عداد الزائرين

mod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_counter

إضافات حديثة

   
 
الدفاع عن القران ضد خصومه صيغة PDF طباعة أرسل لصديقك
كتبها د . حامد طاهر   
الجمعة, 05 نوفمبر 2010 15:02

 

 

الدفاع عن القرآن الكريم ضد خصومه
(
ابن قتيبة نموذجا )


احدث بحث للدكتور حامد طاهر

مقدمات تمهيدية :

القرآن الكريم هو المصدر الرئيسى للإسلام . وهو المحور الذى تدور حوله حياة المسلمين فى كل العصور ، ومختلف الأماكن التى يتواجدون فيها : يتلونه فى صلواتهم اليومية ، ويتدبرون معانيه فى مجالسهم وخلواتهم ، ويحفّظونه منذ الصغر لأطفالهم ، ويلجأون إليه فى الشدة ، ويستعينون به عند حلول المصائب . من القرآن الكريم ، يستمد المسلمون أصول عقيدتهم ، وطرائق شعائرهم ، وجوهر أخلاقهم ، كما يهتدون بتعاليمه فى تشريعاتهم التى تشمل أسلوب حياة الأفراد ، ونظام استقرار المجتمع .
القرآن الكريم هو وحى الله تعالى المنزل على محمد صلى الله عليه وسلم بواسطة جبريل. وقد حافظ الرسول صلى الله عليه وسلم على إبلاغه للمسلمين كما تنزل عليه ، وأوصاهم فى نفس الوقت أن يبلغوه عنه لمن استطاعوا "بلغوا عنى ولو آية" فهو كتاب هداية للناس جميعا ، وليس للمسلمين وحدهم (هُدًى لِّلنَّاسِ ) .
لقد أدرك غير المسالمين منذ نزوله وحتى الآن أن سرقوه المسلمين إنما تكمن فى القرآن الكريم . ولذلك راحوا يتلمسون بكل الوسائل زعزعة هذا الأساس ، بدءًا من محاولة التشكيك فى مصدره الإلهى ، ثم فى طريقة جمعه وكتابته ، ثم فى البحث الدائب عن أى شبهة للخطأ فيه ، أو التناقض بين آياته . وكانوا عندما يفشلون فى ذلك يلجأون إلى طبع مصاحف محرفة ، على أمل أن أن يبعدوا المسلمين عن قرآنهم الحقيقى ، غير مدركين أنهم يحفظونه مع المصاحف فى صدورهم ، وأن الله تعالى قد تكفل بحفظه بعد تنزيله ( إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ) [سورة الحجر : آية 9] .


دفاع القرآن الكريم عن نفسه :


يحتوى القرآن الكريم على العديد من الآيات التى تؤكد خصائصه وأوصافه ، وتفند مزاعم المشركين والمشككين من أهل الديانات الأخرى حوله، كما تتحدى بلغاء العرب بمحاولة الإتيان بمثله لو استطاعوا .


أ- أما من حيث تأكيد حقائقه فمنها أنه :


-
كتاب منزل من الله تعالى ( تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ ) [سورة غافر : آية 2] .
-
لا يحتوى على أدنى شك ( ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ ) [سورة البقرة :       آية 2].
-
تم تبليغه للرسول صلى الله عليه وسلم بواسطة جبريل ( نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلَى قَلْبِكَ) [سورة الشعراء : آية 193] .
-
نزل باللغة العربية الواضحة ( بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ ) [سورة الشعراء : آية 195].
-
نزل مفرقًا وتبعًا للأحداث واستجابة للأسئلة ( وَقُرْآناً فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنزِيلاً ) [سورة الإسراء : آية 106] .
-
لا يحتوى على أى اختلاف أو تناقض ( وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا ) [سورة النساء : آية 82] .
-
مِصدق للكتب السماوية السابقة عليه فى حالتها غير المحرفة ( وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ ) [سورة المائدة : آية 48] .
وقد تعددت وتنوعت أوصاف القرآن الكريم فى القرآن بأنه :
لا ريب فيه ، وبأنه هدى للناس ، وللمتقين ، وأنه قرآن مبين ، وقرآن عظيم ، وأنه مشهود بالملائكة عند تلاوته وقت الفجر ، وأن فيه شفاء ورحمة للمؤمنين ، وبأنه قرآن حكيم ، وقرآن مجيد ، وبأنه ميسر للذكر والاعتبار ، وبأنه قرآن كريم ، وقرآن عربى ، وبأنه غير ذى عوج ، وبأنه مفصل الآيات.


ب-وأما من حيث إفحام مجادليه : فقد استخدم معهم طريقتين :


الأولى : دحض افتراءاتهم بواسطة التهكم على مقولاتهم التى أطلقوها على محمد صلى الله عليه وسلم  ، وذلك حين زعموا أنه قد اطلع على أساطير الأوائل ، وأن أحدًا قد أملاها عليه ( وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا ) [سورة الفرقان : آية 5] فكيف اكتتبها وهو الأمى الذى لا يقرأ ولا يكتب ، ومَنْ هو الشخص الذى كان يمليها عليه ؟ وهم يعرفون عنه كل صغيرة وكبيرة ، ولو كانوا قد عثروا على أى شبهة فى هذا الصدد لكانوا قد هللوا ، وفضحوه بها على الملأ ؟!
أما الطريقة الثانية فهى مواجهتهم من خلال القرآن نفسه بحقائق الكون والحياة الظاهرة للعيان حولهم : فالله تعالى هو الخالق ولا يوجد من يخلق سواه. والله وحده هو الرازق لكل الكائنات الحية وما من رازق غيره . والله هو الذى سخر للإنسان السماوات والأرض وما فيهما ، وسخر الشمس والقمر، وسخر الليل والنهار ، وسخر السحاب ينزل بمائه على الأرض فتهتز وتخرج أطيب الثمرات ، وسخر الفلك التى تجرى فى البحر بإذنه .. وإذا كان هذا واضحًا للعيان فهو الذى خلق الموت والحياة ، وكما بدأ الخلق سوف ينهيه ويعيد بعثه من جديد ليوم الحساب : وتلك هى المنظومة الإلهية التى ينبغى على كل إنسان أن يتأملها بعقله ، بعد أن يشاهدها بحواسه . وهى المنظومة التى لم يكن يوجد منها لدى المشركين طوال تاريخهم أى تصور متكامل ، بل مجرد اعتقادات فاسدة ورثوها عن آبائهم دون أن يفكروا فيها أو يعرضوها على عقولهم !


ج- وأما من جهة التحدى : فمن المقرر أن القرآن الكريم قد نزل باللغة العربية، وبلهجة قريش التى كانت قد أصبحت هى مستقر هذه اللغة وخلاصتها . وهى اللغة التى كان نوابغ العرب يكتبون بها الشعر ، ويعلقون روائعة على جدران الكعبة . وبالجملة فقد كان العرب يعتبرون أنفسهم فرسان البيان وسادة البلاغة . لذلك عندما أقدموا على جحد القرآن الكريم تحداهم بأن يأتوا بمثله إن كانوا قادرين ( سورة الأسراء : آية 88) فلما عجزوا تحداهم بأن يأتوا بعشر سور من مثله ، مع الاستعانة بمن يشاؤون لكنهم لم يستطيعوا (سورة هود ، الآية 13 ، 14) وأخيرا بلغ التحدى غايته ، حين دعاهم أكثر من مرة أن يأتوا بسورة واحدة من مثله (سورة البقرة ، الآية 23 ، 24) ، (سورة يونس ، الآية 38) فلم يقدروا .. وهكذا اتضح الحق ، وسقط الباطل الذى كانوا به يفترون .
لكن إذا كان العرب المعاندون قد انهزموا فى معركة القرآن الكريم ، على عهد الرسول صلى الله عليه وسلم  ، فإن غير المسلمين من غير العرب ظلوا يتلمسون الكيد للقرآن الكريم ، محاولين بكل الطرق أن يجدوا فيه مطعنا لكى يقارعوا به المسلمين ، ويتمكنوا من هز ثقتهم فى المصدر الرئيسى للإسلام . وهذا ما سوف نقف على صفحة منه فيما يلى :


