عداد الزائرين

mod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_counter

إضافات حديثة

   
 
افكار قابلة للتنفيذ صيغة PDF طباعة أرسل لصديقك
كتبها Administrator   
الجمعة, 06 أغسطس 2010 14:11

 

 

 

 

أفكار قابلة للتنفيذ





إنتاج الأفكار

الأفكار مثل عسل النحل الذي لا يتكون إلا بعد رحلة طويلة يقوم بها النحل بين الحقول والبساتين لامتصاص الرحيق من  الزهور  ، ثم يعود به إلى الخلية ، وقد تحول فى أحشائه إلى ذلك المنتج الرائع ، الذى جعل منه الله تعالى شفاء للناس .وهذا يعنى أن الفكرة الجديدة لا تنشأ بالصدفة أو من تلقاء نفسها كما يتصور معظم الناس، لأنها تتطلب من المفكر بذل الجهد فى القراءة والإطلاع وإجراء التجارب وسؤال الخبراء والاستفسار المتكرر وتقليب الموضوع الذى يشغل باله على كل الوجود . وفى خلال ذلك يتحمل الكثير من الإرهاق ، والسهر ، وقد يرى فى نومه – إذا نام – الأحلام المزعجة والكوابيس ، ثم فجأة تأتى إلى ذهنه (الفكرة ) مثل إشعاعة الضوء التى تغمر المكان ، فيرى الأمور بوضوح كامل ، وتبدو عناصر الحل متماسكة بعضها مع الآخر ، ولا يكون هناك مجال للخلط أو الاضطراب . وعندئذ يصبح على المفكر أن يصوغ فكرته فى عبارات قليلة وبسيطة وواضحة . ولا يبدأ فى الإحساس بالضيق إلا عندما يواجه المجتمع بفكرته فيجده رافضاً ، أو  مبالياً ، أو حتى مهاجماً !

ليس كل مفكر ولا كل باحث بقادر على إنتاج الأفكار . فهناك الكثيرون جداً ممن يتعاملون يومياً مع أفكار الآخرين ، ويحسنون أحياناً عرضها ، ولكنهم يعجزون عن الاتيان بفكرة واحدة جديدة . وهؤلاء يشبهون (النمل) الذى تنحصر مهمته فى البحث عن الطعام وتكديسه فى الجحور لاستخدامه فى الوقت المناسب . وقد أشار علماء المنهج إلى أن البحث العلمى فى حاجة مستمرة لكلا الطائفتين : طائفة النحل التى تنتج الأفكار ، وطائفة النمل التى تجمعها وتكدسها . . ومن الواضح أن الطائفة الأولى هى التى يتوقف عليها التطور العلمى الذى عرفته الإنسانية ، وكان له تأثير ملموس على حياة الناس . وليست الاختراعات والابتكارات سوى أفكار جديدة جاء بها عدد قليل من الأفراد، الذين منحهم الله تعالى تلك القدرة على إنتاجها .

لكن تاريخ الأفكار يثبت أن بعض الأفكار الصحيحة قد تطرح فى عصر من العصور ، ولا تجد من أهله الاستجابة اللازمة ، فتنزوى فى أحد الأركان حتى يأتى أهل عصر آخر فيستخرجونها ، ويطبقونها . وقد حدث نفس الشئ بالنسبة لفكرة المنهج التجريبى الذى طرحه روجر يتكون فى القرن الثالث عشر ، ولم ير النور وبالتالى النجاح إلا على يد معاصره البريطانى روجر بيكون فى القرن السادس عشر .

وعندنا فى مصر ، أفكار جديدة كثيرة ، طرحت خلال القرن الماضى، القرن العشرين ، و لكن الناس أسرعوا برفضها والوقوف فى وجه أصحابها ، فما كان منهم إلا أن سكتوا وتراجعوا ، وماتوا حزناً وغماً ، ثم ما لبثت هذه الأفكار أن تم إحياؤها بعد ذلك ، بل وجرى تكريم أصحابها وإعادة الاعتبار لهم . ومن ذلك فكرة تحرير المرأة التى حورب من أجلها قاسم أمين ، ولم يكد ينتهى القرن حتى أصبحت موضع احترام، ولم يعد أحد يجرؤ على محاربتها !

والخلاصة أن المجتمعات الذكية هى وحدها التى تدرك قيمة الأفكار الجديدة ، وتسرع باحتضانها ، فى حين أن المجتمعات الخاملة هى التى تدوس على ما يظهر فيها من أفكار ولذلك فإنها تظل ضعيفة وفقيرة ومتخلفة .


بماذا تتقدم المجتمعات ؟



جلسنا نتحدث حول أهم عوامل التقدم فى المجتمعات . قال أحدنا : إنه العلم ولا شئ سواه ، فكلما أخذ المجتمع به ، وتعمق فيه ، ونشره بين أبنائه ، وطبق مناهجه على قضاياه نجح فى حل مشكلاته ، وحقق أفضل معدلات التنمية على كافة المستويات.

وقال الثانى : إن العلم بدون العمل لا يساوى شيئاً . فلابد من بذل الجهد ، وضخ العرق لإقامة الأبنية ، وشق الترع ، وتمهيد الطرق ، وإقامة الكبارى ، ومدّ الأنفاق ، وفلاحة الأرض ، وتشغيل المصانع . .

أما الثالث فقال : لكن العلم وحده لا يكفى ، كما أن العمل وحده لا يكفى ، بل إن الإثنين لا قيمه لهما إذا لم يتحصن الإنسان بالدين ، الذى يربطه بخالق الكون ، ويحدد له مصيره وغايته ، والهدف الأساسى من وجوده ، لأن هناك فرقاً كبيراً جداً بين المجتمع الإنسانى وبين مجتمع النمل أو النحل مثلاً ، فهذه المجتمعات تعمل طوال الوقت ، وبإتقان شديد ، لكنها مجتمعات آلية أو ميكانيكية ، بمعنى أنها تسير على وتيرة واحدة ، منذ نشأت وحتى اليوم ، وستظل كذلك للأبد . أما المجتمع الإنسانى فإنه يتطور باستمرار ، وهذا التطور مرتبط دائماً باقترابه أو ابتعاده عن الله .

وقال الرابع : الدين بالفعل عامل أساسى ، وهو دافع للتضامن من أجل العمل المشترك لإقامة مجتمع فاضل . لكن الأخطاء التى تحدث فى هذا الميدان تأتى من عدم الفهم الصحيح له ، وأحياناً من الفهم غير المتكامل . وكم شهد العالم من خلافات ، وعانى من صراع فرق الناس إلى أحزاب وشيع ، وأدى أحياناً إلى قتال وقتل - وهذا بالطبع ما لم يدع إليه أى دين من الأديان .

وهنا قال الخامس : فى رأيى أنه لابد من توافر روح وطنية تجمع الناس على هدف واحد ، وهو ما يطلق عليه البعض المشروع القومى الذى يعتبر إطاراً يضم كلاً من الحكومة والشعب ، ويتفاعل فيه الجميع من أجل تحقيق مجموعة متكاملة من الأهداف ، يتم من أجلها التضحية بالمصلحة الخاصة للفرد فى سبيل تحقيق المصلحة العامة للجميع . ومن المؤكد أن هذه الروح هى التى بنت المجتمعات القوية ، وأقامت الحضارات الكبيرة .

وكان يسمعنا صديق أكبر مناً سناً وخبرة فقال : لقد تحدث كل واحد منكم عن عامل معين ، وأنا أقول لكم : لماذا لا تكون هذه العوامل كلها مجتمعة هى التى تحقق التقدم المنشود للمجتمع ؟ قلنا له : لا شئ يمنع من ذلك ، لكن كلاً منا حاول من وجهة نظره الخاصة أن يركز على عامل معين يرى أنه هو الدافع الأكثر فعالية ، والأقوى تأثيراً . .

فقال : حسناً لكن ينبغى ألا تغفلوا عن أمر هام ، هو أن المجتمع الذى يرغب فى التقدم ينبغى أن يتوافر فيه قدر كبير من الذكاء ، والحيوية، والرغبة الحقيقية فى تحسين وسائل الحياة ، والارتقاء بالبيئة المحيطة به . كذلك ينبغى لهذا المجتمع أن يشجع طاقة الخيال ، التى ينمو فيها الإبداع والابتكار من أجل تحقيق نماذج جديدة ، وأنماط مستحدثة ، وهذا ما يتيح له أن يسبق أمثاله من المجتمعات التقليدية ، وينطلق على الدوام لآفاق غير مطروحة .

وانفضت الجلسة على أمل أن تكون لدينا كل هذه العوامل ، أو معظمها ، خاصة وأن مصر كانت دائماً موئلاً للحضارات ، ونصيرة للتقدم .



النظام فى حياتنا


حياتنا بحاجة شديدة إلى النظام . النظام فى كل شئ . فى الأكل والملبس والسكن والعمل ، وحتى فى الترفيه . وعلى الرغم من زيادة الوعى بأهمية النظام، والدعوة إليه فى التعليم وفى كل وسائل الإعلام إلا أن مجتمعنا ما زال بعيداً عنه . ويعتبر المرور من أهم المظاهر التى تكشف عن أن شعباً ما يلتزم أو لا يلتزم بالنظام. بدءاً من احترام الألوان الثلاثة للإشارة ، إلى الالتزام بإرشادات السرعة ، ومنحنيات الطرق ، ووجود المدارس . ويكفى أن تلتقط صورة من الأعلى لمنظر شارع تجوبه عربات السرفيس لتجد الفوضى منتشرة بكل شبر فيه ، فليس هناك تتابع فى السير، ولا احترام لصاحب الحق ، كما لا يوجد أى اعتبار للمشاة ، الذين أصبحوا هم أيضاً جزءاً من حركة المرور العشوائية .

أما النظام الغذائى ، فلا يأخذ به أحد منا إلا عندما تقع الواقعة ، ويحدد الطبيب ما نأكل ، وما لا نأكل . وفى كل الأحوال فإن الاهتمام بالكمية يتغلب على نوعية الطعام ، كما أن الإفراط فى تناوله يوقع فى العديد من الكوارث الصحية . فإذا حاولت أن ترى الموزايك فى الملبس يكفى أن تنظر إلى لوحة مجلس الشعب ، حيث يتجاور فى القاعة من يلبس البدلة الافرنجية ، مع من يلبس الجلباب البلدى ، ومن يلبس الكاجوال مع من يلبس العقال . . وتكاد تخرج من هذا بأنك لا تعيش فى بلد واحد ، وإنما فى دولة فيدرالية تضم عدة جمهوريات مختلفة ، وشديدة التباين .

وبالنسبة إلى المساكن ، تجد الشارع الذى يضم بيوتاً لا تزيد عن دور واحد أو دورين ، إلى جانب عمارات ترتفع إلى أربعة عشر طابقاً . أما فى الداخل ، فهناك الطراز البلدى الفسيح والمرتفع الأسقف ، إلى جانب الطراز الافرنجى المضغوط . وفى الآونة الأخيرة أضيف ما يسمى بالفيلا أى الشقة ذات الدورين . وفى كل الأحوال تبدو المساحات غير متناسقة ، كما أنها غير مستغلة على النحو الأمثل .

وما زالت لدى المصريين الرغبة فى إنجاب أعداد كبيرة من الأطفال ، بناء على أن الأولاد " عزوة " ، كما أنهم يساعدون الآباء عند الكبر ، مع أن القليل جداً منهم هو الذى يفعل ذلك . وفى حين تبدو الحاجة إلى الأولاد الذكور فى الريف أقوى فقد انتقلت إلى المدينة ، وأصبح المثقفون لا يقلون عن الريفيين فى كثرة الإنجاب ، الأمر الذى جعل تلك الزيادة السكانية المنفلتة تعصف بكل عوائد التنمية التى حققها المجتمع خلال السنوات الماضية.

وفى مجال العمل ، ما زال النظام مفتقداً فى العديد من المصالح والإدارات . بدءاً من عدم احترام مواعيد بدء العمل أو انتهائه ، مروراً بعشوائية الأداء والتكاسل فى إنجاز المهام ، وتكدس الموظفين بدون داع ، وعدم الالتزام بالتعليمات التى من شأنها أن تحدث السيولة اللازمة للإدارة الجيدة .

وحتى الترفيه لا يوجد فيه نظام . فما من رحلة مدرسية أو جامعية خرجت ورجعت فى موعدها المقرر سلفاً . وما من سينما أو مسرح قدم عرضه فى موعده المعلن عنه . فإذا تابعت التلفزيون ، أراهنك على أن يذاع برنامج فى موعده المحدد تماما، بل أن نشرة الأخبار ، التى لا تتأخر ثانية واحدة فى كل بلاد العالم ، يتم إرجاؤها عندنا خمس أو عشر دقائق .. وبدون إبداء الأسباب ، أو مجرد اعتذار.

يا سادة . . بهذا الأسلوب فى عدم احترام النظام ، لا يستطيع أى مجتمع أن ينهض ، ولا أى دولة أن تتقدم ، ولا أى إنسان أن يحقق شيئاً ذا قيمة فى حياته .



فن إدارة المؤسسات


لكى تحكم على إدارة مؤسسة ، حكومية أو خاصة ، بأنها ناجحة أو فاشلة ، سوف أشير عليك بعدة معايير قلما تخطئ فى هذا الصدد . المعيار الأول : هو العمل فى صمت ، وبدون ضجيج . ولا شك أن ذلك يعنى أن كل موظف أو عامل فى المؤسسة يعرف جيداً مسئوليته ، وأنه ينفذها بدقة وكفاءة . لأن ما يدعو الموظفين إلى الزعيق ورفع الصوت أثناء العمل هو تنازع الاختصاصات ، والتقصير فى القيام بالمسئوليات المحددة لكل منهم . المعيار الثانى هو ترتيب الملفات ، أى وضعها فى نظام بحيث يسهل على أى موظف أن يرجع إلى ما يحتاجه منها بسرعة وسهولة ، وبذلك يتمكن من إجابة رؤسائه وزملائه وكذلك المواطنين المتعاملين معه ، عن أى معلومة تطلب منه ، وبذلك لا تتعطل الأعمال ، ولا تتراكم ، ولا تشتبك المصالح بعضها ببعض فتضطر المؤسسة إلى ازدحام الناس فيها ، وبحثهم دون جدوى عما يريدون . المعيار الثالث: أن يكون باب المدير مفتوحاً لتلقى الشكاوى ، وليس يعنى هذا أن يرد بنفسه على كل الشاكين ، وإنما الغرض هو أن يشعر مرؤسيه بأنه يتابع موظفيه فى أداء عملهم على النحو الأكمل ، لأن الشكوى لا تأتى غالباً إلا من تقصير أو فساد ، وكلاهما ينبغى القضاء عليه أولاً بأول حتى لا يستشرى ، وبالتالى يتيح وجود أنواع من مراكز النفوذ التى تتحكم فى المواطنين ، وتضطرهم أحياناً إلى اللجوء للرشوة من أجل تمرير مصالحهم . المعيار الرابع أن تكون هناك لافتات إرشادية ، وبيانات معلقة لكى يستضئ بها المواطنون القادمون للمؤسسة ، وبذلك يوفرون على موظفى المؤسسة كثرة الإجابات المكررة على أسئلتهم واستفساراتهم . و ينبغى أن توجه التحية هنا لإدارات المرور لدينا التى تستخدم هذه الوسيلة ، لكننى ما زلت أتعجب من ازدحام المواطنين بها!

المعيار الخامس ويتمثل فى أن كثرة السعاة فى مؤسسة يدل على مدى الفوضى فيها . فكلما رأيت سعاة يحملون صوانى الشاى والقهوة والليمونادة ، وهم يروحون ويجيئون فى ممرات المؤسسة وداخل مكاتب الموظفين ، أدركت على الفور أنك فى دار ضيافة أو مقهى ولست فى مؤسسة عاملة بجدية . ومن الواضح أن هذه الظاهرة تتعلق بسلوكيات شعبية لم نستطع أن نتخلص تماماً منها ، وخاصة فى أثناء العمل . فكثيراً ما يأتى للموظف فى مكتبه أحد الضيوف من أقاربه أو أصدقائه ، وكثيراً مالا تكون لديه حاجة فى المؤسسة فيشغل الموظف عن أداء عمله وتمنعه من  استقبال المواطنين من ذوى الحاجات الملحة . أذكر عندما زرت منظمة اليونسكو فى باريس ، أدهشنى عدم وجود سعاة على الإطلاق . وهناك صالة مفتوحة يستقبل فيها الموظفون ضيوفهم ، وفيها ماكينة يضعون فيها العملة ، ويحصلون على الشاى والقهوة بأنفسهم . وأتعجب أن هذا (القانون) ينطبق على صغار الموظفين ، وكذلك على الكبار حتى درجة وزير !


التنفيذ والمتابعة


يعرف جيداً كل من يعمل فى الإدارة ، سواء فى مصر أو فى أى مكان فى العالم ، أن الهدف من اتخاذ القرار هو تنفيذه ، ولكى يتم التنفيذ بالصورة اللائقة ، وعلى أكمل وجه لابد من متابعة مراحل التنفيذ التي قد تطول أو تقصر ، ولكنها تظل بحاجة إلى من يشرف إشرافاً مباشراً على إتمام كل مرحلة منها ، وعلى النحو المطلوب بالضبط حتى يمكن الانتقال من مرحلة إلى المرحلة التالية على أسس صحيحة . إذن المسألة تحتاج إلى ثلاث جهات أو عناصر : الأول يتخذ القرار والثانى يقوم بالتنفيذ والثالث يتابع التنفيذ حتى اكتماله . وهنا نقطة فى غاية الأهمية هى أن بعض الناس يظنون أن متخذ القرار تنتهى مهمته بمجرد توقيعه . أبداً فالمتابعة يمكنها أن توجه نظره إلى جانب أو أكثر من العيوب فى قراره ، وهو الأمر الذى يتطلب منه المراجعة والتعديل ، بل وأحياناً الرجوع عن القرار واتخاذ قرار آخر بديل. كذلك فإن المتابعة هى العين الساهرة عل مراقبة من يقوم بالتنفيذ، والتأكد من صحة الإجراءات ، وسلامة الخطوات ، ودقة الأداء، إلى جانب جودة المواد ، وكفاءة الآلات والأجهزة .

وقد جرى العرف عندنا أن نخصص فى كل مصلحة حكومية إدارة نطلق عليها إدارة التخطيط والمتابعة – ومع أنه من اللازم فصل الجانبين عن بعضهما – إلا أن هذه الإدارة تكون غالباً فاقدة التأثير ، قليلة الأهمية ، يلقى فيها غالباً – أقول غالباًبالموظفين الخاملين ، أو الموظفات غير الراغبات فى العمل ولديهن أطفال يحتجن إلى الرعاية، أو بعض من تلفظه الإدارات الأخرى بسبب التقصير أو عدم الاستلطاف . ومن العجيب أنه بمجرد أن ينتقل الموظف أو الموظفة إلى تلك الإدارة لن تسمع له صوتاً ، ولا تكاد ترى اسمه بعد ذلك إلا فى كشوف المكافآت ، أو التقارير السنوية التى يأخذ فيها عادة الدرجة النهائية .

بالطبع ينبغى أن تكون إدارة المتابعة هى عين مدير المصلحة على كل ما يجرى من أعمال داخل مصلحته أو خارجها ، تلك العين التى يرى بها تقدم المشروعات أو تعثرها ، جدية العمل أو التراخى فيه، شفافية المصروفات أو التلاعب بها ، بل إنها العين التى تحدد من  هو المقصر الذى يتطلب عقاباً ، ومن هو المجتهد الذى يستحق مكافأة.

ما أكثر القرارات التى يتم إصدارها ، ونفرح جميعاً بصدورها ، كما نسعد أحياناً بمشاهدة وضع حجر الأساس لها ، ولكننا ما نلبث أن نفاجأ بالنتائج هزيلة ، وبالثمار معطوبة ، وأقول لنفسى : لو كانت هناك متابعة جيدة لتنفيذ هذا المشروع أو ذاك ما وصل به الحال إلى ما أصبح عليه . وأخيراً فإننى أعتذر للقارئ عن عدم تقديم أمثلة عن هذا الموضوع وأكتفى بالخطوط الرئيسية له ، لأن ما أرجوه هو أن يتنبه بعض مديرى المصالح إلى أهمية إدارة أو قسم المتابعة من أجل إحيائه أو إنعاشه أو استبدال العاملين فيه . المتابعة الصحيحة هى الطريق الطبيعى إلى التنفيذ الصحيح .


التغليف


لدينا منتجات كثيرة جيدة ، وتستطيع أن تنافس على مستوى عالمى. . فقط ينقصها شئ واحد ، وهو أن نضعها فى غلاف يتساوى مع قيمتها من حيث الجودة . ولا أدرى ما الذى يجعلنا نهمل التغليف مع أنه جزء لا يتجزأ من البضاعة المعروضة للبيع أو التداول . ويبدو أن هذا الإهمال يرجع إلى عادة مصرية قديمة تعتقد فى أن الجوهر أهم من المظهر . هذا صحيح . لكن المظهر أيضاً ضرورى ، وهو الذى يلفت نظر المشترى ، ويجذبه لاقتناء السلعة .

عندما تذهب فى باريس لشراء رغيف خبز ، من النوع الطويل الممتلئ الذى يسميه الفرنسيون (بان) أو النوع الأرفع المسمى (باجت) لا يمكن أن تقدمه لك البائعة، التى هى فى الغالب زوجة أو ابنة صاحب المحل ، إلا ملفوفاً فى ورقة سلوفان بيضاء حتى لا تمسه الأيدى ، سواء كانت يديها أو يديك . وآه إذا طلبت قطعة جاتوه من المحل : وجدتها تسرع لتلفها فى علبه ، ثم تزينها بما يشبه ربطة العنق ، وهى تقوم بذلك كله بهمة ونشاط وتقدمها لك مع ابتسامة حتى ليخيل إليك أنك تشترى المحل كله ، أو كأنك الزبون الوحيد الذى يستحق الخدمة !

إن كل ذلك ليس إلا جزءاً من عملية تقديم البضاعة للزبون ، وهى عملية ضرورية للغاية ، ولابد أن نتنبه لها جيداً وأن نعطيها اهتماماً خاصاً ، بل وأن ندرسها للصناع والبائعين وندربهم عليها ، ونحن بصدد تنمية كبرى فى المجتمع .

منذ سنوات ، أصبح اللبن يباع فى علب ورق مقوى ، ويومها فرحت جداً حتى نتجنب تلوثه من خلال الأقساط والمواعين التى ينقل من بعضها إلى بعض . وبالمناسبة اللبن من أعظم نعم الله على الإنسان فى لونه ونظافته ، فضلا ًعن فائدته ومحتواه ، وكنت فى البداية أجد صعوبة فى فتح علبة اللبن بمقص حتى نستخدمه عدة مرات ، لكن أصحاب الشركات – مشكورين وضعوا على كل علبة غطاء من البلاستيك وأغلقوه بورقة معدنية ، تشدها من طرفها فتفتح العلبة . كل هذا جيد . لكن المشكلة أن الغطاء لا يكون عادة مضبوطاً ، وأن الورقة المعدنية تكون ملتصقة بقوة بحيث تتطلب سكيناً لتخرقها !

وخذ عندك أيضاً باكو البسكويت الذى لم تستطع المصانع المصرية حتى الآن أن تساعد الزبون فى طريقة سهلة لفتحه ، فإذا حاولت ذلك تمزق الغلاف وتكسر البسكويت وتناثر . فكيف الحال بطفل صغير يريد أن يفتحه ليأكل منه دون أن يتسخ المكان !

وكثيراً ما تذهب لشراء بضاعة من محل ، فتجده يلقيها إليك ، ولا يقدم لك كيساً تضعه فيها حتى تطلبه بنفسك . أذكر أننى ذهبت مع زائر أجنبى إلى خان الخليلى فانبهر الرجل من روعة المنتجات المصرية ، وراح يشترى من هنا وهناك ، ولكننى لاحظت أنهم يلفون له الأطباق النحاسية ، والتماثيل الرخامية فى ورق جرائد!

إن التغليف يعتبر جزءاً من الإتقان الصناعى ، كما أنه يعد فى نفس الوقت جزءاً من الحرفة التجارية . ويعلم الله أن العالم يمتلئ ببضائع سيئة الصنع ، ولكن أصحابها يقدمونها فى غلاف جيد أو جذاب فتروج بين الناس . فما بالك بأصحاب السلع الجيدة ، ذات المادة الخام الأصيلة حين يقدمونها بشكل يتناسب مع جودتها وأصالتها ؟


التليفزيون التعليمي


هل يريد المجتمع فعلاً حل مشكلة الدروس الخصوصية ؟ هناك حل حاسم وسريع ، يمكن أن يتعاون كل من المجتمع والدولة لإنجازه على أن يبدأ من العام الدراسى القادم . ويتمثل هذا الحل فى إنشاء تليفزيون تعليمى متكامل ، يكون منفصلاً تماماً عن التليفزيون الموجود حالياً فى ماسبيرو . ويحتاج إلى خمس قنوات أولاها للحضانة ، وثانيتها للابتدائى ، وثالثتها للإعدادى ، ورابعتها للثانوى ، وخامستها للجامعة . فى كل قناة تشرح مفردات المنهج الدراسى على مدار العام ، بواسطة مدرسين وأساتذة متخصصين ، يعاونهم فنيون ومخرجون على مستوى عال ، وممثلون مدربون يقومون بالأعمال الدرامية التى تخدم المناهج الدراسية ، بل ومطربون ومطربات للأناشيد والأشعار المراد تحفيظها للتلاميذ . ومن الضرورى أن يصدر هذا التليفزيون التعليمى مجلة أسبوعية أو شهرية لتحديد مواعيد إذاعة البرامج، على أن تراعى الدقة الكاملة فى إذاعتها .

وكما فعلت اليابان ، فإن برامج الحضانة والابتدائى يمكنها أن تذاع فى الفترة الصباحية لكى تبث مباشرة فى كل دور الحضانة ، أو المدارس الابتدائية لتصبح برامجها هى أساس المادة التعليمية التى يتم الحديث عنها طوال اليوم للتلاميذ بواسطة المدرسين والمدرسات .

أما الفوائد العظيمة لإنشاء مثل هذا التليفزيون التعليمى فسوف تتحقق على المدى الطويل ، لأنها ستفتح الطريق واسعاً أمام الذين يريدون إكمال تعليمهم لكى يتابعوا هذه البرامج ، بل ويمكن أن يحصلوا على الشهادات التى يرغبون فيها من خلالها . وهذا العمل هو الذى سيحقق ما تهدف إليه الدولة من إشاعة الأنماط الحديثة فى التعليم ، كالتعليم الذاتى، والتعليم المفتوح، والتعليم المستمر ، والتعليم عن بعد.

ثم يأتى السؤال الهام : من الذى سوف يمول هذا التليفزيون ؟ وأسارع فأقول: أولاً كل المواطنين من خلال اكتتاب عام ، كما فعل المصريون عندما تمت دعوتهم إلى إنشاء جامعة أهلية فقاموا بذلك على أفضل نحو ممكن ، ثانياً رجال وسيدات الأعمال الذين ينبغى أن يدركوا جيداً أن تعليم أبناء الشعب المصرى هو صمام الأمان لاستقرار مشروعاتهم وزيادة ازدهارها ، ثالثاً توجيه جزء من عائدات الزكاة التى لا يعرف أصحابها أين تذهب بالضبط ، وأخيراً لابد أن تدعم الدولة هذا المشروع، لأنه بدون دعمها المادى والمعنوى لن يتحقق له النجاح المنشود .

أما أن نظل فى دائرة مغلقة نشكو من سوء حال التعليم ، وما أصبح يهدد مستواه ، وتفريغ جيوب العائلات المصرية على الدروس الخصوصية ، فهذا ما لم يعد مقبولاً ، فى ظل ما أصبح يتيحه التقدم التكنولوجى الهائل فى مجال البث التليفزيونى من وسائل توضيح وتشويق وجذب .


مشروع المليار نخلة


رأيت فيما يرى النائم حلماً جميلاً جداً ، لكننى مع الأسف لم أجد لدى أحد تأويلاً له . . رأيت كأننى أعبر النيل من أسوان حتى مصبه فى البحر المتوسط ، وأن الناس على كلا الشاطئين منهمكون فى غرس فسائل النخيل عليهما . . وعندما توقفت لأسأل واحداً منهم ، أجابنى على الفور بأنه قد صدر مرسوم حكومى ، صادف رغبة حقيقية فى قلوب الناس ، بأن يتم غرس النخيل على شواطئ النيل ، وجميع ترعه، ومصارفه ، وأن كل محافظ سيكون مسئولاً مسئولية مباشرة عن نمو ورعاية النخيل الواقع فى ( كوردون ) محافظته ، وأن الدراسات الأولية قد حصرت عدد النخيل الذى سيتم غرسه بأنه يزيد قليلاً عن مليار نخلة!

تركت الرجل يعود إلى عمله ، وسرت في طريقي مندهشاً ولا أكاد أصدق مدى الحماسة التي لدى الرجال والنساء ، والشيوخ والشباب والأطفال ، وهم يقومون بهذا العمل الجليل على شواطئ النيل الخالد ، ورحت بالفعل أحسب أننا بعد عدة سنوات سيكون لدينا مليار نخلة ، تطرح البلح الزغلول والسمانى والأمهات والإبريمى . . ونستخرج منها الجريد والخوص ، ومواد أخرى كثيرة ، تقام بها وعليها صناعات متعددة ، ونصنع منها منتجات محلية ، تنفعنا من ناحية ، ويشتريها السائحون عندما يتجولون في مدن مصر وقراها . .

وسعدت أكثر عندما ظهر فى الحلم فجأة أحد أساتذة النبات وقال لى : هل تعلم أن البلح هو الفاكهة الوحيدة التي لم تصل إليها أصابع الهرمونات حتى الآن ، فى الوقت الذي وصلت فيه إلى كل أنواع الفواكه الأخرى ؟ !

وصحوت من نومي وأنا أقول : اللهم اجعله خيراً ، واملأ شواطئ النيل بالنخيل ، ويسّرْ لهذا الحلم الجميل من يحققه .


أكاديمية للمرور



على الرغم من أننى قد سبق أن هاجمت إطلاق لفظ (أكاديمية) على بعض المعاهد الخاصة التى تهدف إلى الربح ، حفاظاً على هذا المصطلح الرفيع القيمة أن يهبط إلى هذا المستوى ، فإننى أدعو اليوم إلى إنشاء أكاديمية تعلم التلاميذ بعد حصولهم على الثانوية العامة أصول مهنة المرور وآدابها بهدف الارتقاء بها ، وتفعيل دورها فى شوارعنا داخل المدن ، وطرقنا الصحراوية والزراعية . وطبعاً لابد أن يُسند الإشراف على هذه الأكاديمية لوزارة الداخلية ، وفيها من الكفاءات من يستطيعون التدريس فيها ، كما يمكن لها أن تستعين ببعض الخبرات من الدول المتقدمة ، لتكوين جيل جديد من رجال المرور ، ونسائه أيضاً ، وذلك لسد النقص الشديد فى هذا المجال ، وعدم رضا المواطنين وخاصة أصحاب السيارات ، عن مستوى الجنود المجندين الذين تكاد تنعدم صلاحيتهم تماماً عند حدوث مشكلة مرورية فى الشارع .

إن الحاجة إلى مثل هذه الأكاديمية تأتى – فى تقديرى – قبل الحاجة إلى إنشاء كليات للسياحة . فالمرور هو عنوان الدول المتحضرة. وحكمه ينبغى أن يكون قاطعاً ومحترماً من الجميع . و يكفى أن تتابع منظر مفترق طرقات عندما يخلو من عسكرى المرور . ماذا تجد ؟ الفوضى والتسيب والاحتمال الكبير لوقوع حوادث مؤسفة .

أما الحاجة العامة لمثل هذه الأكاديمية المقترحة فتتمثل فى ضرورة تكوين أجيال جديدة من رجال المرور ، لا تقتصر مهمتهم فقط على تنظيم عملية مرور السيارات ، وإنما أيضاً إرشاد المارة إلى الأماكن التى يرغبون فى الذهاب إليها ، ومساعدة أصحاب السيارات التائهة أو العطلانة ، وإعطاء الأولوية فى الطريق للعجائز والمكفوفين وتلاميذ المدارس .

فإذا جئنا إلى مظهرهم ، ينبغى أن يكون لائقاً بسمعة مصر كلها . لأنهم هم ممثلو سلطة الأمن الأولى ، ووجودهم لابد أن يطمئن ويريح المواطنين والسياح على السواء .

تبقى مسألة درجاتهم الوظيفية ، وهى مسألة يمكن لوزارة الداخلية أن تضع لها اللائحة المناسبة ، على أن يكون من أهم بنودها أن من يحصل على شهادة من أكاديمية المرور لا يعمل فى أى عمل آخر سوى المرور ، سواء كان  دورية متحركة أو فى المكاتب المركزية .

وفى تصورى أننا من خلال إنشاء أكاديمية للمرور سوف نستغنى عن حشد كبير من أمناء الشرطة التى لم تكن مهمتهم موجهة أساساً لهذا العمل ، وكذلك الجنود المجندين الأدنى من المستوى . . ونكون بذلك قد استجبنا لحاجة حقيقية من حاجات المجتمع فى الوقت الحاضر، ولفترة طويلة قادمة .


القطار العربي


والفكرة التى أطرحها هنا تتمثل فى إنشاء خط سكة حديد يبدأ من المغرب وأريتريا ويمتد عبر الجزائر وتونس وليبيا ومصر بينما يرتبط بخط سكة حديد آخر يمتد من اليمن ومسقط عابراً السعودية ومتصلاً بالإمارات وقطر والبحرين متجهاً إلى سوريا والأردن والعراق ثم الكويت. وهذا يعنى أن هذا الخط الذى يمكن أن يتم إنشاؤه على مرحلتين إحداهما فى الجزء الغربى من الوطن العربى ، والثانى فى الجزء الشرقى منه سوف يحمل قطاراً يسهل الوصول من وإلى هذه البلاد العربية الممتدة امتداداً جغرافياً واحداً ، والقادرة – كما نعلم جميعاً – على تحمل نفقاته المالية، والنهوض بمتطلباته التقنية .

لن تقتصر خدمات هذا القطار العربى فحسب على نقل المسافرين، وتقريب المسافات ، وتواصل الثقافات ، والتقاء الأشقاء ، وإنما سوف يعمل على دعم التبادل الاقتصادى من خلال نقل البضائع والسلع تمهيداً لإنشاء ترابط اقتصادى قوى بين مختلف البلدان العربية، لأن الوحدة الاقتصادية المنشودة ، والتى دعا إليها مراراً الرئيس مبارك ، لابد أن تقوم على أسس ملموسة ، وأهم هذه الأسس هو خط السكة الحديد ، الذى ربط فى الجانب المقابل لنا على البحر المتوسط معظم البلدان الأوربية من إنجلترا إلى تركيا . . إذن على غرار القطار الأوربى ينبغى أن يتم إنشاء القطار العربى ، الذى كان يستحق أن يربط بين البلاد العربية منذ وقت طويل ، خاصة وأن أهلها يتحدثون لغة واحدة ، وتتشابه ثقافاتهم ، ويلتقى تاريخهم ومصيرهم ، ربما بخلاف البلاد الأوربية المتعددة الأعراق والمختلفة اللغات والثقافات . أى أن القطار الأوربى قد ربط بين مختلفين فى حين أن القطار العربى سوف يدعم شعوباً وحكومات هى بالفعل متقاربة ومتشابهة و (متصافية) .

