبوب، فلو علم المرائي أن قلوب الذين يرائيهم بيد من يعصيه لما فعل، وكم رأينا من يلبس الصوف، ويظهر النسك لا يلتفت إليه، وآخر يلبس جيد الثياب ويبتسم، والقلوب تحبه([28]).

نقد السلاطين والولاة:

يقصد ابن الجوزي بالسلاطين: الأتراك السلاجقة الذين سيطروا على الخلافة العباسية منذ عام 447 هجرية، واستمر نفوذهم أكثر من قرنين، تعرض العالم الإسلامي فيهما لأهم موجتين من موجات التدمير في تاريخه القديم، وهما الحملات الصليبية التي استولت على بيت المقدس سنة 492هـ، وزحف التتار الذي اكتسح مدينة بغداد سنة 656هـ.

وقد أثبت التاريخ أن نظام الإقطاع الذي أقره السلاجقة ونشروه كان أهم عوامل ضعفهم([29]) والواقع أن ابن الجوزي أدرك هذا العامل أثناء نقدهم لهم، حين ذكر أن إبليس قد زين لهم الانبساط في أموال المسلمين ظنًّا منهم أنها تحت حكمهم، وهذا تلبيس يكشفه وجوب الحجر على المفرط في مال نفسه، فكيف بالمستأجر في حفظ مال غيره.

وإن من له حق المال يقدر عمله فلا وجه للانبساط، وقد يزين لبعضهم منع المستحقين، وهو نظير التبذير([30]).

كذلك يرى ابن الجوزي أن إبليس قد زين لهم استجلاب الأموال واستخراجها بالضرب العنيف، وأخذ كل ما يملكه الخائن واستخلافه، وإنما الطريق إقامة البينة على الخائن، وقد روينا عن عمر بن عبد العزيز أن أحد ولاته كتب إليه: أن قومًا خانوا في مال الله، ولا أقدر على استخلاص ما في أيديهم، إلا أن أنالهم بعذاب، فكتب إليه: لأن يلقوا الله بخيانتهم أحب إليَّ من أن ألقاه بدمائهم([31]).

بالإضافة إلى ما سبق، لاحظ ابن الجوزي على سلاطين عصره وولاتهم عددًا من الخصال، نجملها فيما يلي:

1- أنهم - على الرغم من قيام حكمهم على نظام الإرث الذي لا يقره الإسلام - يعتقدون أن الله يحبهم، ولولا ذلك ما ولاهم سلطانه، ولا جعلهم نوابًا عنه في عباده. ويوضح ابن الجوزي أنهم لو كانوا نوابًا عنه في الحقيقة لحكموا بشرعه واتبعوا مراضيه، فحينئذ يحبهم لطاعته، فأما صورة الملك والسلطنة فإنه قد أعطاها خلقًا ممن يبغضهم، وقد بسط الدنيا لكثير ممن لا ينظر إليه!.

2- أنهم يرون أن الولاية تتطلب مزيدًا من الهيبة، فيتكبرون عن طلب العلم، ومجالسة العلماء، فيعملون بآرائهم، فيتلفون الدين، والمعلوم أن الطبع يسرق من خصال المخالطين، فإذا خالطوا مؤثري الدنيا، الجهال بالشرع سرق الطبع من خصالهم، مع ما عنده منها، ولا يرى ما يقاومها ولا ما يزجره عنها، وذلك سبب الهلاك.

3- أنهم يخافون الأعداء، فيضطرون إلى تشديد الحجاب فلا يصل إليهم أهل المظالم، وفي هذه الظروف قد يهمل المكلف برفع الظلم إليهم، وقد روى عن الرسول r: "من ولاه الله شيئًا من أمر المسلمين فاحتجب دون حاجتهم وخلتهم وفقرهم احتجب الله، عز وجل ، دون حاجته وخلته وفقره"([32]).

4- أنهم يطعمون من لا يصلح ممن لا علم عنده ولا تقوى، فيجتلب الدعاء عليهم بظلمه الناس، ويطعمهم الحرام بالبيوع الفاسدة ويعاقب من لا يجب عليه العقاب، ويظنون أنهم يتخلصون من الله، عز وجل، مما جعلوه في عنق الوالي ـ هيهات ـ إن العامل على الزكاة إذا وكل الفساق بتفرقتها فخانوا ضمن.