الهجوم على القرآن الكريم
فى عصر ابن قتيبة :


مع بداية القرن الثالث الهجرى ، استقبل المسلمون حياة تكاد تختلف كثيرًا عما ألفوه فى القرنين السابقين . ومع ذلك فإن هذه النتيجة لم تنشأ من فراغ ، فقد كانت مقدماتها تكمن فى القرن الثانى الهجرى الذى شهد بصفة خاصة قيام الدولة العباسية سنة 132هـ .
أصبحت بغداد عاصمة العباسيين مدينة كبرى ، تموج بشتى الأجناس ، ممثلين لحضارات مختلفة ، واتجاهات ثقافية متعددة ، بالإضافة إلى نزعات دينية وإلحادية متضادة . وقد خلق هذا كله جوا مشحونًا بالتحدى ، وألقى على علماء الإسلام ، فى تلك الفترة ، مهمة صعبة ، فقد كان عليهم أن يواجهوا تلك المستجدات بما يناسبها ، وأن يتسلحوا للخصوم بما يفحمهم ، وبالتالى يحد من تأثيرهم فى عامة المسلمين .
ويلاحظ أن الإسلام نفسه تعرض ، خلال القرن الثالث لمرحلة اختبار قاسية . فقد تغلغلت الثقافة الثقافية الإغريقية إلى المسلمين عن طريق الترجمات والشروح والتلخيصات العربية ، وفتنت بسحرها كثيرا منهم ، كما أتيح للحضارة الفارسية أن تكشف عن عقائدها المعتقة منذ آلاف السنين ، هذا إلى جانب ما أتاحته حرية التعبير لكل من اليهود والمسيحيين أن يدافعوا عن أديانهم التى هجرها أتباعها لكى يعتنقوا الدين الإسلامى .
وسوف نشهد فى هذا القرن جدلاً يمتد تقريبًا إلى كل القيم والمبادئ . وإذا كان كثير من الخلفاء العباسيين قد أتاحوا للشعوب والطوائف الأخرى حرية واسعة فى الاعتقاد والتعبير ، فقد تعرض الإسلام نفسه لنتائج هذه الحرية . ومن المبدأ الذى يرى أنه بزعزعة الأساس ينهار البناء كله ، أقبل خصوم الإسلام يتتبعون آيات القرآن الكريم ، ويفتشون فيها عن مواطن ضعف ، أو نقاط هجوم .
يقول ابن قتيبة (213-276هـ) : "وقد اعترض كتاب الله بالطعن ملحدون ، ولغوا فيه وهجروا ، واتبعوا ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله، بأفهام كليلة ، وأبصار عليلة ، ونظر مدخول ، فحرّفوا الكلم عن مواضعه ، وعدلوه عن سبله ، ثم قضوا عليه بالتناقض ، والاستحالة فى اللحن، وفساد النظم والاختلاف . وأدلوا فى ذلك بعلل ربما أمالت الضعيف الغمر ، واعترضت بالشبه فى القلوب ، وقدحت بالشكوك فى الصدور"(1) .
وهذا فى رأينا نص هام للغاية ، يمكن تحليله إلى العناصر الآتية :
1-
أن الذين تجرأوا بالطعن فى القرآن الكريم جماعة من الملحدين .
2-
أنهم استباحوا قدسيته ، وأفحشوا فى الهجوم عليه .
3-
أنهم تتبعوا ما فيه من المتشابه ، بغرض إحداث الفتنة ، ومحاولة تأويله .
4-
أنهم استعانوا على ذلك بعقول قاصرة ، وقلوب مريضة ، ولأغراض سيئة .
5-
أنهم قاموا بتحريف العبارات القرآنية ، وإبعادها عن مسارها الصحيح .
6-
أنهم انتهوا من ذلك كله إلى الحكم على القرآن الكريم بـ :
التناقض ، واللحن ، وفساد النظم ، والاختلاف
7-
أنهم قدموا لذلك حججا ظاهرية قد تشكك المسلم الضعيف الإيمان ، وتلقى بالشبهات فى صدور العامة .
وهكذا بعد فترة طويلة من الستر ، استعلن الهجوم على القرآن الكريم ، المصدر الأول والرئيس للإسلام ، ووجد علماؤه أنفسهم فى موقف دقيق . فماذا فعلوا ؟
لم يصادروا أقوال الخصوم ، وكان بإمكانهم أن يستخرجوا القرار من السلطة الحاكمة بإخراس أصوات المعارضين ، أو الزج بهم فى السجون . ولم يخدعوا الجماهير بالخطب الرنّانة التى تتناول أشخاص الخصوم بالقدح والتشهير ، غافلة أو قاصرة عن الرد على آرائهم التى تتسلل شبهاتها إلى الصدور دون منازع ! وإنما فعلوا ما كان ينتظر من أمثالهم ، وهو التصدى لمسئوليتهم العلمية والدينية بكل شجاعة ، متبعين فى ذلك معالم المنهج الإسلامى فى هذا الصدد ، والذى تتمثل عناصره فيما يلى :
أ- سماع وجهة نظر الخصم ، وفهمها فى هدوء .
ب- تبسيط المسألة موضع الخلاف إلى أفكار رئيسية ، ثم تحليل هذه الأفكار إلى عناصرها الأولية .
ج- الرد عليها بموضوعية ، وعرضها بلغة واضحة ومحددة .
ومن الطبيعة أن يكون وراء ذلك كله : احتشاد هائل ، وثقافة واسعة ، وحسن استخدام لأدوات البحث والمناظرة . ولنستمع إلى ابن قتيبة وهو يبسط بعض ما ذكرناه : "فأحببت أن أنضح عن كتاب الله ، وأرمى من ورائه بالحجج النيره ، والبراهين البينة ، وأكشف للناس ما يلبسون ، فألفت هذا الكتاب (تأويل مشكل القرآن) مستنبطا ذلك من التفسير بزيادة فى الشرح والإيضاح ، وحاملاً ما أعلم فيه مقالاً لإمام مطلع على لغات العرب ، لأُرى المعاند موضع المجاز، وطريق الإمكان ، من غير أن أحكم فيه برأى ، أو أقضى عليه بتأويل ، ولم يجز لى أن أنص بالإسناد إلى من له أصل التفسير ، إذ كنت لم أقتصر على وحى القوم حتى كشفته ، وعلى إيمائهم حتى أوضحته ، وزدت فى الألفاظ ونقصت ، وقدمت وأخرت ، وضربت لذلك الأمثال والأشكال حتى يستوى فى فهمه السامعون"(2) .