وأستطيع أن أؤكد وألح فى التأكيد على أن الروابط السياسية والاقتصادية وحتى الثقافية إنما تدعمها بالضرورة بنية أساسية، ومن أهم عوامل هذه البنية: تمهيد وسائل الاتصال بين البلاد التى ترغب فيها. نفس الشئ يمكن أن ينطبق على الاتحاد الأفريقى الذى أسرع الأفارقة بإقامته قبل أن يقيموا شبكة مواصلات تربط بين بلادهم . يا سادة . . فى أوربا تمهدت فى البداية المواصلات ، ثم حدث كل شئ جميل بعد ذلك !]


معهد للتحاور الدولى


يسعدنى أن أتقدم من هنا باقتراح إنشاء معهد جديد ، تكون (مهمته التعليمية) تزويد الطلاب ، الذين يتم اختيارهم من حملة الشهادات الجامعية ومتفوقى الثانوية العامة ، بمجموعة المعارف والمهارات اللازمة للدخول فى حوار مع الآخرين ، وذلك بالاعتماد على حسن الإصغاء ، وفهم وتفهم وجهات النظر المخالفة ، والرد على الأسئلة والاستفسارات فى الوقت المطلوب وبالطريقة المناسبة ، وعدم رفع الصوت أو التشويح بالأيدى ، أو الانسحاب من الجلسات عندما يواجه المحاور المصرى بمعارضة لرأيه أو استخفاف به ، بل أن المعهد يمكن أن يزوده بالأسلوب الأمثل لمواجهة الشخص العدوانى ، أو المستفز !

أما (مهمة المعهد البحثية والحضارية) فتتمثل فى الاستعانة بالخبرات المحلية والأجنبية ، ودراسة المناهج وإجراء البحوث والدراسات ، وعقد ندوات الحوار التى يجرى فيها تدريب الجانب المصرى على الحوار الفعلى من أجل تحقيق المصلحة العليا لمصر ، والتعامل على قدم المساواة مع المحاور الأجنبى.

لماذا أدعو إلى إنشاء هذا المعهد ؟ أولاً : لأن الأوضاع العالمية أصبحت تتطلب أشخاصاً يكونون مؤهلين على مستوى رفيع للدخول فى مفاوضات ، وعقد صفقات ، والاشتراك فى صياغة معاهدات ، وتحرير اتفاقيات فى ظل نظام عالمى لم تعد فيه أى دولة تستطيع التواجد بمفردها ، أو التقوقع داخل حدودها . وبالطبع لا حدود لعلاقات مصر مع سائر دول العالم فى مختلف المجالات : السياسية والاقتصادية ، والعسكرية والفنية ، والاجتماعية والثقافية .

ثانياً : لأن الذين يقومون بهذا العمل حالياً عبارة عن كفاءات شخصية علمت نفسها بنفسها ، أو وضعت فى ظروف معينة ساعدتها على حسن التصرف والإجادة ، ولكن الأجيال الصاعدة لم تتوافر لها نفس القدرات والامكانيات ، لذلك لابد أن يتم تعليم وتدريب جيل جديد من المحاورين الذين يدرسون إلى جانب اللغات الأجنبية الاقتصاد وعلم النفس و اجتماعيات الشعوب ، وأن يكونوا على إلمام كاف بقضايا مجتمعهم ، وبأحوال العالم المعاصر .

ثالثاً : لأن الدراسة فى الجامعات لا يوجد بها حتى الآن ، وحسب معلوماتى ، مثل هذا التخصص النادر الذى تتطلبه الظروف الحالية ، والذى سوف نظل محتاجين إليه لفترة طويلة قادمة .

رابعاً : أن الذين يظهرون فى وسائل الإعلام لا يبدو أنهم يجيدون فن التحاور، بل كثيراً ما نجدهم يتهاوشون ويتناشون حتى يصل بهم الأمر إلى التشويش على أنفسهم وعلى المشاهد ، الأمر الذى ينبغى إيقافه من خلال إنشاء معهد ، يمكن أن يتلقى فيه أمثال هؤلاء (آداب البحث والمناظرة) وهذا هو عنوان علم قديم كان علماؤنا الأفاضل يستخدمونه عند الحوار العلمى فيما بينهم .

وتبقى أخيراً تبعية هذا المعهد المقترح لجهة ما . . وطبعاً لابد أن تكون جهة محترمة تليق بمكانته . فمن الذى يقبل الاقتراح ؟ ومن الذى يا ترى يتبنى تنفيذه ؟


ألف باء التحديث


جلسنا كالعادة نشرب الشاى ، والقهوة ، والنعناع ، ونتحادث فى أمور الوطن وأحوالنا الحاضرة . وجرى الحديث وتشعب حتى وصل إلى موضوع تحديث مصر . قال أحدنا : التحديث مشروع مهم جداً . وقد بدأه محمد على ، ونجح فيه إلى حد كبير، لكنه أهمل أموراً أساسية . فقد اهتم بالجوانب المادية وأهمها تحديث الجيش المصرى ، ولم يهتم كثيراً بتحديث المجتمع المصرى. والدليل على ذلك أن المدارس كانت كلها موجهة لخدمة الجيش فقط ، وكذلك المستشفيات . والواقع أن نصف القرن الذى حكم فيه محمد على يمكن أن نطلق عليه تحديث الجيش المصرى ، وليس تحديث المجتمع المصرى . عقب الثانى قائلاً: لكننى أرى أن تحديث الجيش هو المدخل الضرورى لتحديث المجتمع . لأن الجيش القوى المتطور هو الذى يحمى مكاسب الشعب ، ويدفع عنه عدوان الغزاة الطامعين فيه . ولذلك فإن الرجل فى رأيى بدأ فعلاً بالخطوة الأولى . وقال الثالث : أنا اتفق معك تماماً فى ذلك . والمشكلة إنما جاءت من أبناء محمد على وأحفاده الذين لم يواصلوا مسيرة جدهم الكبير ، صحيح أن إسماعيل باشا كان لديه تصور حضارى متقدم للمجتمع المصرى على غرار النموذج الفرنسى ، لكنه لم يتمكن من تطبيقه بالكامل ، وما لبثت القوى الخارجية أن تدخلت فى أمور مصر فعرقلت مشروعاته، بعد أن كبلته بالديون وفوائدها الثقيلة ، قال الرابع: ولا تنسوا يا جماعة أن وقوع مصر فى براثن الاحتلال الإنجليزى الذى استمر من 1882 حتى 1952 قد فرمل عجلة التقدم ، التى كان الشعب المصرى يسعى بكل جهد ممكن لانطلاقها . وهنا قال الخامس : المهم الآن يا سادة هو منهج التحديث وآلياته فى مطلع الألفية الثالثة ، فقد رحل الاستعمار ، وتحررت الإرادة المصرية من سيطرة الأجانب ، وتأكدت لمصر مكانتها الإقليمية ، وأصبحت لها سمعتها العالمية . كما أنها قد استكملت بنيتها الأساسية ، ولم يبق أمامها سوى أن تخطو تلك الخطوة المنشودة على طريق التحديث . سأل الأول : وما هى فى رأيكم تلك الخطوة ؟ قال الثانى على الفور : التعليم العصرى الذى يملأ عقول التلاميذ بالمعلومات، ويحرك أيديهم بالمهارات ، ويضعهم على طريق الكفاءة ، كما يدفعهم إلى الابتكار والإبداع . وقال الثالث : فى رأيى أن الإدارة هى نقطة البدء الحقيقية ، فهى التى تدفع عجلة الإنتاج بالسرعة اللازمة ، مزيلة من أمامه كل العوائق ، وموجهة له إلى آفاق واسعة فى الداخل والخارج . أما الرابع فقال : لكن ينبغى ألا تنسوا احترام قيمة الوقت ، ومزايا الإتقان . وقد ورد فى ثقافتنا العربية أن الوقت من ذهب كما أنه كالسيف . إن لم تقطعه قطعك . ونحن نشاهد الكثير من الأوقات المهدرة فيما لا ينفع، كما أن الإتقان غائب مع الأسف فى كثير من المجالات ، لذلك ينبغى أن توضع القوانين لمحاسبة من يهدر الوقت، أو يتسبب فى الإخلال بالإتقان فى العمل . وعاد الخامس يقول : وقبل ذلك كله وبعده ، لابد من إيقاظ ضمائر الناس ، لكى يعملوا من أجل الصالح العام كما يعملون لصالحهم الخاص . وفى تقديرى أن الهدفين لا يتعارضان. فالإنسان الذى يراعى مشاعر أسرته لن يضيره فى شئ أن يراعى مشاعر الغرباء . والذى يحرص على نظافة منزله يمكنه أن يساهم فى نظافة الحى الذى ينتمى إليه . والذى يعنف ابنه على شرب السجائر عليه أن يبدأ أولاً بنفسه


فن السباكة


ماذا أقول عن المعمار المصرى الذى يرجع تاريخه إلى آلاف السنين ، وتشهد بروعته ودقته تلك الآثار الشامخة التى ما زالت تقوم أمامنا ، وأمام العالم كله ، شاهدة على كفاءة المهندس المصرى القديم، ودقة الصانع المصرى القديم ؟ لا شئ يقال أكثر من أن التصميم الهندسى قد تم وضعه على أكمل وجه ، وأن التنفيذ قد اكتمل إنجازه بمنتهى المهارة ، فلا نكاد نجد عيباً هنا ، أو نقصاً هناك ، بل على العكس كل ما نراه يدفعنا إلى الانحناء إعجاباً وتقديراً لأجدادنا العظام .

لماذا إذن أقف أمام العمارات الحديثة فتقع عينى أول ما تقع على مواسير الصرف الصحى التى تطل منها كئيبة المنظر ، ملفوفة بالصدأ ، وحولها على الجدران بقع سرطانية تؤذن بالخراب وتشير إلى قرب الانهيار ؟ إننى لا أجد فى هذا المنظر إلا تخطيطاً هندسياً ، غاية فى السوء وقلة الذوق ، وخاصة حين تطل مواسير الصرف الصحى على الشوارع ، وتكون على مرأى من عيون المارة . أما تنفيذها فتقف وراءه ضمائر خربة ، وسواعد غير مدربة ، ومن المؤكد أنها لم تعط للمكان حقه من العمل والأدوات اللازمة لاستمراره سليماً معافى . المسئولية  إذن تتوزع بين المهندس والمقاول والسباك ، وقبلهم بالطبع صاحب العمارة الذى لا ينظر إلا تحت قدميه ، ولا يكلف نفسه أن يشاهد عمارته وقد امتلأت بلطخات الصرف الصحى ، وقامت بين المساكن كياناً مشوه الملامح ، ممسوخ التكوين .

إننى أتساءل : لماذا السباكة لدينا متدنية إلى هذا الحد ؟ هل لأننا أهملنا دراسة أصولها ، والتدريب على أعمالها ، وتطوير أدواتها ؟ أم هل لأننا لم نهيئ الفرصة للعاملين فيها بزيارة الدول المتقدمة ليتعرفوا على تجاربها فى هذا الفن الهام ، الذى لا تكتمل بدونه العمارة الحديثة؟ أم هل لأننا نظرنا إلى مهنة السباك وما زلنا ننظر إليها نظرة استعلاء ، حتى فاجأنا صاحبها بأهميته ، عندما راح يطلب منا مبالغ طائلة لقاء إصلاح حنفية ، أو تسليك ماسورة ؟ أم هل لأننا لم ننشئ لها تخصصاً جامعياً مثل باقى التخصصات الأقل أهمية فى حياتنا اليومية ؟

فى رأيى أن هذا كله قد حدث . وهو السبب وراء الضعف الواضح فى هذه المهنة ، التى ينبغى أن يعاد النظر إليها باعتبارها فناً مكملاً لباقى فنون العمارة ، والتى تقف وراء التشوهات التى تحدث فى المبنى قبل أن ينقضى عام أو عامان على إنشائه . والذى يدهشنى بحق هو أمر المهندسين ، الذين يصممون أو يشرفون على التنفيذ ، ولا يبدو عليهم أنهم مستاءون لرؤية عملهم وهو يشوّه بهذه الصورة . وأقول لنفسى : أين هذا من عمل أجدادنا الفراعنة الذين تركوا لنا آثارهم الرائعة بدون أدنى عيب أو تشويه ؟ !


جامعة للتميز العلمى


أعتقد أنه لا يكاد ينكر أحد أن جامعاتنا قد لعبت دوراً كبيراً فى مجال التنمية البشرية ، التى قامت على أكتافها نهضة مصر فى العصر الحديث . وأن التوسع فيها يستجيب بحق لمطلب شعبى جارف ، لا ينبغى على الإطلاق أن نحد منه أو نقف فى سبيله . لكننا فى المقابل لابد أن نعترف بأن الجامعات المصرية تعانى من ازدحام هائل بالطلاب ، قد لا تواكبه فى نفس الوقت أعداد كافية من هيئة التدريس أو الإمكانيات التعليمية ، وبالتالى فإن مستوى الخريجين لا يحقق ما يتمناه الحريصون على الجودة المنشودة ، كما أنه لا يتماشى مع المستوى العالمى وخاصة فى جامعات الدول المتقدمة . ومن هنا شاع القول بأن الشهادة الجامعية قد أصبحت عبارة عن (شهادة اجتماعية) أى أنها تؤهل الشاب إلى التقدم إلى خطبة فتاة جامعية أو غير جامعية وهو رافع الرأس ، حتى وإن لم يحصل على وظيفة فى المجال الذى تخصص فيه ‍!

لكن هذه الأحكام العامة لا تنطبق بالتأكيد على عدد لا بأس به من الشباب الجامعى ، الذى يحب الكلية التى التحق بها ، ويعشق التخصص الذى كرس له جهده خلال أربع أو خمس سنوات ثم حصل فى النهاية على تقدير متقدم ، يؤهله عادة لمواصلة الدراسات العليا ، وإجراء البحوث المتعمقة من أجل التوصل إلى حلول محددة لبعض مشكلات المجتمع .

ولا شك أن هذا العدد المحدود هو الذى ينبغى أن يتجه إليه اهتمام الدول ، لأنه يمثل (الخميرة العلمية أو البحثية) التى يتكون منها فيما بعد كبار العلماء والباحثين . ومن المقرر أن رصيد أى دولة من العلماء الباحثين هو الذى يمكنها من أن تصمد فى المنافسة مع باقى الدول ، كما يفتح أمامها آفاقاً واسعة من التقدم والازدهار .

من هنا فإن فكرة إنشاء جامعة للتميز العلمى ينبغى أن تطرح من جديد ، وأن يشترك فى مناقشتها كل ذوى الشأن ، والحريصون على تحديث مصر ، ووضع أساس مكين لمستقبلها .

وتصورى المتواضع لهذه الجامعة يتمثل فى عدم الإسراف فى منشآتها ، وإنما يتم التركيز فقط على توفير تجهيزاتها العلمية المتقدمة ، واختيار أفضل الكفاءات التدريسية لها ، ثم وضع نظام دقيق لالتحاق الطلاب، الراغبين من الجامعات المصرية فى البحث العلمى (فعلاً) إليها . وهنا لا ينفع تهاون أو تفيد واسطة . وإنما يكون معيار الكفاءة والأهلية والقدرة على المواظبة والاستمرار هو المعيار السائد والمحترم من الجميع. أما الجانب الإدارى فلا يقل عن الجانب الأكاديمى أهمية ، وليس بمستحيل على مصر أن تقتبس أى نظام إدارى فى أى جامعة من جامعات أوربا وأمريكا ، ثم تقوم بتطبيقه دون خلل أو تسيب !

إننى على ثقة من أن هذا العمل – إذا ما تم بهذا التصور البسيط – يمكنه أن يقدم للوطن بعد أربعة أو خمسة أعوام عدداً من الخريجين الذين لا يقلون فى شئ عن أمثالهم فى الدول المتقدمة ، كذلك فإنه سيعيد تجديد الدم فى قلب الجامعات المصرية، ويدفع بقوة حركة البحث العلمى خطوات واسعة إلى الأمام .

بقى أن أشير إلى أن مثل هذه الجامعة لا ينبغى أن تبدأ مكتملة الكليات والأقسام ، بل يمكن أن تبدأ ببعض الكليات ذات الأهمية الأولى فى احتياجاتنا ، أو حتى ببعض الأقسام العلمية ، ولا عيب أبداً من أن تبدأ العمل فى شقة ، أو دور من مبنى حتى لا تبتلع المنشآت الضخمة ما يمكن أن يخصص لها من تمويل.


أوقاف أم شئون دينية


لا أدرى حتى الآن لماذا لم تفكر (وزارة الأوقاف) عندنا فى تغيير اسمها ليصبح (وزارة الشئون الدينية) على أساس أن مهمتها الأساسية هى إعداد الدعاة ومتابعة عملهم ، وتقييم أدائهم ، وصرف مرتباتهم وحوافزهم . أما مسألة الأوقاف فهى عملية تجارية ذات بعد دينى ، لم يعد واضحاً بصورة كافية ، وخاصة بعد أن أنشئت وزارة بكاملها مهمتها الرعاية الاجتماعية وهى وزارة الشئون الاجتماعية . لقد مر وقت طويل ولدينا وزارة الأوقاف وهى الأملاك التى يخصصها أصحابها فى حياتهم لأعمال الخير التى تجرى بعد وفاتهم على الفقراء والمساكين. والواقع أن هذا العمل الخيرى ، الذى له جزاء دينى كبير ، من اختصاص وزارة الشئون الاجتماعية ، أو ينبغى أن يكون كذلك أما أن نرهق وزارة الشئون الدينية ، ذات المهام التثقيفية بأمور متابعة الأراضى والمحلات الموقوفة ، وكيفية استثمارها ، وجمع إيجاراتها ، وتخصيص عوائدها فهذا ما لم يعد مقبولاً ولا معقولاً . بل إننى أذهب أبعد من ذلك لأضم إلى الإشراف على الأوقاف وزارات أخرى مثل وزارة الاقتصاد ، ووزارة الحكم المحلى ، وحبذا لو أصبحت هناك مؤسسة تحمل اسم (مؤسسة الأوقاف الخيرية) وتنفصل بالتالى عن وزارة الشئون الدينية التى – كما سبق القول – مهمتها الأساسية نشر التوعية الدينية الصحيحة فى المساجد وفى وسائل الإعلام ، إلى جانب الرد على الشبهات التى توجه ضد الدين من خصومه الملحدين أو الحاقدين . إننا بهذا التشكيل الجديد سوف نعطى دفعة كبيرة للتوعية الدينية التى وصلت فى العصر الحاضر – ومنذ ثلاثين سنة تقريباً – إلى حالة من التدنى والعشوائية غير مسبوقة . فهناك الدعاة الذين لا يصلون إلى قلوب الناس . وهناك الدعاة الذين يتحدثون بلغة عفا عليها الزمن. وهناك الدعاة الذين يخطئون فى قراءة القرآن الكريم . وهناك الدعاة الذين لا يتحققون من صحة الأحاديث النبوية التى يذكرونها . وهناك الدعاة الذين يصرخون فى الميكرفونات ، بينما حديثهم خال من أى مضمون إيجابى . وهناك الدعاة الذين لا يعيشون قضايا مجتمعهم ، ولا مشكلات عصرهم ومن المعروف أن مستوى هؤلاء الدعاة هو الذى أخرج وما وزال يخرج دعاة غير مؤهلين ، ما لبثوا أن استولى بعضهم على قلوب الناس ، وصاروا نجوماً فى مجال الدعوة ، ويعلم الله أنهم يلحنون فى اللغة العربية ، فكيف يفقهون ما نزل بها فى القرآن الكريم والسنة النبوية؟

إننى أعلم أن اقتراحى هذا سوف يغضب القائمين على شئون الأوقاف ، والمسئولين عن (أموالها) ، لكننى أهدف إلى خدمة المجتمع بالفصل بين وظيفتين متداخلتين بدون داع إحداهما عن الأخرى . وعلى الله قصد السبيل .


مقرر الأمثال الشعبية


أقترح على وزارة التربية والتعليم أن تخصص مقرراً للأمثال الشعبية المصرية، وهى تلك العبارات المختصرة والمسجوعة ، التى استخلصها حكماء الشعب المصرى من تجاربه خلال القرون الطويلة التى عاشها على ضفاف النيل ، وهو يبنى حضارته الرائعة ، أو يتعرض لحكم الغزاة، أو يعانى من مشكلات الحياة ، أو يتأمل دوران العصور ، واختلاف الليل والنهار.

هذه الأمثال التى تتجاوز الألف وثلاثمائة مثل يمكن اختيار عدد منها يغطى مختلف جوانب الحياة . وميزة هذه الأمثال أنها نابعة من ضمير الشعب ، وما زالت دائرة على لسانه . يعرفها الكبار ، ولابد أن يتعلمها الصغار . إنها سوف تقدم لهم ببساطة نظرة آبائهم للأمور ، وتكشف لهم صدق الكثير منها . ومن الواضح أننا لا نعرف بالضبط من قال هذه الأمثال أو من صاغها ، لكننا نعرف بالتأكيد ما تهدف إليه ، والطريق الذى تدلنا عليه.

إننا حين نعلم أبنائنا هذه الأمثال فإننا نربطهم أولاً بتراث الشعب المصرى الأصيل ، وثانياً نختصر لهم طريق المعرفة ، فنقدم خلاصتها المركزة لهم ، حتى إذا خرجوا للحياة طبقوها فوجدوها صائبة . فإذا أردنا أن نتقدم خطوة إلى الأمام قمنا بمقارنة الأمثال المصرية بأمثال الشعوب الأخرى . وفى هذا العمل من المتعة الثقافية والفائدة ما يجعل التلاميذ ينفتحون على مختلف التجارب الأخرى ، ويستقبلون تراث العالم وهم متسلحون بتجربة مجتمعهم الغنية . وفيما يلى باقة من الأمثال المصرية الأصيلة :

- ابن آدم ما يملاش عينه إلا التراب .

- ابن يومين ما يعيش تلاته .

- صاحب بالين كداب .

- اقعد أعوج واتكلم عدل .

- اللى من نصيبك يصيبك .

- اللى يخاف من العفريت يطلع له.

- اللى يعمل ضهره قنطرة يستحمل الدوس .

- اللى يعيش يا ما يشوف ، واللى يمشى يشوف أكثر.

- إن غاب القط العب يا فار.

- إن مال عليك الزمان ميل على دراعك .

- توب الغير ما يدفّى

- جه يكحلها عماها .

- جبال الكحل تفنيها المراود ،

وكتر المال تفنيه السنين .

- جحر ديب . . يساع ميت حبيب .

- الجوع كافر .

- حاميها حراميها .

- حرس من صاحبك ، ولا تخوّنه .

- حمارتك العرجا ولا سؤال اللئيم.

- مال الكنزى للنزهى !


استراحة الطرق السريعة


على الطرق السريعة ، التى تحسن مستواها كثيراً فى الفترة الحالية ، أصبح من حق مستخدميها أن يتوقفوا لبعض الراحة فى استراحات نظيفة ومهيّأة بكل الوسائل اللازمة للمسافرين على تلك الطرق السريعة ، وفى مقدمتها مقهى بسيط ، ومطعم للوجبات الخفيفة، وسوبر ماركت حديث لشراء المستلزمات الضرورية ، إلى جانب دورة مياه جيدة الإنشاء . وبالطبع توجد بعض تلك الاستراحات ، ولكنها استراحات عشوائية ، أقامها البعض بصورة رديئة المظهر، سيئة الخدمات .

وهنا أطرح على السادة المستثمرين المصريين فكرة إقامة سلسلة موحدة النموذج من الاستراحات على الطرق السريعة ، كما هو الحال فى الدول الغربية، وأن تكون ملاصقة أو مجاورة لمحطات التزود بالوقود ، وعلى مسافات مدروسة جيداً ، حتى توفر لسائقى السيارات الخاصة والنقل تلك الخدمة الضرورية لإراحة أجسادهم المرهقة ، وتهدئة أعصابهم المتوترة ، وبذلك نتجنب العديد من الحوادث التى يتسبب فيها الجوع والعطش والتعب والإرهاق . .

لقد عجبت كثيراً من غياب هذه الفكرة ، ذات النتائج المربحة جداً، من أذهان المستثمرين المصريين ، وكذلك الأجانب ، وقلت لنفسى: لو أننى أملك التمويل الكافى لأقمت هذا المشروع الذى سوف يضرب أربعة عصافير بحجر واحد : الأول توفير خدمة ضرورية لسائقى المركبات على الطرق السريعة ، والثانى تشغيل عدد كبير من الشباب فى هذه الاستراحات ، والثالث إشاعة قدر هام من العمران للمناطق الصحراوية أو النائية عن المدن والقرى . . أما العصفور الرابع فهو عصفور الربح الوفير ، وفى رأيى أنه سيكون بحجم الدجاجة التى تبيض ذهباً . .

يبقى أمر أخير ، وهو أن تتاح الفرصة لأصحاب الاستراحات العشوائية الحالية أن يدخلوا فى المشروع بشرط أن يطبقوا مواصفات النموذج الخاص به، والذى يمكن نقله ببساطة من أى دولة أوربية ! خوفاً من أن يأتى مهندس متهور ويصنع لنا نموذجاً كئيب الواجهة ، أو غير مريح من الداخل . وما أقصده ليس أكثر من الاستفادة من تجارب الآخرين ، وخاصة إذا كانت ناجحة .



الأخبار وتحليلها


لم يعد إنسان فى العالم يستغنى عن الأخبار . سواء كانت سياسية أو اقتصادية، أو رياضية أو ثقافية . وفى العصر الحديث الذى شهد ثورة المعلومات وتطور وسائل جمعها ونقلها وتوزيعها على كل مكان فى الأرض أصبحت (الأخبار) جزءاً من ثقافة أى شخص ، حتى ولو لم يشاهدها أو يسمعها بنفسه من مصادرها الإعلامية . لأن من يسمعها أو يشاهدها يتطوع بنقلها إلى غيره ، وهكذا لا يمكن لإنسان أن يتجنب معرفة الأخبار ، وكذلك التعليق عليها . وهنا لابد من التوقف لإلقاء نظرة.

فليس كل مواطن فى العالم يحظى من وسائل إعلامه بالقدر المتساوى من تحليل تلك الأخبار . فهناك بعض وسائل الإعلام تستضيف شخصية أو أكثر لكى تعلق على بعض الأخبار ، وبذلك تلقى مزيداً من الضوء على أهميتها، وتكشف عن مدى تأثيرها فى حياة الناس . وهناك وسائل إعلام أخرى تستضيف أحد أو بعض صناع الأحداث أنفسهم لكى يفسروا الأحداث ، ويبينوا للناس أسبابها ونتائجها. لكن هناك وسائل إعلام (تستخسر) هذا وذاك وتقوم بنفسها بالتعليق على الأخبار ، بواسطة أحد محرريها أنفسهم . ولا شك أن هذه أضعف وسائل الإعلام ، لأنها تترك مشاهديها فى حالة تعتيم إخبارى ، وبذلك تتيح لكل شخص أن يفتى برأيه الخاص ، ويلون الأخبار باللون الذى يرتضيه . وفى مثل هذا الجو تنمو الإشاعات وتنتشر التكهنات وربما تتحول دلالة الخبر إلى الضد منها تماماً . .

القناة الفضائية الفرنسية تستخدم أسلوباً جيداً فى التعليق على الأخبار ، فعندما تتضمن النشرة أخباراً عن تركيا والمغرب وكندا تستضيف صحفياً يجيد التحدث بالفرنسية من كل بلد من هذه البلاد ، وغالباً يكون من المقيمين بفرنسا ، ثم تترك كل واحد منهم يعلق بنفسه عن الخبر الذى يتعلق ببلده . وهنا يتحول مذيع النشرة إلى مستفسر عن أحوال تلك البلاد ، ولا يقتصر فقط على حدود الخبر الوارد فى النشرة .

إن تحليل الأخبار فى رأيى جزء لا يتجزأ من تنوير المواطنين بما يجرى فى العالم من أحداث ، ومدى تأثيرها عليهم . وأعتقد أنه قد أصبح من واجبات الإعلام المعاصر أن يبصر الناس بأحوال العالم الذى يعيشون فيه ، ويتنفسون هواءه ، ويتأثرون بكل ما يحدث فيه من خير أو شر .

والذى ألاحظه بوضوح أن معظم القنوات التليفزيونية العربية تستعين بالكثير من الشخصيات المصرية فى التعليق على الأخبار ، وتنوير مجتمعاتها بآرائهم وتحليلاتهم لتلك الأخبار ، وذلك فى الوقت الذى لا نرى أمثال هؤلاء وغيرهم على الشاشة المصرية . قد يرجع السبب فى ذلك إلى ضعف الإمكانيات ، لكننى أرجو أن يتم تدارك هذا الأمر ، نظراً لما يقدمه لكل أفراد المجتمع ، المثقف والأمى ، من فائدة، لا تقتصر فقط على فهم الخبر ، وإنما تتجاوزه إلى استيعابه ، وتكوين رأى صحيح حوله .


الإدارة . . الإدارة


الإدارة الناجحة تشبه تماماً الدورة الدموية فى جسم الإنسان . فكما أن الجسم السليم هو الذى يتمتع بانتظام حركة الدم وسيولة جريانه فى سائر الشرايين والأوردة، فإن الإدارة الناجحة هى التى تتوالى فيها الخطوات بانتظام ، وتتحرك الأوراق بسهولة حتى يتم إنجاز العمل ، وتتحقق الفائدة للمواطنين .

فى جسم الإنسان يقوم كل عضو بوظيفة محددة له ، وهو فى نفس الوقت مرتبط بما يجاوره من الأعضاء ، متناسق مع غيره فى الأداء ، وفى الإدارة الناجحة يعرف كل واحد واجبه ، بدءاً من المدير حتى أصغر موظف فى المكان .

فى الإدارة الناجحة تدخل المصلحة الحكومية أو الشركة الخاصة فلا تسمع ضجيجاً ولا تشاهد حركة زائدة ، ويسرع إليك موظف مهذب ليسألك عما تريد ويدلك على طريقة الحصول عليه فإذا دخلت على موظف قابلك باحترام ، وساعدك على تقديم طلبك ، محدداً لك اليوم والساعة التى تعاوده فيه لكى يكون الأمر قد تم والمهمة قد أنجزت .

فإذا حدث أن تعطلت الأوراق عند موظف ما فاعلم أن الإدارة مصابة بما يشبه الجلطة ، التى تحدث فى شرايين الجسد ، فتؤدى إلى الشلل الجزئى ، وأحياناً الكلى ، وهناك بعض المصالح التى يدخلها الإنسان فيجدها بهذا الشكل : تعقيد فى الإجراءات عبوس من الموظفين تهاون فى استقبال الجمهور إهمال فى تخليص الأوراق ، وتباطؤ فى إرسالها إلى الجهات الأخرى ، وهنا يجد الموطن نفسه تائهاً بل ضائعاً. فيستند على حائط ، ثم يمشى ببطء حتى بوفيه المصلحة ، ليشرب شيئاً يبل ريقه ، فيستقبله عامل البوفيه بالكثير من التعاطف والرثاء ثم يظهر له التأييد والمساعدة ، عندئذ يجد المواطن المسكين فى هذا الشخص (الشهم) طوق النجاة الذى يتعلق به فيؤكد له أن يكافئه إذا تم المراد . وما هى إلا فترة شرب الشاى أو القهوة حتى يعود عامل البوفيه الشهم بأوراق المواطن وعليها كل التوقيعات اللازمة وأيضاً ممهورة بخاتم النسر .

أين مدير المصلحة من كل ذلك ؟ وهل يعلم به ؟ وماذا عليه لو أنه قام بالتجول فى مكاتب المصلحة وطرقاتها ؟ أو دخل من الباب الذى يدخل منه المواطنون ومشى معهم فى الطابور ؟ ثم كيف يتصرف إذا تأكد أن أحد موظفيه يعطل مصالح الناس ويتعمد إيذاءهم ؟ أليس هذا المدير مسئولاً بالدرجة الأولى عن حسن سير الإدارة فى مصلحته ؟ وألا يعلم أن هذه المسئولية ليست فقط تجاه الدولة والمجتمع وإنما هى أساساً أمام الله تعالى . .

إننا ننسى فى زحمة الحياة . وبريقها أحياناً أن العمل الذى نقوم به – أياً كان قدرة – نعمة من نعم الله على الإنسان وأنه كما يتطلب منا على كل نعمة شكراً متواصلاً بالقلب واللسان فإن شكر نعمة العمل بالذات هى فى إتقانه أولاً ثم فى فائدته للناس ثانياً .


الارتقاء بالتعليم


أكد السيد الرئيس بصورة واضحة للغاية فى خطابه الهام بمناسبة انعقاد الدورة الجديدة لمجلسىْ الشعب والشورى على أهمية الارتقاء بالتعليم باعتباره المدخل الحقيقى لتحقيق نهضة شاملة فى المجتمع من ناحية ، وللحاق بركب التقدم الذى تحقق خلال العقود الأخيرة فى الدول التى نجحت فى منافسة الدول المتقدمة من ناحية أخرى . وهنا نقطة هامة ينبغى التركيز عليها ، وفتح صفحة جديدة للتفكير فيها، وهى أننا قد عشنا لعدة سنوات نعلن أننا لابد أن نلحق بركب الدول المتقدمة ، ونقصد بذلك الدول الأوربية والولايات المتحدة الأمريكية ، لكن دعوة الرئيس وجهت الأنظار إلى ضرورة التوجه أيضاً إلى مجموعة الدول الآسيوية التى استطاعت أن تحقق قدراً من التنمية ، أدهش العالم كله ، بما فيه الدول المتقدمة ذاتها ، بسرعته وضخامته وانطلاقه الواثق من نفسه ، والمتزايد باستمرار .

