عداد الزائرين

mod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_counter

إضافات حديثة

   
 
التجربة الاخلاقية عند بن حزم الاندلسى صيغة PDF طباعة أرسل لصديقك
كتبها د . حامد طاهر   
الاثنين, 13 ديسمبر 2010 02:45

 

التجربة الأخلاقية
عند ابن حزم الأندلسى



ابن حزم أحد أعلام الفكر الأندلسى (توفى سنة 456هـ) وهو شخصية متعددة المواهب ، فهو فقيه ، وأصولى ، ومؤرخ ، ومنطقى، ومحدث ، ومصلح اجتماعى ، ومحلل نفسى ، وشاعر .. وقد أثبت كفاءته فى كل الميادين التى كتب فيها ، وبرهن بالتالى على سمة التواصل بين فروع الثقافة الإسلامية .


ففى مجال الفقه تبنى المذهب الظاهرى ، وأصبح علما عليه ، بل كان أكبر المدافعين عنه فى العالم الإسلامى كله . وله فى هذا المجال كتاب "المحلى" (عشرة أجزاء) وفى أصول الفقه ترك لنا كتابه القيم "الأحكام فى أصول الأحكام" (4 أجزاء) . وفى التاريخ العربى ألف كتابًا موثقا عن أنساب العرب ، أما فى علم الحديث فقد جمع كل الأحاديث والروايات التى تتصل بحجة الوداع التى قام بها الرسول r، قبل وفاته . وفى مجال مقارنة الأديان كتب مؤلفا يعتبر من أهم المصادر فى هذا المجال بعنوان "الفصل فى الملل والأهواء والنحل" وفى مجال المنطق قام بمحاولة تلخيص منطق أرسطو بطريقة متفردة عن كل من سبقوه فى كتاب بعنوان "التقريب لحد المنطق والمدخل إليه إليه بالألفاظ العامية والأمثلة الشرعية" وفى مجال الاصلاح الاجتماعى والتحليل النفسى ترك لنا ابن حزم كتابه النادر "طوق الحمامة" الذى يتناول فيه تحليل ظاهرة الحب ، من وجهة النظر الإسلامية ، والذى ترجم إلى معظم لغات العالم .
ومن بين الروائع الكثيرة التى تركها ابن حزم توجد رسالة صغيرة الحجم بعنوان "الأخلاق والسير فى مداواة النفوس".
يقول مطلعها :


"
أما بعد ، فإنى جمعت فى كتابى هذا معانى كثيرة ، أفادنيها واهب التمييز ، تعالى ، بمرور الأيام ، وتعاقب الأحوال ، بما منحنى عز وجل ، من التهم بتصاريف الزمان، والاشراف على  أحواله ، حتى أنفقت فى ذلك أكثر عمرى ، وآثرت تقييد ذلك بالمطالعة له ، والفكرة فيه ، على جميع اللذات التى تميل إليها أكثر النفوس ،  وعلى الأزدياد من فضول المال ، وزممت كمل ما سبرت من ذلك بهذا الكتاب ، لينفع الله به من يشاء من عباده ، ممن يصل إليه ، بما أتعبت فيه نفسى ، وأجهدتها فيه ، وأطلت فيه فكرى ، فيأخذه عفوا ، وأهديته إليه هنيئا ، فيكون ذلك أفضل له من كنوز المال ، وعقد الأملاك ، إذا تدبره ، ويسره الله ، تعالى ، لاستعماله ، وأنا راج فى ذلك من الله تعالى ، أعظم الأجر لنيتى فى نفع عباده ، واصلاح ما فسد من أخلاقهم ، ومداواة نفوسهم" .