5- أن إبليس قد يلبس على أكثرهم بأنه قد قام بما يجب من جهة أن ظواهر الأحوال مستقيمة، ولو حقق النظر لرأي اختلالاً كثيرًا، وقد روى عن علي بن عيسى الوزير أنه وظف رجلاً يطوف على باعة العنب فإذا اشترى أحد سلة عنب خمري لم يعرض له، وإن اشترى سلتين فصاعدًا طرح عليها الملح لئلا يتمكن من عملها خمرًا، وكان بعض الحكام يمنع المنجمين من القعود في الطريق حتى لا يفشوا العمل بالنجوم([33]).

6- وأخيرًا، يلاحظ ابن الجوزي أن بعض الولاة يعمل لمن فوقه فيأمره بالظلم فيظلم، ويوهمه إبليس بأن الإثم على الأمير، لا عليك.

ويصرح ابن الجوزي بأن هذا باطل؛ لأنه معين على الظلم، وكل معين على المعاصي عاص، فإن الرسول r لعن آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه.

ومن ذلك أن يجبى المال لمن هو فوقه، وقد علم أنه يبذر فيه ويخون، فهذا معين على الظلم، قال مالك بن دينار: "كفى بالمرء خيانة أن يكون أمينًا للخونة"([34]).

نقد أصحاب المناصب (المسئولين فى الدولة) :

يقول ابن الجوزي: "مازلت أسمع عن جماعة من الأكابر وأرباب المناصب أنهم يشربون الخمر ويفسقون، ويظلمون ويفعلون أشياء توجب الحدود، فبقيت أتفكر وأقول: متى يثبت على هؤلاء ما يوجب حدًّا؟ ولو ثبت فمن يقيمه؟ وأستبعد هذا في العادة؛ لأنهم في مقام احترام لأجل مناصبهم.

فبقيت أتفكر في تعطيل الحد الواجب عليهم، حتى رأيناهم وقد نكبوا وأخذوا مرات، ومرت عليهم العجائب، فقوبل ظلمهم بأخذ أموال، وأخذت منهم الحدود مضاعفة بعد الحبس الطويل، والقيد الثقيل، والذل العظيم، وفيهم من قتل بعد ملاقاة كل شدة، فعلمت أنه ما يهمل شيء"([35]).

ومن الواضح أن طريقة ابن الجوزي في الإصلاح تتخذ هنا شكلاً يختلف تمامًا عن الوعظ المباشر، فهي تعتمد في تنبيه المنحرفين وزجرهم على اطراد قانون العدالة الإلهية الذي لا يخطئ أبدًا، وإذا أمهل بعض مرتكبي المعاصي لفترة من الوقت، فإنه لا يهملهم بحال ما إلى الأبد.

نقد الأغنياء:

يطلق عليهم ابن الجوزي "أصحاب الأموال" ويعني بهم: التجار، وأصحاب الصناعات، والمزارع وغيرها، ويتجه نقده لهذه الطوائف على أساس أموالهم: من أين اكتسبوها؟ وكيف يبخلون بها؟ وما هو الشعور الذي يملؤهم نتيجة الحصول عليها؟ وفي أي الجهات ينفقونها؟

فأما من جهة كسبها، فقد أصبحوا لا يبالون كيف حصلت؟ وقد فشا الربا في معاملاتهم وأنسوه، حتى إن جمهور معاملاتهم قد أصبحت خارجة عن الإجماع([36]).

وأما من حيث البخل بها فمنهم من لا يخرج الزكاة أصلاً، اتكالاً على العفو، ومنهم من يخرج بعضها ثم يغلبه البخل فيظن أن ما أخرجه يدفع عنه، ومنهم من يحتال لإسقاطها مثل أن يهب المال قبل الحول (العام) ثم يسترده، ومنهم من يحتال بإعطاء الفقير ثوبًا يقومه عليه بعشرة دنانير وهو يساوي دينارين، ويظن أنه بذلك الجهل قد تخلص، ومنهم من يخرج الردىء مكان الجيد، ومنهم من يعطي الزكاة لمن يستخدمه طول السنة فهي على الحقيقة أجرة([37]).

أما من حيث التكبر بالمال نتيجة الحصول عليه، فإن الغني يرى نفسه خيرًا من الفقير، وهذا جهل؛ لأن الفضل إنما يكون بفضائل النفس اللازمة لها، لا بجمع حجارة خارجة عنها([38]).