وقد كنت دائماً أقول لمن حولى : إن التجربة المصرية فى التقدم عمرها مائتا عام ، لكنها أولاً لم تنطلق طوال هذه المدة بمعدل واحد ، فقد كانت تتعثر من تلقاء ذاتها أحياناً ، كما كانت تتوقف تماماً بسبب ظروف قاهرة فى أحيان أخرى ، كما حدث مثلاً خلال فترة الاحتلال الإنجليزى . ثانياً إن التجربة المصرية ليست تجربة سطحية أو هزيلة ، بل إنها تجربة محملة بخبرات السنين ، وليس أدل على ذلك من الثقافة الزراعية التى يتمتع بها أى فلاح مصرى يعرف الفروق الدقيقة جداً بين مختلف أنواع النباتات، وحالات الطقس التى تنمو فيها ، وكمية المياه المناسبة لكل نبات . ثالثاً أن التجربة المصرية فى التقدم والتنمية تتميز بالتدرج الهادئ ، وتنفر دائماً من التحولات المفاجئة . وهذا ما يجعل أى إصلاح ينبغى أن يمر بمراحل الإعداد، والنشأة ، قبل أن يصل إلى حد النضج الكامل . رابعاً إذا كانت التجربة المصرية رائدة فى منطقتها العربية المحيطة بها ، والتى قد تتسع أحياناً لتشمل القارة الأفريقية كلها ، فإنها فتحت نوافذها دائماً للاستفادة من تجارب التقدم فى العالم، وخاصة فى أوربا التى ارتبطت معها بعلاقات كانت تتراوح بين العداوة والصداقة، وتتأرجح بين الحرب والسلام ، ولكن مصر ظلت حريصة على عدم إغلاق أى نافذة يدخل منها أى ضوء يفيد ، واستطاعت أن تبقى على صلاتها المتميزة مع كثير من المجتمعات التى تعاونت معها من أجل بناء نهضتها الحديثة ، وتنمية شعبها . خامساً تجتمع فى العالم حالياً ظروف جديدة ، تفرض علينا أن نتوجه ناحية الشرق ، حيث تجربة البلاد الآسيوية الناهضة، والتى استطاعت أن تحقق معدلات عالمية فى التنمية ، ولعل هذه البلاد أقرب إلينا فى الروح، والثقافة ، والظروف من الدول الغربية . ولا شك أن دراسة تجربتها سوف تضيف إلى التجربة المصرية بعداً جديداً ، وتمنحها دفعة قوية لمواصلة مسيرتها على نحو أكثر سرعة وإتقاناً .

والنتيجة أننا ينبغى - فى مجال تطوير التعليم بالذات - أن ننظر جيداً إلى تجربة التعليم فى الدول الآسيوية الناهضة ، لكى نطعم بها تجربتنا المصرية الأصيلة .


وزارة تنمية الصعيد


أرجو أن تسمحوا لى باقتراح إنشاء هذه الوزارة فى التشكيل الوزارى القادم ، أياً كان وقته وزمانه ، بحيث يكون الهدف منها تحديث البنية الأساسية فى صعيد مصر ، بدءاً من توفير مياه الشرب ، وتعميم الصرف الصحى ، وتوزيع الكهرباء والغاز على المدن ، وكذلك على القرى بقدر الإمكان ، مع الاهتمام الخاص بشبكة الطرق والمواصلات ، وبناء السنترالات الكافية لتسهيل عملية الاتصالات .

وأن يتوازى مع ذلك إقامة المدارس والجامعات والمستشفيات ، ثم المصانع التى ترتبط بالبيئة ، وتعمل على المواد الأولية بكل محافظة، مع تشجيع الاستثمار فى الصعيد ، والعمل بالتدريج على نشر السياحة الداخلية التى من الممكن جداً أن تتسع لتستقبل السياحة الخارجية فيما بعد.

إن الصعيد قد شهد فى عهد الرئيس مبارك الكثير من عمليات التنمية والتحديث ، ونحن لا نشك فى أنه يحتل من الدولة مكاناً خاصاً فى الموازنة والتخطيط ، لكن مثل هذه الوزارة المقترحة ستكون بمثابة تجميع الجهود فى مكان واحد ، ومن حقنا عليها أن نحاسبها على أساس برنامج متكامل تقوم بتنفيذه على مراحل زمنية محددة . وطبعاً لابد أن يتولى هذه الوزارة وزير صعيدى يكون على وعى عميق بمشكلات الصعيد ، ويستطيع أن يقدم لها الحلول المناسبة ، ويحقق لأبنائه الآمال التى ظلوا يتطلعون إليها منذ مئات السنين . أما عن مكان الوزارة المقترحة فلابد أن يكون فى إحدى مدن الصعيد وأن يكون لها مقرات للتنفيذ والمتابعة فى سائر مدنه . ومن المسلمات أن يكون الوزير المكلف بهذه الوزارة على علاقة طيبة بكل المحافظين فى محافظات الصعيد ، لكى يساعدوه على تقديم مقترحاتهم ، وتحديد أولوياتها ، والعمل على تحقيقها بأسرع وقت ممكن .

لقد كان الصعيد وما زال جزءاً عزيزاً من أرض مصر ، ومنه جاء إلى العاصمة العديد من الشخصيات التى نتج عنها تحول حضارى كبير فى النهضة المصرية الحديثة ، بدءاً من رفاعة الطهطاوى ومروراً بطه حسين ومصطفى عبدالرازق ، أما آباء هؤلاء وأجدادهم فهم الذين أقاموا معابد الكرنك ، ونحتوا المسلات ، وقطعوا أحجاز الأهرامات وجاءوا بها إلى الجيزة . . وما زال العالم كله ينظر إلى وجوه أبناء الصعيد فيرى فيها ملامح متواصلة مع أجدادنا العظام ، بناة الحضارة المصرية العريقة .

أرجو أن يتحقق اقتراحى هذا بإنشاء وزارة تنمية الصعيد ، وأن يستعد أحد أبنائه منذ الآن لتولى مسئوليتها ، بشرط أن نحاسبه عليها بعد خمس سنوات على الأكثر .


الدراجات . . حل مقترح


لماذا لا يقبل المصريون على استخدام الدراجات فى الذهاب إلى أعمالهم ؟ ولماذا لا نشجع تلاميذ المدارس ، وطلاب الجامعات على الذهاب من وإلى أماكن دراستهم ؟ من مزايا الدراجة أنها تحرك العضلات وتقويها، كما أنها لا تؤذى البيئة بأى ضرر سواء كان دخاناً أو استهلاكاً للطرق الأسفلتية . أما الحوادث فإننا لم نسمع أبداً أن شخصاً قد قتل أو جرح نتيجة اصطدامه بدراجة ! يبقى أمر هام ، وهو ضرورة تخصيص مساحة محددة لها فى الشوارع ، بحيث تصبح حركتها حرة وميسورة ، كما ينبغى أن يخصص لها مكان محدد فى الجامعات والمدارس وأماكن العمل ، وهى بالتأكيد أماكن لن تكون أكبر من الأماكن التى تركن فيها السيارات . أما سرقتها فينبغى أن يوضع لها عقاب رادع ، حتى لا يتجرأ على سرقتها لصوص متخصصون مثل الأحذية فى المساجد .

قال لى أحد الأصدقاء : كيف تريدنى أن أذهب إلى عملى راكباً (عجلة)؟ وكيف ستكون نظرة زملائى ومن هم أقل منى فى الدرجة المالية والإدارية ؟ وهنا تكمن العقبة الرئيسية فى عدم إقبال المصريين على استخدام الدراجات، لأننا نعلم جميعاً أن سعر الدراجة ليس مرهقاً، كما أن سوء حالة الطرق لا يشكل مانعاً أساسياً ، بل إن تعلم ركوب الدراجة أسهل بكثير من تعلم قيادة السيارة . وهكذا فإن النظرة الاجتماعية هى التى تقف وراء عدم استخدام تلك الوسيلة السهلة والبسيطة والنظيفة للتنقل من مكان لآخر . وبالطبع لا يمكن أن يتصور أحد أننى أدعو موظفاً أو طالباً يسكن فى شبرا الخيمة أن يستخدم الدراجة فى الوصول إلى ميدان التحرير أو إلى مبنى الجامعة بالجيزة . وإنما المقصود هو استخدام الدراجة فى الأماكن القريبة أو المعقولة . وإذا أردنا أن نقارن بما يحدث فى الغرب ، فإن الدراجة تقوم بدور مهم جداً ، ولا تحيط بها (دونيا) تلك النظرة الاجتماعية التى توجد لدينا . فبعض مديرى المصالح يستخدمونها ، وهناك جامعة بأكملها فى إنجلترا لا يذهب إليها أستاذ أو طالب إلا مستخدماً الدراجة . ومن اللافت للنظر أننى عندما زرت أوربا أخيراً وجدت الشباب قد تجاوزوا الدراجات إلى استخدام الزلاجات ، وهم يمرقون بها فى الشوارع مثل العفاريت تماماً، ولديهم مقدرة فائقة على تجنب العوائق ، والقفز بها من وإلى الأرصفة، وهى بالطبع وسيلة أسرع لكنها أخطر ، لأن الخطأ الواحد فيها قد يكلف صاحبها عدة أيام أو شهور فى الجبس !

أما لماذا أدعو الآن إلى استخدام الدراجات ؟ فلأننى عندما أنظر فى الشوارع أجدها قد اكتظت بالسيارات على نحو مخيف ، وإذا استمر المصريون فى شراء المزيد منها ، وبالتسهيلات التى أصبحت متوافرة، فسوف نجد أنفسنا أمام أزمة حقيقية ، لن تمتلئ فيها الشوارع بالسيارات فحسب ، وإنما سوف تسد مداخل البيوت !


الدعم العام والخاص


موضوع الدعم حساس للغاية . فأنت إذا اقتربت منه اتهموك بمحاربة الفقراء، ومحاولة قتل محدودى الدخل . لكن المسألة لها تفصيل . فمن حق الفقراء ومحدودى الدخل أن يحصلوا على احتياجاتهم الضرورية بدعم كامل أو جزئى من المجتمع . أما القادرون ومن هم أعلى منهم فينبغى أن تتوقف الدولة عن دعمهم . لأنه من الظلم البين أن يحظى إنسان لديه سيارة بربع مليون جنيه ، وشقة بنصف مليون برغيف خبز مدعوم أو بكيلو سكر أو زجاجة زيت مثل الإنسان الفقير أو محدود الدخل . وإذا اتفقنا على ذلك ، وأظن أنه لا أحد يستطيع أن يختلف أو (يزايد) فينبغى أن نتقدم خطوة إلى الأمام بحيث تصدر القوانين وتتخذ الإجراءات التى تضمن قصر الدعم على المستحقين بالفعل ، كما تضمن توزيعه عليهم بصورة ميسورة وكريمة .

وبالطبع كان لدينا بطاقات التموين التى يتم تسجيل أفراد الأسرة فيها لكى تمنحها الدولة بعض المقررات المدعومة من سكر وزيت وشاى وصابون ، وقد علمت أن قراراً وزارياً صدر بإيقاف هذه البطاقات ، وكان قراراً صائباً لأن البطاقات كانت تمنح لكل المواطنين دون النظر إلى حالاتهم الاجتماعية أو مستوياتهم المعيشية ، المعتمدة على دخل شهرى ، أو مستوى معين . . لذلك لابد من إعادة التفكير فى بطاقات تموين أخرى ، تصدر على أساس دخل الأفراد ، وليس عددهم وأن تحدد لها مقررات معينة بدءاً من رغيف الخبز إلى الدقيق والسكر إلى بعض الأمتار من القماش وحتى الدواء والأحذية . . وبالطبع سوف يدعى البعض أنهم يستحقون الحصول على مثل هذه البطاقات ، ولكن المتابعة اليقظة والإجراءات المعقولة يمكنها أن تنتهى بتصفية أعداد المحتاجين بالفعل إلى دعم الدولة ، وبهذا نعفى الحكومة من عبء (الدعم العام) الذى يقدم للفقير والغنى على السواء .

إننى أتوقف كثيراً أمام منظر السيارة الفخمة جداً عندما ينزل منها صاحبها (الباشا) ويشترى كمية من الخبز الذى يباع فى حى بلدى ثم يضعها فى مؤخرة السيارة ، وينطلق . . وأتساءل : هل من حق هذا الشخص بمكانته ومركزه ودخله أن يحصل على نفس الدعم الذى يحصل عليه أبناء البلد الفقراء ؟ أم أن المسألة محتاجة إلى تفكير وترشيد ؟

وقد يمكن الاتجاه إلى دعم فئات معينة ، أو أصحاب سن معينة ، أو عائلات ذات عدد معين من الأبناء ، أو أشخاص عاجزين عن الكسب، أو نساء أرامل ليس لهن عائل . . المهم ألا يستمر نزيف ميزانية الدولة فى (الدعم العام) الذى يضع الغنى فى نفس خانة الفقير، وأن يصبح لهذا الأخير (دعمه الخاص) الذى يستحقه بالفعل . وعلى الله قصد السبيل .


السياحة هى الحل


عقدنا ندوة مصغرة جداً تكونت من مجموعة أصدقائى فقط ، وفيهم الاقتصادى والطبيب والفنان والميكانيكى والفلاح . وأجمل ما فى هذه الشلة أن كل واحد فيها يحسن الحديث فى غير تخصصه ، كما أنهم جميعاً من هواة طرح الأسئلة ، والسؤال كما نعلم هو مفتاح خزائن العلم . وعندما جرى الحديث عن مستقبلنا الاقتصادى فى ظل أزمة السيولة والركود الأخيرة ، توالت الأسئلة : هل هى أزمة عابرة أم أنها نتيجة تراكمات طويلة سابقة ؟ وهل تخصنا وحدنا فى مصر أم أنها تضم معظم دول العالم ، وخاصة الدول النامية ؟ وما هى الوسائل الفعالة والسريعة للخروج منها ؟ وكيف سيكون مستوى إنتاجنا إذا ما قورن بالمنتجات العالمية التى سوف تنافسه على أرضنا فى ظل اتفاقية الجات ؟ وهل يمكن إرجاع سبب الأزمة إلى نظامنا الاقتصادى أم إلى طبيعة المصريين الذين لا يجيدون فن التسويق، بينما يتقنون أصول الزراعة والصناعة ؟ وكان من الممكن أن تستمر تلك الأسئلة الصعبة أكثر من ذلك ، لولا أن صديقنا الفلاح صاح قائلاً: يا جماعة ، المصيبة أن الجنيه الذى كان يساوى فى الماضى ستة دولارات قد هبط إلى أقل من ربع دولار ثم أضاف : لقد عاصرت وأنا صغير الجنيه المصرى يساوى الجنيه الإسترلينى بل ويزيد عليه قرشين ! وهنا قال الاقتصادى: المسألة ترجع ببساطة إلى مستوى التطور فى الاقتصاد المرتبط بعملة الدولار ، واقتصادنا المرتبط بالجنيه . قارنوا وسوف تجدون الحل فى أيديكم ؟ قاطعه الميكانيكى : أى حل . إننا لسنا أقل كفاءة من أى شعب آخر ، فى تحمل العمل الشاق، وبذل الجهد المضاعف من أجل إنجاز منتج مصرى جيد . لكن مصيبة الجات ، والمواصفات الصعبة التى وضعتها الدول الأجنبية ، وراحت تطبقها علينا بمنتهى الصرامة جعلت منتجاتنا المصرية تخرج من المنافسة ، وبالتالى تقل قيمتها أو تصبح عديمة القيمة. وأضاف الطبيب : والأدهى من ذلك أننا إذا تفوقنا مثلهم فى سلعة ، ورحنا نصدرها لهم ، أوقفوها بحجة سخيفة اسمها " الإغراق " ! لكن الفنان اعترض قائلاً : إنكم دائماً تمدحون أنفسكم ، ولا تقبلون أن تسلموا بالفارق بينكم وبين نظرائكم. وأنا أتحداكم أن تدلّونى على أى سلعة مصرية تتفوق على مثيلتها المصنوعة فى أى دولة بالخارج . أجاب الفلاح بحسم : جميع المنتجات الزراعية ، والفواكه تستطيع أن تنافس كماً ونوعاً . تراجع الفنان قائلاً : أنا أقصد المنتجات الصناعية . وأكاد أقول إن بلاد شرق آسيا ، المتوسطة المستوى ، قد تغلبت علينا فى صناعات كثيرة جداً ، وخذ عندك مثلاً الجلابيب ، وفوانيس رمضان ! ابتسم الطبيب قائلاً: بصراحة أنا عندى فى السيارة فانوس صينى يضئ ويؤذن للصلاة . . لكن الفلاح عاد يسأل : وما الحل ؟ أجاب الاقتصادى بمنتهى الثقة : الحل فى السياحة . فهى السلعة الوحيدة التى تمتلك مصر كل عناصرها ، ولا يبقى عليها سوى أن تنشر الوعى بها بين أفراد الشعب ، لكى يرتفع عدد السائحين لديها من خمسة ملايين إلى خمسين مليوناً ، كما هو الحال فى أسبانيا مثلاً . وتساءل الفلاح: وهل الوعى وحده هو السبب فى عرقلة السياحة ؟ قال الاقتصادى : أجل هو الأساس . فإذا أدرك الشعب ذلك قام من تلقاء نفسه ببناء الفنادق المتعددة المستويات ، ومن أهمها المستوى الثانى المتواضع ، ودرب أبناءه على حسن استقبال السياح ، والتعامل معهم بالشرف والأمانة إلى جانب الذوق والابتسامة ، وسهل لهم حرية الإقامة والتنقل بين ربوع البلاد سواء فى المدن والريف ، أو فى الأحياء الراقية والأحياء الشعبية. ثم أنهى حديثه قائلاً : فى كل المجالات سوف نتعرض لمنافسة شرسة ، إما فى سوق السياحة وحده فلا أحد يستطيع أن ينافسنا فيه .


السيارات الميتة


أقصد بهذه السيارات تلك التى انتهت صلاحية استخدامها ، وتركها أو هجرها أصحابها فى الشوارع ، أحياناً مغطاة بقماش قذر ومتهرّئ ، وأحياناً مكشوفة تماماً وصدئة ، وأحياناً ثالثة منزوعة الأعضاء الداخلية ، وكذلك العجلات . والسؤال الآن لإدارات المرور ، والسادة رؤساء المدن إن لم يكن للسادة المحافظين : لماذا تتركون هذه السيارات الميتة فى الشوارع ، مركونة بجانب الأرصفة ، بحيث تأخذ مكاناً يمكنه أن يتيح فرصة لأصحاب السيارات المتحركة أو الحية ؟ وهل ترتاح أعينكم لمنظرها وهى مخربة وقائمة بين السيارات الصحيحة وبجانب المنازل ؟ وأليس من الممكن ، القريب أو البعيد ، أن تستخدم أمثال هذه السيارات فى تخزين بعض المواد الضارة (ومنها المخدرات) ؟ إننى أتعجب من أن هناك وظيفة لشخص أو مهمة لجهة حكومية من واجبها متابعة هذه السيارات الميتة والمركونة فى الشوارع، والقيام بإزالتها وتشوينها ، أو تغريم أصحابها إذا كانوا هم السبب الرئيسى فى تعطيلها. حدثنى البعض أنهم رأوا بعض المتشردين يقيم فى تلك السيارات ويجعل منها مسكناً له . وقيل أيضاً إنها مأوى دائم للكلاب الضالة ، وأحياناً المسعورة ، التى تنقض فى أية لحظة على أى شخص يسير بجانبها . وقيل أيضاً إنها تستخدم فى بعض الأحيان لأعمال منافية للآداب . والعجيب أننى سمعت ذلك كله من أشخاص محترمين ، وهذا معناه أن الظاهرة موجودة ، وهى تنذر بالخطر . والسؤال الآن: هل سمع المسئولون عن المرور فى الشوارع عن هذه المخاطر والأضرار التى تكمن داخل هذه السيارات المركونة ؟ ولماذا لا تبلغ سيارات الشرطة الدوّارة عن أمثال تلك السيارات للقيام على الفور برفعها ، ووضعها فى مكان ما، مع تغريم صاحبها الذى يريد استردادها، وتحميله بنفقات النقل ، واشغال الطريق ؟

إن بلاد العالم المتحضرة لا توجد بها مثل هذه الظاهرة على الإطلاق . فكل سيارة بها رقم ، ولها صاحب . أما عندنا فهذه السيارات بدون أرقام ، ويبدو كذلك أنها بلا أصحاب ، ولذلك ينبغى إصدار قرارات فورية بنقلها وتنظيف الشوارع منها . وأكاد أؤكد أن بعض الشوارع فى القاهرة والجيزة سوف تتخلص من العديد من أمثال هذه السيارات من هذا النوع بها . وبذلك يعود الوجه الحضارى لشوارعنا ومدننا . وفق الله المحافظين ورؤساء المدن إلى ما فيه صالح المجتمع ، وخدمة المواطنين .


السياسة لخدمة الاقتصاد


فى عام 1913 كتب أحمد لطفى السيد مقالاً بدأه بعبارة " السياسة فى خدمة الاقتصاد "  وفى رأيى أنها من العبارات القوية التى يمكن أن تصلح أساساً لاستراتيجية كاملة لدولة، بل حتى لمجموعة دول. ومن العجيب أن مصر قد قضت فترة طويلة من عمرها خلال القرن العشرين ، وهى تأخذ بنقيض هذه الفكرة تماماً . فقد كان الاقتصاد دائماً فى خدمة السياسة ، أى تابعاً لها . وهذا معناه أننا إذا اختلفنا فى السياسة مع بلد معين قاطعناه اقتصادياً ، فلا نصدر له ، ولا نستورد منه ، حتى ولو كان ذلك عائداً بالخسارة علينا فى كلا الحالين .

ولأننى من جيل ثورة 52 ، فقد شهدت ذلك بوضوح ، وخاصة عندما خاصمنا المعسكر الغربى ، فتوقفت تماماً تعاملاتنا الاقتصادية معه ، واعتمدنا بالتالى على المعسكر الشرقى ، مما أدى إلى ضعف شديد فى قدرتنا التكنولوجية ، وعدم مجاراتنا للثورة الإلكترونية التى تفجرت فى الربع الأخير من القرن العشرين .

لكننا فى عهد السادات ، تنبهنا لأهمية الانفتاح على الغرب ، وبدأنا فى التعامل الاقتصادى معه ، الأمر الذى أحدث قدراً من الانتعاش، ظهرت آثاره للمواطن العادى فى توافر السلع ، وعدم حدوث مطبات فى متطلبات الاستهلاك والإنتاج .

وقد شهد عهد مبارك – والحق يقال – سياسة خارجية ناجحة قامت على أساس الانفتاح المتوازن مع كل دول العالم بدون استثناء ، وقامت سفاراتنا بدور هام فى هذا الصدد ، وهو الأمر الذى وضع مصر على طريق صحيح ، تمت خلاله عملية إصلاح اقتصادى شامل ، واكتملت معه عناصر البنية الأساسية من الكهرباء والماء والصرف الصحى ، والطرق والتليفونات . . وكان لابد من التحول الاقتصادى الذى يخرج به المجتمع من أسلوب القطاع العام ، الذى ثبت فشله ، إلى نظام المشروعات الخاصة ، مع ضمان حقوق أصحاب الدخول المتوسطة والضعيفة . . وتلك هى المشكلة التى تسعى الدولة حالياً للتغلب عليها .

لكن يبقى أن مبدأ تطويع السياسة للاقتصاد يظل من أهم مبادئ نجاح المجتمعات المتقدمة ، وقد شاهدت ذلك بنفسى ، أثناء إقامتى الطويلة فى فرنسا ، فقد كنت ألاحظ رؤساء الدول الأوربية لا يتحركون خارج بلادهم فى الغالب إلا لتوقيع عقد تجارى فى مجال البيع أو الشراء . وكان الحصول على عقد مصدر فرحة كبرى فى المجتمع ، بينما كان فقدانه مبعث حزن وأسف ، ما يلبث أن يتحول إلى تصميم على الفوز من جديد .

لذلك فإننا نتابع باهتمام دعوة الرئيس مبارك إلى إنشاء السوق العربية المشتركة، التى هى بمثابة الركيزة الأساسية لتبادل المصالح والمنافع بين الدول العربية، بدلاً من ارتفاع الأصوات بشعارات سياسية جوفاء ، جربناها طويلاً ، ولم نجن من ورائها سوى الألم الذى انتهى بنا إلى شعور متحجر باللامبالاة .


الصيانة وآفاقها


ما زالت كلمة الصيانة عندنا قليلة الأهمية بناء على أن نظرة المجتمع إلى القائمين بها أيضاً نظرة غير منصفة فمثلاً المهندس الذى يتخصص فى الإنشاءات يكون أعلى قيمة – فى نظر المجتمع – من مهندس الصيانة وكذلك الحال بالنسبة لعمال الصيانة . وهذا وضع مقلوب . فالصيانة من أهم المهن التى تحفظ الآلات فى حالة جيدة من التشغيل والإنتاج ولولاها لأسرع الفساد والعطل إلى تلك الأجهزة الأمر الذى يترتب عليه استبدالها وإنفاق المبالغ الطائلة لشراء أجهزة أخرى بديلة ، وهكذا يلاحظ أن من أسباب إهدار المال العام والخاص أيضاً هو عدم الأخذ بإجراءات الصيانة التى لا تكلفنا إلا القليل ولكنها تقوم بدور هام فى إطالة عمر الآلات والأجهزة وتوفر علينا الكثير من الجهد والمال.

أمر آخر أكثر أهمية وأريد التركيز عليه هنا وهو أن الصيانة كانت المفتاح السحرى الذى استطاعت به دول جنوب شرق آسيا أن تدخل عصر الصناعة من أوسع أبوابه وأن تصبح منافساً قوياً للدول الغربية التى كانت قد احتكرت الصناعة على مدى قرنين كاملين فمثلاً بدأت اليابان بصيانة المعدات التى كانت تشتريها من الغرب ومن مبادئ الصيانة أننا نفك الآلة ثم نعيد تركيبها بعد تنظيفها وإصلاح العاطب منها. . وفى أثناء هذه العملية ( الفك والاستبدال والتركيب ) تم الوقوف على سر صناعة الآلة والجهاز وبدأ الصانع اليابانى ومعه المهندس بالطبع فى تصنيع آلات بديلة تشبه الآلة الغربية وبالتدريج تتفوق عليها .

ولابد من الاعتراف بأن الصانع المصرى من أذكى صناع العالم وأكثرهم حرفية فهو قادر على فك الآلات ومعرفة العيوب الحادثة بها ثم ( خرط ) المماثل لها وإعادة تركيبها وتشغيلها . هذا يحدث فى السيارات وماكينات الرى وآلات حفر الآبار وأجهزة التكييف والثلاجات والغسالات . . الخ الشئ الوحيد الذى ينقص الصانع المصرى هو إنتاج قطع الغيار اللازمة له : كيفية سبكها وتشكيلها وضبطها حتى يتمكن من استخدامها فى عمله .

وهكذا يتضح أن الصيانة هى أحد المداخل الهامة إلى تحقيق نهضة صناعية كبرى ، ومن هنا لابد أن تأخذ الصيانة مكانها اللائق بها من اهتمامنا وأن يخصص لها أماكن تعليم وتدريب وتمنح شهادات محترمة على مستوى التعليم المتوسط والتعليم العالى فهى أهم بكثير من بعض التخصصات الموجودة حالياً والتى قد يكون لها وضع اجتماعى براق مع أن إفادتها الحقيقية للمجتمع قليلة للغاية .


محـلات الخبـز


كنا فى الأربعينيات نشترى الخبز فى المدن من محلات متواضعة التجهيز، ومنتشرة فى كل الأحياء الشعبية. وكان بائع الخبز رجلاً طيباً، هادئ الطبع. وكان يضع (الخبز الطرى) فى ناحية ، (والخبز الملدّن) فى ناحية ، وعندما تطلب منه بعضاً من هذا أو ذاك يحضره بسعادة ، ويعطيه لكل بابتسامة . . فإذا لم يعجبك رغيف محروق ، أو غير كامل الاستدارة كان بإمكانك أن تطلب منه تغييره ، فيقوم على الفور بذلك ، لأن المسألة بالنسبة له سهلة جداً ، فمن حقه أن يعيد الخبز الذى لم يعجب الزبائن إلى الفرن وهذا يسمى (الرجوع) . والملاحظ وراء هذا كله أن الخبز فى المحل كان يغطى بملاءات بيضاء ، كما أن بائع الخبز كان دائماً يمسك فى يده (منشة) حتى يطرد بها أى ذبابة تحدثها نفسها بالاقتراب من الأرفف أو الأرغفة . .

المهم أننا كنا نشترى الخبز بهذا الشكل البسيط ، ولكنه حضارى إلى أبعد حد . فقد كنا آمنين على نظافة الخبز ، وحسن الاعتناء به ، والمحافظة عليه من أى حشرات أو دخان أو ملوثات أخرى . .

ومن الغريب أن محلات الخبز راحت تختفى بالتدريج ، ودون أن يحس بها أحد، أو يتنبه أحد لأهميتها القصوى فى مجال صحة الإنسان المصرى ووقايته من الأمراض . . حتى جاء وقت انتقل بيع الخبز إلى الأرصفة ، بل إنه نزل أحياناً إلى أرض الشارع نفسه . . وصار ينادى عليه قبل مطالع الكبارى ، وعند مداخل ومخارج المدن، ولم يعد من الشذوذ أن ترى سيارة فارهة ، ينزل صاحبها ليشترى كمية من الخبز ويضعها داخل ( الكبّوت ) ، ثم ينطلق بدون مبالاة . .

أتمنى أن تعود محلات الخبز ، ولكن هذه المرة بقرار من المحافظين . . حيث ينبغى تخصيص محلات فى بعض المساكن تكون مهمتها بيع الخبز للمواطنين ، وبحيث تكون تحت الرقابة المستمرة من وزارتى التموين والصحة . . وبذلك نسترجع أسلوباً حضارياً يليق بمصر . . وأهل مصر


القاهرة - الفيوم ، وبالعكس


هل رأيت طريق القاهرة الفيوم الرائع ، الذى قامت الدولة مشكورة برصفه ، وتقسيمه إلى ذهاب وعودة ، مع جزيرة واسعة تفصل بينهما ، يمكن أن يتم تشجيرها فتصبح جنة ، كما يمكن أن تتم إنارة الطريق كله بالتعاون بين محافظتى الجيزة والفيوم وبالتالى يصبح من أجمل الطرق فى مصر كلها . .

لقد اندهشت كثيرا ًمن عدم وجود أى استراحة على جانبى هذا الطريق الرائع! والذى تظل حركة السيارات الخاصة ، وأتوبيسات الرحلات السياحية رائحة وغادية عليه دون أن تتوقف للحظات فى إحدى الاستراحات للاستجمام ، والتزود لما يلزم السائح أو المسافر من وإلى الفيوم .

ومن العجيب أن الأرض الصحراوية الجرداء هى المنظر الوحيد الذى يصاحب المسافر فى هذا الطريق ، مما يجعل المسافة تطول جداً عليه إلى حد الملل والقرف ، بينما هو لا يتجاوز المائة كيلو !

لقد تساءلت وأنا أعبر هذا الطريق بالصدفة منذ عدة أيام : هل وزارة السياحة على علم بالإمكانيات الهائلة التى يمكن أن تنشأ على هذا الطريق ؟ وأين المستثمرون الذين يبحثون عن الربح الوفير الذى يمكن أن تقدمه إليهم الفرص المتاحة على جانبيه ؟ وكم عدد الشباب الذى يمكن تشغيلهم فى الاستراحات والخدمات التى تقام عليه؟

ثم هل حدث اجتماع واحد بين محافظتى الجيزة والفيوم حول إمكانية استغلال وتطوير هذا الطريق بحيث يرجع العائد الضخم منه على أهالى المحافظتين ؟ وإذا كان قد تم فما هى نتائجه ؟

إن الفيوم من أعرق وأجمل محافظات مصر . وأرضها الخضراء مليئة بالخير، وأهلها البسطاء يستحقون الكثير مما يمكن أن تقدمه لهم المشروعات السياحية الواعدة لبلدهم .

أتمنى أن تكون الفيوم بالنسبة لأهالى القاهرة الكبرى منطقة جذب سياحى ، ليس فقط فى المناسبات والرحلات المدرسية ، وإنما على مستوى الأسرة المصرية ، التى يمكن أن تجد فى قلب تلك البقعة الخضراء مكاناً تسعد فيه بقضاء يوم جميل ، وأن تعود منه محملة ببعض خيرات الريف المصرى ، وفى مقدمتها العنب الفيومى ، والدجاج الفيومى . . إلى جانب استنشاق قدر من هواء الحقول النقى ، والتمتع برؤية بركة قارون ، مع الاعتبار بما فعله الله بصاحبها !


القرية المنتجة


يغيظنى جداً أن يطلب أهل المدينة من القرية أن تكون منتجة ، وهم أنفسهم لا ينتجون ، بل ويقصدون أحياناً أن يأتى إليهم إنتاج القرية وهم نائمون ، وفى كل الأحوال فإنهم يريدون أن يجعلوا القرية تكفى نفسها بنفسها كما كانت (أيام زمان) ! والواقع أن هذه (الأيام زمان) لم تعد موجودة ، كما أنها لن توجد فى المستقبل ، نظراً للتطورات التى لحقت بالإنسان فى كل من المدينة والقرية على السواء، ليس فقط عندنا ، بل فى كل أنحاء العالم . والذى يريد أن يتأكد من ذلك عليه أن يقوم بحسبة بسيطة بين عدد المتعلمين فى أى قرية مصرية منذ عشرين أو ثلاثين سنة وبينهم الآن ، وحسبة أخرى بين عدد المنازل التى بُنيت بالطوب الحجرى والمنازل ذات الطوب اللبن (النىّ) ، وحسبة ثالثة بين عدد منازل القرية التى كانت تشرب من (الطرمبة) والتى تشرب الآن مباشرة من الحنفيات ، ثم أخيراً عدد أجهزة الراديو والتليفزيون والفيديو التى انتشرت فى القرية ، وحلت محل (السامر) الذى لم يكن يظهر بها إلا فى أيام معدودة ، ومناسبات قليلة جداً طوال العام .

صحيح أن كل بيت فى القرية كان لديه الفرن الذى يخبز فيه ، والبقرة التى تدر اللبن ، فتخرج منه الزبدة والسمن والجبن ، ومجموعة الطيور التى تربى فى الحوش كالأوز والبط والدجاج والحمام، التى يستخلص منها اللحم الأبيض ، فإذا أضيف إلى ذلك بعض الخضر والفواكه التى تأتى من الحقول لم يعد هناك ما يدفع ابن القرية إلى شراء شئ من المدينة ، اللهم إلا ملابسه ، وأدوات عمله .

لكن سنة التطوير التى شملت كل المجالات ، لم تستثن القرية ، التى أدخلت البوتاجاز والثلاجة والتليفزيون وكل وسائل التقدم الحضارى الحديثة ، وهذه (الأجهزة) غيرت من بعض العادات التقاليد التى عرفتها القرية المصرية منذ آلاف السنين ، وأدخلتها بقوة إلى قلب العصر الحديث، بل إن أساليب الزراعة القديمة قد بدأت تحل محلها أساليب جديدة، فمثلاً غمر الأرض بالماء ثبت أنه أقل فائدة من ريها بالرش أو التنقيط ، وزراعة محاصيل معينة ظهر أنها تدر ربحاً أكثر من محاصيل أخرى لم يكن يعرف غيرها الفلاح .

لقد تغير كل ذلك ، والوحيدة التى يبدو أنها لم تتغير هى نظرة أهل المدينة للقرية المصرية . فهم يريدونها أن تظل على حالها كما كانت بالأمس القريب ، بل والأمس البعيد ! لذلك فإننى أقول لهؤلاء : أن القرية المصرية كانت منتجة فى الماضى ، وما زالت منتجة فى شكلها الجديد . والدليل على ذلك أنك إذا تجولت فى الريف المصرى كله لن تجد شبراً من الأرض القابلة للزراعة غير مزروع ! والدليل على ذلك أيضاً أن الإنتاج الزراعى يتزايد باستمرار ، وقد شهدنا ما حدث لمحصول الأرز هذا العام. فقد زاد الإنتاج عما تتطلبه حاجة البلاد . وتمثلت المشكلة فى كيفية التصدير ، وهذا من صميم اختصاص أهل المدينة ؛ فماذا فعلوا ؟

تحية للقرية المصرية التى تنتج فى صمت ، وتحية للفلاح المصرى الذى ما زالت تغطى ريشته العبقرية أرض مصر السوداء . . باللون الأخضر !