والمتأمل فى هذه المقدمة يمكنه أن يقف على عدة عناصر منهجية تتميز بها جميع كتابات ابن حزم تقريبا . منها : تحديد مصدر المادة العلمية التى ضمنها المؤلف كتابه ، وهى هنا عبارة عن تجاربه الشخصية وتأملاته الخاصة فى الحياة والناس من حوله . ومنها : بيان أهمية الموضوع الذى يتناوله ، وأنه أفضل من جميع اللذات التى تميل إليها أكثر النفوس ، وأغلى من كنوز المال ، وعقد الأملاك ، ومنها : الاشارة إلى الجهد المبذول فى هذا العمل ، وأنه قد استغرق أكثر عمر المؤلف ، وشغل جانبا هاما من تفكيره ومراجعته، ولا شك فى أن عبارته "حتى أنفقت فى ذلك أكثر عمرى" تدل بوضوح على أن هذا الكتاب يأتى – من الناحية التاريخية – فى الجزء الأخير من قائمة مؤلفات ابن حزم . ثم أن من أهم العناصر المنهجية أيضا : ذكر الغرض من التأليف ، وهو أن يضع كتابا مركزا يجتوى على مجموعة من التجارب والنصائح الأخلاقية لكى يتدبرها القارئ ، فقد يوفقه الله تعالى إلى استعمالها فى سلوكه . وأخيرًا فإن الدافع وراء هذا العمل ، لم يكن كما هو الحال لدى كثير من المؤلفين القدماء – تقربا إلى عطف سلطان ، أو تحقيقا لرغبة صديق عزيز ، وإنما هو كما يحدده ابن حزم : رجاء فى أجر عظيم من الله تعالى ، لأن نية المؤلف إنما هى لنفع الناس ، واصلاح ما فسد من أخلاقهم ، ومداواة نفوسهم .


وهكذا فنحن أمام محاولة ، فى المجال الأخلاقى ، تتجه إلى كل انسان ، يمكنه أن يقيس بنفسه مدى نجاحها أو فشلها بمجرد ملاحظة رد الفعل الذى يحدث من تأثيرها فيه .
ثم بعد المقدمة ، تتوالى فصول الكتاب ، التى تبلغ 12 فصلا ، مصدرة بالعناوين التالية :
-
فصل فى مداواة النفوس واصلاح الأخلاق .
-
باب عظيم من أبواب العقل والراحة .
-
فصل فى العلم .
-
فصل فى الأخلاق والسير .
-
فصل فى الاخوان والصداقة والنصيحة .
-
فصل فى أنواع المحبة .
-
فصل فى أنواع صباحة الصور .
-
فصل فيما يتعامل الناس به ، وفى الأخلاق .
-
فصل فى مداواة أدواء الأخلاق الفاسدة .
-
فصل فى غرائب أخلاق النفس
-
فصل فى تطلع النفس ما يستر عنها ن كلام مسموع ، أو شئ مرئى، أو إلى المدح وبقاء الذكر .

-فصل فى حضور مجالس العلم .


ولسنا نميل إلى اعتبار هذه العناوين من وضع ابن حزم نفسه ، ويحتمل أن تكون من ضع بعض تلاميذه ، أو نساخ كتبه . ويلاحظ أنها لا تعبر بدقة عما يوجد فى داخل الفصول ، بل يمكن القول بأن هذه العناوين ، بالإضافة إلى عنوان الكتاب نفسه ، قد أساءت كثيرًا لمضمون الكتاب ، وحولت أنظار القراء عن بعض نظرياته المبتكرة ، وأقكاره العميقة ، وقصرته على كونه مجرد كتاب عادى فى الحكم والمواعظ الأخلاقية . الأفضل أذن أن أن تدع عناوين الفصول جانبا  وأن نتناول، بقدر من التأمل والتحليل ، محتوى الفصول ذاتها ، حتى نتعرف على تلك المحاولة الفريدة التى قدمها ابن حزم فى مجال الأخلاق الإسلامية .
ولكى نتبين بوضوح محتوى الرسالة الأخلاقية التى أراد ابن حزم أن يوجهها للمعاصرين ، وللأجيال اللاحقة له ، يمكننا تصنيفها فى الأقسام الثلاثة الآتية :


أ-الاعترافات الأخلاقية .
ب-مجموعة الحكم .
ج-نظرية جديدة فى الأخلاق .