وأخيرًا من حيث إنفاق الأموال على وجه التبذير والإسراف، تارة في البنيان الزائد على مقدار الحاجة وتزويق الحيطان، وزخرفة البيوت وعمل الصور، وتارة في الزي الخارج بصاحبه إلى الزهو والخيلاء، وتارة في المطاعم الخارجة إلى السرف، وهذه الأفعال لا يسلم صاحبها من فعل محرم أو مكروه، وهو مسئول عن جميع ذلك([39]).

نقد الفقراء:

من الغريب حقًا أن يشمل نقد ابن الجوزي هذه الطائفة التي قد توحي حالتها أو حتى مجرد اسمها بغض الطرف عنها، والتوجه كلية إلى الأغنياء لعطف قلوبهم عليها.

ولكن ابن الجوزي الذي عايش الناس على اختلاف طبقاتهم، وكثيرًا ما استمع إلى شكواهم، واطلع على دخائل نفوسهم، قد لاحظ أنه في داخل طائفة الفقراء أنفسهم توجد جماعة من الأغنياء لكنهم يفضلون أن يظهروا دائمًا بمظهر الفقر، والدوافع مختلفة، فمنهم من يظهر الفقر وهو غنى، فإن أضاف إلى هذا سؤال الناس والأخذ منهم، فإنما يستكثر من نار جهنم قال رسول r : "من سأل الناس أموالهم تكثرًا فكأنما يسأل جمرًا، فليستقل منه أو ليستكثر"([40]).

وإن لم يقبل هذا الرجل من الناس شيئًا، وكان مقصوده بإظهار الفقر أن يقال: رجل زاهد، فقد راءى.

وإن كتم نعمة الله عنه ليظهر عليه الفقر، حتى لا يضطر إلى الإنفاق، فقد جمع إلى البخل، الشكوى من الله.

أما الفقراء الحقيقيون، فالمستحب لهم كتمان الفقر ـ ما أمكن ـ وإظهار التجمل، فقد كان في السلف من يحمل مفتاحًا يوهم أن له دارًا، وهو لا يبيت إلا في المساجد.

ومن تلبيس إبليس على الفقراء أنهم يرون أنفسهم خيرًا من الأغنياء، وهذا غلط فإن الخيرية ليست بالوجود والعدم، وإنما هي بأمر وراء ذلك([41]).

نقد النساء:

يذكر ابن الجوزي أن تلبيس إبليس على النساء كثير جدًّا، وأنه قد أفرد كتابًا للنساء ذكر فيه ما يتعلق بهن من جميع العبادات وغيرها([42])، وقد اقتطف منه هنا بعض النقدات التي وجهها، بصفة خاصة إلى الزوجات وهي تتمثل في أصل عام هو إساءة الزوجة معاملة زوجها، وربما كلمته بالمكروه, وتقول: هذا أبو أولادي، وما بيننا تحفظ!

وقد تخرج بغير إذنه، وتقول: ما خرجت في معصية، ولا تعلم أن خروجها بغير إذنه معصية.

وقد تفرط الزوجة في مال زوجها، وليتها تعلم أنه لا يحل لها أن تخرج من بيته شيئًا إلا أن يأذن لها، وتعلم رضاه.

وقد تعطي من ينجم لها بالحصى ويسحر، ومن تعمل لها نسخة محبة وعقد لسان، وكل هذا حرام.

وفيهن من تلازم القبور، وتلزم نفسها الحداد على أحد أقاربها، وقد روى عن رسول الله r : "لا يحل لامرأة تؤمن بالله ورسوله أن تحد على ميت ـ إلا على زوج ـ أربعة أشهر وعشرًا".

نقد العامة:

أهم ما استنكره ابن الجوزي على العامة هو ما جروا عليه من التقليد "فهم يقلدون الآباء والأسلاف في اعتقادهم على ما نشأوا عليه من العادة، فترى الرجل منهم يعيش خمسين سنة على ما كان أبوه، ولا ينظر أكان على صواب أم خطأ؟

ولا يقتصر تقليدهم على العقائد، وإنما يشمل كذلك أمور الدين العملية، فترى أكثر المسلمين يجرون في صلاتهم وعباداتهم، مع العادة: يعيش الرجل سنين يصلي على صورة ما رأى الناس يصلون، ولعله لا يقيم الفاتحة ولا يدري ما الواجبات ولا يسهل عليه أن يعرف ذلك هوانًا بالدين، ولو أنه أراد تجارة لسأل قبل سفره عما ينفق في ذلك البلد([43]).