الكتاب المدرسى


مرة أخرى ، راحت الهمهمات تدور حول الكتاب المدرسى : من يخصصه ؟ ومن يؤلفه ؟ ومن يطبعه ؟ ويبدو أن هذه الأسئلة الرئيسية الثلاثة أصبحت مترابطة ، وإذا حاولت أن تفصل بينها وجدت خيوطاً وحبالاً متشابكة ، كما أن الاقتراب منها يكاد يكون مغامرة محفوفة بالمخاطر . ومع ذلك لابد من ابداء الرأى فى الموضوع من أجل مستقبل الأجيال القادمة ، والتى إذا علمناها اليوم بصورة جيدة فسوف تتحمل المسئولية غداً على النحو المأمول . .

الملاحظ أن (الكتاب المدرسى) يخرج فى كل عام للتلاميذ ويوزع عليهم ، لكنهم ما يلبثون أن يتركوه فى ركن مهجور من البيت ، ويسرعوا بشراء (الكتب المساعدة) ، والتى أصبحت الآن متعددة . لماذا؟ لأن التلميذ يجد فيها نفس المادة العلمية التى توجد فى كتاب الوزارة ، مضافاً إليها المزيد من التبسيط ، والشرح ، والأسئلة والمصحوبة بإجاباتها الصحيحة ، وهنا أتساءل ، كما سبق أن تساءلت فى مقال سابق: لماذا لا يتم تقرير هذا الكتاب المساعد بدلاً من كتاب الوزارة ؟ ولماذا نصر على أن يظل لدينا وسيلتا مواصلات تؤديان إلى نفس الهدف بدلاً من وسيلة واحدة أبسط وأسهل وأكثر وضوحاً ؟ ثم من الذى يؤلف الكتاب المساعد ؟ لو تأملت الأسماء لوجدتها لعدد محترم جداً من كبار الموجهين السابقين فى مختلف المواد المدرسية ، يعنى ناس عندهم خبرة وكفاءة وتجربة طويلة فى تقدير عقلية التلميذ ، ومعرفة ما يحتاج إليه وما لا يحتاج . . وفى نفس الوقت لو تأملت كتاب الوزارة لوجدت أسماء مؤلفيه مجموعة من المدرسين ، والمدرسين الأوائل ، الذين اجتاز كتابهم المسابقة التى يحكم فيها كبار الموجهين بالوزارة ، وأحياناً من خارجها . يعنى لدينا هنا جهد مكرر يمكن أن يختصر ببساطة إلى جهد واحد ، وسوف يؤدى إلى نفس النتيجة ، ومن أقصر الطرق .

ليت المسألة تقف عند هذا الحد ، فإن (المدرس الخصوصى) قد أتقن هو الآخر مهنته ، وأصبح على معرفة كاملة بمفردات المقرر الدراسى ، بحيث يمكنه أن يلخصه للتلميذ فى وريقات معدودة ، ومن العجيب أن التلميذ يكتفى بهذا القدر ويدخل الامتحان وينجح . . وهكذا أصبحنا نجد أنفسنا أمام ثلاث مراحل : مرحلة كتاب الوزارة الذى يتم تسلمه وإهماله ، ثم الكتاب المساعد الذى قد يعتمد عليه بضع التلاميذ من ذوى الدخل المحدود ويساعدهم فى قراءته أولياء الأمور ، وأخيراً مرحلة الدروس الخصوصية التى تقفز فوق المرحلتين السابقتين ، وتقدم خلاصة المعرفة المدرسية للتلميذ فى شكل حبوب مركزة تشبه الفيتامينات !

إننى أمام هذه المأساة أكاد أقف حائراً . فلا الوزارة تستطيع إلغاء الكتاب المدرسى . ولا أى جهة غيرها يمكنها أن تمنع الكتاب المساعد. أما محترفو الدروس الخصوصية فإنهم قد أصبحوا مثل النمل أو الصراصير التى غزت المطبخ ، ولم يعد يوجد حل لها إلا فى التطهير الكامل للمكان ، بما فى ذلك رش جميع أركانه بالمبيدات!


الكتاب كهدية



عندما يزور المصريون بعضهم بعضاً يحملون معهم فى الغالب أنواع الهدايا التى تتراوح بين الفاكهة ، والحلويات . وإذا كانوا قادمين من الريف حملوا معهم الخبز والأرز والبيض وبعض الطيور ، إلى جانب الفطير المشلتت والعسل الأبيض . أما فى الأحياء الراقية فيمكن أن تكون الهدية عبارة عن باقة ورد (طبيعى أو صناعى وأخيراً مجفف) وإن كان ذلك فى أضيق الحدود .

أما فى الأعياد والمواسم ، فتقوم كروت المعايدة والاتصالات التليفونية بدور الهدايا . وفى الآونة الأخيرة ، بدأت تشيع وخاصة بين الشباب رسائل التليفون المحمول لنفس الغرض وبعضها مكتوب كما أن بعضها الآخر مصور . أما هدايا القادمين من السفر الخارجى، فتتمثل عادة فى الملابس ، الحريمى والرجالى (قمصان وكرافتات) ، وفيما يتعلق بهدايا الحجاج العائدين تكون تارة هى السبحة أو السجادة ، وتارة أخرى هى الجلاليب والعباءات .

وهكذا تتعدد هدايا المصريين وتتنوع حسب الظروف ، وتبعاً للبيئة الاجتماعية والثقافية . لكن الملاحظ أنها تخلو كلها من (الكتاب) كهدية يمكن أن تحمل معنى المودة والتآلف . ومن المعروف أن التهادى بالكتب يحتل فى الغرب مكانة كبيرة، وقد عاش بيننا الغربيون فترة طويلة ، لكنهم لم يستطيعوا أو لم يريدوا أن ينقلوا إلينا تلك العادة الجميلة . قد يقال لأن نسبة الأمية لدينا كبيرة . فليكن . لكن لدينا فى المقابل نسبة كبيرة من المتعلمين والمثقفين . وبذلك يصبح السؤال : لماذا لم يصبح (الكتاب) بالنسبة لهذه الفئة موضع تقدير ، حتى يمكن تبادله ، وإهداؤه . .

والواقع أن الكتاب يعتبر من أجمل الهدايا التى يمكن أن تحل محل الكثير من الهدايا المتداولة فى مجتمعنا ، خاصة وأن بعض تلك الهدايا لم يعد يتمشى مع العادات الصحية فى الغذاء ، كالحلويات ، أو النشويات المليئة بالدهون . كذلك فإن الكتاب – كما هو معروف – من الهدايا التى تبقى لفترة طويلة ، بل إنه يصلح لكى يعاد إهداؤه إلى آخرين . وهكذا فإن فائدته طويلة الأجل ، ومضاعفة ، وذلك بخلاف الهدايا المتداولة التى  لا تلبث سوى فترة قصيرة ، كالورود مثلاً ، التى تذبل بعد يوم أو يومين ، أو الجاتوه الذى يفسد إذا لم يؤكل فى نفس المدة تقريباً .

إن دخول الكتاب فى دائرة الهدايا سوف يدفع القائمين على نشره وتوزيعه إلى مزيد من العناية بشكله ، وتوفيره بصورة جميلة وجذابة ، كذلك فإن المؤلفين سوف تنفتح أمامهم آفاق واسعة ، ومجالات متعددة فى سبيل الاستجابة لأذواق الناس .

عندما كنت فى فرنسا وجدت الناس هناك يتهادون غالباً إما بالكتب أو بالاسطوانات . وكلاهما من وسائل الثقافة الرفيعة . ولديهم فى هذا المجال طرائف . من ذلك أن صديقاً لى مرضت صديقته ، فألح على فى الذهاب معه لشراء هدية لها. وتوقعت أنه سيشترى لها ورداً أو لعبة ذهبية ، لكنه دخل مكتبة ، وسأل البائع عن كتاب يتحدث عن استنبات الزهور والعناية بها. أما الآخر فاشترى لصديقته كتاباً عن الغوريلا يمتلئ بالصور المرعبة ، وعندما سألته عن رد فعلها ، أجاب : كانت فى غاية السعادة ، وقطعت بعض الصور منه لكى تعلقها على الحائط ‍! !

أتمنى أن يأتى اليوم الذى يصبح فيه (الكتاب) جزءاً من الهدايا التى نتبادلها فى الأعياد والمناسبات ، فنتعلم منها ، ونعلم بها الآخرين ! !



اللغة الأجنبية فى الابتدائى


لا شك أننا مقبلون على مرحلة جديدة من التواصل مع العالم تتطلب مزيداً من التعرف على ثقافاتهم ، والاتصال المباشر بمختلف شعوبه . ولا يتأتى ذلك الأمر إلا من خلال اللغة . ولما كانت  اللغة الإنجليزية بالذات قد أصبحت الآن هى اللغة العالمية الأولى ، فمن حق أبنائنا أن يتزودوا بها لكى يستطيعوا التواصل المنشود . والواقع أن مصر بحكم موقعها تمثل نقطة لقاء ثقافى وحضارى بين ثلاث قارات مباشرة ، هى أفريقيا وآسيا وأوربا ، وقارتين غير مباشرتين هى أمريكا واستراليا . ومن هنا فإنها منذ نشأة نظامها التعليمى فى القرن التاسع عشر تقوم بإعطاء أهمية للغة الإنجليزية بصفة خاصة ، تليها الفرنسية ثم الألمانية . ولست أدرى لماذا أهملت كثيراً اللغة الأسبانية التى تتكلم بها كتلة هائلة من شعوب أمريكا اللاتينية . وفى الوقت الراهن برزت الحاجة إلى معرفة لغات آسيوية مثل اليابانية والصينية ، إلى جانب الأندونيسية والماليزية والأردية .

وقد كان المنهج التعلمى التقليدى يقوم على تزويد التلميذ باللغة الأجنبية فى مرحلة الدراسة الإعدادية ، بينما يترك المرحلة الابتدائية     (6- 12) سنة لكى يتقن لغته القومية ، وهى اللغة العربية . ولا شك أن مرحلة تعليمية قد مرت فى النصف الأول من القرن العشرين شهدت استيعاباً جيداً من جانب التلاميذ للغة الأجنبية ، وإجادة فى نفس الوقت من جانب المدرسين الذين كانوا يقومون بهذه المسئولية ، وكانت النتيجة أن تخرج عدد كبير من الجيل الماضى وهم يجيدون اللغة العربية إلى جانب لغة أو أكثر من اللغات الأجنبية . وفى هذا الصدد يمكن أن أشير إلى المرحوم عبدالرحمن بدوى الذى لم يحصل على الدكتوراه من الخارج ، وكان يجيد مجموعة من اللغات أهمها الفرنسية والإنجليزية ، بالإضافة إلى الألمانية والأسبانية وطبعاً اللاتينية واليونانية . وعندما سألته أجابنى بحسم أنه تعلم اللغتين الأوليين فى المدرسة ، ثم أضاف إليهما الباقى بمجهوده الشخصى . لكن الدكتورة منى حسن بجامعة القاهرة أكدت لى أن تعلم اللغات وإجادتها يرتبطان بقدرة خاصة لدى بعض الأشخاص . وهذا يعنى أن الاعتماد على التعليم ليس إلا أمراً ثانوياً.

المهم أن قرار وزارة التربية الجديد بتعليم أبنائنا اللغة الأجنبية فى مرحلة الابتدائية من العام القادم ، نرجو أن يتحقق منه أمران : الأول أن يجيد لغة أجنبية منذ نعومة أظفاره ، وفى تلك المرحلة المبكرة من العمر ، وألا يطغى تعلمهم اللغة الأجنبية على تعلم لغتهم القومية ، وهى اللغة العربية ، وأعتقد أن الهدف إذا كان واضحاً فإن الوسائل المختلفة التى تؤدى إليه يمكن أن تكون محل نظر ، وهذا الهدف هو (اتقان اللغة العربية إلى جانب إجادة لغة أجنبية) والله ولى التوفيق .



المذيع والإتقان


ماذا نفعل عندما نسمع مذيع نشرة أخبار فى التليفزيون يقول : (يعتبر أنها محاولة) بفتح التاء وتنوينها بصورة صارخة ، وبذلك يكسر القاعدة النحوية التى تم الاستقرار عليها منذ ألفى عام والتى تقضى (برفع اسم إن ) . . هذا مجرد نموذج صارخ لعدم تمرس المذيعين بنطق اللغة العربية نطقاً صحيحاً ، وكذلك التدريب المستمر على أدائها بصورة تتفق مع قواعدها المقررة . وإذا كان لكل مهنة أصولها وآدابها، فإن أول أصول مهنة المذيع هو إجادة اللغة العربية وإعطاء أصواتها حقها من الترقيق والتفخيم ، وكذلك حركاتها من الضم والرفع والنصب والجر ، إلى جانب تقسيم الجملة تبعاً لعلامات الترقيم أى مراعاة النقطة والفصلة ، وعلامة الاستفهام ، أو التعجب  . . كذلك من آداب مهنة مذيع النشرة أن يكون صوته محايداً فى كل الأحوال ، بمعنى أنه لا يحزن فى موقف الفرح ، ولا يبتسم وهو يتحدث عن مصيبة أو كارثة . . أما مظهر المذيع أو المذيعة فهو أيضاً مهم جداً ، لكنه ليس الشئ الوحيد المطلوب ، وإنما هو كالغلاف للهدية المقدمة . فكيف بنا لو استقبلنا هدية من أحد الأصدقاء وهى ملفوفة فى ورق سلوفان جميل المنظر ، ومزين بالأشرطة والورود ، ثم فتحناها فوجدناها عديمة القيمة أو فاسدة ؟ ! لقد سبق أن هاجمت قناة الجزيرة (اللندنية سابقاً) عدة مرات بسبب توجهاتها ، وسياستها الماكرة ، ولكننى أظل معترفاً بأن المذيعين والمذيعات فيها ، وكذلك المراسلين ممن يجيدون اللغة العربية نطقاً وأداءً ، وهو أحد أسباب انتشار تلك القناة بين قنوات عربية عديدة فى المنطقة . والسؤال الآن : لماذا لا يتعلم المذيع أو المذيعة المصرية من الآخرين ؟ ولماذا لا يبحث عن مواطن التميز فيحاكيها ، ويتجنب فى نفس الوقت ضعف المستوى ، وسقطات الأداء اللغوى . وبالمناسبة أود أن أنبه إلى حقيقة ناصعة ، وهى شدة الارتباط بين اللغة والفكر ، فالمذيع المثقف هو الذى يمكنه أن يعبر عن نفسه ببساطة وتلقائية ، وكذلك بأسلوب لغوى صحيح ، بينما المذيع الضحل الثقافة هو الذى تراه ضعيفاً ، متردداً ، لا يكاد يستمر فى نطق جملة واحدة ، كما أنه لا يستطيع أن يربط جيداً بين جملة وأخرى . .

إن التقدم الذى ننشده لمجتمعنا ، والذى يستحقه بالفعل ، ينبغى أن يكون فى كل المجالات ، وعلى كل المستويات . ومن المعروف أن هذا التقدم لن يتم إلا بإتقان كل فرد منا لمهنته ، وإذا كان الإتقان هو دائماً أساس التقدم ، فإنه فى الوقت الحاضر من أهم المبادئ التى ينبغى التمسك بها وتحقيقها ، لأننا نعيش عصر المنافسة الحرة بين سائر الأمم ، ولكى نثبت ذاتنا لن يتم ذلك إلا بتقديم أفضل ما لدينا . ونحن والحمد لله أمة عريقة لها تاريخها الطويل ، وحضارتها الراسخة .


المرأة المصرية والخلع


أكتب الآن ، وبعد أن هدأت الزوبعة عن موضوع الخلع ، الذى جعل الرجال حينها يصرخون بصوت عالٍ ، خوفاً من انفلات الزوجات واستخدام الكثيرات منهن لهذا الحق ، فتنهدم بيوت ، ويشرد أطفال ، ويسقط من عروشهم أزواج ظلوا طوال حياتهم يأمرون وينهون ، وهم على ثقة كاملة بأنهم أصحاب البيت بما فيه ، وبمن فيه ! لكن الأمور سارت فى مجراها الصحيح ، وتفهم الشعب المصرى حقيقة الوضع ، وأدرك بسرعة أن الخلع من حق المرأة كما أن الطلاق من حق الرجل. وأن المسألة ترجع لأصول دينية كما أنها تتمشى مع بداهة العقل، وطبيعة الأمور . المهم أن ظن الكثير من الرجال قد خاب ، عندما خلت المحاكم – تقريباً – من قضايا الخلع ، وثبت أن المرأة المتزوجة أعقل بكثير من الزوج الأخرق الذى يستخدم الطلاق بالحق وبالباطل ، بل إنه يتلذذ أحياناً بالنطق به دون أن يعرف عواقبه ، وما أشبهه بالطفل الذى يستخدم زماره ، أو الطفلة التى تطرقع فى فهما لبانة ! ظهرت المرأة المصرية على حقيقتها : أكثر عقلاً ورزانة ، وأشد حرصاً على كيان بيتها ، ومستقبل أطفالها ، وسمعة أسرتها . وإذا كانت أيام الحياة الزوجية يتقاسمها الهناء والشقاء ، والفرح والحزن ، والراحة والتعب، فإن المرأة أكثر رضا بها من الرجل ، وهى أشد تحملاً منه لمسئولياتها ومشاكلها . وإذا كان هناك الكثير من الرجال المتزوجين الذين يتململون من زوجاتهم ، إما لأنهم تزوجوا عن غير حب ، أو لأن الحب قد انكمش وجف ، فإن هناك فى المقابل من ذلك العديد من الزوجات اللاتى يشعرن بنفس تلك المشاعر ، وربما على نحو أكثر حدة لكنهن يرتفعن عليها من أجل أن تسير بهن إلى بر الأمان سفينة الزواج . من هنا فإننى أتوجه إلى المرأة المصرية - بعد مرور وقت كاف على استقرار القانون - بكل التحية والتقدير على موقفها الصامد من المطالبة بالحصول على حق الخلع ، ثم بالمحافظة فى نفس الوقت على هذا الحق ، وعدم إساءة استخدامه ضد الزوج ، الذى كان يظن أنها بمجرد حصولها عليه ، سوف تغلق دونه باب الشقة ، وتغير الكالون . والواقع أننى ما زلت أذكر جيداً أن أكثر من صديق حدثنى عن رفضه القاطع لهذا الحق أن يعطى للزوجة ، محاولاً التعلل بأسباب تاريخية ، أو بتقاليد اجتماعية ، أو حتى بتعليلات فقهية ، لكنه كان فى حقيقة الأمر يعبر عن خوف دفين بأن زوجته سوف تعتمد على هذا الحق فى تعاملها معه ، فترفع صوتها عليه ، أو ترفض تنفيذ طلباته ، أو تتمرد على قيادته للبيت ، لكنه فوجئ بأن الزوجة المصرية ، الطيبة والأصيلة ، تمارس حياتها بنفس البساطة والطاعة والتعاون التى كانت عليها قبل صدور قانون الخلع . وهكذا ثارت الزوبعة ، ثم انتهت على خير .


المقاومة وأصولها


أى مقاومة للاحتلال فى العالم لابد أن تعتمد على جناحين أحدهما عسكرى والآخر سياسى . وكل منهما لابد أن يكون متناسقاً تماماً مع الآخر ، بحيث يمهد الجانب العسكرى الأرض للجانب السياسى ، كما يتيح الجانب السياسى فرصة الحركة والمناورة للجانب العسكرى .

تشهد بذلك كل حركات المقاومة التى حدثت فى العالم كله ضد الاحتلال . والمهم ألا يلقى الجانب العسكرى سلاحه إلا بعد أن يحصل الجانب السياسى على كل النتائج المترتبة عليه ، ويحقق الأهداف الكبرى التى تجمع الجانبين .

ولم يحدث أن شهدنا فى تاريخ المقاومة انفصالاً أو اختلافاً أو تنافساً رديئاً بين الجانب السياسى والجانب العسكرى ، بل كانا دائماً متفقين ومتضامنين . وهنا تأتى أهمية رموز الجانب السياسى والجانب العسكرى ، بحيث تكون كلها متفقة على تكتيك محدد لعمل المقاومة اليومى ، واستراتيجية كبرى لتحركها على المدى الطويل .

لكننا إذا حاولنا أن نطبق هذه الأصول على المقاومة الفلسطينية وجدنا الكثير منها غائباً أو غير متوافر بصورة كاملة. والملاحظة الأهم أن هذه المقاومة تتمثل فى جانبين أحدهما هو السلطة الفلسطينية التى يمكن أن تطلق عليها الجانب السياسى، والآخر هو مجموع الفصائل الإسلامية (حماس والجهاد . . .) التى يمكن أيضاً أن تطلق عليها الجانب العسكرى . ومن الواضح أن الجانبين منفصلان أحدهما عن الآخر، إن لم يكونا متناقضين . ومعنى هذا أن الجانب السياسى فى المقاومة الفلسطينية يتحرك بدون أن يكون له على الأرض قوة تمكنه من التفاوض المتكافئ مع قوى الاحتلال ، بينما الجانب العسكرى يقوم بأعمال فردية متناثرة لا يتحقق من ورائها أى مردود سياسى ، الأمر الذى جعل إسرائيل فى موقف أفضل ، فهى من ناحية لا تعطى للجانب السياسى أى اعتبار ، على أساس فقدانه للسند العسكرى ، بينما تحاول بكل وسائلها أن تدمغ الجانب العسكرى بالتطرف والإرهاب ، مما يفقده الكثير من التعاطف الدولى .

ما هو الحل ؟ أن تنتهز القيادة الفلسطينية الفرصة المعطاة لها حالياً لإصلاح شئونها ، فتقوم بتوحيد الصف الفلسطينى بكل فصائله ، من خلال مشاركة حقيقية فى كل من العمل السياسى والعسكرى . . وبدون ذلك ، سوف يظل الجناحان منفصلين ، بحيث يتحرك أحدهما بينما الآخر ساكن ، أو يحاول أن ينهض أحدهما فلا يجد من الآخر أى دعم . وأؤكد أن أى مقاومة للاحتلال فى العالم لم تنجح إلا بتوحيد صفوفها، وتوزيع الأدوار على أبطالها ، سواء كانوا عسكريين أو سياسيين .



المقهى النموذجى


لن تنتهى وظيفة المقهى ، أو بالعامية (القهوة) من أى مجتمع . فهى المكان الذى يذهب إليه الفرد أو الشلة لقضاء وقت الراحة والتسلية ، بعيداً عن جدران الشقة، ومشكلات البيت . وفى كل مدن العالم توجد المقاهى : لندن وباريس وبرلين وروما ومدريد والقاهرة . كما أنها توجد فى القرى ، لكنها تكون أكثر بساطة . وفى كل الأحوال ، لابد أن تتوافر فى المقهى كل مقومات الراحة والتسلية . فلابد من وجود الكراسى المريحة ، التى تسمح لفرد واحد بالجلوس كما تتيح الفرصة لفردين أن يجلسا متواجهين ، وكذلك تسمح لخمسة أو ستة أشخاص أن يتحلقوا حول إحدى الطاولات . وطبعاً لابد من توافر المشروبات الساخنة والباردة إلى جانب بعض السندويتشات أو الأكلات الخفيفة ، ومن المهم أن يحتوى أى مقهى على دورة مياه ، وكذل كابينة تليفون . أما الجرسون فينبغى أن يكون خفيف الحركة مستجيباً لتحقيق مختلف المطالب والأذواق لرواد المقهى . ولا يقتصر دوره على تقديم الطلبات ، بل إنه يساعد فى إشعال سيجارة لشخص جالس ، أو إرشاد شخص عابر إلى مكان معين.

كانت لدينا فى القاهرة العديد من المقاهى التى حصلت على شهرتها من خلال تقديم خدمة جيدة لزبائنها . بعض المقاهى كان يجلس عليها الأدباء ، وبعضها اختص بالفنانين وأهل الطرب . وهناك بعض المقاهى التى يتجمع فيها أهل حرفة معينة، وأحياناً ما يتجمع فى مقهى معين أصحاب المعاشات ، كما أن هناك من المقاهى ما اشتهر أساساً بتقديم الشيشة ، فإذا ما أوقعك حظك فى الجلوس على إحداها وطلبت شاياً ، نظر إليك الجرسون باستغراب .

وتختص المقاهى المصرية بتوفير الكوتشينة والطاولة لزبائنها ، بينما تخلو المقاهى الأوربية من ذلك ، ويوجد بدلاً منها ماكينة ألعاب (فليبرز) تعمل بالعملة ، إلى جانب ماكينة أخرى لاختيار اسطوانة   معينة - وطبعاً تأتى أهمية المقاهى الأوربية من استيعابها للناس عند هطول المطر فجأة ، فنجدهم يسرعون للاحتماء داخلها حتى ينتهى المطر . وتبقى باريس هى أجمل مدن العالم فى خدمات مقاهيها ، ومتعة الجلوس عليها . لكن الملاحظ أن المقاهى الأوربية لا تفتح أبوابها منذ الصباح الباكر، بل إنها لا تستقبل زبائنها إلا قريباً من منتصف النهار ، حيث يمنح الموظفون والعمال ساعة راحة لتناول الغداء وعندئذ تمتلئ المقاهى بهم ، حيث يتناول معظمهم وجباتهم الخفيفة أو مشروباتهم وهم وقوف . أما المقهى المصرى فإن  يفتح أبوابه منذ الصباح الباكر، وحتى قبل أن تبدأ فترة العمل الرسمية . وكثير من المقاهى عندنا تخلو من دورة المياه ، وهذا عيب كبير يؤثر فى إقبال السياح عليها . وقد سبق أن كتبت أن سائحاً لو تمشى من ميدان التحرير حتى القلعة فإنه لن يجد مقهى واحد به دورة مياه نظيفة، فضلاً عن كابينة التليفون .

إن المقاهى أصبحت الآن جزءاً لا يتجزأ من السياحة ، ولابد من الاهتمام بها ، وتشجيع إنشائها وتطويرها ، والعمل على أن يتوافر بها للزبائن كل وسائل الراحة والتسلية ، وأن تستفيد بذلك من المقاهى الأوربية ، التى لا يكاد يذهب أى سائح إليها إلا وجلس فيها ، وأنفق بها بعض نقوده ، الأمر الذى يعود بالنفع على أهل البلد جميعاً.


النظافة وشخصية المحافظات


أتوجه بحديثى هذا إلى جميع السادة المحافظين ، المسئولين أولاً وأخيراً عن نظافة محافظاتهم ، ابتداء مما يسمى الأحياء الراقية حتى المناطق العشوائية . ولا شك أن بند النظافة يوجد فى ميزانية كل محافظة . فإذا كان كافياً لابد أن يتم إنفاقه على كل متطلبات النظافة ومكافآت عمالها ، وإذا لم يكن كافياً بذل المحافظ أقصى الجهد لكى يوفر له ما يلزمه من البنود الأخرى ، أو دعا رجال الأعمال فى محافظته للمساهمة فى تمويل هذا البند الهام ، لكى تظهر المحافظة فى أبهى صورة ، وتتمشى مع التطور الحضارى الذى ننشده لكل ربوع مصر.

ليست إزالة القذارة من المكان بالأمر المستحيل ، أو الصعب ، وخاصة إذا اتجهت الإرادة لذلك ، وتم تفعيل جهاز النظافة الملحق به أيضاً مهمة التجميل . . وبالطبع لا يوجد تجميل قبل أن تتوافر النظافة . فالمرأة لا تضع المكياج على وجهها إلا بعد أن تغسله بالماء . وكذلك المدن لا يصح أن تضع على مداخلها أقواس النصر ولمبات النيون ، قبل أن ترفع من شوارعها أكوام القمامة ، وتزيل من طرقاتها المياه الراكدة ، وتسفلت شوارعها المتربة ، وتسد ما بها من حفر وانكسارات.

وهناك قاعدة ذهبية فى هذا المجال ، وهى التى ندعو إليها كل محافظ ، بحيث يتفضل بالمرور على كل الشوارع فى محافظته ، وأن يزور كل الأحياء ، وأن يتفقد الأركان المظلمة ، والزوايا المهجورة ، لأن الموظفين المسئولين عن النظافة والتجميل حين يرون أنه يفعل ذلك، فإنهم يقومون على الفور بأداء عملهم على أكمل وجه ، وإلا نالهم العقاب أو حتى العتاب . أما أن يكتفى المحافظ بالمرور من شوارع محدودة ، ولا يخترق موكبه سوى أحياء بعينها ، فإن ذلك يدفع أولئك الموظفين إلى إهمال ما سواها ، مع الاكتفاء فقط بتجميل ما تقع عليه عين المحافظ ، وسفلتة الطريق الذى تعبره سيارته .

لكن المسألة لا تقتصر على الاهتمام أو المرور فحسب ، بل إنها تعتمد قبل كل شئ على نظرة جمالية للمكان كله . وهذه النظرة يمكن أن يشارك فيها المتخصصون والفنانون التشكيليون من أبناء كل محافظة ، مع الاستعانة عند الضرورة بزملائهم من المحافظات الأخرى. وإذا كنت أتمنى أن تظهر كل محافظة فى مصر بطابعها الخاص ، وشخصيتها النابعة من تقاليد أهلها وعاداتهم ، بحيث إذا تجول فيها السائح، الأجنبى أو حتى المصرى ، أحسّ بأنه ينتقل من طابع محافظة إلى طابع محافظة أخرى ، وذلك على الرغم من أن المحافظات كلها مصرية ، تماماً مثل الإخوة والأخوات من أب وأم واحدة : يجتمعون فى النسب ، ويتميز أحدهم عن الآخر بالأسماء والملامح.


الوسائل التعليمية


كنت يومها لم أتجاوز العاشرة ، وراح مدرس الجغرافيا يحاول جاهداً أن يثبت لنا فى الفصل أن الأرض كروية . وعندما أتاح لنا أن نسأل قال أحدنا : إذا كانت كذلك فكيف يعيش الناس الذين يسكنون فى أسفلها هل تصبح رؤوسهم إلى أسفل ؟ وعندما قال أن الكرة الأرضية تتحرك : سألنا بسخرية الأطفال : ولماذا لا نتناثر من سطحها؟ وفى الحصة التالية أحضر المدرس نموذجاً من الكرة الأرضية ، وراح يلفه فتتحرك معه الشمس والقمر ولم تدخل عقولنا الصغيرة حينئذ تلك الفكرة ، ولكننا قلنا لأنفسنا: مادام المدرس وهو من الكبار مقتنعاً بذلك، فلابد أن تكون هذه هى الحقيقة.

وفى نفس العمر ، عرض علينا فى المعمل تجربة كيميائية ، وضع فى سائل أحمر على سائل أصفر ، فخرج سائل بنفسجى اللون . وأعجبتنا الفكرة من حيث الظاهر ، لكننا لم ندرك حينئذ تداخل الجزئيات وامتزاجها ، وخروج عناصر جديدة مختلفة الحجم والشكل واللون منها..

أما الصدمة الثالثة ، فكانت عندما أخبرنا مدرس الجيولوجيا أن عمر الأرض يتجاوز ملايين السنين ، بينما أكد لنا مدرس التاريخ أن أقدم الحضارات الإنسانية على ظهر الأرض لم تتجاوز عدة آلاف سنة ، عشرة آلاف على الأكثر . . ويومها قال أحدنا ساخراً : ومن الذى يمكنه أن يؤكد لنا صدق هذه الملايين ؟

كانت هذه المعلومات تلقى إلينا ولا نقبلها بإجماع كامل ، ولا بتصديق كامل . وكان الكثير منا لا يفهم ، والكثير أيضاً يشك فيما يقال.. ولكنها بمرور الوقت ، استقرت فى أعماقنا بل إنها أصبحت جزءاً من ثقافتنا ، وأحياناً ما نحاول أن نعرضها لأبنائنا فننجح أو نفشل. المهم أن الوسائل التعليمية قد تطورت كثيراً فى العصر الحاضر، وأصبحت تساعد المدرس كثيراً فى نقل المعلومات للتلاميذ ، وفى تسهيل الفهم على هؤلاء من خلال الرؤية المباشرة للنماذج المتطورة ، أو الصور المتحركة.. وبالطبع لو كان لدينا فيلم فى الماضى عن صورة الأرض وهى ملتقطة من الفضاء الخارجى لكان قد أغنانا كثيراً عن النماذج البدائية التى كانت تعرض بها عملياً صورة الأرض . وكذلك الحال فى رؤية الشلالات ، والبراكين ، والعواصف ، والبرق ، والرعد ومختلف الظواهر الطبيعية المتكررة والاستثنائية . من هنا تأتى أهمية الأفلام العلمية والتسجيلية التى ترصد نشأة الظواهر الطبيعية ، وتتبع تطورها ، وتبين تأثيرها على البيئة والإنسان.

فى تصورى أن التلفزيون التعليمى أصبح ضرورة حيوية ينبغى أن يدخل فصول التلاميذ فى المدارس ، وأن تستعين به الجامعة فى المحاضرات والمعامل . لأن الحديث عن (الشئ) لن يكون أبداً على مستوى رؤيته المباشرة ، فضلاً عن أنه يوفر على الكثير من العقول التى لا تصدق ، أو التى تشك من الاستغراب والحيرة ، ويقدم لها المعلومة وهى مصحوبة بالصوت والصورة . إن تطور التعليم مرتبط باستخدام الوسائل التعليمية وفى مقدمتها التلفزيون التعليمى ، الذى ما زلت مقتنعاً بضرورته لتطوير التعليم فى بلادنا.


الولايات المتحدة العربية


ما الذى يمنع قيام مثل هذا الكيان فى المنطقة العربية التى تمتد من المحيط إلى الخليج ، على قطعة أرض واحدة ، يسكنها مواطنون من جنس عربى ، يتكلمون كلهم اللغة العربية ، وتجمع غالبيتهم عقيدة واحدة ، ويربط بينهم تاريخ مشترك ، وينتظرهم مستقبل واحد ، كذلك فإن مصالحهم متقاربة ، والمصائب التى تقع على واحد منهم  تؤثر بالضرورة على باقى إخوانهم ؟

فى رأيى أن هذا السؤال ينبغى أن يطرحه كل منا على نفسه ، ثم يعيد طرحه على أبنائه ، بحيث يظل هماً مؤرقاً يبحث كل منا عن إجابته بالطريقة التى تحلو له . ولا مانع أبداً من أن تختلف حوله الآراء ، وتتعدد وجهات النظر ، وتقوم المذاهب وتقعد ، لكن المهم أن يظل السؤال مطروحاً لأنه لا يعنى غياب فكرته فى زمن من الأزمان الرديئة غيابها من أزمنة أخرى قادمة . وإذا كان من أهم العقبات التى تحول دون الإجابة عن هذا السؤال مسألة الحكم ، أى من الذى يحكم تلك الكتلة الهائلة من السكان ، والذين تتعدد شعوبهم وتتباين ثقافاتهم ، فإن هذه العقبة يمكن تأجيلها لتصبح آخر جزء فى الإجابة . أما الأجزاء الأولى فينبغى أن تبدأ بالجانب التعليمى والثقافى ، يليه الجانب القانونى، ثم الجانب الاقتصادى وهكذا حتى نصل إلى الجانب العسكرى الذى يسبق مباشرة الجانب السياسى .