وفى رأينا أن هذه الأقسام الثلاثة تمثل عناصر التجربة الأخلاقية التى مر بها ابن حزم أصدق تمثيل . فهناك أولا الاعترافات الأخلاقية وهى تعبر عن مرحلة مرحلة البحث واكتشاف حقيقة الذات . وفيها توصل ابن حزم إلى بعض جوانب النقص فى شخصيته ، وبتحديدها ، والاعلان عنها ينتقل ابن حزم من انسان منفرد يسمى إلى اصلاح نفسه ، إلى مصلح أخلاقى يهتم بخير الآخرين . يقول : "ولهذا يجب أن تؤرخ الفضائل والرذائل ، لينفر سامعها عن القبيح المأثور عن غيره ، ويرغب فى الحسن المنقول عمن تقدمه ، ويتعظ بما سلف"() ثم هناك ثانيا مجموعة الحكم وهى عبارة عن خلاصة مركزة لخبرة عميقة فى الحياة ، واحتكاك مباشر مع المجتمع . وسوف نختار من بينها بعض الأمثلة التى تكفى لوضع ابن حزم بين مصاف الحكماء العالميين الذين برزوا فى هذا اللن . وأخيرا تأتى النظرية الجديدة التى يقدمها ابن حزم فى مجال الهدف النهائى من الحياة الأخلاقية ، وهى نظرية "طرد الهم" التى يمكن أن تحل محل نظرية "السعادة" اليونانية ، والتى تبناها بعض فلاسفة المسلمين بالفعل ، ولكنها ظلت عرضة للكثير من أوجه النقد ، أما نظرية ابن حزم فيؤكد لنا أنها صالحة للتطبيق على الإنسان فى كل زمان ومكان .


أولاً : اعترافات ابن حزم :