ومما يتصل بتقليد العامة: تقديمهم المتزهدين على العلماء ، فلو رأوا جبة صوف على أجهل الناس عظموه، خصوصًا إذا طأطأ رأسه وتخشع لهم، ويقولون: أين هذا من فلان العالم؟ ذلك طالب الدنيا، وهذا زاهد لا يأكل عنبة ولا رطبة، ولا يتزوج أبدًا ـ جهلاً منهم بفضل العالم على الزاهد، وإيثارًا للمتزهدين على شريعة محمد r ([44]).

ويبلغ ابن الجوزي غاية تهكمه من أمثال هؤلاء قائلاً: ومن نعم الله على هؤلاء أنهم لم يدركوا رسول الله r إذ لو رأوه يكثر التزويج، ويأكل لحم الدجاج، ويحب الحلوى، لم يعظم في صدورهم"([45]).

ومن جريان العامة مع العادات كثرة الأيمان الحانثة، ولبس الحرير، والتختم بالذهب، وإهمال الإنكار على من يرتكب المنكر حتى إن الرجل يرى أخاه أو قريبه يشرب الخمر، ويلبس الحرير فلا ينكر عليه، ولا يتغير، بل يخالطه مخالطة حبيب([46]).

وقد غلب الغش على أكثر معاملاتهم، فقلما باعوا شيئًا إلا وفيه غش، ويغطيه عيب ، والجلاء يغطي عيوب الذهب الرديء، حتى إن المرأة تضع الغزل في الأنداء، وتنديه ليثقل وزنه.

كما لاحظ ابن الجوزي اهتمام كل فرد من العامة بمصالحه الخاصة، دون أن يراعي في تحقيقها مصالح المجتمع. ومن ذلك أن يبني الرجل على باب داره مصطبة يضيق بها طريق المارة([47])، وكذلك الامتناع عن المساهمة في خدمة الآخرين، ومن ذلك أن يجتمع على باب داره ماء المطر ويكثر، فيجب عليه إزالته، فإذا لم يفعل أثم بكونه كان سببًا في أذى المسلمين([48]) !

ويحذر ابن الجوزي من عادة سيئة بين العمال في عصره، ومن ذلك أن الرجل يستأجر ليعمل طول النهار، فيضيع كثيرًا من الزمان، إما بالتثبط في العمل، وإما بالبطالة، أو بإصلاح آلات العمل مثل أن يحد النجار الفأس، والشقاق المنشار ومثل هذا خيانة ـ إلا أن يكون يسيرًا قد جرت العادة بمثله([49]).

كما يهاجم ابن الجوزي عادات العامة في المآتم: المغالاة في ثمن الكفن، وإقامة النوح على الميت، ولطم النساء خدودهن، وتمزيق ثيابهن، ثم زيارة المقابر في أوقات معلومة من السنة([50])، والعجب ممن يقول: "أخرج إلى المقابر فأعتبر بأهل البلى، ولو فطن علم أنه مقبرة يغنيه الاعتبار بما فيها من غيرها"([51]).

وأخيرًا، ينبه ابن الجوزي الناس في عصره إلى (قيمة الوقت)، والواقع أن احترام هذه القيمة يعد حجر الزاوية في تقدم الأمم، وازدهار الحضارات، ويمكن القول بأنك لا تجد الوقت ضائعًا إلا لدى الشعوب المتخلفة، يقول ابن الجوزي: "ولقد شاهدت خلقًا كثيرًا لا يعرفون معنى الحياة، فمنهم من أغناه الله عن التكسب بكثرة ماله، فهو يقعد في السوق أكثر النهار ينظر إلى الناس، وكم تمر به من آفة ومنكر، ومنهم من يخلو بلعب الشطرنج، ومنهم من يقطع الزمان بكثرة الحديث عن السلاطين والغلاء والرخص، إلى غير ذلك"([52]).

ومن الطريف أن جماعة من هؤلاء الفارغين قد تعودوا زيارة ابن الجوزي في منزله، وكانوا "يطلبون الجلوس" ويجرون فيه أحاديث الناس، وما لا يغني، وما يتخلله من غيبة" فثقل عليه ذلك، ووقف حائرًا بين تصرفين:

أن ينكر عليهم الزيارة، فيستجلب وحشة قلوبهم.