قال لى صاحبى الواقعى : إنك تحلم . هل تريد إحياء فكرة القومية العربية من جديد ؟ ! قلت : كلا ، وإنما الذى أقصده هو إنشاء تجمع عربى كبير يجرى التمهيد له من الآن خطوة خطوة ، ولا يتم تنفيذه أو حتى الإعلان عنه إلا بعد اتخاذ الخطوات التنفيذية الكفيلة بنجاحه . ولا شك أن المسألة تحتاج إلى دراسات يقوم بها باحثون متخصصون ، ينطلقون من الواقع المحسوس ، ويلتزمون بالمنهج العلمى الصحيح .

عاد صاحبى الواقعى يقول لى : لا تتعب نفسك ، فإن العرب ليسوا سوى ظاهرة صوتية ، يتحدثون ولا يعملون ، وكما ترى فإن تأثيرهم فى الأحداث العالمية يكاد يكون معدوماً . قلت له : وإلى متى يظلون كذلك . إننى من المؤمنين بأن الذى لا يتقدم مع المتقدمين لا يقف فى مكانه فحسب ، وإنما يرجع إلى الوراء . كذلك ما يجرى فى العالم من تطورات ، من أهمها النظام العالمى الجديد ، لن تدع شعباً يعيش فى راحة بال ، وإنما سوف تطرق عليه الأبواب والنوافذ ، بل سوف تفتحها عليه غصباً إذا لم يفتحها هو برضاه .

قال لى صاحبى : لقد رأينا كيف تهاوت وحدة مصر والسودان ، ثم وحدة مصر وسوريا ، ثم وحدة مصر وسوريا وليبيا ، تماماً كما تهاوى الاتحاد العربى بين مصر وسوريا والعراق ، ولا يكاد يقف على قدميه الاتحاد المغاربى ، أما اتحاد دول الخليج فقد بدأ يعانى هو الآخر.. قلت له : أن هذه المحاولات دليل على أن الفكرة حيّة لدى العرب . وإذا لم يحالفها الحظ مرة أو مرات ،  فمن الممكن جداً أن يحالفها ذات يوم . ومن يدرى ؟


بدلاً من ديلسبس


على الناصية التى يلتقى فيها البحر الأبيض مع مدخل قناة السويس ، أسقطت المقاومة الشعبية الباسلة ببورسعيد تمثال ديلسبس سنة 1956 ، بعد أن تصدت لقوى العدوان الثلاثى الغاشم على مصر ، والذى اشتركت فيه كل من إنجلترا وفرنسا وإسرائيل . وكان هذا العمل الشعبى تجسيداً لرغبة المصريين جميعاً من منطلق وطنى خالص . فلا يعقل أن نرفع تمثالاً لديلسبس الفرنسى ، بينما تهاجمنا دولته بهذا الشكل الصارخ . وإذا كنا قد أقمنا له تمثالاً ، اعترافاً منا كدولة وشعب متحضر بأنه صاحب فكرة وصل البحرين الأبيض والأحمر بقناة السويس ، فإن الاعتبارات الوطنية لا تتناقض أبداً مع السلوك الحضارى ، بل إنها تؤازره وتمتزج به .

والواقع أن قاعدة التمثال ما زالت حتى اليوم تعبر عن صلابة الشعب المصرى فى مواجهة أى عدوان خارجى ، لكنها ينبغى أن تكون قاعدة فى نفس الوقت لأى تمثال يعبر عن هذا المعنى فى ذلك الموقع الفريد على طرف القناة . وأضع أمام الفنانين التشكيليين عدة اقتراحات:

أولاً : نحت تمثال جماعى للفلاحين الذين حفروا قناة السويس بفؤوسهم الصدئة ، وسواعدهم العارية ، وبطونهم الخاوية ، وطواقيهم الصوفية ، وأرجلهم الحافية !

ثانياً : إقامة نصب تذكارى لشهداء العدوان الثلاثى يعبر ببساطة عن تلك الملحمة الرائعة التى اشترك فيها الشعب مع الجيش مع الشرطة ، وقامت فيها قوات الدفاع الشعبى بدور هام ومؤثر .

ثالثاً : ابتكار مجسم يعبر عن نهضة مصر الحديثة ، وتطلعها إلى السلام والاستقرار والازدهار .

رابعاً : اختراع مجسم يعبر عن ترحيب مصر بالقادمين إليها زائرين أو سائحين ، أو عابرين باحترام فى قناة السويس .

أما تمثال ديلسبس فينبغى الإبقاء عليه ، مع ضرورة وضعه فى منزله المطل على بحيرة التمساح بالإسماعيلية ليكون مزاراً سياحياً لمن يرغب زيارته من المصريين والسائحين الأجانب ، وكفانا مشاحنات بين بورسعيد والإسماعيلية حول أحقية كل منهما بالتمثال ، بل إننا بهذا الحل سوف نرضى الاثنين معاً : فالإسماعيلية تأخذ التمثال عندها وتقيم من بيت ديلسبس مزاراً سياحياً يفيدها ، وبورسعيد تقيم على قاعدة التمثال الفارغ منذ 45 عاماً عملاً فنياً متميزاً ، يصبح هو الآخر مزاراً سياحياً مفيداً لها . وهذا هو التفكير للمستقبل . . بدلاً من العناد الذى طال أمده ، ولم يأت بأى نتيجة لكل الأطراف .


بيت الزكاة المصرى


عاد الجدل يدور فى الآونة الأخيرة حول أموال الزكاة : كيف يتم تنظيم عمليات جمعها من الراغبين فى إخراجها ؟ وكيف يمكن الاستفادة منها فى مشروعات التنمية وإصلاح الأحوال ؟ وتعددت الاقتراحات ، وغضب البعض ، وقال البعض الآخر : دعوا الأمور كما هى . . والواقع أننى منذ عدة سنوات قد اقترحت إنشاء مؤسسة عامة للزكاة ، تحت اسم بيت الزكاة المصرى ، يكون على غرار بيت الزكاة الكويتى ، وفيه يمكن أن تصب كل أموال الزكاة ، مع تحديد رغبة كل مسلم فى القنوات التى تصرف فيها . فهناك من يفضل بناء المساجد . وهناك من يرغب فى بناء مدارس ، أو مصانع ، أو مستشفيات . وهناك من يريد أن تذهب إلى الأيتام ، والأرامل ، وذوى الحالات الحرجة . . وكل هذه رغبات طيبة يباركها الإسلام ، الذى حدد عدة مصارف للزكاة فى القرآن الكريم ، ولكنه فتح الباب فى العديد من آياته لعمل الخير ، وبذل المعروف . ولعلنا نذكر أن أبا بكر الصديق خرج عن ماله كله للدولة الإسلامية الوليدة، وأن عثمان بن عفان جهز من ماله جيشاً بأكمله . المهم أن ينظم المسلمون هذا المصرف الهام والذى يمثل الشعيرة الثالثة فى الدين التى تأتى بعد الصلاة والصوم ، وقبل الحج . .

لقد تعددت الجهات التى تتلقى أموال الزكاة من المسلمين ، سواء على أيدى أئمة المساجد (الكبيرة والصغيرة ، والتى تحت البيوت) ، أو المراكز الدينية ، والصحية . ومن الواضح أن هناك قدراً كبيراً من عدم التنظيم ، والتشويش حول هذه المسألة . ولن يحسمها كما أرى إلا إنشاء مؤسسة مستقلة تتولى استقبال أموال الزكاة ، مصحوبة برغبات أصحابها فى إنفاقها على أوجه الخير والفائدة للمجتمع . ومن الضرورى أن تتميز هذه المؤسسة بالشفافية الكاملة ، وأن يتولاها شخص (غير مضروب) يعاونه فى ذلك عدد من الموظفين العاملين بإخلاص ، وأن توضع لها لائحة تحدد بدقة الوارد والصادر والمكافآت. وعلى من يعمل فى هذه المؤسسة أن يدرك جيداً أن هذه أموال المسلمين ، وأن الله تعالى يباركها ، ويعلم كل من يعمل لإنفاقها فى الخير ، وكذلك من يسعى لتبديدها فى الباطل .

بهذا الشكل يمكن أن ينظم المسلمون جانباً من جوانب حياتهم الدينية والمالية، وأن يبعدوا الشبهات عن هذا المصدر الذى أصبح الغرب يتهمهم على أساسه بأنه أحد مصادر تمويل الإرهاب . ومن المؤكد أنه ليس كذلك ، لكننا ينبغى أن نتقى الشبهات. أى نبعد عنها ، لأن من يتقيها فقد استبرأ لعرضه ودينه ، كما يقول الرسول صلى الله عليه وسلم ، ولاحظ أن كلمة (العرض) تشمل فيما تشمل سمعة الإنسان فى المجتمع ، وبالتالى سمعة المجتمع فى العالم .


تصنيع كمبيوتر مصرى


بشرى جميلة منشورة فى خبر بإحدى الجرائد ، ولا شك أنها قد أسعدت عشرات بل مئات الآلاف الذين ينتظرون بفارغ الصبر الحصول على جهاز كمبيوتر ، لكى يستطيعوا أن يتواصلوا من خلاله مع العالم عن طريق شبكة الإنترنت ، ويرسلوا أو يستقبلوا بريدهم الإلكترونى الـ

وطبعاً سوف يوفرون جزءاً كبيراً من الأسعار المرتفعة لأجهزة الكمبيوتر الأجنبية ، والتى تتراوح بين 4-6 آلاف جنيه . أتمنى أن يكون الكمبيوتر المصرى جيد الصنع ، متقن الأداء ، رخيص الثمن ، حتى يصبح وسيلة عصرية فى أيدى الجميع ، وخاصة أبناءنا من تلاميذ المدارس وطلبة الجامعات. إلى جانب أصحاب الحرف والمهن التى لم تعد تستغنى عن استخدام الكمبيوتر فى عملها مثل الأطباء ، والمهندسين ، والمحاسبين ، وحتى أصحاب محلات الملابس والطعام.

إن جهاز الكمبيوتر كما يقال عنه بحق إنه جهاز سحّاب (بتشديد الحاء) أى أنه يسحب صاحبه إلى مجالات عديدة ويدور به فى أفلاك عالمية ، وفى خلال ذلك يمكنه أن يعطيه (سره) ، فيساعده على وضع برامج جديدة ، وهنا نقطة الإبداع أو الابتكار التى يتيحها هذا الجهاز العجيب . فمن المعروف أن مستخدمه إما أن يكون مجرد مستقبل لما يحتويه من مادة معرفية تزيد من معلوماته ، وتضاف إلى ثقافته ، وإما أن يشارك بنفسه فى صنع وترتيب وتبويب مادة معرفية جديدة . وهذا ما يطلق عليه مصطلح (البرمجيات) التى برعت فيها مؤخراً شعوب من العالم الثالث، مثل الهند بالذات ، التى فرضت تفوقها فى هذا الميدان على كثير من الدول الأوربية المتقدمة .

أنا واثق تماماً أن جهاز الكمبيوتر لو وضع تحت تصرف أبنائنا الصغار لاستطاعوا أن يقتحموا من خلاله مجالات جديدة ، ولتمكنوا من الإبداع فى اختراع برامج مبتكرة ينافسون بها أمثالهم من شباب العالم. وقد كانت العقبة وما زالت تتمثل فى ارتفاع سعر الجهاز بالنسبة للصغار والشباب معاً نتيجة استيراده بالكامل من الخارج ، على الرغم من أن مكوناته لا تخرج عن مواد أولية رخيصة الثمن ، ورقائق حساسة بأسعار عالية جداً . . ولكن الآن ، أو منذ الآن ، عندما تنشأ صناعة مصرية للكمبيوتر ، فإن الحال سيتغير ، وينفتح أمامنا طريق واعد لدخول عصر التكنولوجيا بخطوات واثقة ، وتفاؤل فى مستقبل مشرق بإذن الله .

إن الطريق إلى التقدم أمام مصر ليس أمامه سوى خطوات قليلة، وجهود إضافية يبذلها المخلصون لهذا الوطن ، مع عدم الالتفات إلى أولئك الذين تنحصر نظرتهم فى تحقيق مصلحتهم الخاصة فى تكوين الثروة ، أو الاستيلاء على السلطة ، دون أى اعتبار لمصلحة المجتمع، أو بناء مستقبل أبنائه على المدى الطويل.


تطوير كليات التربية


أحد زملائى القدامى ، اتجه به التخصص إلى مجال التربية ، فأصبح أستاذاً كبيراً فيها . كتب مقالاً فى إحدى الجرائد الأسبوعية بعنوان (ارفعوا أيديكم عن كليات التربية) اعترض فيه سيادته على الاتجاه الذى يدعو إلى العودة للنظام الذى كان معمولاً به فى الماضى ، وهو أن يتخصص الطلاب فى مجالات متنوعة ، ثم بعد تخرجهم يحصلون على سنة دراسية تربوية قبل الانخراط فى مهنة التدريس . وطبعاً النظام الحالى يقوم على أن يجمع الطالب ، المكرس للتدريس ، بين دراسة تخصصه ودراسة العلوم التربوية . وقد سبق أن نددت أنا شخصياً بذلك ، وقلت أن العلوم التربوية تطغى على علوم التخصص حتى أنها تصل أحياناً إلى 70% منها. وهذا يؤدى إلى تخريج معلم تربوى جداً ، لكنه فى مادته ضعيف جداً ، لأنه لا يجد فى حقيبته العلمية والثقافية سوى مواد تربوية (وهى مواد وسائل تدريس) ولا توجد لديه مواد متخصصة يستطيع أن يعلمها   للتلاميذ . .

ولا شك أن المسألة معقدة . فكيف نطالب بإلغاء كليات التربوية التى بلغ عددها الآن أكثر من عشرين كلية ، مكتظة بالطلاب ، ولها أساتذة وبها موظفون من أجل إصلاح حال المدرس الذى يتخرج منها ؟ لكننا فى الوقت نفسه مضطرون للبحث عن خريج مؤهل للتعليم ، وقد أصبح عملة نادرة . وأستطيع أن أؤكد أن أى مدرس متميز الآن لم تكونه أى كلية تربية ، وإنما هو الذى كون نفسه . والسبب فى غاية البساطة . وهو كما أشرت يتمثل فى غلبة مقررات التربية على مقررات التخصص.

وفى إطار البحث عن حل لمشكلة أو معضلة كليات التربية ، ظهر مصطلحان جديدان هما النظام التكاملى (أى الجمع فى سنوات الكلية بين مقررات التخصص ومقررات التربية) والنظام التتابعى (أى تأجيل مقررات التربية إلى سنة إضافية بعد الانتهاء من الدراسة المتخصصة) وطبعاً أى شخص موجود فى كليات التربية يحق له أن يدافع عن النظام التكاملى ، من أجل بقاء هذه الكليات . التى سبق أن اقترحت أنا شخصياً إلغاءها من أجل تخريج مدرس حقيقى مؤهل لهذه المهنة الأساسية فى بناء المجتمع. لكننى أعود ، ولاعتبارات إنسانية خالصة ، فأقدم حلاً وسطاً ، وهو ضرورة تنقية مناهج كليات التربية من الحشو الذى تمتلئ به ، ومن التزيد المبالغ فيه لصالح المقررات التربوية . وبذلك أطمئن السادة الأساتذة والموظفين فى كليات التربية بأن (الفكرة الثالثة) التى أطرحها هنا تحافظ على مكتسباتهم ولا تمس أى حق من حقوقهم. فقط عليهم أن يسرعوا بإحداث هذا التطوير المنشود . والواقع أن وزارة التعليم العالى جادة فى تطوير هذه الكليات كمقدمة أساسية لتطوير التعليم الجامعى ، وأعلم أنها حصلت من البنك الدولى على دعم مالى لتحقيق هذا الهدف .

كل ما أرجوه هو ألا يتمسك كل منا برأيه ويتصلب فى الدفاع عنه . فالحق أحق أن يتبع . وعندما يظهر الحق فى جانب حتى ولو كان من غيرنا فعلينا أن نسرع بالتمسك به . لكن السحابة التى ما زلت أخشى من وجودها فوق كليات التربية هى أن عدد التربيون فيها يفوق أعداد أصحاب التخصصات، كما أن أصواتهم أعلى من غيرهم . والخشية من أنهم لن يتنازلوا عن مقرراتهم بالسهولة المطلوبة ، ولا برحابة الصدر ، التى تغلب مصلحة المجتمع على مصلحة الأفراد . والله ولى التوفيق.


تنقية المناهج الدراسية


هناك فرق واضح بين المنهج الدراسى والمقرر الدراسى . فالمنهج يعنى الأسلوب أو المخطط ، فى حين يقصد بالمقرر المحتوى أو المضمون . ولكى يتضح الفرق نستعين بمثال . منهج التاريخ للفرقة الأولى مثلاً يعنى دراسة عصر ما قبل الإسلام ، وهذا يتطلب دراسة جزء من تاريخ الدولة الرومانية والدولة الفارسية ثم حالة العرب فى شبه الجزيرة العربية . أما المقرر الدراسى لهذا المنهج فيعنى ملء هذه الخطة العامة بمادة تاريخية مناسبة بحيث تحقق أهدافها .

ومع ذلك يشاع خطأ مصطلح تنقية المناهج الدراسية فى حين أن المقصود بها تنقية المقررات . فالمناهج لا تنقى وإنما يتم تعديلها أو استبدالها بمناهج أخرى .

والسؤال الآن ، والذى بدأ يطرح بشدة على العرب جميعاً هو : هل يقومون بتنقية مناهجهم أى مقرراتهم الدراسية مما هو موجود بها من عداء للغرب ، ودعوة للتعصب ، وحث على العدوانية بدل الحوار تجاه الآخرين ؟ أم يظلون على حالهم حتى تفرض عليهم مناهج أو مقررات جديدة من الغرب ؟

والواقع أن هناك ظلماً كثيراً وتحيزاً أكثر فى طرح هذا السؤال . لأن من يدقق فى مقرراتنا الدراسية لن يجد فيها سوى ما هو متعارف عليه فى كل المجتمعات ، ولدى سائر الشعوب من اعتزاز بالنفس ، وتكريم للقيم والأعراف ، وإشادة بمبادئ الحق والخير . صحيح أن هناك نقصاًَ فى تعليم كيفية الحوار ، وضعفاً فى القدرة على استيعاب الرأى المخالف ، لكن هناك مجتمعات أخرى كثيرة تمتلئ مناهجها أى مقرراتها الدراسية بالأعاجيب ! فهناك الكثير من التعصب فى كتب الغرب الدراسية ، وأيضاً الكثير من الاستعلاء وبث الإحساس بالتميز ، ومعاملة الشعوب الأخرى على أنها أدنى حضارة ، وأقل مستوى ! ! بل أن هناك فى مقررات الغرب الكثير من الأخطاء حول الشرق وعاداته ومعتقداته وأسلوب الحياة فيه .

وفى هذا المجال ، لابد أن نلفت الأنظار إلى ما يتم تدريسه فى إسرائيل ، ومعظم الناس يجهلونه بالطبع ، لكنه يحتوى على الكثير جداً مما يدعون إلى تجنبه لدى العرب ؟ فهل يستقيم الكيل بمكيالين ؟ وهل من العدالة أن نطبق على غيرنا ما لا نطبقه على أنفسنا .

وعلى الرغم من ذلك السؤال (البايخ) الذى يطرحه الغرب علينا والخاص بتعديل المناهج ، فمن واجبنا أن نظل متنبهين لمفردات مقرراتنا الدراسية بحيث نطورها ونحدثها باستمرار ، من أجل أن تكون ملائمة لظروفنا ، وغير متعارضة فى نفس الوقت مع التوجهات العالمية ، باعتبارنا جزءاً لا يتجزأ من العالم ، بل وفى قلب حركته وأحداثه .

وأخيراً يظل المنهج الدراسى والمقرر الدراسى متوقفاً على المدرس الذى يقدمه للتلاميذ ويشاركهم فيه . فإذا كان متفتحاً لم يغلق أمام عقولهم نافذة ، وإذا كان متعصباً أغلق عليهم كل نوافذ الفصل !


تلفزه مجلس الشعب


من الأمور التى كنت أتمنى أن أراها تحدث فى بلادنا مشاهدة جلسات مجلس الشعب على الشاشة الصغيرة . وكان هدفى هو أن أرى رأى العين أداء النواب بعد أن ينجحوا فى الانتخابات : ماذا سيفعلون تحت القبة ؟ وهل فعلاً ما قاموا به من حملات دعائية وجذب للناخبين سوف يترجم إلى عرض مشكلاتهم ، و مناقشة قضايا المجتمع؟ وكان هدفى أيضاً أن أشاهد مدى تفوق بعض أعضاء المجلس فى مقابل تعثر آخرين . . ومع موافقة السيد وزير الإعلام على إذاعة الجلسات فى التلفزيون ، صرت من أكثر المشاهدين متابعة لها ، وانفعالاً بها . . لكنها فى الآونة الأخيرة أصبحت تصيبنى بالكثير من الاكتئاب فضلاً عن الملل والضجر ، والواقع أن ذلك يرجع إلى عدة أسباب ، من أهمها : رؤية معظم مقاعد المجلس خالية إلا من عدد قليل جداً من النواب يجلسون متناثرين ، وبعضهم غير مبالٍ بما يحدث . ومنها : عدم إنصات الأعضاء الحاضرين لمن يتكلم ، بل وترك أماكنهم والتجول فى طرقات المجلس ، وكثيراً ما يقوم واحد منهم ليتحدث مع زميل آخر ، ويستغرقان فى ضحك طويل . ومنها : حالة اللهفة الصعبة التى ترتسم على وجوه بعض النواب وهم يحملون فى أيديهم طلبات لتوقيعها من الوزراء الذين يتصادف وجودهم بالمجلس ، وأتساءل : لماذا لا يخصص المجلس قاعة يلتقى فيها أمثال هؤلاء النواب ، أصحاب الطلبات ، بالوزراء للحصول على التوقيعات دون ظهورهم بهذا الشكل فى التليفزيون . إنهم بذلك يعطون إحساساً للمواطن العادى بأن مقابلة الوزير من رابع المستحيلات ، مع أننى أعلم أن عدداً كبيراً من الوزراء يفتحون مكاتبهم لاستقبال الجمهور والاستماع لشكواه . ومنها : تركيز الكاميرا – وهذا عيب فنى خالص – على نائب يتثاءب أو شبه نائم ، وهو الأمر الذى يجعلنا نحسّ بأن المسألة برمتها لا تستحق . ومنها : حرص بعض النواب على الظهور فى الكاميرا من خلال تعمد جلوسهم خلف الوزراء مباشرة ، أو خلف رئيس مجلس الوزراء نفسه . ومنها : رغبة بعض النواب فى الاستعراض الخطابى ، والذى يصل أحياناً إلى حد الإساءة الشخصية للمسئولين ، وتوجيه كلمات لا تليق بهم. ومنها أخيراً : الإعلان عن موافقة الأعضاء دون اكتمال العدد ، من حيث الشكل الظاهرى على الأقل ، وعدم التأكد حقيقة ممن رفعوا أيديهم بالموافقة من غيرهم .. لهذا كله أرجو وآمل أن يتوقف التليفزيون عن إذاعة جلسات مجلس الشعب ، ويقصرها فقط على الجلسات المهمة التى تناقش قضايا عامة وحقيقية ، وإذا لم يفعل فسوف أتوقف تماماً عن مشاهدتها ! !


تعليم الابتكار


هل يمكن أن نعلم أبناءنا الابتكار ؟ ظل العلماء لفترات طويلة جداً يعتقدون أن الابتكار موهبة ، تقتصر فقط على عدد من الأفراد الذين يظهرون فى أوقات وأماكن محددة ، ويعتمدون فى ذلك على أن الكثير من المبتكرين قد نشأوا فى بيئات تحارب الابتكار ، وتعمل بكل الطرق على خنقه وإخماده . وهذا يعنى أن الإنسان المبتكر ليس نتيجة البيئة التى أوجدته بما فيها من تعليم وتربية وتدريب وإنما هو كالنبتة الصحراوية التى تكبر وتزدهر دون أن يقوم أحد على زراعتها والعناية بها . لكن علماء المنهج إلى جانب علماء النفس والاجتماع ظلوا يبحثون فى جوهر الابتكار ، ويحللون شخصيات المبتكرين عبر العصور، ويدرسون تصريحاتهم حول نزعة الابتكار لديهم ، وكيف نشأت وتطورت حتى نضجت وأثمرت . علماء الاجتماع يؤكدون أن المبتكر ابن بيئته ، وأنه يعبر عن النتيجة النهائية لعدة مقدمات أوجدتها البيئة الاجتماعية التى عاش فيها . أما علماء النفس فيقولون إن الابتكار موهبة فردية خالصة يمكن أن تظهر فى بيئة تشجع على الابتكار ، وتهيئ الظروف المناسبة له ، ويمكن أيضاً أن تنشأ فى بيئة خانقة للابتكار وطاردة له . وقد استفاد علماء المنهج من الفريقين السابقين، واستطاعوا أن يبلورا نظرية خاصة بالابتكار . وهذه النظرية متواضعة فى هدفها . فهى لا تدعى أنها تصنع مبتكرين ، وإنما فقط تساعد على تهيئة الظروف والعوامل الملائمة للابتكار . ومن ذلك مثلاً: تشجيع الإنسان منذ الطفولة على تنمية ملكة الخيال لديه ، إلى جانب ملكة العقل . وأن يترك للأطفال حرية التعبير عن إحساسهم دون خشية من لوم الكبار أو الاستهزاء بهم . ومن ذلك عدم التركيز فى تقويم أداء الطلاب على الحفظ والاستذكار ، وإنما على إبداء وجهة نظرهم فيما تعلموه ، مع فتح الباب واسعاً أمام النقد والاعتراض . ومن ذلك أيضاً احترام وتشجيع كل المبادرات الخاصة التى يقوم بها التلاميذ فى أنشطتهم المختلفة سواء كانت رياضية أو ثقافية أو فنية أو حرفية . . مع التركيز بصفة خاصة على هذه الأخيرة ، وضرورة أن يحرك التلميذ أصابعه ، بدلاً من الاقتصار فقط على تحريك عقله أو ذاكرته . ومن أهم العوامل التى تشجع على وجود الابتكار تزويد التلاميذ بقصص الاختراعات والاكتشافات العلمية والانجازات التكنولوجية ، وإلقاء الضوء على تاريخ حياة أصحابها ، وكيف بدأوا ، وتعبوا حتى كتب لهم الفوز ، وأصبحت أسماؤهم محفورة فى تاريخ العالم كله . تلك بعض الأمثلة . وهناك غيرها لمن يريد أن يمهد الأرض للمبتكرين ، أولئك الذين يصنعون التفوق لأى بلد ويرتبط ظهورهم بتقدم الإنسانية كلها .


ثقافتنا الغذائية


أجمع الأطباء الكبار الذين التقيت بهم - وكنت دائم الحديث معهم عن مبدأ الوقاية الصحية ، وأنه دائماً خير من العلاج – على أن مشكلة المشاكل عند المصريين ترجع إلى عدم الوعى الكافى بنوعية غذائهم . فهم يكثرون من أطعمة لا يحتاج منها الجسم إلا إلى بعض الجرامات ، ويقللون من أغذية أخرى يحتاجها الجسم بكثرة . وما ذلك إلا لعدم الوعى بما يمكن أن نسميه التوازن الغذائى المتكامل . وعندما سألت قيل لى أن الله سبحانه وتعالى قد جعل غذاء الإنسان يتكون من ثلاثة عناصر رئيسية . الأول خاص ببناء الجسم وهو (البروتينات) والثانى مهمته إمداد الجسم بالطاقة وهو ما يطلق عليه مصطلح (الكاربوهيدرات) أما العنصر الثالث فهو للوقاية ويتمثل فى (الفيتامينات والأملاح المعدنية) وبناء على ذلك ، فإن كل عنصر من هذه العناصر ينبغى أن يقدم للجسم بصورة مركزة فى المرحلة التى يحتاجها ، وكذلك فى الوقت الذى يتطلبه . فمثلاً الطفل يحتاج إلى قدر من البروتينات التى تعمل على بناء الجسم أكثر مما يحتاج إلى ذلك الرجل الكبير السن ، وأن عنصر الغذاء الذى يمد الجسم بالطاقة ينبغى أن يعطى لأصحاب المجهودات الأكبر من غيرهم ، أو الذين يتحركون كثيراً . أما عنصر الوقاية فهو لازم للجميع ، وفى كل الأعمار والأحوال .

وبالطبع لا يمكن أن نقول أن وجبات الإنسان ينبغى أن تكون على النحو التالى، ثم نحدد أصنافاً من الأغذية قد لا تتوافر للإنسان العادى ، وهو الإنسان الذى نخاطبه ونهتم به . لكن يكفى أن يدرك هذا الإنسان أن عناصر الغذاء ثلاثة ، وأن كلاً منها يقوم بوظيفة محددة ، ثم نترك له حرية التعامل مع أنواع الأغذية . فمثلاً إذا أكل (فول مدمس) فى الصباح كان عليه أن يدرك أنه قد أخذ كفايته من البروتين (النباتى)، وأنه يحتاج طوال فترة العمل لبعض الكاربوهيدرات ، أى السكريات والنشويات التى تمد الجسم بالطاقة ، وخاصة إذا كان يبذل جهداً عضلياً وحركياً متزايداً . لكن يبقى عليه أن يتناول بعض الخضروات والفاكهة التى تمتلئ بالفيتامينات لدعم مقاومة الجسم ضد ما يمكن أن يتعرض له من أمراض . وقد ثبت مثلاً أن ثمرة الجوافة تحتوى على مقاومة عالية لنزلات البرد أكثر بكثير من البرتقالة أو الليمونة . وتلك حقيقة غذائية غائبة عن معظم الناس . ومن نعمة الله علينا فى مصر أن موسم الجوافة يأتى قبل حلول فصل الشتاء ، فإذا تناول منها الناس كمية معينة أصبحوا محصنين ضد أمراض الشتاء وأهمها الأنفلونزا .

هذه الثقافة الغذائية مطلوب تلقينها لأبنائنا فى المدارس ، ونشرها بين الناس من خلال وسائل الإعلام ، وهى ثقافة ضرورية ، لأنها تتعلق بصحة الجسم ، التى هى شرط أساسى لصحة العقل . كما أنها هى التى سوف تؤدى بالمصريين إلى مزيد من النشاط والحيوية ، كما يمكنها أن تقضى على ما شاع بينهم من ظاهرة البطون المنتفخة ، والكروش المتضخمة .


حال الترجمة الفورية


والترجمة تعنى ببساطة نقل المعنى من لغة إلى لغة أخرى. ومن الواضح أن هذا النقل ينبغى أن تراعى فيه الدقة والوضوح ، وبذلك ينبغى لمن يتصدى لهذه المهمة الصعبة أن يكون متمكناً من اللغة المنقول منها ، وكذلك من اللغة المنقول إليها ، حتى تخرج ترجمته أقرب ما تكون إلى الدقة ، والصحة ، والسلامة .

ومن الطبيعى أن المترجمين يمثلون جماعة مهمة جداً فى كل بلد. فليس من المطلوب أن يتعلم شعب بكامله لغة أجنبية أو عدة لغات لكى يعرف محتواها ، لكن يكفى أن يتخصص عدد من أبنائه فى معرفة تلك اللغات ، وإتقان النقل منها وإليها حتى يحدث التواصل المنشود بين شعوب العالم ، ويتحقق ما دعانا إليه ديننا الحنيف من التعارف بين الأمم ، ولا شك أن اللغة من أهم مفاتيح هذا التعارف .

فإذا ألقينا نظرة على حال الترجمة العربية (من وإلى) اللغات الحية الموجودة حالياً ، لاحظنا أنها ضعيفة جداً ، والسبب فى ذلك أن المتخصصين فى الترجمة لا يخرجون عن ثلاث أصناف : الأول يجيد اللغة الأجنبية ولا يجيد العربية ، والثانى قد يجيد العربية ولا يجيد الأجنبية ، والثالث لا يجيد الاثنين معاً . . أما الصنف الرابع الذى يجيد اللغتين فإنه نادر جداً ، أو غير موجود . أقول هذا من خلال تجربة طويلة مع مترجمين من كل لغات العالم ، وأحزن جداً من هبوط المستوى إلى درجة يصعب معها أحياناً إحداث التواصل بيننا وبين الوفد الأجنبى الذى نتحدث معه . ولا شك أن هذا يؤدى أحياناً إلى خسارتنا بعض الفوائد التى كان من الممكن أن نحصل عليها لو كان التواصل عن طريق الترجمة كاملاً وصحيحاً .

ولعل مشاهدى التليفزيون قد لاحظوا جميعاً ضعف الترجمة فى افتتاح مكتبة الإسكندرية ، هذا الافتتاح الرائع الذى حضره عدد لا بأس به من رؤساء الدول الأجنبية ، وتحدث فيه عدد من ممثلى هذه الدول ، والحائزين على جائزة نوبل ، وكانت الترجمة المصاحبة لهم وهم يتحدثون غاية فى الرداءة ، حيث حصل المترجمون مسبقاً على الأوراق الملقاة ، ولم يستطيعوا أن يصاحبوا المتحدث فى كل عبارة ينطق بها ، وقد تابعنا ما يؤسف له حين راح المترجم أو المترجمة يستكمل بعد انتهاء المتحدث عبارات كاملة من الورقة التى سبق أن حصل عليها .

والخلاصة أن عصر العولمة الذى نتغنى بالدخول فيه يستلزم مزيداً من إعداد أجيال قوية فى مجال الترجمة عموماً ، والترجمة الفورية على نحو خاص ، حتى نستطيع أن نتعامل مع العالم لحظة بلحظة ، وليس بمجرد الابتسامات ، والإيماءات .. والإشارات ! !


جوائز بدون إعلان


أتمنى أن تنشأ فى مصر مثل تلك الجوائز الأدبية والثقافية التى يفاجأ من يستحقها بحصوله عليها دون أن يكون قد قدم لها إنتاجه ، وراح يسعى لكى يحصل عليها دون غيره من المتسابقين . طبعاً يتطلب الأمر تكوين جهاز متخصص فى جنس أدبى معين مثل الشعر أو الرواية أو المسرح ، يتابع من خلال لجنة من النقاد والفاحصين ما ينشر من إنتاج أدبى ، ثم يقوم بتقييمه ، والاتفاق على المتميز منه ، ومفاجأة أصحابه بإعلان أسمائهم وأعمالهم الفائزة فى يوم محدد من العام أو الشهر.. أهم ما فى مثل هذه الجوائز أنها تمنع محترفى الحصول على الجوائز بالحق أو بالباطل من ملاحقة المحكمين ، أو استخدام الواسطة، أو التزلف وإظهار الحاجة والمسكنة لكى يحصلوا على الجائزة حتى ولو لم يكن لهم حق فيها . أذكر أن شاعراً قدم إنتاجه فى إحدى الجوائز الكبرى ، وراح يدور على المحكمين قائلاً لهم إنه مريض بالقلب ، وأن أيامه فى الحياة معدودة ، ومن حقه أن يسعد بالجائزة قبل أن يموت . وقد تأثر الكثيرون بكلامه نظراًَ لكبر سنه ، وعند التصويت أعطوه أصواتهم وهم فى غاية التأثر . وبالفعل حصل صاحبنا على الجائزة ، وما زال حياً يرزق ، بينما توفى العديد ممن خدعهم بتلك الحجة الذليلة !