إذا كانت الاعترافات الذاتية نادرة فى تاريخ الفكر الإنسانى ، فأندر منها الاعترافات الأخلاقية . ومرجع ذلك لسبب بسيط : هو أنه إذا كان الخطأ العقلى مسموحا به لدى طبقة المفكرين ، فإن الخطأ الأخلاقى مرفوض تماما من المجتمع كله . ألسنا نسمع مثلا أن (الاعتراف بالخطأ فضيلة) والمفهوم طبعا هو الخطأ العقلى ، ويعلمنا رسول الله ، r ، أن المسلم إذا اجتهد برأيه فأصاب فله أجران ، فإن الخطأ فله أجر واحد . وهذا معناه أنه مثاب على حالتى الصواب والخطأ ، والمقصود أيضا هو الشخص الذى يتصدى لأصدار الفتوى فى مسألة دينية . لكننا على العكس من ذلك ، لا نكاد نسمع شيئا عن أن تصريح الإنسان بأخلاقه السيئة يحتوى على أية فضيلة . بل إن الإسلام يحض المسلم على أن يدارى سيئاته (إذا بليتم فاستتروا) وكأنما يقصد بذلك أن يحصر الرذيله فى أضيق نطاق ممكن ، وبهذا يصبح السكوت عنها نوعا من مقاومتها .
غير مقبول اذن أن يكون التصريح بالعيوب موضع افتخار وتحد للمجتمع لأنه يعود بالضرر المؤكد على النشئ ، الذين يميلون بطبعهم إلى محاكاة ما يوجد أمامهم من مظاهر الشذوذ والغرابة() . لكن أن تذكر العيوب الأخلاقية بهدف أن يتعظ بها الآخرون ، حتى يدركوا أن من يتصدى لوعظهم ، واصلاح أخلاقهم بشير مثلهم ، يتعرض لما يتعرضون له من لحظات الضعف الإنسانى ، وتتسلط عليه من الأهواء والنوازع فى بعض الأحيان ما يتسلط عليهم . فهذا شئ مختلف ، بل إنه اسلوب ممتاز فى جذب النفوس إلى الموعظة الحسنة ، والسيرة المستقيمة . يقول ابن حزم :
"
كانت فى عيوب ، فلم أول بالرياضة ، وإطلاعى على ما قلت الأنبياء ، صلوات الله عليهم ، والأفاضل من الحكماء المتأخرين والمتقدمين فى الأخلاق ، وفى آداب النفس ، أعانى مداواتها .. حتى أعان الله ، عز وجل ، على أكثر بتوفيقه ومنه .
وتمام العدل ، ورياض النفس ، والتصرف بأزمة الحقائق : هو الإقرار بها ، ليتعظ بذلك متعظ يوما أن شاء الله .
-
فمنها : كلف فى الرضا()  ، وافراط فى الغضب
فلم أزل أداوى ذلك حتى وقفت عند ترك اظهار الغضب جمله بالكلام والفعل والتخبط ، وامتنعت مما لا يحل من الانتصار ، وتحملت من ذلك ثقلا شديدا وصبرت على مغص مؤلم ، كان ربما أمرضنى ..
وأعجزنى ذلك فى الرضا ، وكأنى سامحت نفسى فى ذلك ، لأنها تمثلت أن ترك ذلك لؤم .
-
ومنها : دعابة غالبة :
فالذى قدرت عليه فيه امساكى عما يغضب الممازح ، وسامحت نفسى فيها إذا رأيت تركها من الأنغلاق ، ومضاهيا للكبر .
-
ومنها : عجب شديد :
فناظر عقلى نفسى بما يعرفه من عيوبها ، حتى ذهب كله ، ولم يبق له ، والحمد لله ، أثر . بل كلفت نفسى احتقار قدرها جملة ، واستعمال التواضع .
-
ومنها : حركات كانت تولدها غرارة الصبا ، وضعف الأعضاء فقصرت نفسى على تركها فذهبت .
-
ومنها محبة فى بعض الصيت والعلبة :
فالذى وقفت عليه من معاناة هذا الداء الامساك فيه عمل لا يحل فى الديانة ، والله المستعان على الباقى ..
-
ومنها افراط فى الأنفة ، بغضت إلى انكاح المحارم() حملة بكل وجه ، وصعبت ذلك فى طبيعتى .
وكأنى توقفت عن مغالبة هذا الافراط اذى أعرف قبحه لعوارض اعترضت على ، والله المستعان .
-
ومنها حقد مفرط :
قدرت بعون الله تعالى على طيه وستره ، وغلبته على اظهار جميع نتائجه ، وأما قطعه البتة فلم أقدر عليه ، وأعجزنى معه أن أصادق من عادانى عداوة صحيحة أبدا() .
-
وأما سوء الظن .
فيعده قوم عيبا على الاطلاق ، وليس كذلك ، غلا إذا صاحبه ما لا يحل فى الديانة ، أو إلى ما يقبح فى المعاملة ، والا فهو حزم ، والحزم فضيلة() .
-
وأما الزهو ، والحسد ، والخيانة .. فلم أعرفها بطبعى قط ، وكأننى لاحمد لى فى تركها ، لمنفرة جبلتى (طبيعتى) اياها"() .
وكذا يمثل هذا الوضوح والصراحة ، يقدم ابن حزم نفسه أنا عارية من الأقنعة التى يندر أن يخلعها الإنسان أمام الآخرين