فى بيان مزايا القرآن الكريم :


يبدأ ابن قتيبة من موقع إسلامى خاص ، فيؤكد مكانة القرآن الكريم ، وعناية الله تعالى به ، إذْ أنزله ناسخًا لما قبله من الكتب الدينية ، وأودع إعجازه فى نظمه وتأليفه)3) ، وجعله متلوا لا يمل على طول التلاوة ، ومسموعا لا تمجه الآذان ، وغضا لا يخلق على كثرة الرد ، وعجيبًا لا تنقضى عجائبه ، ومفيدا لا تنقطع فوائده)4) .  
ومما تتميز به العبارة القرآنية قدرتها على حمل الكثير من المعانى فى العدد القليل من الألفاظ ، وذلك هو ما عناه الرسول صلى الله عليه وسلم بقوله "أوتيت جوامع الكلم" أى الكلمات المعدودة الجامعة لصنوف الحكمة . ويمثل ابن قتيبة لذلك قائلا : "فإن شئت أن تعرف ذلك فتدبر قوله سبحانه ( خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ ) [سورة الأعراف : آية 199] كيف جمع له بهذا كل خلق عظيم : لأن فى أخذ العفو صلة القاطعين ، والصفح عن الظالمين ، وإعطاء المانعين ، وفى الأمر بالعرف تقوى الله ، وصلة الأرحام ، وصون اللسان عن الكذب ، وغض الطرف عن الحرمات ، وفى الإعراض عن الجاهلين الصبر والحلم وتنزيه النفس عن مماراة السفيه ، ومنازعة اللجوج"(5).
هذا مثال واحد من حوالى عشرة أمثلة يوردها ابن قتيبة فى مفتتح كتابه، ليقف منها القارئ على أهمية التأمل فى "العبارة القرآنية" ومحاولة تدبرها بعناية "فإنما يعرف فضل القرآن مَنْ كثر نظره ، واتسع علمه ،            وفهم مذاهب العرب وافتتانها فى الأسباب ، وما خص الله لغتها دون جميع اللغات" (6) .
ومما ذهب إليه ابن قتيبة فى تفضيل لغة العرب على سائر اللغات(7) ما تمتاز به من أن حروفها تبلغ ثمانية وعشرين حرفًا ، على حين تقصر ألفاظ جميع الأمم عن هذا العدد .
وكذلك "الإعراب" الذى يرى ابن قتيبة أن الله تعالى قد جعله وشيا لكلام العرب وحلية لنظامها(8) ، وفارقا – فى بعض الأحوال – بين الكلامين المتكافئين ، والمعنييْن المختلفين : فلو أن قارئًا قرأ ( فَلَا يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ ) [سورة يس : آية 79] وترك طريق الابتداء بإنا ، وأعمل القول فيها بالنصب – على مذهب من ينصب أن بالقول كما ينصبها بالظن – لقلب المعنى عن وجهته ، وأزاله عن طريقته ، وجعل النبى صلى الله عليه وسلم محزونا لهم : إن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون ! وهذا كفر ممن تعمده ، وضرب من اللحن لا تجوز الصلاة به ، ولا يجوز للمأمومين أن يتجوزوا فيه(9) .
ومما اختصت به اللغة العربية أيضا أن التغير فى حركة الحرف الواحد قد يؤدى إلى تغيير معنى الكلمة كله ، بل وقلبه أحيانا إلى الضد تماما "فيقولون رجل لُعْنه – بضم اللام وتسكين العين – إذا كان يلعنه الناس . فإذا كان هو الذى يلعن الناس قالوا : رجل لُعَنهَ ، فحركوا العين بالفتح . وقد جاء فى القرآن الكريم ) وَيْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ )  [سورة الهمزة : آية 1]  .
ومن الدقة فى أوصاف اللغة العربية ما يكون أحيانا عن وضع حرف مكان حرف آخر ليؤدى معنى جديدا . كقولهم للنار إذا طفئت )هامدة) ، فإن سكن لهبها وبقى من جمرها شىء قبل )خامدة) )10) .
وقد يرتبط الشىء بعدة معان ، وهنا تلجأ اللغة العربية إلى اشتقاق أسماء من هذا الشىء بعدد المعانى المرتبطة به : كاشتقاقهم من البطن للخميض (مبطن) وللعظيم البطن إذا كان خلقه (بطين) فإذا كان من كثرة الأكل قيل (مبطان) وللمنهوم (بطن) وللعليل البطن (مبطون) (11) .
كذلك يرى ابن قتيبة أن العرب تميزوا بفن الشعر "الذى أقامه الله تعالى لها مقام الكتاب لغيرها ، وجعله لعلومها مستودعا ، ولآدابها حائطا ، ولأنسابها مقيدا ، ولأخبارها ديوانا لا يرث على الدهر ، ولا يبيد على مر الزمان ، وحرسه بالوزن والقوافى وحسن النظم وجودة التحبير من الدرس والتغيير ، فمن أراد أن يحدث فيه شيئًا عسر ذلك عليه ، ولم يخف له كما يخف فى الكلام المنثور" (12) .
وأخيرًا فإن للعرب : المجازات فى الكلام . ومعناها : طرق القول ومآخذه ، ففيها : الاستعارة ، والتمثيل ، والقلب ، والتقديم والتأخير ، والحذف ، والتكرار ، والإخفاء والإظهار ، والتعريض والإفصاح ، والكناية والإيضاح ، ومخاطبة الواحد مخاطبة الجميع ، والجميع خطاب الواحد ، والواحد والجميع خطاب الاثنين ، والقصد بلفظ الخصوص لمعنى العموم ، وبلفظ العموم لمعنى الخصوص ، مع أشياء كثيرة توجد فى أبواب المجاز"(13) .
ويعقب ابن قتيبة على ذلك بأن القرآن الكريم قد نزل بكل هذه الطرق فى التعبير ، ولهذا فإنه يرى عدم إمكانية ترجمته إلى لغة أخرى ، لما سوف يفقده فى أثناء الترجمة من المعانى الجانبية والإيماءات التى ترتبط بطبيعة التعبير فى اللغة العربية . يقول ابن قتيبة : "لذلك لا يقدر أحد من التراجم على أن ينقله إلى شىء من الألسنة ، كما نقل الإنجيل من السريانية إلى الحبشية والرومية ، وترجمت التوراة والزبور وسائر كتب الله تعالى بالعربية ، لأن العجم لم تتسع فى المجاز اتساع العرب"(14) ويقدم ابن قتيبة عدة أمثلة من آيات القرآن الكريم التى تحمل برصفها الخاص معانى لا يمكن التعبير عنها فى رصف عربى آخر ، فما بالك بلغة أجنبية(15) .



المطاعن على القرآن الكريم والرد عليها


فى كتابه (تأويل مشكل القرآن) يخصص ابن قتيبه بابا كاملاً بعنوان (الحكاية عن الطاعنين) وفيه يستقرئ أوجه النقد التى وجهت إلى القرآن الكريم، مصنفًا إياها فى موضوعات رئيسية ، وعارضًا أقوال الخصوم – دون ذكر أسمائهم – بكثير من الوضوح ، ثم مجيبًا بالتفصيل على كل منها .
لقد اعتمد الطاعنون على مثل قوله تعالى( وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا ) [سورة النساء : آية 82] ثم طاروا فرحًا عندما وجدوا اختلاف الصحابة فى بعض القراءات ، واللحن الظاهر فى بعض الآيات، وأخيرًا ما بدا لهم من تناقض بعض الحقائق التى تحدث عنها القرآن .
يقول ابن قتيبة : "وقد ذكرت الحجة عليهم فى جميع ما ذكروا ، وغيره مما تركوا ، وهو يشبه ما أنكروا ، ليكون الكتاب جامعا للقصد الذى قصدت له"(16) أى أن كتاب (تأويل مشكل القرآن) ليس قاصرا فقط على ما أثاره الطاعنون فى القرآن ، وإنما يشتمل أيضا على كل ما يحتمل شيئا من التساؤل أو الغموض . وبهذا يخرج كتاب ابن قتيبة عن أن يكون مرتبطا بدافع جزئى عارض فى عصره فقط ، إلى مجال أوسع وأرحب يمتد إلى كل المعارضات فى مختلف العصور .