وقد اقترحت ذات يوم على أخى الأكبر المرحوم إبراهيم الترزى أمين مجمع اللغة العربية أن ينشئ فى المجمع عدة جوائز بدون إعلانات مسبقة : إحداها لأفضل ديوان شعر ، والثانية لأفضل رواية ، والثالثة لأفضل كتاب يتم تحقيقه من التراث العربى ، والرابعة لأفضل مسرحية ، والخامسة لأفضل مجموعة قصص قصيرة . وقلت له : إن مجمع اللغة العربية هو الأجدر بمثل هذا العمل ، بناءً على سمعته الطيبة من ناحية ، وعلى تواجد العديد من العلماء المنصفين فيه من ناحية أخرى ، كما أنه جهاز علمى منظم ، ولا ينبغى أن يقتصر نشاطه فقط على جلسات تبحث فى جذور الألفاظ ، ومدى أحقيتها فى الحياة ! وإذا كان الموت قد احتضن إبراهيم الترزى الذى تحمس كثيراً لهذا الاقتراح ، فإننى أعيد تقديمه مرة أخرى إلى رئيسه الحالى ، العالم الجليل الدكتور شوقى ضيف .

والواقع أن الدولة لم تقصر على الإطلاق فى إنشاء الجوائز الأدبية والعلمية ، وقد زادت قيمتها المادية أخيراً بصورة جيدة ، كما جاءت جائزة مبارك لتكون تتويجاً لجهود بعض الشخصيات المتميزة جداً فى مجالات الأدب والثقافة والعلوم . . وبالطبع يوجد نظام محدد للحصول على تلك الجوائز ، ويتم الترشيح لها من خلال مؤسسات محترمة ، وهى تمنح غالباً لمن يستحقها بالفعل، لكن تبقى الشكوى من المرشحين الذين لم يصادفهم الحظ السعيد . وهنا لابد من تكرار الترشيح أكثر من مرة لعل وعسى . . أما الاقتراح الذى قدمته هنا فهو يقضى تماماً على تلك الشكوى وما يرتبط بها من الحزن والإحباط . . لأن أحداً من المرشحين لا يعرف مسبقاً أنه مرشح. لذلك فإن عدم ظهور اسمه لا يحزنه على الإطلاق . بل إنه يدفعه إلى مزيد من تجويد عمله وتحسينه ، وعليه أن يؤمن بأن الله تعالى لا يضيع أجر من أحسن عملاً .



جمعية أصدقاء الشعب الفلسطينى


فى غمرة الصمت العربى الرهيب أمام ما يجرى على أرض فلسطين ، والممارسات الوحشية التى يقوم بها الجيش الإسرائيلى (البطل) ضد الشيوخ والنساء والأطفال ، مستخدماً الصواريخ من البحر، والقنابل من الجو ، والمدافع من الدبابات ضد شعب أعزل ، لا يملك ما يدافع به عن نفسه سوى الأحجار فى أيدى الصبية ، أو أرواحه التى يجود بها تعبيراً عن رفض الظلم ، وإدانة الاحتلال .

وفى غمرة الصمت الدولى الذى خرست برلماناته وجمعيات حقوق الإنسان فيه عن إدانة الظلم ، ومساندة الشعب المعتدى عليه ، ولم يحدث ذلك مع الأسف سوى مجاملة للولايات المتحدة الأمريكية ، التى أعلنت نفسها الراعى الرسمى لعملية السلام فى الشرق الأوسط ، فمنعت أى طرف آخر أن يتدخل ، وتركت عمليات القمع والذبح والهدم والتشريد تجرى فى فلسطين .

فى غمرة هذا الصمت المضاعف ، أتساءل بكل جدية : لماذا لا تتكون فى كل بلد عربى ، أو أجنبى (جمعية أصدقاء الشعب الفلسطينى) تكون أقل مهماتها التعاطف مع مأساة هذا الشعب الذى يكاد يكون هو الشعب الوحيد المحتلة أرضه فى العالم كله، العالم المعاصر الذى وصل إلى التعاطف ليس فقط مع البشر ، وإنما مع الحيوانات ، والنبات ، والجماد . . هذه الجمعية فى تصورى يمكن أن تنشأ بسهولة ، وأن تجمع حولها كل الشرفاء الذين يرون الحق حقاً ويقفون إلى جواره ، ويرون الباطل باطلاً ويتبرأون منه.

هذه الجمعية التى ينبغى أن تتواصل فروعها فى مختلف أنحاء العالم ، وأن تقيم من وقت لآخر مؤتمراً تستعرض فيه أحوال الشعب الفلسطينى ، وتقدم رؤيتها الخالية من أى تعصب أو انحياز أو مصالح سياسية أو اقتصادية لحل عادل وشامل يعيد الحق إلى نصابه ، ويرفع عن أبناء هذا الشعب ذلك الكابوس الجاثم على صدره ، وهو يئن ويتلوى ويصرخ ولا من مجيب !

فى غمرة الصمت الذى يسود جامعة الدول العربية ، والجمعية العامة للأمم المتحدة وسائر منظماتها ، وكذلك منظمات المجتمع المدنى التى أكلت القطة لسانها – كما يقول التعبير الغربى – ولم نعد نسمع عن أى منها أية إدانة ، أو أى استنكار ، والجميع يرى يومياً على شاشات التليفزيون أبشع مظاهر العسف والتنكيل .

دعوة جادة إلى قيام (جمعية أصدقاء الشعب الفلسطينى) استجابة لضمير العالم الحر ، وحفاظاً على ما حققه الإنسان المتحضر فوق هذه الأرض من إنجازات.


حجز الجثمان


سبق أن كتبت فى هذا المكان عن مأساة حجز جثمان المتوفى الذى تقوم به المستشفيات الاستثمارية فى حالة عدم دفع أهله باقى فاتورة المستشفى . والمسألة محرجة بالفعل . لأن المستشفى تعلم علم اليقين أنه بمجرد خروج الجثمان من ثلاجة المستشفى لن تجد من أهل المتوفى من يتولى دفع مستحقاتها . وأهل المتوفى أنفسهم بمجرد استلام راحلهم الكريم لن يكلفوا أنفسهم عبء سداد الفواتير . وطبعاً المشكلة هنا لها بداية . وبدايتها تتمثل بصراحة فى توجه مريض غير قادر مالياً إلى مستشفى استثمارى (أى يهدف إلى الربح من خلال علاج مرضاه) ، يظل يعالج فيه حتى الموت. طبعاً الأعمار بيد الله ، وكل مريض يتوقع ويأمل الشفاء ، وأن يخرج من المستشفى ماشياً على قدميه ، لكنه فى أغلب الأحوال ، يخرج محمولاً على الأعناق ! ولو أن كل إنسان ذهب للمستشفى التى تناسب حالته المادية ، بما فيها المستشفى المجانى ، لما حدثت أى مشكلة . لكننا فى مصر لا نحترم القوانين ، ونسعى دائماً للتحايل على الأنظمة واللوائح .

لقد سبق أن اقترحت إنشاء صندوق خيرى لمثل هذه الحالات التى يتوفى فيها شخص فى مستشفى استثمارى ويثبت أن أهله غير قادرين على دفع تكاليف علاجه . كما يمكن أن أقترح على أى مستشفى استثمارى بأن يتخذ الضمانات الكافية لحماية حقوقه المالية ، بأن يشترط على المريض قبل علاجه دفع مبلغ تحت حساب الوفاة ! ! وهذا اقتراح ساخر لكنه واقعى .

ويبقى أن نناشد أهل المريض ألا يذهبوا إلى مستشفى استثمارى (من أولها) ، لكى لا يقعوا فى هذا المحظور المحرج جداً ، والذى يتمثل فى حجز الجثة حتى يتم الدفع !

أما أنا شخصياً فأقول لأهلى إذا حدث مثل هذا الموقف أن يتركوا جثتى فى المستشفى ، عقاباً لها على فشلها فى العلاج الذى انتهى إلى الوفاة ، وإراحة لهم من البهدلة فى أقسام الحسابات التى تكون دائماً غاية فى التجهم والرذالة بالمستشفيات الاستثمارية .

إن هذا الاقتراح الشخصى الأخير – فى رأيى – هو الذى يقضى على المشكلة، فماذا ستفعل المستشفى فى الجثة ؟ سوف تضطر إلى حفظها فى ثلاجة الموتى ، وهذا أفضل من وضعها فى مقابر ترابية ، تحرقها الشمس ، وربما يكون بعض الأحياء فى حاجة إليها .

ما الذى يدفعنى إلى ذلك ؟ ما حدث للفنان الساخر أبولمعة الذى سبق أن أضحك مصر كلها من خلال البرنامج الإذاعى الكوميدى (ساعة لقلبك) . . وقد قابلته ذات مرة على شاطئ الإسكندرية ، وكان بيده آيس كريم ، فسألته مع أصدقائى عن آخر نكتة ، ففكر لحظة ثم قال : والله ما أنا فاكر . . لأن النهارده حر قوى . حتى الآيس كريم التى اشتريته طلع ساخن ! رحمه الله ، وفرج كربته فى القبر ، بعد أن أفرجت المستشفى - بعد فضيحة - عن جثمانه !


حقوق المشاة


كثرت أعداد السيارات فى المدن كثرة هائلة ، ساعدت عليها عوامل متعددة منها ارتفاع القدرة الشرائية لدى الطبقة المتوسطة فى المجتمع ، وإنشاء الطرق الجديدة ، وسفلتة الطرق القديمة ، كما أننا لا ينبغى أن نغفل عن دور الإغراءات التى تقدمها شركات السيارات للمشترى ، والغزو الآسيوى للسوق بسيارات جميلة المنظر، ورخيصة الثمن . وهكذا اكتظت المدن المصرية بالسيارات ، وخاصة العاصمة التى لا تكاد توجد فيها " حارة سد " إلا وهى مليئة بالسيارات المركونة. وقد اعترف لى أحد خبراء المرور بأن المشكلة لم تعد فقط صعبة الحل، بل مستحيلة ، لأن الشوارع نفسها تحولت إلى جراجات . والواقع أن هذا الأمر لا يختص بالقاهرة فحسب ، بل إننا نجده فى باريس وروما ولندن . . لكن يبقى أن المشاة ، الذين لا يستخدمون السيارات ، يظل من حقهم أن يسيروا فوق رصيف مخصص لهم ، أو يتجولوا فى أماكن لا تدخلها السيارات . وقد شاهدت فى بعض مدن العالم نماذج لذلك ، فعندما يجدون أن منطقة ما تزدحم بالمشاة يقومون على الفور بإعادة تخطيطها من أجل المشاة فقط ، بحيث يحظر على السيارات الدخول إليها ، أو العبور فيها . وقد قامت إدارة مرور القاهرة مشكورة بشئ من ذلك فى منطقة الألفى ، وشارع الشواربى ، لكنها لم تفعل ذلك بعد فى شارع السكة الجديدة أو الموسكى مثلاً . وبجوار مسجد الحسين شوارع ضيقة تسير فيها السيارات على هواها فتزعج المارة ، ومنهم سائحون يحتاجون إلى قدر من الهدوء لكى يتأملوا الأماكن والمحلات ، ويشتروا من البضائع المعروضة .

وهناك بضع أصحاب العمارات قد تجردوا من مراعاة مشاعر الآخرين ، فجهزوا مداخل عماراتهم بحيث تصبح ممرات سهلة لسياراتهم ، وتسببوا بذلك فى تقطيع رصيف الشارع تقطيعاً يؤذى المشاة ، الذين يضطرون إلى النزول إلى نهر الشارع ، فيعرضون حياتهم للخطر !

أما الشكر كل الشكر فهو لكل من محافظتى القاهرة والجيزة التى أزالت من فوق كورنيش النيل ما كان يعوق حركة السير عليه ، فجعلت منه ممشى للناس ، وخاصة أولئك الذين يرغبون فى تحسين صحتهم ، والتخلص من مشاكل الدهون ، ومتاعب القلب .

وهكذا نظل فى حاجة مستمرة لتخصيص أماكن محددة للمشاة ، سواء فى الطرق ، أو على شواطئ النيل الخالد ، وكذلك على شواطئ البحار التى تحيط بمصرنا الغالية . أما أن نمد الطرق فقط للسيارات والباصات والشاحنات دون اعتبار للمشاة فهذا ما ينبغى على مهندسى الطرق ، ومنظرى التخطيط العمرانى

. وهم كثير عندنا – أن يتجنبوه ، من أجل بيئة يتقاسم فيها الحقوق كل من راكب السيارة ، والماشى على قدميه .


حقيبـة المدرسـة


أذكر أننى من التلاميذ الذين كانوا يحملون كتبهم إلى المدرسة فى مخلاة! وأشرحها لتلاميذ اليوم فأقول إنها عبارة عن كيس من القماش المتين ، يشبه قماش الستائر ، وتمتد منه حمالتان لكى يسهل على التلميذ تعليقها فى كتفه . . وكانت المخلاة لا تقتصر فقط على حمل الكتب والكراسات والأقلام والممحاة ، بل إنها كانت تتسع أيضاً لوضع طعامى الإفطار والغذاء جنباً إلى جنب مع أدوات العلم ووسائله . .

المهم فى الموضوع أن الجدول الدراسى بالمدرسة كان منضبطاً إلى حد كبير ، فمن الثابت أنه فى يوم السبت مثلاً توجد الحصص التى تتطلب كتباً معينة ، وفى يوم الأحد كتب أخرى . وهكذا لم نكن نحمل فى المخلاة إلا الكتب المقرر دراستها فى نفس اليوم . وبالطبع كان هناك عقاب مدرسى للتلميذ الذى لا يحضر معه كتب اليوم   المحدد . .

ثم دار الزمن ، وتطورت المدرسة كثيراً ، وحلّ محل المخلاة : حقيبة بلاستيكية أو جلدية فخمة الصنع ، وطبعاً غالية الثمن ، وفيها أصبح مطلوباً من التلميذ أن يحمل -رائحاً وغادياً من المدرسة- " كل " الكتب والكراسات والأدوات بدون استثناء. لماذا ؟ لأن الجدول المدرسى غير منضبط ، فمن الممكن أن تكون هناك حصة عربى يتم إلغاؤها وتحل محلها حصة رياضيات ، ولذلك أصبح يقال للتلميذ : ضع كل كتبك فى حقيبتك حتى تكون دائماً على أهبة الاستعداد لإخراج أى كتاب يطلب منك فى   حصة مفاجئة ! !

بالطبع ثقلت حقيبة المدرسة على أكتاف التلاميذ ، وأصبحت تمثل عبئاً يمكنه أن يؤذى فقرات ظهورهم ، ويسبب لهم آلاماً فى الغضاريف، وصار التلاميذ ، الذين كانوا يسرعون خفافاً إلى المدرسة ، يسيرون إليها متثاقلين متباطئين ، ويخرجون منها متهالكين ومنهكين..

كان الله فى عون تلاميذ اليوم ! فعليهم أن يحملوا " أسفاراً " ضخمة ، وأن يحفظوا معلومات ومعلومات . . ومطلوب منهم فى الامتحان أن يعيدوا - بدون تفكير - ترديد  ما حفظوه ، حتى يحصلوا على أعلى المجاميع ، ويدخلوا ما يسمى بكليات القمة . ولاحظوا معى : كيف يصعد هذا التلميذ ، الذى أثقلته حقيبة المدرسة ، إلى القمة ؟ !


رش الشوارع


يقال فى الأمثال المصرية أن رش الماء عداوة . والمقصود رشّه على شخص ، مع أننى لا أعرف تماماً لماذا يكون هذا الفعل عداوة ، مع أنه فى الصيف بصفة خاصة يمكن أن يخفف من حرارة الجسم ، ويرطب البدن ؟ المهم ليس هذا هو الموضوع ، وإنما الذى ألاحظه هو قيام أصحاب المقاهى ، والمحلات وأحياناً أصحاب البيوت برش الماء فى الشوارع التى أمامهم ، وبالطبع هم يهدفون بذلك إلى أمرين : أولاً ترطيب المكان وخاصة فى الصيف ، وثانياً إخماد التراب حتى لا تثيره الأرجل العابرة . . وبالطبع كلنا يشاهد ( الخراطيم ) التى تستخدم فى هذا العمل ، وكمية المياه – المقتطعة من مياه الشرب – اللازمة لذلك .

من المؤكد أن الذين يقومون بهذا العمل ( الأهوج ) لا يدركون مدى حاجة المجتمع إلى كل قطرة ماء ، ولا يستشعرون حجم الخطر الذى تتوقعه المنطقة العربية كلها فى السنوات المقبلة من قلة موارد المياه ، وارتفاع ثمنها ، حتى يقال إنها سوف تعادل سعر البترول ، بل إنها قد تعلو عليه !

إن الماء هو الحياة . وبالتالى فإن الحفاظ على الماء يعد حفاظاً على الحياة ، وصيانة لها . لذلك ينبغى – وعلى الفور – أن يمارس السادة المحافظون سلطاتهم فى منع هذا التبذير فى مياه الشرب ، الذى يلقى فى الشوارع بدون حساب ، وكل الغرض منه أن يرطب الجو أمام الجالسين على المقاهى ، أو يمنع التراب المتناثر . وأقول لنفسى : بدلاً من أن يكرر هؤلاء رش المناطق التى أمامهم فى الشارع يمكنهم أن يقوموا بإزالة التراب منه ، أو يعملوا على رصفه بالتعاون مع بعضهم البعض ، خاصة ، فى حالة عجز البلدية ، وبذلك فإنهم يساهمون فى نظافة البيئة المحيطة بهم ، وتنقية الهواء الذى يتنفسونه . .

وإنه فعلاً لأمر عجيب . أن يترك الناس التراب يتراكم فى شوارعهم ، ويظلون – بدون نهاية يقومون برشّه ، ويذكرنى ذلك بأسطورة تسمى أسطورة سيزيف . وفيها حكمت آلهة الإغريق القديمة على سيزيف الإنسان عقاباً له على إفشاء الأسرار بأن يحمل صخرة على كتفيه ، ويصعد بها تلاً ، فإذا وصل إلى قمته ، نزل من الناحية الأخرى، ويظل يكرر الصعود والهبوط بدون نهاية . .

وهكذا يبدو لى رشاشو الشوارع بالماء ، الذى عالجته الدولة لكى نشربه، والفارق الوحيد بينهم وبين سيزيف أنهم هم الذين أنزلوا هذا العقاب بأنفسهم . . بعد أن تركوا الأتربة تملأ الشوارع التى أمام ممتلكاتهم ، ثم راحوا يرشونها بالماء كل يوم !


روائع القاهرة


· الذى لم يشاهد (مبنى) عمر أفندى فى شارع الجمهورية محروم من رؤية تحفة معمارية رائعة الحسن، لا تتكرر كثيراً فى بلادنا . رجاء.. ضعوا هذا المبنى فى قائمة الآثار ، واحفظوه مما حوله من منغصات.

· مبنى المحكمة الدستورية العليا الذى أنشئ على النيل فى طريق المعادى هو الآخر تحفة معمارية رائعة يستحق عليها المصمم والمنفذ كل التقدير ، ولهما منا كل الإعجاب.

· مبنى دار القضاء الإدارى ، وخاصة بعد توسيع شارع فؤاد أصبح يرى من بعيد .. فقط يحتاج عنوانه إلى أن يكتب بلون ذهبى حتى يلمع ويتألق . القضاء دائماً يستحق الكثير !

· كوبرى 6 أكتوبر أصبح شرياناً رئيسياً للمواصلات فى القاهرة ، لقد امتد إلى مناطق كثيرة ، وأصبح معبراً مباشراً للطريق الصحراوى والزراعى أيضاً ، ولأماكن أخرى كثيرة . . شكراً لمن فكر فيه ، ولمن تابعه بهذا الجهد الواضح.

· أقترح على محافظ القاهرة أن يقيم سوراً يحجب المقابر عن السائرين فى شارع صلاح سالم . . هذا السور ستكون له فائدتان: يوفر إعلانات للمحافظة، ويترك موتانا فى هدوء !

· سبيل أم عباس . . هل تعرفونه ؟ إنه فى أحد الشوارع المؤدية إلى القلعة ، أنشأته تلك السيدة الفاضلة لكى يشرب منه العطشى ماء بارداً ومعطراً ، وخاصة فى أيام الحر . أرجو أن يحظى هو وأمثاله بمزيد من الاهتمام ، وإعادة تذهيب واجهته ، فهو من معالم حضارتنا التى نفخر بها.

· تثمال عبدالمنعم رياض عمل وطنى مشرف ، أتمنى أن يرتفع فى ميدان التحرير تمثال آخر. وإذا كان هناك خلاف ، فإننى أقترح نقل مسلة مصرية إلى هذا المكان الذى لا ينزل سائح فى مصر . . إلا ويمر عليه.

· قبة جامعة القاهرة تحتاج إلى ما تم فى قبة القلعة . . أن يتم طلاؤها باللون الفضى الذى تنعكس عليه الشمس ، فتبعث بأشعتها فى كل مكان ، كما تفعل الجامعة من خلال معاملها ومدرجاتها . .

· لا ينبغى أن نتضايق من شوارعنا الضيقة . فى إيطاليا شوارع أضيق منها . لكن الفارق الوحيد أنها نظيفة . . والمرور بها فى اتجاه واحد .

· أتمنى أن يأتى اليوم الذى أشاهد فيه النيل من أوله إلى آخره مبطناً بالحجارة والأسمنت من الجانبيْن ، حتى لا نفقد منه قطرة ماء واحدة. . وأيضاً حتى يبدو فى صورة حضارية يستحقها بالفعل !





سر تقدم الأمم

قال أحدنا : المشكلة تتمثل فى ضرورة امتلاك قوة عسكرية هائلة، تردع من تسول له نفسه الاعتداء علينا ، أو المساس بحقوقنا ، وبالتالى حقوق أصدقائنا . وهنا رد الثانى قائلاً : طيب ، وكيف تنظر إلى حالة روسيا الآن ، فإن لديها مخزوناً من السلاح يكفى لتدمير العالم كله ، وليس فقط تدمير من يعاديها ؟ لكنها على الرغم من ذلك السلاح تكاد تفتقد أى تأثير ، ولا قدرة لها على تحريك السياسة الدولية . وبهدوء تدخل الثالث قائلاً : يا جماعة ليست القوة العسكرية هى كل شئ وإنما القوة الاقتصادية هى التى تفرض الاحترام على الجميع ، وليس من الخطأ أبداً المثل المصرى الذى يقول " اللى معاه جنيه يساوى جنيه " وعاد الأول يقول : لكن القوة الاقتصادية وحدها لا تكفى، فهى تجعل أى بلد يمتلكها وحدها مسلوب الإرادة السياسية ، ولدينا اليابان وألمانيا ، كل منهما قوة اقتصادية هائلة ، لكن لا يوجد لها أيضاً أى تأثير فى السياسة الدولية ، وأقصد بالتأثير هنا المبادرة لتحقيق فكرة ، أو تنفيذ رؤية معينة . وكان رابعنا يجلس غير مهتم بما نتحدث فيه ، فسألناه عن رأيه فقال : إنكم تنظرون إلى عوامل القوة من منظور ضيق ، فالقوة لها وجوه كثيرة ، منها القوة العسكرية ، ومنها القوة الاقتصادية ، لكن إلى جانب ذلك توجد قوة العلاقات التى تستطيع الدولة أن تقيمها مع أكبر عدد ممكن من دول العالم ، وبذلك تضمن تواجدها عند اتخاذ القرارات المصيرية ، أو حتى المشاركة فيها . وخذوا مثالاً على ذلك أسبانيا . . فهى دولة متواضعة فى داخل أوربا ، ولكنها ناجحة جداً فى إرساء علاقات ثابتة ومتطورة مع سائر دول العالم ، ونادراً ما يحدث تجاهلها. وظهر لنا بالفعل صواب هذا الرأى ، لكننا عدنا نتساءل بدهشة عما جرى ويجرى لروسيا التى كان العالم يتوقع أن تظل محافظة على التوازن العالمى ، الذى يعتمد على تعدد الأقطاب ، أى ضرورة تواجد قوتين ، أو أكثر لكى لا تنفرد قوة واحدة بالعالم ، وبالتالى يتحول الخطأ الواحد منها إلى كارثة.

الواقع أن روسيا معذورة ، فقد ورثت تركة مثقلة بالأخطاء الفادحة والفاحشة عن الاتحاد السوفيتى . ويكفى أن نشير هنا إلى كبت الحريات ، وشيوع الرشوة ، وهما عيبان ظلا ينخران فى بنيان الاتحاد السوفيتى حتى تهاوت قوائمه ، ولم يعد فيما يبدو قادراً على النهوض ، فضلاً عن ملاحقة العالم الغربى الذى كان يرتعش منه.

أما الصين فقد تعلمت الدرس جيداً . فهى تعمل على النهوض باقتصادها بينما تحافظ فى نفس الوقت على قوتها العسكرية التى لا يستهان بها . ولأننا لا نعرف جيداً ما يحدث فيها من الداخل ، نظراً لندرة المعلومات عن المجتمع الصينى ! فإننا نتوقع أن الرشوة على الأقل ليست واسعة الانتشار كما كانت عليه فى الاتحاد السوفيتى . .

قال أحدنا : أن الوعى بهذه الأمور ينبغى أن نغرسه لدى الأجيال الناشئة ، حتى يكونوا قادرين على تمييز الأمور ، وإصدار الحكم الصائب فيها . لكن الآخر رد عليه متسائلاً : وفى أى مادة دراسية يمكن أن تضع ذلك. أجابه الثالث على الفور: فى مادة جديدة نطلق عليها : " سر تقدم الأمم " ! !


رياضة الممارسة والمشاهدة


الرياضة ضرورة لكل الأعمار فى المجتمع ، والأصل فيها أن تجرى ممارستها يومياً بدءاً من المشى ، وانتهاء بالألعاب العنيفة والمعقدة . ولكى يحدث هذا لابد أن تتوافر المساحات والساحات الرياضية التى تتيح لكل من الأفراد والفرق أن تمارس أنشطتها المتنوعة . وقد شهدت محافظتا القاهرة والجيزة أخيراً شيئاً من ذلك على كورنيش النيل ، حيث أصبح يسمح لهواة المشى ممارسة تلك الرياضة الرائعة دون عوائق ، مع الاستمتاع بمنظر النيل الخالد . وهناك بعض النوادى راحت تقيم هى الأخرى حول المساحات الخضراء بها ممشى (تراك) يرتاده الناس من جميع الأعمار ، ويضم الأصحاء إلى جانب المرضى الذين يوصيهم الأطباء برياضة المشى من أجل تحسين مستوى قلوبهم ، واعتدال الدورة الدموية فى داخل أجسامهم . والواقع أن جسم الإنسان يحتاج إلى قدر من الحركة فى كل يوم . بل إن عقله أيضاً بحاجة إلى هذا القدر لكى يستريح من ناحية ، ويجدد نشاطه من ناحية أخرى.

أما موظفو المكاتب فهم أحوج الناس إلى ذلك القدر من الرياضة اليومية ، وبدونه فإن أجسامهم تتضخم ، وظهورهم تنحنى وتعوج ، ونفسياتهم تسوء مع تكرار الروتين اليومى ، وبالطبع ينعكس ذلك كله على معاملاتهم مع الجمهور .

ومما يؤسف له أن رياضة الممارسة قليلة جداً عندنا ، وما زال الناس ينظرون إليها بإهمال ، ولا يحسون بقيمتها إلا عندما يتلقون إنذاراً من الطبيب !

لكن النوع الآخر من الرياضة ، وهو رياضة المشاهدة فإنه يكاد يعم المجتمع كله . لأنه سهل ، ولا يكلف الإنسان شيئاً . لأنه يمارسه جالساً أو متمدداً ، ويتابعه وهو يشرب أو يأكل أو يقزقز اللب . .

وقد يكون لرياضة المشاهدة بعض المزايا مثل التسلية ، أو قضاء وقت فراغ بدون ملل ، أو المشاركة فى جلسة ودية مع الأهل والأصدقاء ، لكنه يحتوى أيضاً على بعض العيوب ، ومن أهمها أن الإنسان يستغنى عن تحريك عضلاته بما يراه من تحريك اللاعبين لعضلاتهم ، وفى هذا نوع من التعويض النفسى يشبه إحساس الجائع عندما يشاهد إنساناً يلتهم الطعام ، أو العاشق المحروم عندما يرى حبيبيْن يتناجيان .

أما العيب الآخر والأهم فهو ارتباط الإنسان المشاهد للرياضة بفريق معين ، وتشجيعه الأعمى له ، وفرحته الغامرة بانتصاره ، وحزنه المأساوى على خسارته . وهنا تتحول رياضة المشاهدة إلى مصدر للنكد والكآبة وتحميل الإنسان نفسه بما لا يطيق . ويؤسفنى جداً أن ألتقى بالعديد من الأصدقاء ، الذين أعتبرهم عقلاء ، وهم فى غاية الحزن والانكسار بسبب هزيمة الفريق الذى يشجعونه ، مع أن هؤلاء المساكين ليس لهم دخل على الإطلاق فى هزيمته .

لذلك فإننى أهيب برياضيى المشاهدة أن يترفقوا بأنفسهم ، وأن يمارسوا أى نوع من الرياضة ، بدلاً من البكاء على تعثر الرياضيين الحقيقيين فى الملاعب !


شركات للصيانة والنظافة


لابد من الاعتراف أن مصر تشهد فى الوقت الحاضر حركة تنمية شاملة على مختلف المستويات . ولولا أن الإعلام التسجيلى  ضعيف عندنا لاستطاع المصريون أن يقفوا على مدى التطور والتطوير الذى لحق بالعديد من مجالات الإنتاج والخدمات والتعمير . ولا شك أن حركة التنمية ما كان لها أن تبدأ وتستمر لولا جهود كبيرة بذلت من أجل تحقيق الاستقرار الداخلى ، واكبتها فى نفس الوقت سياسة خارجية نجحت فى إزالة التوترات وإنشاء علاقات متوازنة مع سائر الدول العربية والأجنبية..

جرى هذا الحديث فى حوار هادئ وموضوعى مع أحد العقلاء فى مصر ، لكننا ما لبثنا أن تطرقنا إلى السلبيات . ومن المعلوم أن أى عمل إنسانى لا يخلو منها . لكن المهم هو أن يتنبه المجتمع إليها ، ويقوم على الفور بتصحيحها . وقد توقفنا عند نقطتين هامتين وجدنا فيهما السبب القريب والمباشر لمعظم ما فى حركة التنمية المصرية من سلبيات ، وهما الصيانة والنظافة . وعلى الرغم من أن لكل منهما مجاله الخاص ، إلا أنهما يتوازيان بل إنها يلتقيان وتكادان فى بعض الأحيان تمتزجان إحداهما بالأخرى.

قال صاحبى العاقل : لم يعد الأمر محتملاً أن يترك أمر الصيانة وكذلك النظافة للاحتراف الفردى ، بمعنى أن يظل الميكانيكى أو السباك أو النقاش شخصاً يأخذ أصول المهنة ممن قبله بمجرد المحاكاة والتقليد ، وإنما لابد أن يجرى إعداده بالدراسة والتدريب . وبالطبع لا يتم ذلك إلا من خلال مؤسسات أو شركات تقوم باستقطاب الشباب المهيأ لتلك الحرف، والراغب فيها ، ثم تعلمهم وتدربهم ، وتواصل إعطاء دورات متخصصة لهم ، فى الداخل والخارج ، بهدف تكوين كوادر جيدة منهم على القيام بتلك الأعمال . وأتصور أن يأتى اليوم الذى تتولى فيه شركة متخصصة بناء عقار ما ، ثم تأتى شركة أخرى لإنجاز أعمال الصرف الصحى به ، وشركة ثالثة للكهرباء ، ورابعة للسلالم والمصاعد ، وهكذا تكون كل شركة مسئولة مسئولية كاملة، وبالطبع متواصلة عن الجانب الذى أنجزته . ثم تأتى شركة أخرى بعد ذلك للقيام بأعمال النظافة وما يتعلق بها من متابعة سلامة خزانات مياه الشرب ، وخلافه . .

قلت لصاحبى : لكن ألا ترى أن تعدد هذه الشركات قد تلقى بأعباء كبيرة على من يرغب فى بناء عمارة أو منشأة ؟ أجاب بسرعة : على العكس ، إنه سيوفر له أكثر مما يتوقع ، فهو حالياً مبعثر بين عمال حرفيين يختفون من أمامه بمجرد انتهاء عملهم ، وحينما تظهر مشكلة ، وهى كثيراً ما تظهر ، فإنه يستعين بعمال آخرين. أما الشركة المسئولة فسوف تظل مسئولة عن عملها . ويكون ذلك منصوصاً عليه فى العقد المبرم معها .

ثم قال لى : هل يرضيك أن ترى العمارة قد ارتفعت أدوارها للسماء، ثم أخذت بقع المراحيض تنشع فى جوانبها ؟ وهل يرضيك أن تجد العمارة بها ثلاثة أو أربعة أسانسيرات وكلها معطلة ؟ وهل يرضيك أن تصنع السلالم من الرخام ثم تمتلئ بالقمامة التى لا يرفعها أحد ؟ وهل يرضيك أن تسمع أن خزانات المياه فى أعلى العمارة تكتشف فيها من وقت لآخر قطة ميتة أو فأر ؟

أجبت بهدوء : طبعاً لا يرضينى .


شبابنا والمشروعات الصغيرة


قال لى وهو فى غاية الحزن : لقد فقدت الأمل تماماً فى الحصول على وظيفة حكومية. قلت له : أمامك المشروعات الخاصة ؟ قال ومن أين لى بالخبرة ورأس المال ؟ قلت : تبدأ من البداية . التحق بأى عمل عند شخص لديه مشروع صغير . قال : أقوم بذلك وأنا معى شهادة جامعية محترمة ! قلت : فلتكن الشهادة دافعاً لك لكى تتقن عملك الجديد، أياً كان نوعه ومكافأته ! قال : ولماذا إذن أنفقت كل تلك السنوات فى التعليم ؟ قلت : كانت الحكومة فى الماضى تتكفل بتعيين جميع الخريجين، والآن لم تعد هناك أماكن إلا للعشرين الأوائل فقط فى كل عام . قال : يعنى أنا من ذوى الحظوظ السيئة الذين جاءوا فى الزمن الردئ . قلت له : أبداً والله ، فلعل عدم حصولك على وظيفة حكومية بمرتب شبه ثابت ، وعلاوة هزيلة للغاية – يكون أفضل بكثير ، عندما تتجه للأعمال الحرة والمشروعات الخاصة . قال : يعنى هل ترضى لى أن أكون صبى نجار ، أو صبى ميكانيكى أو موصل طلبات للمنازل ؟ ! قلت له : وما عيب هذه المهن ؟ المشكلة عندنا أن بعض العادات السيئة قد استقرت منذ زمن طويل، ولم تجد من يتصدى لها بجرأة لكى يهاجمها وبالتالى يسقطها من عرشها . ومن ذلك فكرة أن العمل اليدوى أقل مكانة وقيمة من العمل المكتبى أو الذهنى ، وكذلك فكرة أن بعض الأعمال أشرف من غيرها ، وبعضها الآخر أهون من بعضها ، مع أن المجتمعات المتقدمة فى العالم لم تصل إلى ما وصلت إليه إلا عندما أسقطت هاتين الفكرتين تماماً ، وأصبح الذى يقوم بعمل ، أى عمل ، سواء كان ذهنياً أو يدوياً، يستحق الاحترام ، وذلك فى المقابل من العاطل عن العمل تماماً . وفى الغرب كله ، لا يوجد إنسان يعمل عملاً محترماً ، وآخر يعمل عملاً حقيراً ، لأن تلك الأوصاف لا ينبغى أن تقال على أى عمل. فالذى يكنس الشوارع ، أو يجمع القمامة، أو ينظف زجاج العمارات يحظى بنفس الاحترام الذى يحظى به الأستاذ فى الجامعة ، والمدير فى المؤسسة ، والمحامى فى المحكمة . وهكذا فإن العمل مهما كانت طبيعته شرف للإنسان ، لأنه يجعله مساهماً فى المجتمع ، وقادراً على إعالة نفسه وأسرته ، حتى لا يمد يده للآخرين .