. فإذا نظرنا إلى هذه الاعترافات من وجهة النظر العلمية الخالصة ، وجدنا أن ابن حزم قد وصل إلى مرحلة عالية من التحليل النفسى الذاتى ، استبطن فيه مكونات شخصيته ، وكشف عن نوازعها واتجاهاتها ، ووضع يده على مواطن العيوب ، وأوجه النقص .
ومن المعروف أن الطبيب النفسانى لا يفعل مع مريضه أكثر من أن يصحبه فى رحلة عميقة داخل ذاته ، حقى يكتشفا فى النهاية معا أسباب العقد النفسية التى عندما تترك بدون كشف تصبح مرضا خطيرا يفسد هذه التجارب ، فإنه قد يخدع أولا بمظهرها الخارجى ، وقد يقف طويلا لديه ، ولكنه اذا تعمق التجربة ، وحاول اكتشاف جوهرها وجد نفسه وجها لوجه أمام حقيقتها الثابتة التى لا تتغير .

ثانيا: مجموعة الحكم :


وقد ورث المسلمون حضارات الأمم السابقة عليهم ، واستوعبوا معظم الثقافات التى كانت منتشرة فى أرجاء العالم القديم ، ولا شك أنهم وقفوا على هذا اللون من الفلسفة أو الحكمة المركزة . وقد أعجبوا به ، ونقلوا الكثير منه إلى اللغة العربية ، فصانوه بذلك من الضياع . لكن جهودهم لم تقتصر على ذلك ، فقد ساهموا هم أيضا فيه ، وما زال تراثهم فى هذا المجال بحاجة إلى الجمع والتصنيف ، فضلا عن دراسته وتحليله. وحسبنا هنا الآن أن نتوقف لدى ابن حزم ، الذى ترك لنا فى كتابه الصغير الحجم الذى نعتمد عليه فى هذه الدراسة ، عددا لا بأس به من الحكم الأخلاقية ، والتى سوف نقتطف منها مجموعة كافية فى دلالتها لاثبات أننا أمام مفكر عميق ، وفيلسوف خبر الحياة ، واستخلص من احداثها المتغيرة والمنقطعة موقفا أكثر ثباتا واستمرارا .
-
لا مرؤة لمن لا دين له .
-
العاقل لا يرى لنفسه ثمنا الا الجنة .
-
من قدر أن يسلم من طعن الناس وعيوبهم فهو مجنون .
-
انظر فى المال والحال والصحة إلى من دونك ، وانظر فى الدين والعلم والفضائل إلى من فوقك .
-
إذا تكاثرت الهموم سقطت كلها() .
-
طوبى لمن علم من عيوب نفسه أكث مما يعلم الناس منها() .
-
أول من يزهد فى الغادر من غدر له الغادر ، وأول من يمقت شاهد الزور من شهد له به ، وأول من تهون الزانية فى عينه الذى يزنى بها() .
-
كثرة وقوع العين على الشخص يسهل أمره ويهونه() .
-
لا يغتر العاقل بصداقة حادثة له أيام دولته ، فكل واحد صديقه يومئذ() .
-
ثق بالمتدين وأن كان على غير دينك ، ولا تثق باستخف وأن أظهر أنه على دينك() .
-
نوار الفتنة لا يعقد() .
-
لا يخلو مخلوق من عيب ، فالسعيد من قلت عيوبه ودقت() .
-
استبقاك من غاتبك ، وزهد فيك من استهان بسيئاتك() .
-
العتاب للصديق كالسبك للسبيكة ، فإما أن تصفوا وإما أن تطير() .   
-
لا تنصح على شرط القبول ، ولا تشفه على شرط الإجابة ، ولا تهب على شرط الاثابة ، لكن على سبيل استعمال الفضل ، وتدية ما عليك من النصيحة ، والشفاعة وبذل المعروف() .
-
قد يكون المرء صديقا لمن ليس صديقه() .
-
الخطأ فى الحزم من الخطأ فى التضييع() .
-
أشد الناس استعظاما للعيوب بلسانه هو أشدهم استسهالا لها بفعله().
-
أقنع بمن عندك يقنع بك من عندك() .
-
الطمع سبب كل هم() .