أولاً : دعوى اختلاف القراءات


اعتمد الطاعنون فى القرآن الكريم على اختلاف قراءاته ، وتعدد وجوه بعض حروفه وألفاظه . وقالوا : وجدنا الصحابه ومَنْ بعدهم يختلفون فى الحرف ، والقراء يختلفون : فهذا يرفع ما ينصبه ذاك ، وذاك يخفض ما يرفعه هذا . وأنتم تزعمون أن هذا كله كلام رب العالمين . وأى شىء بعد هذا الاختلاف ؟! وأى باطل بعد الخطأ واللحن تبتغون ؟!(19) .
رد ابن قتيبة : أما ما اعتلوا به فى وجوه القراءات من الاختلاف ، فإنا نحتج عليهم فيه بقول النبى صلى الله عليه وسلم : "نزل القرآن على سبعة أحرف ، كلها شاف كاف، فاقرأوا ما تيسر منه" .
وقد غلط فى تأويل هذا الحديث قوم ، فقالوا : السبعة أحرف : وعد ووعيد وحلال وحرام ومواعظ وأمثال واحتجاج .
وقال آخرون : هى سبع لغات فى الكلمة .
وقال قوم : حلال وحرام ، وأمر ونهى ، وخبر ما كان قبل ، وخبر ما هو كائن بعد ، وأمثال .
وليس شىء من هذه المذاهب بتأويل .. وإنما تأويل قوله صلى الله عليه وسلم "نزل القرآن على سبعة أحرف" : على سبعة أوجه من اللغات متفرقة فى القرآن . يدلك على ذلك قول رسول الله صلى الله عليه وسلم : "فاقرأوا كيف شئتم" .    
وقال عمر بن الخطاب : سمعت هشام بن حكيم بن حزام يقرأ سورة الفرقان على غير ما أقرؤها – وكان النبى صلى الله عليه وسلم أقرأنيها – فأتيت به النبى صلى الله عليه وسلم فأخبرته ، فقال له ": اقرأ – فقرأ تلك القراءة ، فقال : هكذا أنزلت . ثم قال لى: اقرأ – فقرأت ، فقال : هكذا أنزلت . ثم قال : "إن هذا القرآن نزل على سبعة أحرف ، فاقرأوا منه ما تيسر"(20) .    
ويعلق ابن قتيبة على هذا الحديث قائلا : فمن قرأه )أى القرآن) قراءة عبد الله بن مسعود فقد قرأه بحرفه ، ومن قرأ قراءة أبىّ بن كعب فقد قرأه بحرفه ، ومن قرأ قراءة زيد بن ثابت قد قرأ بحرفه . ويوضح ابن قتيبة أن "الحرف" يقع على المثال المقطوع من حروف المعجم ، وعلى الكلمة الواحدة ، ويقع الحرف على الكلمة بأسرها ، والخطبة كلها ، والقصيدة بكاملها(17) .
ويحدثنا ابن قتيبة أنه قد تدبر وجوه الخلاف فى القراءات ، فوجدها سبعة :
1-
اختلاف فى إعراب الكلمة أو فى حركة بنائها بما لا يزيلها عن صورتها فى الكتاب، ولا يغير معناها، مثل قوله تعالى ( وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ ) [سورة سبأ : آية 17] وهل يجازى إلا الكفور .  
2-
اختلاف فى إعراب الكلمة وحركاتها بنائها بما يغير معناها ، ولا يزيلها عن صورتها فى الكتاب ، مثل قوله تعالى ( رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا ) [سورة  سبأ : آية 19] وربُّنا باعدَ بين أسفارنا .
3-
اختلاف فى حروف الكلمة دون إعرابها ، بما يغير معناها ، ولا يزيل  صورتها ، مثل قوله تعالى ( وَانظُرْ إِلَى العِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا ) [سورة البقرة : آية 259] وننشرها .
4-
اختلاف فى الكلمة بما يغير صورتها فى الكتاب ، ولا يغير معناها ، مثل قوله تعالى ( كَالْعِهْنِ الْمَنفُوشِ ) [سورة القارعة : آية 5] والصوف المنفوش .
5-
اختلاف فى الكلمة بما يزيل صورتها ومعناها نحو قوله (وطلع منضود) فى موضع ( وَطَلْحٍ مَّنضُودٍ ) [سورة الواقعة : آية 29] .
6-
اختلاف بالتقديم والتأخير مثل قوله تعالى : ( وَجَاءتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ) [سورة ق : آية 19] وفى موضع آخر )وجاءت سكرة الحق بالموت) .
7-
اختلاف بالزيادة والنقصان مثل قوله تعالى : ( وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ ) [سورة يس : آية 35] وقراءتها )وما عملت أيديهم) (18) .
لكن ابن قتيبة يعود فيؤكد أن كل أنواع الاختلاف فى القرآآت التى ذكرها ليس اختلاف تضاد ، وإنما هو اختلاف تغاير ، وهو جائز ومسموح به، لأنه من التيسير على أمة محمد صلى الله عليه وسلم ، "فكان من تيسيره أن أمره بأن يقرئ كل قوم بلغتهم وما جرت عليه عادتهم"(21) .


ثانيًا : دعوى اللحن :


وبالنسبة إلى دعوى اللحن فى القرآن الكريم ، فقد اعتمد الطاعنون على ما روى عن عائشة ، رضى الله عنها ، من وجود خطأ فى ثلاثة أحرف ، منها ( إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ ) [سورة طه : آية 13] ، وكذلك ما روى عن عثمان رضى الله عنه، أنه نظر فى المصحف ، فقال : أرى فيه لحنا وستقيمه العرب بألسنتها .
ومن الجدير بالذكر هنا أن المحقق الكبير السيد أحمد صقر يؤكد أن هاتين الروايتين من الروايات الموضوعة ، وبالتالى يسقط الاحتجاج بهما .
أما ابن قتيبة فيقول : إن النحويين قد تكلموا فى هذه الحروف ، واعتلوا لكل حرف منها ، واستشهدوا الشعر . فقالوا فى قوله تعالى ( إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ ) إنها لغة بلحرث بن كعب ، الذين يقولون : مررت برجلان ، وقبضت منه درهمان ، وجلست بين يداه . على أن القراء قد اختلفوا فى قراءة هذا الحرف . فقرأه أبو عمرو بن العلاء ، وعيسى بن عمر (إن هذين لساحران) وذهبا إلى أنه غلط من الكاتب . وكان عاصم الجحدرى وهو من كبار القراء ، يكتب فى مصحفة نقلاً عن المصحف الإمام (ان هذان لساحران) ويقرأها : إن هذين لساحران .
ويخلص ابن قتيبة من ذلك إلى أن ما يظن أنه لحن فى القرآن الكريم يمكن تفسيره نحويا باعتباره لغة قبلة من قبائل العرب ، أو أنه خطأ من كاتب المصحف . وعلى أية حال ، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم برىء من أخطاء اللحن ، سواء كانت فى النطق أو الكتابة . يقول ابن قتيبة : "وليست تخلو هذه الحروف من أن تكون على مذهب من مذاهب أهل الاعراب فيها ، أو أن تكون غلطا من الكاتب ، ما ذكرت عائشة رضى الله عنها ، فإن كانت على مذاهب النحويين فليس هاهنا لحن بحمد الله ، وإن كانت خطأ فى الكتاب فليس على رسوله صلى الله عليه وسلم جناية الكاتب فى الخط . ولو كان هذا عيبا يرجع إلى القرآن لرجع عليه كل خطأ وقع فى كتابه المصحف من طريق التهجى"(22) ثم يختم دفاعه بأن رسم المصحف العثمانى يحتوى على الكثير مما يخالف ما اشتهر بعد ذلك من كتابة اللغة العربية . وفى المصحف الإمام نفسه كتب (إن هذين لساحران) بحذف ألف التثنية ، وهى تحذف فى هجاء هذا المصحف فى كل مكان ، مثل : (قال رجلن) وقد كتب كتاب المصحف : الصلوه والزكوة والحيوه بالواو ، ونحن نكتبها بالألف . وكتبوا (الربو) والمعروف أنه (الربا) وهذا إذا كان شائفا فى الكتابة ، فإن ابن قتيبة يرى أن اللحن الصوتى قد حدث لدى القراء المتأخرين ، وهو لا ينبغى أن يجعل حجة على الكتاب(23) .