قال الشاب بانكسار : لكن هل تعتقد أن المشروعات الصغيرة بحالة جيدة ؟ أن الكثير منها متعثر ، وبعضها يموت دون أن يجد أى دعم ممن حوله ! قلت له : أنا معك فى ذلك . ومن حق المشروعات الصغيرة أن تكون موضع عناية الحكومة ، وأن تجد المكان والمكانة اللائقة بها فى الحياة الاقتصادية ، ويكفى أن أشير إلى أن الجزء الأكبر من المنتجات الصناعية فى الصين من عمل المشروعات الصغيرة ، ولا أقصد أن يقام لأصحابها (شادر) يضم ما ينتجونه إلى جوار ما تنتجه المشروعات الكبرى ، وإنما أن تتاح لهم فرصة التوريد لمختلف المحلات ، مع فتح نافذة أمامهم للتصدير إلى الخارج ، إلى جانب معاملتهم معاملة ضريبية رحيمة !


شبابنا والثقافة العالمية


تلعب الثقافة دوراً هاماً فى تشكيل أسلوب حياة الأفراد والمجتمعات . وهى ترسخ فى الإنسان التصورات والأفكار والمعتقدات التى على أساسها يتصرف ، ومن خلالها يتعامل مع الآخرين . وقد ثبت أن الثقافة عملية تبادلية بين الفرد والمجتمع ، فكل منهما يأخذ من الآخر ويعطى له . وإذا كان كل مجتمع قد كون لنفسه ثقافة محلية خاصة به ، فإن هناك ثقافة عالمية تأتى إليه من الخارج ، وتصبح بالضرورة جزءاً من الثقافة المحلية . ومن الملاحظ أن هذه الثقافة العالمية قد تزايدت خلال السنوات القليلة الماضية بصورة لم يحدث لها مثيل من قبل ، وذلك بفضل وسائل الإعلام ، وتكنولوجيا الاتصال التى أتاحت لأى إنسان فى العالم ، إذا ما عرف كيف يتعامل مع هذه الوسائل، أن يتواصل مع الثقافة العالمية ، وأن ينقلها بالتالى إلى المجتمع الذى يعيش فيه .

لم يعد أى إنسان بمعزل عما يقع فى العالم من أحداث ، أو من تطورات . كما لم تعد أى دولة قادرة على إقامة أسوار عازلة لمجتمعها عن هذه الأحداث والتطورات، وقد أتاحت هذه القدرة على التواصل مع العالم إمكانية كبيرة للمقارنة ، وفتحت المجال أمام إعادة النظر فيما رسخ من عادات ، وفيما تأصل من تقاليد . ولا شك أن أى شريحة تتعرض لذلك هى شريحة الشباب ، لسببين اثنين : الأول أنهم الأقدر على استخدام تكنولوجيا الاتصالات ، والثانى أنهم الأكثر استعداداً لقبول الجديد والتأثر بالمبهرات . وهنا تظهر مشكلة على قدر كبير من الأهمية والخطورة معاً ، وهى أن جيل الشباب – فى كل المجتمعات وليس فى مجتمعنا وحده – هو الجيل الأكثر تعرضاً لتأثير الثقافة العالمية سواء كان هذا التأثير إيجابياً أم سلبياً ، وأقصد بالتأثير السلبى ما تحتوى عليه هذه الثقافة من أمور تتعارض تعارضاً صريحاً مع ثوابت الثقافة المحلية ، وفى مقدمتها المعتقدات الدينية والأخلاقية . والمثال على ذلك أن شبكة الإنترنت تحتوى على إمكانية ضخمة للتزود بالمعلومات الدقيقة فى كل مجالات الحياة المعاصرة ، ولكنها تشمل أيضاً قدراً كبيراً من المعلومات غير النافعة تماماً ، بل الضارة جداً ، وذلك بدءاً من كيف تصنع قنبلة ؟ إلى ما يتعلق بعالم الإباحة والجنس..

ولا شك أننا سنلتقى بمن يقول لنا إن حصانة شبابنا فوق مستوى الشبهات ، وأن أمثال هذه الظواهر العارضة لن تؤثر فيه ، لأن قيمنا وتقاليدنا أرسخ من أن تهزها مجرد ريح عابرة . لكن هذه النظرة التقليدية المتفائلة تظل فى حدود الأمانى الطيبة ، وهو الأمر الذى يجعلها غير قادرة على مواجهة الواقع القاسى الذى بدأ ينتشر ويتغلغل فى قطاعات كبيرة من الشباب . وهنا لا بد من الإجابة بصراحة عن سؤالين : ما هى العناصر الضارة فى الثقافة العالمية ؟ وكيف نحمى شبابنا من تأثيراتها ؟ وبالطبع ، ينبغى على المجتمع كله أن يشارك فى الإجابة عنهما.


سيارات السرفيس


لى صديق لا ينتهى غضبه من سيارات السرفيس ، فهو يرى أنها هى التى أفسدت الشوارع ، وتسببت فى فوضى المرور ، وزادت من نسبة الحوادث ، ويقول إن الذين يقودونها شباب متهور ، وأحياناً صبية غير مسئولين ، وغالباً ما تكون أخلاقهم سيئة ، ومعاملتهم للجمهور فى غاية القسوة ، وانعدام الأدب والذوق . والحل لديه أن يتم على الفور إيقاف العمل بها ، ومنعها تماماً من نقل الركاب .

قلت له : ينبغى أن تكون منصفاً . فقد حملت هذه السيارات بعض العبء عن أوتوبيسات النقل العام ، التى كنا نشاهدها فى الستينات والسبعينات وهى منبعجة بالركاب ، متباطئة فى توصيلهم ، متأخرة دائماً عن موعد قيامها ووصولها ، وكثيراً ما كان الواقف على محطاتها ينتظر بالساعة والاثنتين ، ولا يتمكن من الركوب إما لأن الأتوبيس لا يصل ، أو لأنه يصل كامل العدد ، بل ومسدود الأبواب من كثرة المتعلقين بها ، والذين أخرجوا أنصاف أجسادهم من الشبابيك !

اختفت تماماً هذه المناظر الكئيبة ، وأصبح الأتوبيس معقولاً إلى حد كبير ، بل إن خدمته تحسنت ، وأصبحت هناك خطوط بها أتوبيسات مكيفة بأجر أعلى ، ولها جمهورها . فما الذى حدث على الرغم من زيادة أعداد الركاب ؟ لا شك أن سيارات السرفيس هى التى أنقذت الموقف ، واستوعبت تلك الأعداد الغفيرة من الركاب : تنقلهم من منازلهم إلى أماكن عملهم وبالعكس بمبلغ يزيد قليلاً عن ثمن تذكرة الأتوبيس ، لكن الراكب يضمن فيها على الأقل مكاناً يجلس فيه ، وبذلك يصون كرامة جسده من زحام الآخرين .

إذن يبقى الاستخدام غير المنضبط لهذه السيارات . كيف نحصرها؟ ونضع لكل منها رقماً واضحاً ، وعلى كل منها خط سير معلوم ، ونحدد لها محطات الوقوف ، ونتابع سائقيها حتى لا يتجاوزوا فى القيادة ، أو معاملة الجمهور ، وليس هذا مستحيلاً على رجال المرور ، الذين يبذلون جهداً خارقاً من أجل تنظيمه وسيولته ، ويستحقون منا كل الشكر والتقدير . ولكننا نحتاج فقط إلى مزيد من انضباط هذه السيارات التى تتصرف فى الغالب بصورة عشوائية ، فتنطلق بسرعة ، وتتوقف فجأة، وقلما تسير فى خط مستقيم .

قال صديقى : إنك متفائل ، فإن ما بدأ عشوائياً سيظل عشوائياً . ثم أضاف : يكفى أن تركب إحدى هذه السيارات ليفرض عليك فيها شريط تسجيل صارخ الصوت وملئ بالأغانى الهابطة ، حتى أن أذنك تكاد تفقد قدرتها على السمع . ساعتها حمدت الله على أنى لا أستخدم سيارات السرفيس ، ودعوته تعالى أن يهدى سائقيها إلى سواء السبيل!


صناعتنا وتسويقها


كنت دائماً وما زلت من أكثر المناصرين للصناعة المصرية ، والراغبين فى أن يتحسن أداؤها ، ويتم إتقان صنعتها بهدف تحسينها وتجويدها وإشاعتها فى المجتمع، بل وخروجها للأسواق العالمية . ولم أكن طوال حياتى راغباً فى شراء السلع الأجنبية، وخاصة من الملابس، مفضلاً المنتج المصرى على غيره . وعندما كان أحد الأصدقاء يتباهى أمامى بأنه اشترى تلك البدلة من باريس والبالطو من لندن ، والحذاء من روما كنت أبلع ريقى وأصمت ، لكى لا أصرح برأيى الحقيقى وأغضبه !

وقد أسعدنى ما سمعته ذات يوم أن بعض المصريين ذهبوا إلى الخارج واشتروا قماش قمصان ، وعندما عادوا به فوجئوا فى جمرك المطار بمن يقول لهم : ليس على هذا القماش أية جمارك ، لأنه صناعة مصرية !

وفى دمياط ، وصل الصانع المصرى إلى مستوى عالٍ جداً من الجودة والإتقان. المدينة كلها تعمل فى الأثاث ، والأبناء يقضون نصف يومهم فى المدرسة ، والنصف الآخر فى الورشة مع آبائهم ، فيتعلمون الصنعة أو يشربونها كما نقول . والنتيجة أن الأثاث الدمياطى أصبح يجد طريقه إلى كثير من الدول العربية ، بل ويسافر إلى بعض الدول الأجنبية.

لكن الجميل دائماً لا يكمل . فعلى الرغم من حسن الصنعة نلتقى بضعف التسويق . وطبعاً التسويق يتعلق بالتجارة . وإذا كنا نقول فى أمثالنا الشعبية أن التجارة شطارة ، فليس يعنى هذا أنها فلهوة ، ونصب، وخروج عن الأعراف والتقاليد والمبادئ الأخلاقية .

حدثنى من أثق فى كلامه : اشتريت حجرة نوم من أحد المعارض الدمياطية بالقاهرة . ودفعت ثمنها بالكامل . وعند التسليم كانت ناقصة 2 كومودينو وشوفونيره . . لماذا ؟ قيل لى بكل ثقة : إن سيارة أخرى متجهة إلى الإسكندرية قد حملت هذه الأشياء بطريق الخطأ وسوف تعود غداً قلت : حسناً وانتظرت يومين ثم اتصلت. قالوا : أن السيارة توجهت مباشرة من الإسكندرية إلى دمياط وسوف تعود غداً . انتظرت أكثر من أسبوع ، ثم بدأت أقلق ، وأكرر السؤال ، وأخيراً قيل لى : نحن نأسف . فقد انقلبت السيارة بما عليها ، وسوف نصنع لك هذه الأشياء من جديد. ولأننى كنت مستعجلاً فقد أظهرت غضبى ، فعرضوا علىّ غرفة نوم أخرى، طبعاً بأقل من سعر الحجرة الأولى فقبلتها مرغماً ،   وشاكراً الله تعالى على عدم ضياع أموالى.. وبينما العمال يفكون الغرفة الناقصة ويركبون الغرفة البديلة سألتهم عن حادثة انقلاب السيارة ، فقالوا : أى حادثة ؟ ! قلت : ألم تنقلب السيارة بالعفش ؟ قالوا : أبداً لم يحدث شئ من ذلك . سألت : فماذا حدث لأشيائى التى لم تصل مع الغرفة الأولى ؟ قال أحدهم : لقد مرت على المحل سيدة تهوى التحف ، وأعجبتها الأشياء، فاشترتها . . هكذا بدون قيم أو مبادئ ، باع صاحب المحل جزءاً من البضاعة المباعة لى ولم يحقق ما قاله الرسول صلى الله عليه وسلم من دعوته لنا بألا يبيع الرجل على بيع أخيه ، كما لا يخطب على خطبة أخيه .

قلت لصديقى : لكن تظل الصناعة المصرية مشرفة ، وقابلة للازدهار ، وجزى الله من يشوه وجهها الجميل بهذا التسويق المخجل !


عملاتنا المعدنية



العملات المعدنية لازمة فى التداول اليومى تماماً مثل العملات الورقية . وقد كان لدينا على الدوام عملات معدنية (معتبرة) أذكر منها الريال ، والعشرة قروش ، والشلن (خمسة قروش) والنصف فرنك (قرشين) والقرش صاغ (عشرة ملاليم) والتعريفة (خمسة ملاليم) وأخيراً المليم . . وبالطبع كان لكل واحد من هذه العملات المعدنية قيمتها ، وكذلك أهميتها فى مساندة العملات الورقية التى كانت تقتصر على الورقة ذات المائة جنيه ، والعشرة جنيهات ، والخمسة جنيهات ، والجنيه ، ثم الخمسين قرشاً ، والعشرة قروش وأخيراً الشلن الورقى .

ومثل كل شئ فى الحياة ، فإن قانون التطور قد أصاب العملات المعدنية كما يصيب الأحياء والأِشياء . فقد اختفى بعضها من أيدينا ، وبقى البعض الآخر لكنه أصبح ضعيفاً ، ومتهالكاً ، ومصنوعاً أحياناً من الألمونيوم ، وأحياناً أخرى من النحاس الكالح ، وليس هذا هو المهم ، فمن الممكن أن يظل الناس يتعاملون (بالفكة) إلى جانب العملات الورقية أياً كان وزنها وحجمها وجمالياتها ، مع أن البلاد الأوربية كانت وما زالت تتفنن فى إخراج العملة المعدنية بحيث تجعلها تحفة فنية إلى جانب قيمتها المالية ، ويكفى أن تنظر إلى شكل فرنك (موناكو) أو (اليورو المعدنى) لتجد نفسك مدفوعاً إلى الاحتفاظ به ، بدلاً من إنفاقه ، لأنه يبرق ويضوى ويزدان بصورة جميلة . . أما العشرة والخمسة قروش المعدنية فقد فقدت معناها كما فقدت قيمتها ، لأنها بالإضافة إلى شكلها وهزالها لم تعد تشترى أى شئ ، بل إنها لم تعد تدخل عنصراً أساسياً فى شراء أى شئ . ويكفى دليلاً على ذلك أنك عندما يتبقى لك ما يعادلها فى إحدى الصيدليات يعطونك بدلاً منها قرص أسبرين !

لذلك ينحصر اقتراحى هنا فى الإقدام دون خشية على إلغاء هذه العملات المعدنية ، مع الاستفادة بمادتها فى صنع أى شئ يفيد الناس ، بدلاً من إنفاق الكثير على صكها وإنتاجها وتوزيعها ، فى الوقت الذى لا ينتفع بها أحد . وقد حدثنى أحد الأصدقاء أن أبناءه يلعبون بهذه العملات ، وهم متأكدون تماماً من أنها لا تصرف ولا تشترى شيئاً . وفى المقابل من ذلك يمكن توجيه الاهتمام إلى العملات الورقية ، بهدف الارتقاء بها ، والحق يقال إنها قد تطورت بالفعل كثيراً عما سبق ، وهذا أمر يُشكر عليه القائمون على صك النقود ، التى ندعو الله تعالى أن يجعلها تجرى فى أيدينا ، لكى نواجه بها ارتفاع أسعار السلع فى عصر العولمة !


فكرة لوزارة الثقافة


يدعو الفنان المبدع جمال قطب فى كتابه (روائع الفن العالمى) إلى ضرورة أن نقوم باستنساخ مجموعة اللوحات التى رسمها فنانو العالم الكبار لحضارتنا المصرية القديمة . ومن أشهر من قام بذلك الفنان البريطانى الكبير تاديما (السير لورانس ألما تاديما) ومتحفه موجود فى قلب العاصمة لندن حتى الآن . وعندما سئل الفنان عن سبب إعجابه بالجمال الفرعونى ، وتسجيل الحضارة الفرعونية أجاب : إن أول ما يلقن للطفل عندنا ، وفى العالم كله فى دراسته عن الحضارات الأولى هى الحضارة المصرية القديمة ، بل إننا كلما درسنا منابع العلم أو الفن ، وجدنا أن هذه المنابع ما هى إلا روافد لنهر النيل العظيم ، حيث ظهرت الحضارة الفرعونية كمنارة لحضارات العالم الأخرى .

والواقع أن هذه الدعوة التى وردت فى ثنايا الكتاب تستحق الاهتمام ، الذى ينبغى أن يحولها إلى مشروع ثقافى كبير ، يمكنه أن يساهم فى مزيد من تعرف أبنائنا على روائع حضارتهم ، وخاصة فى عيون الآخرين . إن الانبهار الذى يرتسم على وجوه السياح الأجانب عندما يقفون أمام معالم الحضارة المصرية القديمة يشهد بأننا نمتلك كنوزاً أثرية لا تقدر بثمن . وهى تحتاج منا أن نشاهدها بمثل تلك النظرة ، ونعمل بالتالى على صيانتها ، وإبرازها فى الإطار الذى يليق بها ، ويضفى عليها ما تستحقه من تقدير واحترام.

أذكر وأنا أدرس فى باريس ، أننى كنت أقضى الساعات فى المكتبات التى تنتشر فى شارع سان ميشيل بباريس ، متصفحاً المجلدات الضخمة التى تمتلئ بالصور الفوتوغرافية الناطقة بكل التفاصيل للآثار المصرية القديمة ، وأكاد أصرح بأننى تعرفت (هناك) على روعة المعمار المصرى القديم ، بل إننى عندما بدأت أقرأ بالفرنسية عن الحضارة المصرية القديمة فوجئت بأننا نحرم أبناءنا (هنا) من تلك الكنوز التى تجعلهم يشعرون بالاعتزاز لأنهم ينحدرون من أجداد عظماء استطاعوا أن ينشئوا على ضفاف النيل الخالد مثل تلك الحضارة الإنسانية الرفيعة المستوى .

أما دعوة الفنان جمال قطب إلى الاستعانة بلوحات الرسامين العالميين الذين سجلوا بريشاتهم روائع حضارتنا ، فإنها دعوة صادقة وتحمل فى ذاتها فكرة منتجة سوف تكون لها آثارها الإيجابية على ثقافة الأجيال الصاعدة ، وخاصة فى عصر هبط فيه فهم بعض الناس عن الفنون الجميلة إلى أدنى مستوى يمكن تصوره ، حيث راح يحرمه البعض ، ويهدم معالمه آخرون .


فن الكتابة للأطفال


دعيت لتسجيل برنامج رمضانى لتشجيع القراءة للأطفال . وعلى الرغم من أن معد البرنامج حدثنى عن شكل البرنامج ، الذى لم يرقنى تماماً ، إلا أننى قبلت ، لأننى أحب أن أشترك فى تشجيع أى عمل يخص القراءة (مفتاح الثقافة الأول) حتى ولو كانت للأطفال.

أين يتم التسجيل ؟ فى مدينة الإنتاج الإعلامى . وأين هى ؟ فى طريق الفيوم والإعلانات واضحة . حسناً ، وبدأت المشوار الطويل جداً، وأخطأت أكثر من مرة فى معرفة مكان الأستديو، لأن الإعلانات التوضيحية فى ممرات المدينة الشاسعة غير واضحة .

وهناك وجدت بعض أولياء الأمور ، وقد صحبوا أطفالهم المرهقين من يوم دراسى طويل ، لكنهم متفائلون ، ويبدو أن كلاً منهم ينتظر أن يصبح طفله أو طفلته نجماً من نجوم التلفزيون . طبعاً هذا حق مشروع، وأتمنى أن يتحقق مع مزيد من التربية والتعليم والتدريب.

وداخل الاستديو الفسيح ، وجدت (عدداً كبيراً جداً) من الفنيين والعمال يتحركون بعشوائية ، ويرفعون أصواتهم إلى أبعد مدى ، دون أى اعتبار لوجود ضيوف أو حتى أطفال فى الأستديو . . وبعد فترة طويلة جداً استغرقت حوالى ساعة ضبطوا فيها الإضاءة والصوت وما إليهما (كأنهم يفعلون ذلك لأول مرة) بدأنا نسجل .

البرنامج يضم ضيفاً (من الشخصيات كما يقولون) ثم حوالى أربعة أولاد وبنات، بالإضافة إلى (عروسة) مثل الأراجوز يحركها شاب، عندما سألته عن مؤهله قال : ليسانس آداب قسم لاتينى ويونانى ! !

وكان على أن أقرأ للأولاد قصة ، منشورة فى مكتبة الأسرة ، ضمن سلسلة قصص الأطفال . وفوجئت بأن القصة (بايخة) جداً ، وأنها تمتلئ بالألفاظ العربية الصعبة جداً ، وسألتهم : هل يمكن أن أتصرف ؟ قالوا : نعم يا دكتور ، افعل ما تراه مناسباً . وكان هذا باباً من أبواب الفرج ، فرحت أقص على الأولاد من ذهنى قصة بسيطة ثم أسألهم عن أحوالهم ، وصيامهم ، وكيف يقضون يومهم بين المذاكرة واللعب .

ويعلم الله أن أطفالنا أذكياء ، ولا ينقصهم شئ لكى يتعلموا وأن يقرأوا . . لكن أن يقرأوا هذا الغثاء الذى نسميه قصصاً للأطفال فإننى أقول : أنه مستحيل . وزاد اقتناعى بأن مجال الكتابة للأطفال قد تسرب إليه العديد من المرتزقة الذين وجدوا فى تلك المهنة (سبوبة) يتكسبون منها ، وهم أبعد ما يكونون عن فن الكتابة القصصية للأطفال.

كان هذا كله يموج فى نفسى ، وأنا أتعامل مع الأطفال المتفتحين على الحياة ، وهم لا يعرفون ما يخبئه القدر لهم من قصص وحكايات وكتب لا تحقق لهم أى فائدة ولا أى متعة .


فنادق الدرجة الثانية


أصبح لدينا بالفعل العديد من فنادق الدرجة الأولى . وهى على أعلى مستوى فى العمارة والتجهيز والخدمة ولا تقل بحال عن مثيلاتها فى سائر الدول المتقدمة . كذلك لدينا منذ وقت طويل فنادق الدرجة الثالثة أو ما نطلق عليه ( لوكاندات ) ، وهى التى جرى الحديث عنه مقالبها فى الأفلام المصرية الأولى ، وكتب عنها المبدع الكبير نجيب محفوظ فى روايته ، لكن الذى ينقصنا بحق هو فنادق الدرجة الثانية ، التى تستجيب لمطالب الشريحة المتوسطة فى المجتمع ، التى هى ليست بالغة الثراء، كما أنها قادرة على دفع مقابل معقول لقاء خدمة معقولة.. إن مثل هذه الفنادق هى التى تنشط فى الواقع الحركة السياحية فى أى مدينة . وقد رأيت بنفسى فى فرنسا وإيطاليا مثل هذه الفنادق المتوسطة تمتلئ بروادها ، وأهم مميزاتهم أنهم يقيمون فيها لمدة تتجاوز الليلة والليلتين إلى الأسبوع والأسبوعين . وحين نضمن إقامة سائح لمدة معينة فإننا نضمن فى نفس الوقت أنه سيعيش بيننا: يأكل ويشرب ويستخدم المواصلات ويمشى فى الشوارع ويشترى ما يحتاجه ، أو ما يرغب فى الحصول عليه من هدايا لأصدقائه فى بلده . .

إن فنادق الدرجة المتوسطة هى التى سوف تشجع المصريين أولاً على السياحة فى المدن المصرية الجميلة ، التى قد يقضون حياتهم دون أن يذهبوا إليها . وأنا أسألك إذا كنت من سكان القاهرة : هل فكرت فى زيارة مدينة رشيد، أو مدينة دمنهور فى الوجه البحرى ، وكذلك مدينتى المنيا وأسيوط فى الوجه القبلى . من المعلوم أن زيارة مثل هذه المدن الجميلة جداً ، والتى لها عبق خاص ، لن تتيسر بدون وجود فنادق متوسطة الحال، ومعقولة الثمن .

ويخطئ من يعتقد أن السياحة هى اللوكس ، وهى فقط القرى السياحية وفنادق الدرجة الأولى ، بل إننى أؤكد أن رواد الدرجات السياحية المتوسطة أكثر سخاءً من رواد السياحة الفاخرة، الذين يأتون إلينا فى مجموعات سياحية ، تمنعهم من أن ينزلوا إلى الشوارع ليشتروا ما يرغبون فيه ، وتحدد إقامتهم فى أماكن مغلقة ، قد لا يشترون منها شيئاً على الإطلاق .

شجعوا إذن المواطنين على إقامة فنادق الدرجة الثانية ، وثقوا بأنها ستكون مربحة لهم . . وللمجتمع كله ، مع أطيب تحياتى لوزارة السياحة .


فى تحديث مصر


دعوة السيد الرئيس محمد حسنى مبارك إلى تحديث مصر فى إطار مشروع وطنى لتحديث الدولة المصرية لكى تصبح قادرة على التعامل مع المتغيرات المحلية والإقليمية والعالمية بشكل يعكس قدرتها على مواجهة التحديات التى تجابهها فى مطلع القرن الحادى والعشرين ، هذه الدعوة من رئيس الدولة ينبغى أن تتم الاستجابة لها من مختلف فئات المجتمع بل ومن كل قادر على المساهمة برأى أو فكرة . ولا شك أن أهم الفئات المطالبة بذلك هى الأحزاب السياسية ، والجهات التنفيذية ، ومراكز البحوث والدراسات ، وكذلك الجامعات التى يجب أن تكون هى الأخرى فى طليعة المشاركين فى هذا المشروع الوطنى الكبير . أما الإعلام فيظل دوره فى كل الأحيان محورياً .

وبداية لابد من بلورة مفهوم " التحديث " ، والاتفاق على معناه أو معانيه لكى لا تتفرق بنا الطرق ، وتتعدد الدروب ، وتكثر المؤتمرات ، وتعلو أصوات الميكرفونات، وتطبع ألوف الصفحات ! وبدلاً من اللجوء إلى التعريفات النظرية والرؤى الأيديولوجية ، أستعير هنا معنى التحديث لدى الإنسان العادى الذى يرغب فى تحديث شقته . ما الذى يفهمه من ذلك ؟ إنه يفهم أن تحديث الشقة القديمة لا يعنى هدمها تماماً ثم إعادة بنائها من جديد ، وإنما إزالة الأسطح والأماكن التالفة ووضع مواد جديدة أو حديثة فى مكانها . هذه مرحلة . تليها مرحلة أخرى يمكن أن تسمى مرحلة التجميل ، وهى التى تتطلب لوناً محبباً، أو إضاءة مفضلة ، أو تكييفاً مهدئاً .. وهكذا تتحول الشقة القديمة المتهالكة إلى شقة حديثة ، تريح صاحبها ، وتشرّفه أمام ضيوفه .

ولكى يبدأ هذا الشخص فى عملية التحديث ، لابد أن يقوم بعملية مسح كامل للشقة القديمة ، لكى يقف على ما فيها من عيوب ، وما بها من مزايا . وهنا نقطة جديرة بالاعتبار ، وهى أن صاحب الشقة من طول تعوده عليها ، وإقامته فيها (قد) تخفى عليه بعض العيوب ، أو لا يتنبه إلى بعض السلبيات ، وبالتالى فإن عيناً أخرى أجنبية عن الشقة (قد) تساعده منذ الوهلة الأولى على هذه العيوب السلبية ، بل إنها قد تؤكد له ما فى الشقة من مزايا وإمكانيات.

نقطة أخرى جديرة بالاعتبار ، وهى التى تتعلق بضرورة اتساع أفق صاحب الشقة المراد تحديثها لكى يشمل رؤية عدد من التجارب المماثلة لتجربته فى تحديث الشقق . فلاشك أن هناك العديد ممن سبقوه فى هذا العمل، ومن بينهم الذين نجحوا بالفعل فى عملية التحديث . فهل يعقل أن ينفرد هذا الشخص برؤيته الخاصة فى التحديث ، أم يضع فى حسبانه تلك التجارب المماثلة، بحيث يقارن بينها ، ويفاضل، ثم يختار . ومن المؤكد أنه سوف يلتقى فى هذا الصدد بعناصر تكلفة الإصلاح ، وأسلوبه، ومتطلباته ، والزمن الذى يستغرقه ، إلى جانب الجهات والأشخاص الذين يقومون به.

وهنا نكتة فرنسية تقول إن أحد الأزواج اختلف مع زوجته على عدد لفات الورق لتغطية جدران شقتهما . وأخيراً طلبت منه الزوجة أن يصعد إلى جارهما فى الشقة الأعلى ، المماثلة لشقتهما تماماً ، ليسأله: كم لفة ورق اشتريتها لشقتك ؟ وعاد الزوج فقال لزوجته : قال لى (32) لفة . سكت النزاع ، وتم شراء العدد ، ثم فوجئت الزوجة بأن الشقة أخذت (30) لفة فقط. فراحت تعاتب زوجها بأنه لم يسمع جيداً من جارهما ، وأنه أخطأ فى لفتين . فأكد لها أنه سمع جيداً ولم يخطئ، وراحا يتناوشان حتى قرر الزوج أن يصعد لجاره مرة أخرى ويتأكد منه . وعندما سأله : كما اشتريت لشقتك : أجاب الجار : (32) لفة - فقال له : إن الشقة تأخذ (30) فقط . فلماذا أخبرتنى بأنها (32) ؟ ! فقال الجار ببرود : أنا أيضاً قد فاض عندى لفتان. وأنت سألتنى كم اشتريت ؟ فقلت لك الحقيقة ! !


قافلة اليوم الواحد


تضم هذه القافلة مجموعة من أساتذة الجامعات ، والأطباء ، ومحبى العمل العام ، ثم تتجه ومعها بعض الإرشادات والأدوية البسيطة إلى إحدى القرى ، حيث تقيم فيها يوماً كاملاً بين أهلها ، تدعوهم فيه إلى ضرورة الحفاظ على البيئة بإزالة المخلفات ووضع القمامة فى مكان محدد ، كما تحثهم على زراعة شجرة أمام المنزل، مع الاهتمام بنظافة شوارع القرية ، والطرقات الضيقة بين المنازل .

أما طبيبات القافلة فتقمن بتوعية المرأة الريفية بأهمية تنظيم الأسرة ، وصحة ربة البيت وأطفالها . كما تقوم المشرفة الاجتماعية بتوعية نساء القرية بالسن المناسب لزواج الفتيات ، حتى لا يتعرضن لمصاعب الحمل والولادة فى وقت غير ناضج . ومن خلال الأحاديث الودية بين المشرفات والطبيبات ونساء القرية يمكن أن تبرز بعض المشكلات العائلية التى يمكن تقديم حلول علمية لها .

ومن أهم ما تقوم به القافلة محاولة التوعية بمحو الأمية ، سواء كانت أمية قراءة وكتابة ، أم أمية حرفية مثل عدم معرفة الحياكة والتفصيل والتريكو ، وأنا شخصياً أعتبر أن تعليم إعطاء حقنة لمريض يعتبر من صميم محو الأمية .

تحاول القافلة أيضاً أن تبصر أهل القرية بأهمية الإقبال على بعض الصناعات الصغيرة ، غير التقليدية ، مثل أشغال الخشب ، والجلد، والمعادن ، كما تشجعهم على صناعة النسيج ، وعمل الأقفاص من جريد النخيل . وهناك طريقة اقتصادية تستطيع بها المرأة الريفية أن تعيد استخدام الزيوت المستعملة فى صنع صابون سائل لتنظيف المواعين ، وهذا ما يدخل فى باب إعادة تدوير النفايات .

حدثنى بعض من يشاركون بحماس فى هذه القوافل أن ما ينقصهم يتمثل فقط فى المزيد من المتطوعين ، وبعض الدعم من رجال الأعمال ، إلى جانب بعض التبرعات من شركات الأدوية والملابس والمواد الغذائية . . والواقع أن أمثال هذه القوافل تستحق الدعم الكامل من الجهات الحكومية والمنظمات الأهلية ، نظراً لما تؤديه من رسالة نبيلة فى نشر الوعى الصحى والبيئى فى القرية المصرية . . تلك القرية التى خرجنا جمعياً منها ، وتمرغنا ونحن صغار فى ترابها ، والتقطنا التوت من شجراتها ، وأطفأنا لهيب الحر بالغطس فى ترعها . وهكذا فإن للقرية المصرية ديوناً كثيرة فى أعناقنا ، ومن واجبنا نحوها أن نمد إليها يد العلم وأجنحة الثقافة الحديثة لكى نرتقى بمستوى الحياة فيها .

تحية لكل المشاركين فى قوافل اليوم الواحد بالقرى المصرية ، وتمنياتى بأن يجدوا ما يطالبون به من دعم بسيط للغاية ، من أجل نجاح عملهم الإنسانى الكبير .


كيف نسأل لنعرف ؟


أفضل طريقة لمعرفة أى شئ هى أن نراه ونلمسه ، وأفضل أسلوب للتعرف على أى بلد أن نسافر إليها ونقيم فيها لفترة ، فإذا لم يتيسر لنا هذا وذاك لم يبق إلا أن نلجأ لمعرفة الأشياء والأماكن من خلال أحاديث الآخرين ، أو القراءة ، أو الإجابات التى نتلقاها على أسئلتنا . وكلما كانت أسئلتنا محددة ، والذين يجيبون عنها على قدر كاف من المعرفة أمكننا أن نحصل على معلومات صحيحة ومؤكدة .