ثالثًا : نظرية طرد الهم :


لكى ندرك مدى الجدة فى نظرية ابن حزم لابد من القاء نظرة سريعة على المذاهب الأخلاقية التى سبقته ، مركزين بصفة خاصة على الغاية أو الهدف النهائى من الحياة الأخلاقية .
فى الفكر الاغريقى ، نجد أن غاية الأخلاق لدى السفسطائيين تنحصر فى تحقيق اللذى الفردية لكل إنسان . أما سقراط فقد جعل هذه الغاية هى السعادة . ولكى نصل إلى السعادة لابد أن نمارس الفضيلة ، التى تنتج عن المعرفة . أى أنه لكى يكون الانسان فاضلا لابد أن يكون عالما . ولا شك فى أن هذا المفهوم يقصر الفضيلة ، وبالتالى السعادة ، على قلة قليلة من المجتمع() .
كذلك قرر أفلاطون أن غاية الحياة الأخلاقية هى السعادة لكنه يجعلها تقترن بالعدالة أى الاعتدال فى الأمور ، ولا يتحقق الخير الأسمى للإنسان الا إذا أدرك عالم المثل ، الذى يعتبر عالما الأرض نسخة مشوهة منه() .
ولدى أرسطو ، الذى كتب مؤلفا مستقلا فى الأخلاق ، أصبحت الأمور أكثر تحديدا . فقد جعل الخير الأسمى هو غاية الأخلاق . ومفهومه أنه الخير الذى يطلبه الناس جميعا لذاته ، ولا يرجون من ورائه شيئا آخر ، وقد حدده أيضا بأنه السعادة . وتتحقق السعادة عنده بالتأمل العقلى . أما الفضيلة فقد عرفها بأنها : "وسط بين طرفين" هما التفريط والافراط . ومعنى ذلك أن تكون الشجاعة مثلا حالة وسط بين التهور والجبن ، والكرم وسط بين الاسراف والتقتير .. وهكذا() .
وفى العصر الهللينى ظهرت بعض المذاهب الأخلاقية التى انبثقت بالضرورة عن مذاهب فكرية وفلسفية مختلفة ، هى الابيقورية (اتباع أبيقور) والرواقية ، ومذهب الشك . وعلى الرغم من الخلافات الدقيقة بينها ، فإنها تلتقى جميعا فى حصر السعادة فى الجانب العقلى أو الروحى، وأهمال جانب الجسد ، واحتقار الحياة المادية بكل أنواعها . ويلاحظ أن مفهومها للسعادة يشيع فيه الاتجاه السلبى بمعنى أن الإنسان يبتعد عن المجتمع ليسلم من شروره ، وينصرف عن الحياة المادية ليتخلص من مصائبها() .
وقد ظل هذا الاتجاه الفكرى والأخلاقى سائدًا بين أصحاب هذه المذاهب حتى ظهرت المسيحية ، واستقرت ، فتغلب مفهومها للحياة الأخلاقية . وهو مفهوم يقوم أساسا على أن السعادة التى يسعى إليها الإنسان فى هذه الحياة سعادة وهمية ، لأن السعادة الحقة إنما هى فى ملكوت السماوات . وهذه النقطة هامة جدًا لأنها تفصل بصورة حاسمة بين التصورات الاغريقية وما تلاها وبين التصور المسيحى . ولا شك فى أن حياة السيد المسيح قدمت للمفكرين الأخلاقيين نموذجًا رائعا فى     شتى جوانبه . لكنهم ركزوا بصفة خاصة على ما جاء فى تعاليمه      من التواضع، والمسامحة ، والعفو عن الآساءة (من ضربك على خدك الأيمن فأدر له خدك الأيسر) وهذا منتهى النبل الإنسانى فى معاملة المسىء() .