ثالثًا : دعوى التناقض


وفى هذا المجال ، يورد ابن قتيبة أكثر من عشرين مطعنا ، اعتمد عليها الملحدون فى التهجم على القرآن الكريم ، ويبدو من هذه المطاعن مدى البحث الدقيق والتفتيش عن أى ثغرة للتعلق بها ، وإثارة الشبهات حولها ، حتى أن ابن قتيبة نفسه طلب العفو من الله تعالى عما أورده لهم ، مما قد يطلع عليه من لا يكون قد بلغه شىء من ذلك ! وفيما يلى بعض النماذج ورد ابن قتيبة عليها :
1-
قالوا : وهل التناقض إلا مثل قوله ( فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْأَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلا جَانٌّ) [سورة الرحمن : آية 39] وهو يقول فى موضع آخر( فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِيْنَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ ) [سورة الحجر : آية 92 ، 93] .
الرد : أن يوم القيامة يكون كما قال الله تعالى : ( مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ ) [سورة المعارج : آية 4] . فى مثل هذا اليوم يسألون ، وفيه لا يسألون ، لأنهم حين يعرضون يوقفون على الذنوب ويحاسبون ، فإذا انتهت المسألة ووجبت الحجة ( انشَقَّتِ السَّمَاء فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ ) [سورة الرحمن : آية 37] وانقطع الكلام ، وذهب الخصام ، واسودت وجوه قوم ، وابيضت وجوه قوم آخرين ، وعرف الفريقان بسيماهم ، وتطايرت الصحف من الأيدى : فآخذ زات اليمين إلى الجنة ، وآخذ ذات الشمال إلى النار . وكذلك قال ابن عباس ، رضى الله عنه  فى قوله ( فَيَوْمَئِذٍ لَّا يُسْأَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلَا جَانٌّ)  [سورة الرحمن ، آية 39] قال : هو موطن لا يسألون فيه . ومثله ( وَلَا يُسْأَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ) [سورة القصص : الآية 78]  .
2-
وقالوا : إن القرآن قد ذكر أن الله تعالى قد خلق الأرض قبل السماوات كما ورد فى سورة فصلت ( قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ ) [الآية : 9] وجاء بعد ذلك ( ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ ) [الآية 11 ، 12] .. لكنه يقول فى موضع آخر من سورة النازعات  ( أَمِ السَّمَاء بَنَاهَا رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا) ثم يقول ( وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا ) [الآيات 28 ، 29 ، 30] فدلت هذه الآيات على أنه خلق السماء قبل الأرض !!
الرد : إن كتاب الله تعالى لا ينبغى أن يتحمل تحريف الجاهلين ، ولا غلط المتأولين . وإنما كان يجد الطاعن متعلقا ومقالا لو قال : والأرض بعد ذلك "خلقها" أو "ابتدأها" أو "أنشأها" ، وإنما قال "دحاها" : فابتدأ الخلق للأرض على ما فى الآيات الأولى فى يومين ، ثم خلق السماوات وكانت دخانًا فى يومين ، ثم دحا بعد ذلك الأرض : أى بسطها ومدها ، وكانت ربوة مجتمعة ، وأرساها بالجبال ، وأنبت فيها النبات فى يومين ، فتلك ستة أيام سواء للسائلين، وهو معنى قول ابن عباس . وقال مجاهد : (بعد ذلك) فى هذا الموضع بمعنى (مع ذلك) و(مع) و(بعد) فى كلام العرب سواء .
3-
وقالوا : هناك تناقض بين آية ( وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ)  وقوله بعد ذلك مباشرة ( وَمَا لَهُمْ أَلاَّ يُعَذِّبَهُمُ اللّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ) [سورة الأنفال : آية 33 ، 34] .
الرد : سبب نزول الآية الأولى أن النضر بن الحارث ، وهو من كبار المشركين ، قال ( وَإِذْ قَالُواْ اللَّهُمَّ إِن كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السَّمَاء أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ) [سورة الأنفال : آية 32] يريد أهلكنا ومحمدا ومَنْ معه عامه ، فأنزل الله تعالى ( وَمَا كَانَ اللّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ) أى وفيهم قوم يستغفر يعنى المسلمين .
يدلك على ذلك قول الله ، تبارك وتعالى ( وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ) ثم قال ( وَمَا لَهُمْ أَلاَّ يُعَذِّبَهُمُ اللّهُ) خاصة ) وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُواْ أَوْلِيَاءهُ إِنْ أَوْلِيَآؤُهُ إِلاَّ  الْمُتَّقُونَ ) [سورة الأنفال : آية 34] يعنى المسلمين . فعذبهم الله بالسيف بعد خروج النبى عنهم . وفى ذلك نزلت ( سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ ) أى دعا داع لعذاب واقع ، يعنى النضر بن الحارث (  لِّلْكَافِرينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ ) [سورة المعارج : آية 1 ، 2] يقول: هو للكافرين خاصة دون المؤمنين ، وهو معنى قول ابن عباس . وقال مجاهد فى قوله تعالى ( وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ) : علم أن فى أصلابهم من سيستغفر .
4-
وأحيانا يبدو الجهل الفاضح بمعانى ألفاظ اللغة العربية فى شبهات الطاعنين. ومن ذلك مثلا ما أثاروه حول قوله تعالى ( كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ) [سورة الحديد : آية 20] يقولون : ولم خص الكفار دون المؤمنين ؟ أو ليس هذا مما يستوى فيه المؤمنون والكافرون ، ولا ينقص إيمان المؤمنين إن أعجبهم ؟!
يقول ابن قتيبة : إنما يريد بالكفار هنا : الزراع ، واحدهم كافر . وإنما سمى كافرًا لأنه إذا ألقى البذر فى الأرض كفره ، أى غطاه . وكل شىء غطيته فقد كفرته . ومنه قيل : تكفّر فلان فى السلاح إذا تغطى . ومنه قيل الليل : كافر ، لأنه يستر بظلمته كل شىء .. وهذا مثل قوله تعالى (  يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ )  [سورة الفتح : آية 29] .