أو يقبل منهم ذلك، فيضيع وقته.

وهو يصف حالته حينئذ فيقول: "فصرت أدافع اللقاء جهدي، فإذا غلب قصرت في الكلام، لأتعجل الفراق".

ثم اكتشف حلاً وسطًا، وهو أن يعد لأوقات زيارتهم أعمالاً تمنع من المحادثة، ويكون لها فائدة في عمله العلمي "مثل قطع الكاغد (الورق) وبرى الأقلام، وحزم الدفاتر، فإن هذه الأشياء لا بد منها، ولا تحتاج إلى فكر وحضور قلب، فأرصدتها لأوقات زيارتهم لئلا يضيع شيء من وقتي".

وأخيرًا، يتوجه ابن الجوزي بالدعاء قائلاً: "نسأل الله، عز وجل، أن يعرفنا شرف أوقات العمر، وأن يوفقنا لاغتنامه".

* *



([1]) دي بور: تاريخ الفلسفة في الإسلام، ص 46ـ47، ترجمة د. أبو ريدة.

([2]) تلبيس إبليس، ص 112، 113.

([3]) نفس المصدر، ص 113.

([4]) نفس المصدر، ص 114.

([5]) نفس المصدر، نفس الصفحة،

([6]) تلبيس إبليس، ص 118.

([7]) نفس المصدر، ص 119.

([8]) نفس المصدر، ونفس الصفحة.

([9]) نفس المصدر، نفس الصفحة.

([10]) نفس المصدر، ص 120، 121.

([11]) تلبيس إبليس، ص 119.

([12]) صيد الخاطر، ص 216.

([13]) نفس المصدر، ص 122، 123.

([14]) تلبيس إبليس، ص 123.

([15]) هذا الكتاب لم يصل إلينا.

([16]) تلبيس إبليس، ص 124.

([17]) نفس المصدر، ونفس الصفحة.

([18]) تلبيس إبليس، ص 124، 125.

([19]) نفس المصدر، ص 125.

([20]) نفس المصدر، ص 125.

([21]) تلبيس إبليس، ص 162.

([22]) السابق، ص 163.

([23]) السابق، ص 163، وانظر تفصيلاً أكثر لهذا الموضوع في كتابنا "معالم التصوف الإسلامي" الفصل الأخير بعنوان "نقد التصوف" .

([24]) تلبيس إبليس، ص 162.

([25]) أورد المستشرق الإنجليزي، نيكلسون للتصوف حوالي مائتي تعريف (باللغة العربية فقط) في كتابه: التصوف الإسلامي وتاريخه، الترجمة ص 28ـ41.

([26]) تلبيس إبليس، ص 163.

([27]) تلبيس إبليس، ص 185.

([28]) صيد الخاطر، ص 387.

([29]) انظر ص 175ـ187، من كتاب "الخلافة والدولة في العصر العباسي"، ط أولى، للأستاذ الدكتور محمد حلمي محمد، حيث يكشف عن أسباب ضعف السلاجقة بالتفصيل.

([30]) تلبيس إبليس، ص 137.

([31]) تلبيس إبليس، ص 133.

([32]) تلبيس إبليس، ص 132.

([33]) تلبيس إبليس، ص 133.

([34]) نفس المصدر، ص 134.

([35]) صيد الخاطر، ص 150.

([36]) تلبيس إبليس، ص 395.

([37]) نفس المصدر، ص 396.

([38]) نفس المصدر، ونفس الصفحة.

([39]) نفس المصدر، ونفس الصفحة.

([40]) تلبيس إبليس، ص 398.

([41]) نفس المصدر، ص 399.

([42]) لم يصلنا هذا الكتاب.

([43]) تلبيس إبليس، ص 399.

([44]) نفس المصدر، ص 399.

([45]) تلبيس إبليس، ص 390.

([46]) نفس المصدر، ص 400، 401.

([47]) نفس المصدر، ص 401.

([48]) نفس المصدر، ونفس الصفحة.

([49]) نفس المصدر، ونفس الصفحة.

([50]) نفس المصدر، ص 402.

([51]) نفس المصدر، 366.

([52]) صيد الخاطر، ص228، بتحقيق الأستاذ محمد الغزالي، ط القاهرة.

التعليقات (0)Add Comment

أضف تعليق
تصغير | تكبير

busy