لكن الأخلاق المسيحية تبدأ من مسلمة أخرى أيضا هى أن الإنسان فى الواقع يعيش نتيجة خطيئته الأولى أو الأصلية ، لذلك فإنه مطالب منذ اللحظة الأولى لميلاده بأن يكفر عن هذه الخطيئة ، ولهذا فأنه يعيش محملا بعقدة ذنب ، لم يرتكبه ، ومدركا أنه ذو طبيعة رديئة ، يجب عليه أن يصارعها باستمرار . وهو يتسلح فى خلال ذلك بالصلاة ، واخلاص النوايا (تحتل النية مكانة أكبر بكثير من الفعل) والتحرر من الاهواء والنوازع البشرية ، مع الاعتقاد بأن الإنسان لن يمتلك السعادة قط على هذه الأرض المليئة بالشرور والخطايا ، وإنما فقط يمكنه أن يحس بها ، ولا ينتج هذا الا من الأمل فى عفو الله ورحمته التى تسع جميع المذنبين().
ومن المعروف أن فلاسفة الإسلام كالفارابى وابن مسكوية والغزالى قد تبنوا بعض النظريات الاغريقية الخاصة بالهدف الأخير من الأخلاق ، واختاروا فكرة السعادة باعتبارها هى الغاية الأسمى التى يسعى الناس جميعا إلى بلوغها ، ويطلبونها لذاتها أى دون أن تكون هى الأخرى وسيلة لغرض آخر() .
لكن ابن حزم يطالعنا فى كتابه "الأخلاق والسير"() بنظرية جديدة حول غاية الأخلاق ، وهو يحددها فى مصطلح جديد تماما هو "طرد الهم" ويؤكد أنه قد توصل بخبرته الطويلة وتجاربه إلى أن هذا الغرض يصلح أن يكون هدفا أسمى للحياة الأخلاقية . وللتدليل على صحة رأيه ، يؤكد ابن حزم أنه وجد أن الناس جميعا على اختلاف أجناسهم ومعتقداتهم يسعون إلى بلوغ هذا الهدف ، ويتفقون على أنه هو غرضهم ، فى حين أن أى هدف آخر – بما فيه السعادة – يمكن أن يكون محل خلاف بينهم .  يقول ابن حزم :
"
تطلبت غرضا يستوى الناس كلهم فى استحسانه ، وفى طلبه ، فلم أجده غلا واحدا ، وهو طرد الهم . فلما تدبرته علمت أن الناس كلهم لم يستووا فى استحسانه فقط ، ولا فى طلبه فقط ، ولكن رأيتهم على اختلاف أهوائهم ومطالبهم ، وتباين هممهم وارادتهم  يتحركون حركة أصلا الا فيما يرجون به طرد الهم ، ولا ينطقون بكلمة أصلا الا فيما يعانون به أزاحته عن أنفسهم : فمن مخطئ وجه سبيله ، ومن مقارب للخطأ ، ومن مصيب وهو الأقل من الناس ، فى الأقل من أموره .
فطرد الهم مذهب قد اتفقت الأمم كلها ، منذ خلق الله تعالى العالم إلى أن يتناهى عالم الابتداء() ويعاقبه عالم الحساب على ألا يعتمدوا بسعيهم شيئا سواه ، وكل غرض غيره ففى الناس من لا يستحسنه .
اذ فى الناس من لا دين له فلا يعمل للآخرة .
وفى الناس من أهل الشر من لا يريد الخير ، ولا الأمن ، ولا الحق .
وفى الناس من يؤثر الخمول بهواه وارادته على بعد الصيت .
وفى الناس من لا يريد المال ، ويؤثر عدمه على وجوده ، ككثير من الأنبياء عليهم السلام ، ومن تلاهم ، الزهاد والفلاسفة .
وفى الناس من يبغض اللذات بطبعه ، ويستنقص طالبها ، وفى الناس من يؤثر الجهل على العم ، كأكثر من ترى من العامة .
وهذه هى أغراض الناس التى لا غرض لهم سواها .