رابعًا : دعوى إيراد المتشابه


تساءل الطاعنون فى القرآن الكريم مستنكرين : ماذا أراد الله بإنزال "المتشابه" فى القرآن مَنْ أراد لعباده الهدى والبيان ؟!
ويرد ابن قتيبة على هذا الاتهام بعدة نقاط :       
1-
أن القرآن الكريم نزل بألفاظ العرب ومعانيها ، ومذاهبها فى الإيجاز والاختصار ، والإطالة والتوكيد ، والإشارة إلى الشىء ، وإغماض بعض المعانى حتى لا يقف عليها إلا من هو حسن الفهم والتلقين لما يسمعه ، وضرب الأمثال لما خفى . ولو كان القرآن كله ظاهرًا مكشوفًا حتى يستوى فى معرفته العالم والجاهل لبطل التفاضل بين الناس ، وسقطت المحنة ، وماتت الخواطر . ومع الحاجة تقع الفكرة والحيلة . ومع الكفاية يقع العجز والبلادة (24) .
2-
ولسنا نزعم أن المتشابه فى القرآن لا يعلمه الراسخون فى العلم فلم يُنزل الله تعالى شيئا من القرآن إلا لينفع به عباده ، ويدل به على معنى أراده . ولو كان المتشابه لا يعلمه غير الله تعالى للزمنا : مقالُ الطاعن ، وكانت له علينا الحجة. لكن هل يجوز لأحد أن يقول : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن يعرف المتشابه ؟! وإن جاز أن يعرفه جاز أن يعرفه الربانيون من صحابته. ثم إننا لم نر المفسرين قد توقفوا عن شىء من القرآن الكريم فقالوا : هذا متشابه لا يعلمه إلا الله . بل أقدموا على تفسيره كله ، حتى أنهم فسروا "الحروف المقطعة" فى أوائل السور(25) .
وأخيرًا يبين ابن قتيبة "أصل التشابه" فيقول : أن يشبه اللفظُ اللفظَ فى الظاهر ، والمعنيان مختلفان .. ومنه يقال : اشتبه علىّ الأمر ، إذا أشبه غيره فلم تكد تفرق بينهما ، وشبهت علىّ : إذا لبّست الحق بالباطل ، ومنه قيل لأصحاب المخاريق : أصحاب الشبه ، لأنهم يشبهون الباطل بالحق .
ثم قد يقال لكل ما غمض ودق : متشابه ، وإن لم تقع الحيرة فيه من جهة الشبه بغيره . ألا ترى أنه قد قيل للحروف المقطعة فى أوائل السور : متشابه ، وليس الشك فيها ، والوقوف عندها لمشاكلتها غيرها ، والتباسها بها .
ومثل المتشابه : المشكل . وسمى مشكلا لأنه أشكل أى دخل فى شكل غيره فأشبهه وشاكله . ثم يقال لما غمض ، وإن يكن غموضه من هذه الجهة : مشكل(26) .


خامسًا : دعوى المجاز : رفضا وإساءة استخدام


يؤكد ابن قتيبة أن كثيرًا من الناس قد غلطوا فى التأويل ، وتشعبت بهم الطرق ، واختلفت النحل من جهة "المجاز" . ومن ذلك ما تأوله قوم فى قوله تعالى : ( فِي أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَاء رَكَّبَكَ ) [سورة الانفطار : آية 8] : معنى التناسخ. فى حين أن الله تعالى لم يرد فى هذا الخطاب إنسانًا بعينه ، وإنما خاطب جميع الناس ، كما يقول القائل : يا أيها الرجل ، وكلكم ذلك الرجل : فأراد أنه صورهم وعدلهم فى أى صورة شاء ركبهم : من حسن وقبح ، وبياض وسواد، وأدمة وحمرة(27) .
ثم يعرض ابن قتيبة لمذهب "قوم" يروْن أن قول الله تعالى وكلامه ليس قولاً ولا كلامًا على الحقيقة ، وإنما هو إيجاد للمعانى دون الألفاظ ، وقد جعلوا ذلك كله تحت عنوان "المجاز" ، كقول الله تعالى للملائكة ( اسْجُدُواْ لآدَمَ ) أنه إلهام منه للملائكة ، وكقوله ( وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ )  أى ألهمها ، وقوله للسماء والأرض ( اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ ) فالله لم يقل ، وهما لم يقولا ، إذْ كيف يخاطب معدوما ؟ ومثل قوله لجهنم )هل امتلأت وتقول هل من مزيد) وليست يومئذ قول منه لجهنم ، ولا قول من جهنم ، وإنما هى عبارة عن سعتها .
ويرد ابن قتيبة بأن مَنْ يعرف اللغة العربية جيدا يتبين له أن "القول" يقع فيه المجاز ، فيقال : قال الحائط وقالت الناقة وقال البعير .. ولا يقال فى مثل هذا المعنى : تكلم ، ولا يعقل منه الكلام إلا بالنطق بعينه ، سوى موضع واحد هو أن تتبين فى شىء من الجماد عبرة وموعظة .
كذلك يتبين للعارف باللغة العربية أن أفعال المجاز لا تخرج منها المصادر ، ولا نؤكد التكرار . فتقول : أراد الحائط أن يسقط ، ولا تقول : أراد الحائط أن يسقط إرادة شديدة . لذلك عندما يقول الله تعالى ( وَكَلَّمَ اللّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا ) [سورة النساء : آية 164] فإنه يؤكد بالمصدر معنى الكلام ، وينفى عنه المجاز .
المجاز إذن ليس أسلوبا عشوائيا يمكن استخدامه بدون معايير ، وإنما هو نظام محدد ، وله طرائقه المتنوعة ، والتى لا تخرج دائما عن هذا النظام . يقول ابن قتيبة : "وأما الطاعنون على القرآن" بالمجاز" فإنهم زعموا أنه كذب ، لأن الجدار لا يريد ، والقرية لا تسأل .. وهذا من أشنع جهالاتهم ، وأدلها على سوء نظرهم ، وقلة أفهامهم . ولو كان المجاز كذبا ، وكل فعل ينسب إلى غير الحيوان باطلاً – كان أكثر كلامنا فاسدا ، لأنا نقول : نبت البقل ، وطالت الشجرة ، وأينعت الثمرة ، وأقام الجبل ، ورخص السعر .. ويقول الله تعالى (فَمَا رَبِحَت تِّجَارَتُهُمْ ) [سورة البقرة : آية 16] وإنما يربح فيها ويقول        ( وَجَاءوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ ) [سورة يوسف : آية 18] وإنما كذّب به (28) ويقول تعالى (فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاء وَالْأَرْضُ ) [سورة الدخان : آية 29] تقول العرب إذا أرادت تعظيم مهلك رجل عظيم الشأن ، رفيع المكان ، عام النفع ، كثير الصنائع : "أظلمت الشمس ، وكسف القمر لفقده ، وبكته الريح والبرق والسماء والأرض"(29) .
أما الاستعارة فى القرآن الكريم ، فمن أمثلتها : قول الله تعالى ( يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ ) [سورة القلم : آية 42] أى عن شدة الأمر ، أو عن أمر عظيم. وأصل هذا أن الرجل إذا وقع فى أمر عظيم يحتاج إلى معاناته والجد فيه شمرّ عن ساقه ، فاستعيرت الساق فى موضع الشدة (30) .
ومن الاستعارة أيضا : قوله تعالى : (أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ ، وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ ) [سورة الأنعام : آية 122] أى كان كافرًا فهديناه ، وجعلنا له إيمانا يهتدى به سبل الخير والنجاة ( كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا ) أى من الكفر ، فاستعار الموت مكان الكفر ، والحياة مكان الهداية، والنور مكان الإيمان(31) .
ومن الاستعارة أيضا : قوله تعالى : (وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ) [سورة آل عمران : آية 107] يعنى جنته . سماها رحمة لأن دخولهم إياها كان برحمته(32) .
ومنها : قوله تعالى (وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً ) [سورة يوسف : آية 31] أى طعاما . يقال : اتكأنا عن فلان أى طعمنا . والأصل : أن مَنْ دعوته ليطعم أعددت له التكأة للمقام والطمأنينة ، فسمى الطعام متكئا على الاستعارة .
والملاحظ هنا أن ابن قتيبة يصدر فى باب دعوى المجاز عن ثقافة أدبية عميقة بالشعر العربى ، وبفنون القول فيه ، لكى يدعم ما يذهب إليه فى بيان المعنى القرآنى النابع من أسلوب بلاغى معين . لذلك فإنه لا يقتصر على إيراد الدعاوى التى هاجم أصحابها القرآن الكريم ، بنظر مدخول وعقول كليلة، على حد قوله ، وإنما يستطرد إلى الكشف عما فى اللغة العربية العربية من أسرار ، لا يدركها سوى المحققين .
ومن ذلك أن يسمى المتضادان باسم واحد ، والأصل واحد فيقال للصبح: صريم ، ولليل : صريم . قال تعالى (فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ ) [سورة القلم : آية20] أى سوداء كالليل ، لأن الليل ينصرم عن النهار ، والنهار ينصرم عن الليل .
ويقال لليقين : ظن ، وللشك : ظن لأن فى الظن طرفًا من اليقين قال تعالى : (قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاَقُو اللّهِ ) [سورة البقرة : آية 249] أى يستيقنون . وكذلك ( إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيهْ ) [سورة الحاقة : آية 20] )وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُم مُّوَاقِعُوهَا ) [سورة الكهف : آية 53]       و (أَن يَتَرَاجَعَا إِن ظَنَّا أَن يُقِيمَا حُدُودَ اللّهِ ) [سورة البقرة : آية 130] هذا كله فى معنى "اليقين"(33) .
كذلك يقال للمشترى : شار ، وللبائع : شار . لأن كل واحد منهما اشترى . يقول تعالى ( وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ )  [سورة يوسف : الآية 30] أى باعوه ، ويقول ( وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْاْ بِهِ أَنفُسَهُمْ )  [سورة البقرى :    الآية 102] ، أى باعوا .
وجعلت (فوق) بمعنى (دون) فى قوله تعالى (إِنَّ اللَّهَ لاَ يَسْتَحْيِي أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا )  [سورة البقرة : آية 26] أى فما دونها . لأن (فوق) قد تكون (دون) عند ماهو فوقها ، و(دون) قد تكون (فوق) عند ما هو دونها(34) .
أما أسلوب القلْب ، فمعناه أن يقدم ما يوضحه التأخير ، ويؤخر ما يوضحه التقديم . ومن ذلك فى القرآن الكريم :
-(
فَلاَ تَحْسَبَنَّ اللّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ ) [سورة إبراهيم : آية 47] أى مخلف رسله وعده . لأن الإخلاف قد يقع بالوعد كما يقع بالرسل .
-(
فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِّي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ ) [سورة الشعراء : آية 77] أى : فإنى عدو لهم ، لأن كل من عاديته عاداك .
-(
ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى )  [سورة النجم : آية 8] أى : تدلى فدنا ، لأنه تدلى للدنو ، ودنا بالتدلى .
-(
بَلِ الْإِنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ) [سورة القيامة : آية 14] أى : بل على الإنسان من نفسه بصيرة . يريد شهادة جوارحه عليه ، لأنها منه ، فأقامه مقامها(35) .
ثم يعلق ابن قتيبة على هذه الأمثلة من القلب بأنها من القلب الصحيح. وهى على النقيض من المقلوب على الخطأ ، الذى يضطر إليه الشعراء فى قصائدهم بسبب ضرورة الوزن ، أو اطراد القافية . وقد أورد لذلك نماذج      لا تنطبق أمثالها على القرآن الكريم(36) .
أما بالنسبة إلى التقديم والتأخير ، فمن أمثلته فى القرآن الكريم :
-(
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا قَيِّمًا) [سورة الكهف : آية 1 ، 2] أراد : أنزل الكتاب قيما ، ولم يجعل له عوجا .
-(
فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَقَ) [سورة هود : آية 71] أى : بشرناها بإسحاق فضحكت .
-(
فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا)  [سورة الشمس ، الآية 14] أى : فعقروها فكذبوه بالعقر، وقد يجوز أن يكون أراد : فكذبوا قوله إنها ناقة الله ، فعقروها .
-(
وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَكَانَ لِزَامًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى) [سورة طه : آية 129] أى : ولولا كلمة سبقت وأجل مسمى لكان العذاب لزاما(37) .