وليس فى العالم منذ كان إلى أن يتناهى أحد يستحسن الهم ، ولا يريد طرده عن نفسه" .
هذا – إذا أمكن القول – هو الشق الأول من نظرية ابن حزم . وقد حدد فيه بوضوح الهدف الأساسى والنهائى من الحياة الأخلاقية ، مؤكدا على عمومية هذا الهجف أو عالميته ، وصلاحيته لكل زمان  ومكان .
لكن يبقة النصف الثانى ، وهو يتمثل فى توجيه الانسان إلى   تحقيق هذا الهدف ، وارشاده إلى الطريق المؤدية اليه . وفى هذا يقول ابن حزم :
"
فلما استقر فى نفسى هذا العلم الرفيع ، وانكشف لى هذا السر العجيب ، وأنار الله تعالى لفكرى هذا الكنز العظيم ، بحثت عن سبيل موصلة على الحقيقة إلى طرد الهم ، الذى هو المطلوب للنفس ، الذى  اتفق جميع أنواع الانسان ، الجاهل منهم والعالم ، والصالح والطالح ، على السعى له ،فلم أجدها الا : التوجه إلى الله ، عز وجل ، بالعمل للآخرة .
والا ، فانما طلب المال طلابه ليطردوا به هم الفقر عن أنفسهم .
وإنما طلب الصوت (الصيت) من كلبه ليطرد به عن نفسه هم الاستعلاء عليها .
وإنما طلب اللذات من طلبها ليطرد بها عن نفسه هم فوتها .
وإنما طلب العلم من طلبه ليطرد به عن نفسه هم الجهل .
وإنما همش إلى سماع الأخبار ومحادثة الناس ، من يطلب ذلك ليطرد بها عن نفسه هم التوحيد ، ومغيب أحوال العالم عنه .
وإنما أكل من أكل ، وشرب من شرب ، ونكح من نكح ، وليس من لبس ، ولعب من لعب ، واكتن (استتر فى منزل) من اكتن ، وركب من ركب ، ومشى من مشى ، وتودع من تودع ... ليطردوا عن أنفسهم أضداد هذه الأفعال وسائر الهموم .
وفى كل ما ذكرنا ، لمن تدبر ، هموم حادثة لابد لها من عوارض تعرض فى خلالها ، وتعذر ما يتعذر منها ، وذهاب ما يوجد منها ، والعجز عنه لبعض الآفات الكائنة ، وأيضا نتائج سوء تنتج بالحصول على ما حصل عليه من كل ذلك ، من خوف منافس ، أو طعن حامد ، أو اختلاس راغب ، أو اقتناء عدو ، مع الذم والاثم ، وغير ذلك .
ووجدت العمل للآخرة سالما من كل عيب ، خالصا من كل كدر . موصلا إلى طرد الهم على الحقيقة .
ووجدت العامل للآخرة ان امتحن بمكروه فى تلك السبيل لم يهتم، بل يسر ، اذ رجاؤه فى عاقبة ما ينال به عون له على ما يطلب ، وزائد فى الغرض الذى اياه يقصد .
ووجدته ان عاقه عما هو بسبيله عائق لم يهتم ، اذ ليس مؤاخذا بذلك ، فهو غير مؤثر فى ما يطلب .
ورأيته أن قصد بالأذى ، وأن نكبته نكبة سر ، وأن نكبته نكبة سر، وأن تعب فيما سلك فيه سر ، فهو فى سرور متصل أبدا ، وغيره بخلاف ذلك أبدا .


وأخيرًا يلخص ابن حزم نظريته المبتكرة بجانبيها اللذين يتضمنان الهدف والوسيلة فى قوله :
"
فاعلم أنه مطلوب واحد ، وهو طرد الهم .
وليس له الا طريق واحد ، وهو العمل لله تعالى .
فما عدا هذا فضلال وسخف" .

 

التعليقات (0)Add Comment

أضف تعليق
تصغير | تكبير

busy
آخر تحديث الثلاثاء, 27 يناير 2015 20:33