سادسًا : دعوى التكرار :


ذهب الطاعنون فى القرآن الكريم إلى أنه يحتوى على بعض التكرار : أحيانا فى الألفاظ ، كما فى سورة (الكافرون) وسورة (الرحمن) أو فى الأنباء والقصص ، من غير زيادة ولا إفادة !
رد ابن قتيبة : من المعلوم أن القرآن نزل بلسان العرب ، ومن مذاهبهم التكرار : بهدف التوكيد والإفهام ، كما أن من مذاهبهم الاختصار ، بهدف التخفيف والإيجاز ، لأن افتنان المتكلم والخطيب فى فنون القول ، وخروجه عن شىء إلى شىء – أحسن من اقتصاره فى المقام على فن واحد . وقد يقول قائل فى كلامه : والله لا أفعله ، ثم والله لا أفعله – إذا أراد التوكيد وحسم الأطماع من أن بفعله ، كما يقول : والله أفعله ، بإضمار "لا" إذا أراد الاختصار . ومن ذلك فى القرآن الكريم :
-(
كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ ، ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ ) [سورة التكاثر : آية 3 ، 4] .
-(
فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا ، إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا) [سورة الانشراح : آية 5 ، 6].
-(
أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى ، ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى ) [سورة القيامة : آية 34 ، 35] .
-(
وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ ، ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ ) [سورة الانفطار : آية 17 ، 18] وكل هذا يراد به التأكيد للمعنى الذى كرر به اللفظ(38) .
وأما تكرار( فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ) فى سورة الرحمن ، فإنه تعالى قد عدّد فى هذه السورة نعماءه ، وأذكر عباده آلاءه ، ونبههم على قدرته ولطفه بخلقه ، ثم أتبع كل خَلة وصفها بهذه الآية ، وجعلها فاصلة بين كل نعمتين ، ليفهمهم النعم ، ويقررهم بها .
وأما تكرار المعنى بلفظين مختلفين فلإشباع المعنى والاتساع فى الألفاظ. يقول الله تعالى ( فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ ) [سورة الرحمن : آية 68] والنخل والرمان من الفاكهة ، فأفردهما عن الجملة التى أدخلهما فيها ، لفضلهما وحسن موقعهما ، ومثله ( حَافِظُواْ عَلَى الصَّلَوَاتِ والصَّلاَةِ الْوُسْطَى ) [سورة البقرة : آية 238] وهى منها ، فأفردها بالذكر ترغيبا فيها ، وتشديدًا لأمرها(39) .
ومن أمثلة زيادة التوكيد : قوله تعالى :
-(
يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ) [سورة البقرة : آية 79] لأن الرجل قد يكتب بالمجاز، وغيره يكتب عنه .
-(
وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ ) [سورة الأنعام : آية 38] كما تقول : رأيت بعينى ، وسمعت بأذنى(40) .
إلى هنا .. يمكن أن نتوقف فى متابعة ابن قتيبة فى ردوده على مطاعن المشككين والملحدين فى القرآن الكريم ، لكن هذا لا يعنى أن قد اقتصر على ذلك ، وإنما راح يستعرض أساليب القرآن الكريم فى الكناية والتعريض ، ومخالفة ظاهر اللفظ أحيانا لمعناه ، ثم يتوقف طويلاً وبالتفصيل عند الحروف التى ادعى على القرآن الكريم بها الاستحالة ، وفساد النظم ، فيبين معانيها الجارية على مذاهب اللغة العربية ، كاشفا عن جهل فاضح لهؤلاء الطاعنين بألفاظ اللغة من حيث المعجم والدلالة ـ ثم يختم كتابه بتفسير واف لحروف المعانى ، وما شاكلها من الأفعال التى لا تنصرف . وبهذا الشكل لم يرد فقط على الطاعنين فى القرآن الكريم ، بل إنه علمهم ، كما علم غيرهم ، درسًا فى التبحر فى اللغة التى نزل بها القرآن الكريم ، واستخدم كل فنونها استخداما فاق به كل من أتقنها ، وتميز فيها .


خاتمـة :


سأحاول أن أجعل هذه الخاتمة مشتملة على أهم نتائج البحث ، وبعض التوصيات . فمن النتائج :


أولاً : تعرض القرآن الكريم منذ أنزلت آياته وسوره على الرسول صلى الله عليه وسلم وحتى يومنا هذا ، للكثير من حملات الطعن والتشكيك باعتبار أنه المصدر الرئيسى للدين ، والمعجزة التى أيدت صدق الرسول الذى بلغه للناس . وكان الهدف من تلك الحملات هدم البناء كله ، وهو الإسلام ، من خلال زعزعة الأساس الذى يرتكز عليه ، وهو القرآن .


ثانيًا : أن الهجوم على القرآن الكريم – رغم تطاول الزمن به – ما زال يستخدم نفس أساليب الطعن الأولى ، ويكرر الضرب فى نفس الأماكن التى كان يستهدفها . وهكذا يمكن حصر نقاط الهجوم فى عدد محدود ، بصرف النظر عن القائمين به ، تمهيدًا للرد عليها ودحضها بأسلوب العصر الذى تظهر فيه .


ثالثًا : أن بعض نقاط الهجوم لدى الطاعتين على القرآن لكريم تمثل لديهم أصولا ، بينما الكثير منها لا يخرج عن كونه فروعا . ومن الأصول : دعوى أن مصدر القرآن الكريم بشرى ، وليس وحيا الهيا ، ودعوى التشكيك فى جمع المصحف وكتابته ، ودعوى وجود اختلاف أو تناقض بين بعض آياته . أما الفروع فهى ترجع كلها إلى التعلق بمعانى بعض الألفاظ والأدوات المستخدمة فى اللغة العربية ، والتى توجد لها استعمالات متنوعة، لا يدركها الطاعنون فى القرآن الكريم بسبب حصيلتهم اللغوية الهزيلة .


رابعاً : أن علماءنا القدامى ، رحمهم الله ، لم يقصروا أبدًا فى التصدى لمسئوليتهم العلمية والدينية ، سواء فى الرد على المطاعن التى وجهت إلى القرآن الكريم ، أو فى الاستفسارات التى كانت تدور أحيانا حول بعض آياته )كما نجد لدى ابن عباس رضى الله عنه ) ومن المقرر أن مناهجهم فى الرد كانت مختلفة، وتنوعت بحسب ثقافة كل منهم ، وظروف العصر الذى عاش فيه ، لكن الملاحظ أن أحدًا لم يقم بهذه المهمة الجليلة إلا بعد أن احتشد لها بكل الوسائل اللازمة : معرفة عميقة بأسرار اللغة العربية ، وفنون القول فيها ، ومستويات البيان بها ، ومعرفة عميقة أيضا بالقرآن الكريم وتفسيره وأسباب نزول آياته ، بالإضافة إلى ما اشتمل عليه من قضايا وأحكام . وأخيرًا : إدراك ووعى بوسائل الطاعنين فى القرآن ، وأهدافهم الحقيقية .


خامسًا : أن الطاعتين فى القرآن الكريم يستغلون دائمًا الفترات التى ينصرف فيها عامة المسلمبن عن التزود بالثقافة الإسلامية والعربية الصحيحة ، والتى يأتى فى مقدمتها : فهم القرآن الكريم وإدراك مراميه الحقيقية . وفى زمن التابعين ، يروى عن الحسن رضى الله عنه قوله : "نزل القرآن ليعمل به ، فاتخذ الناس تلاوته عملا" !! ومن المقرر أن العمل يأتى بعد العلم . والعلم يتطلب بصرا وإدراكا ومعرفة واعية بألفاظ القرآن الكريم ومعانيه ، وأهدافه ومقاصده . أى ثقافة قرآنية متكاملة . أما الذى يجعلنا نلاحظ ذلك ، فهو أن بعض المطاعن الموجهة للقرآن الكريم كانت أضعف من أن يطلقها أصحابها فى زمن يكون المسلمون فيه على وعى صحيح بتلك الثقافة التى أشرنا إليها .


سادسًا : وانطلاقا من ذلك ، وجدنا المدافعين عن القرآن الكريم ينتقلون من الرد الحاسم على مطاعن الخصوم – إلى تبصير المسلمين أنفسهم بجوانب أخرى : لغوية وبلاغية فى القرآن الكريم لكى يحصنوهم بها من أمثال تلك المطاعن فى المستقبل . وهذا ما قام به باقتدار ابن قتيبة فى كتابه "تأويل مشكل القرآن" .


سابعًا : أن بعض المطاعن الموجهة للقرآن الكريم جاءت مع الأسف من بعض علماء المسلمين . سواء فى الماضى أو فى الحاضر . ومن أمثلتها فى الماضى دعوى القول بالصرفة . ومعناها أن الله تعالى هو الذى صرف أو شلّ قدرة العرب عن أن يأتوا بمثل القرآن ، أو حتى آية واحدة منه . أى أنه لو كان تركهم لإمكانياتهم لأتوا بمثله !! وقد قال النظام (ت 231هـ) من المعتزلة بذلك ، لكن تلميذه الحاحظ (ت 255هـ) لم يوافقه عليه ، وكذلك معظم من تناول أعجاز القرآن الكريم كالرمانى والخطابى والباقلانى (انظر المقدمة الرائعة للمحقق الكبير السيد أحمد صقر لكتاب إعجاز القرآن للباقلانى) ، واستمرارًا لذلك ، قام المرحوم الدكتور محمد عبد الله دراز بنفى هذه الشبهة تمامًا بأسلوب عصرى غاية فى الوضوح والإقناع (انظر كتابه النبأ العظيم) .


أما بالنسبة إلى التوصيات ، فنكتفى ببعضها فيما يلى :


أولاً : أن العمل الرائع الذى قام به ابن قتيبة فى القرن الثالث الهجرى دفاعًا عن القرآن الكريم ضد مطاعن خصومه – ما زال يصلح ، فى رأينا ، نموذجًا معتمدًا فى هذا المجال ، سواء من حيث المنهج ، أو من حيث المادة العلمية الدسمة التى وردت فيه .


ثانيًا : أن كل من تناول إعجاز القرآن الكريم من علمائنا القدماء قد ركزوا على إعجازه البيانى ، وبالتالى فإن تزويد أبناء المسلمين بمعرفة اللغة العربية أولاً ، وإدراك أسرارها البلاغية بعد ذلك : يظلان من أهم حوائط الصد ضد محاولات خصوم القرآن الكريم التى تظهر من وقت لآخر ، معتمدة على جهل أبناء القرآن بحقيقة اللغة التى أنزله الله تعالى بها .


ثالثًا : أن ما ظهر فى عصرنا الحاضر من دعوات مغرضة لإعادة قراءة "النص القرآنى" فى ضوء المستجدات الحديثة يتجاهل تمامًا البيئة اللغوية التى توضح وتحدد الكثير جدا من معانى القرآن الكريم ومراميه . وبدون الوقوف على هذه الأرض بثبات واقتدار يصبح "نص" القرآن الكريم معرضا لكل الأهواء والاتجاهات التى تسعى لتدميره .


رابعًا : أن القرآن الكريم كان وما زال هو "الحبل السُّرى" الذى يرتبط به جميع المسلمين فى انحاء العالم . ومحاولة فصلهم عن هذا الرابط المتين سوف تنفصم عراهم الروحية التى ما زالت تجمعهم ، على الرغم من الظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية التى تفرقهم . وبالتالى فإن تحفيظ أولادهم القرآن الكريم يظل عملاً أساسيًا ، لكى ينبغى أن يضاف إليه تبصيرهم بمعناه وتفسيره .
*  *












التعليقات (0)Add Comment

أضف تعليق
تصغير | تكبير

busy
آخر تحديث الثلاثاء, 27 يناير 2015 22:57