فى علم المنطق ، الذى وضعه أرسطو ، منذ أكثر من ألفىْ عام ، يوجد فصل هام ، يعلمنا كيف نسأل لكى نحصل على إجابة دقيقة عن الشئ المسئول عنه ؛ وقد حدد لذلك عشرة أسئلة هى التى يمكنها أن تبين لنا حقيقة أى شئ نسأل عنه . السؤال الأول : ما هو هذا الشئ ؟ أى ما طبيعته وما هيته ؟ الثانى : كم هو ؟ أى حجمه أو وزنه أو كميته ، الثالث: كيف هو ؟ أى الكيفية التى هو عليها ، الرابع : متى هو ؟ أى زمانه وتاريخه ، الخامس : أين هو ؟ أى مكانه ، السادس : فى أى وضع هو ؟ السابع ؟ فى ماذا يؤثر ؟ الثامن : بماذا يتأثر ؟ التاسع : هل يضاف لشئ آخر ؟ أى يرتبط به كما نقول عمود النور مثلاً ، العاشر : لمن هذا الشئ ؟ أى من الذى يمتلكه؟

وقد اعتقد أرسطو أنه من خلال هذه الأسئلة العشرة كلها أو بعضها يمكن أن نتعرف على أى شئ ، بشرط أن تقدم لنا إجابات صحيحة ومحددة . أما أن نسأل عن ماهية الشئ فيتحدث المسئول عن كيفيته أو عن وضعه فإن هذا يعد نوعاً من التهويم، والبعد عن المطلوب الحقيقى ، وفى هذا إضاعة للوقت ، وتشتيت للذهن .

والواقع أن الأسئلة ضرورية جداً لاستخراج المعرفة من أصحابها أو من مصادرها . يقول الرسول (ص) : العلم خزائن ومفتاحها السؤال . لذلك فإن التلاميذ الأذكياء هم الذين يكثرون طرح الأسئلة على المدرسين، ولا ينبغى لهؤلاء أن يسكتوهم أو يحرموهم من الإجابة على أسئلتهم ، مهما كانت بسيطة وساذجة ، لأن العقلية المتسائلة هى العقلية المقدر لها أن تحصل على إجابات ، بل هى التى يمكنها أنت تكشف ألغاز الطبيعة ، وتكتشف قوانينها .

لقد تعودنا أن نعلم أبناءنا أدب الصمت ، الذى يعنى الاستماع الدائم إلى الكبار، وعدم إقلاقهم بالأسئلة . وهذا خطأ بالغ . فالطفل المتسائل هو نموذج جيد ينبغى تشجيعه وتقديم الإجابة المقنعة له ، وإذا لم يكن لدينا مثل تلك الإجابة ، فعلينا أن نصحبه معنا للحصول عليها من مصادرها الأصلية ، حتى يتعلم بنفسه كيفية الوصول إلى الحقيقة .

وتحضرنى فى هذا الصدد نكتة فرنسية تقول إن رجلاً وامرأته اصطحبا ابنهما فى رحلة بالقطار . وعندما مر على بحيرة سأل الطفل أباه: ما اسم هذه البحيرة ؟ فقال لا أعرف يا بنى . ثم مروا على جبل فسأل الطفل : ما اسم هذا الجبل يا أبى ؟ فقال الوالد : لا أعرف بالضبط يا بنى ، ثم مر القطار على غابة فسأل الطفل : وما اسم هذه الغابة يا أبى؟ عندئذ تدخلت الأم – لإحساسها بالحرج من جهل الوالد    المتكرر – قائلة : دع والدك يا عزيزى ولا ترهقه بالأسئلة . فأسرع الرجل قائلاً لها: كلا ، دعيه يسأل، لكى يتثقف !


كيف نحرك الركود


عندما تكون هناك بركة ماء راكدة ، لابد لكى تحركها أن تلقى فيها بحجر. وبالطبع على قدر مساحة البركة وعمق مائها ، ينبغى أن تكون ضخامة الحجر ، وشدة القذف به . ماذا يعنى ذلك ؟ يعنى أن الركود الاقتصادى الذى شهده مجتمعنا فى الفترة الأخيرة يحتاج إلى هزة قوية تتمثل فى مجموعة حلول جديدة وغير تقليدية ، وبالطبع لا يمكن أن يخرج حل جديد ومبتكر من عقول تقليدية ، نشأت وتربت فى جو روتينى ، لا ترى فى الإمكان أبدع مما كان . وعلينا أن نعترف أن الاقتصاد العالمى يتطور بصورة سريعة جداً ، ربما أكثر من أى قطاع آخر ، وأن فلسفته فى عشر السنوات الأخيرة من القرن العشرين تختلف بالضرورة عن فلسفته فى عشر السنوات الأولى من القرن الحادى والعشرين . فإذا تأملنا الخريطة الاقتصادية وجدنا أن هناك عقولاً اقتصادية متميزة استطاعت أن تحقق طفرات هائلة خلال القرن العشرين ، أى فى الوقت الذى ظل فيه اقتصادنا دائراً فى فلك تقليدى خالص ، ودعونا نسترجع معاً مثالاً من مصر . فبينما كان النظام الاشتراكى هو السائد لدينا فى الستينيات، سمح - على نحو استثنائى - لشركة المقاولون العرب بالحركة داخل مصر وخارجها ، وكان نجاحها نموذجاً يمكن أن يقاس عليه ، لكننا أبقينا النهج الاشتراكى فى الاقتصاد، حتى ثبت فشله تماماً ، بينما ظلت تلك التجربة الرأسمالية ناجحة إلى جواره . مثال آخر : فى هونج كونج استطاعت الرأسمالية الغربية أن تقيم تجربة اقتصادية شديدة النجاح والتألق إلى جوار النظام الشيوعى فى الصين ، وكأنهم كانوا يريدون أن يقولوا لهم : هذا هو نظامنا فكيف النظام عندكم ؟ ؟ ناطحات السحاب وأضواء النيون تتألق فى سماء هونج كونج بينما الصين الشاسعة لا تضئ سوى الشموع فى أكواخها ! لكن كل ذلك تغير ، وهو لم يتغير بالصدفة أو بالتواكل ، وإنما من خلال الوعى الجيد بطرق الاستثمار ومناهجه . فقد اتجهت الصين إلى (ابتكار) أسلوب رأسمالى ديناميكى فى إطار نظامها الشيوعى ، ولعلها كانت أكثر ذكاء من روسيا ، التى أسقط فى يدها ، فلم تتمكن من تغيير نمط تفكيرها القديم حتى اليوم ، فظلت حبيسة عقولها التقليدية التى نشأت فى الروتين الجامد . ومن نعمة الله علينا فى مصر أننا لسنا أسرى نظام شيوعى أو اشتراكى كما هو الحال فى تلك البلاد ، وهذا يعنى أننا أحرار فيما يمكن أن نتخذه من قرارات ، أو نتفق عليه من توجهات . لكن ذلك كله متوقف على ظهور عقليات جديدة ، ذات طابع ابتكارى ، يمكنها أن تقف على حقيقة الواقع المصرى ، وفى نفس الوقت تكون منفتحة على ما يجرى فى العالم . ومن المعلوم أن من أهم سمات العقلية الابتكارية أنها لا تحصر نفسها فى حدود المكان ، كما أنها لا تقصر نظرتها على اليوم ، وإنما تتجاوز هذا وذاك إلى المكان الفسيح والمستقبل البعيد . بقيت نقطة أخيرة هامة وهى أن العقلية الابتكارية إذا كانت توجد بين الشيوخ بنسبة معينة ، فإنها تتوافر بين جيل الشباب بنسب أكبر . والخلاصة أنه من مجموع تلك العقليات سوف يوجد الحجر الذى يحرك البركة الراكدة .


لا . . للثانوية الثلاثية


بعد أن تبين لخبراء التعليم والأسرة المصرية فشل تجربة تقسيم الثانوية العامة إلى سنتين ، أحذر من أن تصبح ثلاث سنوات ! أما دليل فشلها على المستوى التعليمى فيتمثل فى هبوط المستوى العلمى للطلاب على الرغم من حصولهم على درجات تتجاوز الـ 90% ، وتفوق الـ 100% . وهذا يتضح من رسوب العديد من هؤلاء الحاصلين على أعلى مجاميع الثانوية العامة فى السنة الإعدادية أو الأولى بالجامعات ! ولو كان نجاحهم حقيقياً ، لوجدناهم فى قوائم المتفوقين ، أى الذين ينجحون بتقدير (جيد جداً) أو (امتياز).

وأما دليل فشل (ثانوية السنتين) على المستوى الاجتماعى ، فيتمثل فيما تعانى منه الأسرة المصرية ، التى لم يقدم لها هذا النظام أى فائدة ، أو يوفر لها أى راحة ، بل على العكس حولها إلى (خلية قلق) ، تحطم أعصابها على مدى سنتين كاملتين ، بالإضافة طبعاً لمأساتها المادية من خلال توفير المبالغ الطائلة التى تدفعها لأبنائها طلاب الثانوية العامة فى الدروس الخصوصية !

وهكذا ، بدلاً من أن تكون لدينا الشجاعة للاعتراف بالخطأ والإقدام على تصحيحه ، إذا بنا نسرع إلى فكرة خاطئة أخرى تدعو إلى تقسيم الثانوية العامة إلى ثلاث سنوات ، والسؤال البسيط الذى أتقدم به إلى (مجموعة الخبراء) الذين يشيرون بذلك هو التالى :

ما عيب النظام القديم الذى كان يعتبر الثانوية العامة سنة واحدة، بعد أن يكون الطالب قد نجح فى امتحان السنة الأولى ، ثم السنة الثانية؟ لقد كان ما يحدث هو أن الطالب الذى يرسب فى مادة أو اثنتين يجرى عقد امتحان دور ثان له ، فإذا رسب فى أكثر من مادتين أعاد السنة الدراسية ، وبذلك نكون قد تأكدنا من أنه لن يصل إلى السنة الثالثة إلا بعد نجاح أكيد.

لكن هناك بعض الأصوات تقول : أن الطالب فى أثناء امتحان السنة الثالثة   قد يتعثر نتيجة ظروف نفسية أو اجتماعية ضاغطة ، أو يكون قد أمضى ليلة مؤرقة ، فلا ينبغى أن نقيس قدراته على أساس امتحان واحد فقط ! لكننى أجيب هؤلاء بأن نسبة أمثال ذلك الطالب قليلة جداً ، وأحياناً تكون معدومة . بل إننى لا أستبعد أن تحدث هذه الظروف الطارئة للطالب الذى تم امتحانه فى السنتين السابقتين وحصل على درجات عالية !

المشكلة أن (مجموعة خبراء التعليم) قد نقلوا بعض التجارب التعليمية من الولايات المتحدة الأمريكية دون مراعاة لظروف تطبيقها فى مصر ، وأن تلك التجارب إذا كانت قد نجحت فى وسط أعداد قليلة جداً من الطلاب فإنها لا تنجح بالضرورة فى وسط يضم أعداداً هائلة منهم . والأهم من هذا كله أن تعليم الطالب فى أمريكا مسئولية الدولة ، وليس مسئولية الأسرة .. هل هذا واضح ؟ أرجو أن يكون واضحاً.


لا . . لإلغاء الامتحانات


فوجئت مثل غيرى بتصريحات تصدر من وزارة التربية والتعليم بشأن نيتها لإلغاء الامتحانات فى سنوات النقل ، مع الاكتفاء بتقويم الطلاب من خلال متابعة شهرية أو نصف سنوية . وخطورة هذا  التفكير - لو تم تنفيذه - أنه سوف يوقعنا فيما سبق أن أوقعتنا فيه مشكلة السنة السادسة حين تم إلغاؤها ، فترتب على ذلك عدم اعتراف الدول العربية كلها بالشهادة الابتدائية المصرية فى مدارسها ، وخاصة بالنسبة لأبناء العاملين هناك . أى أن مصر التى قدمت خدماتها التعليمية إلى جميع الدول العربية أصبحت فى وضع أقل منها .وبالطبع لم يتنبه أصحاب القرارات العشوائية لذلك فى حينه ، إلى أن أحس المجتمع كله بضرورة عودة السنة السادسة مرة أخرى ، فأعيدت رغم أنف أعدائها ، وتم اعتذار خجول صحبته بعض التبريرات بأن حذف سنة سادسة إنما كان لتلافى أزمة اقتصادية طاحنة . وهو أمر لا يصدقه نصف عاقل ! أخشى ما أخشاه مرة أخرى أن إلغاء الامتحانات فى سنوات النقل سوف يحرم أبناء المصريين العاملين بجميع الدول العربية المحيطة بنا من الاعتراف بالسنوات الدراسية التى قضوها فى التعليم المصرى لأن منطقتنا العربية كلها لا تعرف نقلاً بدون امتحانات، ولا نجاحاً بدون اختبارات .

وكلما فتشت عن سبب هذه (التقليعة) سمعت تبريرات غير مقنعة على الإطلاق. يقال أحياناً أن هذا هو نظام التعليم فى الغرب . وأتعجب من أننى واحد ممن تعلموا فى فرنسا ، ولم أجد شيئاً من ذلك . فيقولون أن هذا موجود فى أمريكا . وأقول لهم : ومالنا وأمريكا فى العملية التعليمية ؟ وهل عندنا نفس الظروف التى يعيش فيها التلميذ الأمريكى ، أو على الأقل نفس الوسائل المعرفية المتاحة له ، ابتداءً من البيت، والمكتبة ، وأجهزة الكمبيوتر ، والرحلات والمعسكرات السنوية التى يصحب فيها المدرسون تلاميذهم ، ويعيشون معهم فى جو مدرسى وأسرى متكامل ، ومن خلاله يتعرفون بصورة واضحة للغاية على قدرات كل تلميذ ، ومدى نشاطه ، وإلى أى حد تكون استجابته للواجبات التى يكلف بها . . هل تعرف وزارة التربية والتعليم عندنا مثلاً أن التلميذ حتى وهو فى المرحلة الابتدائية يكلفونه هناك ببحث . . أى والله، بحث عن الماء أو الهواء أو الشمس أو البحر ، وبالطبع يقوم التلميذ بشغل الأسرة كلها بهذا الموضوع ، فيبحثون له فى القواميس والمراجع الموجودة بالمنزل ، أو بمكتبة الحى ، لكى يساعدوه فى إنجاز هذا (البحث) المطلوب منه فى المدرسة. الظروف إذن مختلفة ، والمناخ الأمريكى يختلف عن المناخ المصرى . لذلك فإذا أردنا أن نستورد تجارب تعليمية علينا أن ننظر إلى البلاد التى تتشابه معنا فى الظروف والبيئة والمستوى الاجتماعى والاقتصادى ، لأن المستوى الثقافى يكون فى العادة نتيجة طبيعية لهذين المستويين . وقد أعجبنى كثيراً قول الرئيس مبارك فى خطابه إلى مجلس الشعب والشورى أننا يجب أن ننظر إلى تجارب الدول النامية التى كسرت حاجز التخلف ، واستطاعت أن تعبر الفجوة التى بينها وبين الدول الغربية التقليدية ، ويقصد سيادته بذلك مجموعة الدول الآسيوية . ومن المؤكد أن هذه الدول لم تلغ امتحانات النقل .


متطلبات سياحية


أكثر زائر أجنبى عن عدم توافر بعض المتطلبات الأساسية التى تهم الماشى فى شوارع المدن ، وفى مقدمتها دورات المياه . خاصة وأن المقاهى المنتشرة فى الأحياء الشعبية تكاد تخلو فى معظمها من هذه الدورات. وقال لى أحدهم : لقد قررت ذات يوم أن أمشى من ميدان التحرير حتى القلعة ، وكنت معجباً جداً بهذه الجولة التى استعرضت فيها أحياء متطورة ، وأحياء شعبية ، موغلة فى  عراقتها ، مثل عابدين والدرب الأحمر والخليفة ، لكننى عندما احتجت أن أذهب إلى دورة المياه ، لم أجد واحدة على امتداد هذه المسافة الطويلة . .

تخيلت نفسى فى موقفه ، وبالطبع كنت سأسأل أى جرسون مقهى عن مكان دورة المياه ، ولكن السائح لا يعرف اللغة العربية ، وهو يريد أن يرى علامات تشير إلى هذا المكان بدون أن يسأل أحداً ، كما هو الحال فى أى مدينة كبرى .

وأصارحكم أن ملاحظة هذه السائح أثارت فضولى ، فرحت كلما مشيت فى شوارع القاهرة أبحث عن دورة مياه ، ومن العجيب أننى لم أجد . لماذا ؟ لا أعرف . ورحت أقول لنفسى : هناك بعض المرضى الذين تضطرهم ظروف مرضهم إلى اللجوء إلى دورة المياه فى أى وقت، حتى وهم فى الشارع ، فإلى أين يذهبون ؟ وهكذا تبدو المسألة هامة فقط لكل من المواطنين والسائحين ، بل إنها ضرورية .

ونأتى للمسئولية ؟ من الذى يقع عليه واجب إنشاء دورات المياه فى الميادين أو فى الشوارع التى يرتادها المشاة ، ويكثر فيها عبور السائحين ؟ وزارة المواصلات أم المحافظة أم وزارة السياحة ؟ أم الأفضل أن يجلس الأطراف الثلاثة معاً ويتفاهموا، ثم يسرعوا بإنجاز هذا العمل الهام ، الذى سوف يقدم خدمة جليلة للمواطنين ، وتستكمل به السياحة واحداً من أهم مقوماتها .

لا مانع أبداً من أن يكون استخدام هذه الدورات لقاء أجر بسيط ، وإن كنت أفضل أن يكون بعضها بأجر وبعضها مجاناً ، حتى نضمن فقط نظافتها ، وصيانتها ، لأننى أذكر أن حال دورة المياه التى كانت توجد فى ميدان العتبة سابقاً ، لم يكن يسر عدواً ولا صديقاً !

وإذا كان لى أن أطرح هنا فكرة إيجابية ، فإننى أدعو على وجه التحديد شركات السيراميك أن تساهم فى هذا العمل ، فتنشئ – فى مقابل وضع إعلاناتها - عدداً من دورات المياه فى ميادين القاهرة والجيزة ، فى شكل حضارى جميل يليق بصورة مصر الحديثة ، ويساهم فى حل مشكلة حقيقية قد يعانى منها المواطن والسائح على السواء .


لجنة التماثيل


أستأذن الشخص أو اللجنة المسئولة عن وضع التماثيل فى الميادين العامة ، لأقدم لهم اقتراحاً شخصياً ربما يفيد ، ومن المؤكد أنه لن يضر . أما بالنسبة للملك المصرى العظيم رمسيس فإن تمثاله فى ميدان رمسيس كان خطأ من كل الوجوه .فهو فى ميدان حاشد بالناس والأوتوبيسات والميكروباصات وكل ما يمكن تصوره مما يؤدى إلى الزحام ، وعدم توافر دقيقة واحدة لإلقاء نظرة على التمثال ، فما بالك فى تأمله ومحاولة التعرف على جوانب الجمال فيه ، واستحضار تاريخه ضمن سلسلة ملوك مصر القديمة ؟ وقد تأكدنا بعد مرور وقت طويل والتمثال فى هذا المكان الخاطئ أن لونه بدأ يسمر ، نتيجة تأثير الملوثات ودخان القطارات وعوادم السيارات . . وكان الأولى أن يوضع هذا التمثال الفخم فى ميدان التحرير ، حيث المكان أكثر اتساعاً، والجو أقل تلوثاً ، والسائحون الأجانب أكثر تواجداً . .

فإذا جئنا إلى تمثالين آخرين ، تقوم محافظة الجيزة حالياً بإقامتهما ، أحدهما لطه حسين ، والثانى لنجيب محفوظ ، وجدنا أن " اللجنة" إياها قد اختارت ميدان سفنكس لنجيب محفوظ ، فى حين قررت وضع طه حسين أمام شيراتون القاهرة ، وعلى بعد خطوات من منزل نجيب محفوظ ، أى أن العكس كان هو الصحيح. فالمفروض أن يُوضع تمثال نجيب محفوظ فى ميدان الجلاء ، أما تمثال طه حسين فالأولى أن يُوضع أمام جامعة القاهرة ، حيث لا توجد له أى علاقة بميدان سفنكس. ويمكن ببساطة أن يحل محل تمثال نهضة مصر الذى يمكن أيضاً أن ينتقل إلى ميدان سفنكس .

ثم يأتى السؤال : أين باقى ميادين العاصمة ؟ وأين أعلام مصر الذين يستحقون إقامة تماثيل لهم ، ولا يقلون بحال من الأحوال عن طه حسين ونجيب محفوظ ؟ إن التقصير فى هذا المجال هو الذى جعل شباب الجيل الحالى يخرجون إلى الحياة وليس لديهم الرصيد الكافى من النماذج الوطنية والفكرية والأدبية والفنية التى يمكن أن يحاكوها ، وكان البديل هو ملء عقولهم ووجدانهم بشخصيات أخرى ، وتعلقهم بأفكار بعيدة عن تطور مصر الحديثة وكفاحها المرموق .

لقد كان عملاً جيداً أن يقام تمثال لعبد المنعم رياض وهو شخصية عسكرية مرموقة . وسيكون جيداً أيضاً أن تقام تماثيل لأعلام مصريين فى مختلف المجالات، وأتوقع فى هذا الصدد أن يعكف أصحاب كل مهنة أو فن فى اختيار شخصية أو أكثر ممن كان لها فضل الريادة . وهنا أتساءل : ألا يستحق على مبارك منشئ التعليم الحديث فى مصر تمثالاً؟ ألا يستحق سيد درويش ملحن نشيد بلادى بلادى تمثالاً ؟ ألا يستحق العقاد تمثالاً فى ميدان روكسى حيث كان يعيش ؟ ألا تستحق كاتبة مثل بنت الشاطئ تمثالاً ؟ ثم ألا يستحق تمثالاً كل من محمد عبده ، وأحمد لطفى السيد ؟ هذه فقط بعض الأمثل التى يمكن البدء بها . والله ولى التوفيق .


مدينة رمسيس


حدثنى أكثر من صديق عن مدى التلوث الذى يصيب التمثال التاريخى الفريد للملك المصرى القديم رمسيس الثانى ، نتيجة وضعه غير المبرر على الإطلاق فى ميدان رمسيس ، أو بالأحرى ميدان السكة الحديد ، الذى لا يكاد يرفع إنسان فيها رأسه لكى يتأمل عظمة المصريين القدماء ، نتيجة ما يشغله من الوصول إلى وسيلة مواصلات تحمله إلى وجهته ، سواء كانت قطاراً ، أم تاكسياً ، أم عربة نفر ، أم ميكروباص . . وقد جعلنى ذلك أفكر فى إنقاذ التمثال المسكين من هذا المكان ، الذى لو كان صاحبه حياً ما قبل - على الإطلاق - أن يوضع فى هذا المكان ! وأنا أقول ذلك ، لأن فرنسا عندما طلبت إرسال مومياء رمسيس الثانى إلى باريس لكى تجرى عليها بعض الفحوص الطبية المتقدمة ، أصر الرئيس الفرنسى الأسبق جيسكار ديستان أن يتم استقبال المؤمياء فى المطار استقبال الملوك والرؤساء . . لأن صاحبها ملك مصرى قديم ! وبالفعل أجريت له مراسم الاستقبال الرسمية من عزف للسلام الوطنى واستعراض لحرس الشرف . .

وبينما أنا مهتم بمشكلة موقع التمثال - فى الوقت الذى ألاحظ فيه أن أصحاب هذا الشأن من علماء الآثار وموظفيها وحراسها والمنتفعين بخيراتها غير مهتمين - إذا بأحد أصدقائى من المصريين المخلصين ينبهنى إلى فكرة عبقرية ، لم أتردد لحظة واحدة ، فى أن أسجلها ، وأن أكتبها فى هذا المكان . وخلاصة هذه الفكرة أن نقوم بنقل تمثال رمسيس إلى منطقة صحراوية ، نقية الهواء بعد أن نمد إليها طريقاً مزدوجاً ، وأن ننشئ على مقربة من التمثال استراحة أو أكثر ، ومجموعة بوتيكات لعرض بيع كل ما يتعلق بالفرعون الكبير من تماثيل صغيرة ، وذكريات مصرية قديمة، وأشغال فضية . . ونطلق على هذا المكان " مدينة رمسيس " . وبالطبع سوف يحقق هذا العمل نتيجتين رائعتين ، أحدهما إنقاذ التمثال الفاخر من التلوث ، والثانية إنشاء منطقة سياحية جديدة بالكامل ، يمكن أن تفتح مجالات متعددة لعمل الشباب ، وخاصة أولئك الذين يتخرجون من كليات الآثار ، والسياحة ، ولم تعد توجد أمامهم فرص عمل كافية .

أتوقع أن تكون هذه المدينة الجديدة مزاراً سياحياً أولاً للمصريين أنفسهم ، سواء كانوا عائلات أو تلاميذ مدارس وطلاب جامعات وعمال مصانع ، أو كانوا سائحين أجانب . ولا شك أن هذه المدينة سوف توسع مساحة الحركة السياحية بدلاً من اقتصارها على منطقة أهرامات الجيزة ، ومنطقة الأقصر ورحت مع صديقى أحلم بأن يساهم فى إنشاء هذا الموقع السياحى الجديد شباب المهندسين ، وخريجو كلية التخطيط العمرانى ، ولا مانع أبداً من إنشاء مجموعة مساكن وفنادق بسيطة يمكنها أن تكبر وتتسع حتى تصبح - فى يوم من الأيام - مدينة سياحية جديدة ، يتوسطها التمثال الذى سوف تحمل اسمه ، وهو اسم كبير له سمعته وبريقه فى كل أنحاء العالم.


مداخل القاهرة


فى كل مدن العالم ، يبذل المحافظون أقصى جهدهم لتجميل مداخلها ، تماماً كما نفعل نحن فى منازلنا ، فنجعل من حجرة الاستقبال مكاناً نظيفاً وجميلاً باستمرار لأنها هى المكان الذى يدخله الضيوف ، وبالتالى يعد (واجهة) البيت كله .

وعلى الرغم من أننى أدرك ما يواجه عاصمتنا من مشكلات مزمنة تتعلق بالطرق ، والمواصلات ، والعشوائيات ، إلا أننى ما زلت أسمع العديد من الشكاوى التى تشير إلى افتقاد مداخل القاهرة للطابع الجمالى والحضارى الذى يليق بالمحروسة ، مدينة الألف عام . .

وقد رأيت أنه - من المناسب قبل أن يكون لنا الحق فى اقتراح تجميل مداخل القاهرة - أن نشيد بما تم فيها من مشروعات ضخمة قضت على العديد من المشكلات ، ويكفى أن نشير إلى مشروعات الصرف الصحى ، والكهرباء ، والغاز الطبيعى ، إلى جانب الكبارى الطويلة ، والأنفاق التى كان آخرها نفق الأزهر ، وبفضله سوف يتشكل فى حى الحسين واقع حضارى جديد . . أما أروع ما تم فى القاهرة من مشروعات على الإطلاق فهو مترو الأنفاق الذى سبقت به مصر كل بلاد المنطقة ، وعندما تكتمل شبكاته وتنتشر محطاته سوف تصبح القاهرة مدينة تضارع لندن وباريس.

كل هذه المشروعات وراءها بدون شك جهود بذلتها قيادات جريئة ، وموظفون مثابرون ، وعمال مهرة . . وهى تستحق منا كل التحية والتقدير . ولولا ثقة الناس فى كفاءتهم لم طلبوا منهم المزيد .. وقد يتصور البعض أن تجميل مدخل من مداخل القاهرة المتعددة يقتصر على بناء قوس فوقه ، أو تزيينه ببعض الأضواء الملونة ، أو وضع شعار المدينة فى وسط المدخل . . كلا. فإن تجميل المدخل يمكن أن يستمر لمسافة عشرة كيلو مترات وربما أكثر ، يتم فيها توسيع الطريق، وإضاءته ، وتشجيره ، وانتقاء كل ما فى المشاتل من ورود متعددة الألوان ، وفى حالة القاهرة يمكن أن نضيف بعض المجسمات التى ترمز إلى تاريخ تلك العاصمة العريقة : مثل الأزهر والقلعة والأهرامات  وأبو الهول والمسلات . . إلى آخر ما يمكن أن يتفق عليه المتخصصون والفنانون المبدعون. و تبقى المسألة مرتبطة بنظرة حضارية تتجاوز مكاتب الموظفين التقليدين والإدارات والمصالح والأقسام واللجان العليا والمنبثقة والفرعية . . فإذا أضفنا إلى ذلك مجموعة متناسقة من الإعلانات الإرشادية التى تستقبل القادم إلى القاهرة مرحبة به ، ومعلمة له أنه سوف يدخل عاصمة البلاد الكبرى ، ومنها يمكن أن يجد كذا وكذا من المعالم السياحية ، والمزارات الدينية، وكذلك الفنادق واللوكاندات .

أما أن يصل القادم من الطريق الزراعى فلا تقابله إلا بعض المصانع الكئيبة الجدران ، والمداخن الملوثة للهواء ، وعربات الكارو السائرة فى كل الاتجاهات . . فهذه مناظر لم تعد تليق بمدخل رئيسى من مداخل عاصمة أم الدنيا : مصر .


مزيداً من حماية الطائرات


حسناً فعل الفريق أحمدشفيق وزير الطيران حين قرر تدريب مجموعة أولى من أفراد الأمن على الطائرات على كيفية التصرف السريع فى مواجهة حالات خطفها، أو تعرضها لسيطرة إرهابيين . وجاء فى تصريحات الوزير أن عهد تعيين أفراد أمن بدون مؤهلات كاملة ولا تدريب مستمر على هذه النوعية من العمل الهام جداً قد انتهى. والواقع أن هذا الإجراء الذى قامت به وزارة الطيران المصرية يعد من أعمال التوقعات المستقبلية لمرحلة صعبة سوف يشهدها العالم كله ، وليس مصر فقط ، فى المرحلة المقبلة . ولأنه على الرغم من دقة التفتيش التى تجرى لركاب الطائرات فإن المخططين يكونون دائماً أكثر ذكاء ، ويمكنهم أن يتسللوا من عنق الزجاجة الذى يتم تفتيشهم فيه ، كذلك من الممكن جداً فى المرحلة المقبلة أن يقوم عدد من المخططين بخطف أى طائرة دون أى سلاح ، وذلك عن طريق القوة العضلية وحدها . وكل هذه المصائب إنما جاءت – كما نعلم من انعدام الحكمة فى مكافحة الإرهاب ، وهو الأمر الذى سوف يزيد من ظواهره ، ويكثر من أنواعه فى الفترة المقبلة .

ولا شك أن اختطاف عدة طائرات أمريكية وتوجيهها نحو ضرب منشآت اقتصادية وعسكرية - وهو ما يشكل أحداث الحادى عشر من سبتمبر - يعتبر تطوراً نوعياً فى تاريخ إرهاب الطائرات ، فلأول مرة يتحول المختطف إلى استشهادى أى إنسان لا يقبل المفاوضة ولا المساومة ، ولأول مرة أيضاً يحول الإرهابى وسيلة نقل بهذا الحجم والكفاءة إلى سلاح مدمر . وفى تصورى أن العالم ، حتى المتقدم ، لم يستوعب جيداً هذا العمل ، ولم يقدر عواقبه المستقبلية ، لأن كل ما تقدم هو تشديد عمليات التفتيش والمراقبة فى المطارات ، والتأكد من المسافرين ، وهذه كلها إجراءات شكلية ، وغير فعالة، ويمكن لأى مخطط جيد أن يخترقها ، وينفذ ما يشاء رغم وجودها . والمسألة ببساطة أن أى نظام للأمن لا يكون كاملاً بدرجة مائة فى المائة ، وبالتالى فإن المخططين يظلون ينتظرون لحظة التراخى ، أو نقاط الضعف لكى ينفذوا منها إلى ما يريدون . .

طبعاً أهم من ذلك كله مكافحة الإرهاب عن طريق تجفيف منابعه، وإزالة مسبباته ، والعمل على إشاعة العدل والمساواة ، واستبعاد المجاملة والتحيز والكيل بمكيالين . .

ودعونى أذكركم هنا بما قاله عمر بن عبدالعزيز حين طلب منه أحد حكام الأقاليم مالاً كثيراً ليبنى سوراً حول عاصمة الإقليم ، فكتب له عمر قائلاً : وماذا تنفع الأسوار ؟ حصنها بالعدل ، ونقّ طرقها من الظلم .


مشكلة تقييم الأداء


فى كل بلاد العالم ، توجد مقاييس لتقييم الأداء . وهى إما بالدرجات (ممتاز – جيد – مقبول – ضعيف ...) أو بالأرقام والنسب المئوية أو العشرية. وهناك أشخاص محايدون ، أو الأصل فيهم أن يكونوا كذلك ، يمرون على الهيئات والمصالح الحكومية والشركات لكى يتابعوا أداءها ، ويسجلوا كفاءتها فى العمل ، كما يرصدوا أيضاً مدى التهاون أو الإهمال أو التسيب الموجود بها . ثم يرفعوا هذه التقارير إلى جهات عليا ، يكون من حقها مساءلة هذه الجهات ، وأحياناً ما يتم نشر نتائج هذا التقييم فى مجالات متخصصة أو حتى فى جرائد يومية أو أسبوعية لكى يقف المواطن العادى على سرعة وكفاءة دولاب العمل فى بلاده .

أما نحن فى مصر ، فما زال هذا التقييم غائباً أو للإنصاف شبه غائب. والمشكلة الرئيسية التى تعترض وجوده ترجع فى المقام الأول إلى عامل نفسى . تصور ! ! يقوم على أساس أن الإنسان المصرى تربى على أن يغضب أو يستنكف من أن يقيّمه شخص آخر . فهو يعمل فى تخصصه ، الذى يأخذه عادة عمن قبله ، ولا يسأل نفسه أبداً إذا كان أسلوب هذا العمل صحيحاً أم معيباً ، وإذا كان صحيحاً فهل هو منتج أم لا ؟ وإذا كان منتجاً فهل يوجد منهج آخر يجعله أكثر إنتاجاً ؟ وهكذا تمضى الأعمال وهى كما هى على حالها منذ عشرات بل مئات السنين .

ومما يذكر فى هذا الصدد أن محمد على باشا عندما أرسل بعثات من المصريين ليتعلموا فى أوربا ، قابل أحدهم ، وكان ممن درس الزراعة . وقد غضب جداً وقال له : كيف يا أستاذ تذهب إلى الغرب لتتعلم مهنة يجيدها آباؤك وأجدادك منذ آلاف السنين . وخرج الشاب محبطاً ، وظلت الزراعة على حالها بالشادوف والمحراث والبقرة التى تجرها حتى سنوات قليلة جداً . ولم تحدث الاستفادة الهائلة فى مجال الزراعة إلا عندما فتح المصريون عيونهم على أساليبها الحديثة فى الخارج ، ونقلوها إلى بلادنا .

وفى المدارس ، ما زال (المفتش) ، وقد أصبحنا نطلق عليه (الموجه) حتى لا نجرح أيضاً إحساس المدرس ، يقوم بهذا الدور . أى ملاحظة مستوى أداء المدرسين، ومدى إنتاجيتهم فى الفصول .  لكننا نعلم جميعاً مدى كراهة المدرسين  للمفتش أو الموجه ، وتحملهم

زيارته تحت ضغط نفسى هائل . وفى رأيى أن بعض المفتشين يتجاوز حدود مهمته فيقوم بالتدخل فى الحصة ويحرج المدرس أمام تلاميذه، مع أن المفروض أن يجلس فقط ويستمع ويشاهد ، ويسجل ملاحظاته بينه وبين نفسه ، ثم يعطى نسخة منها للمدرس ، فى حين يحتفظ بنسخة أخرى للإدارة .

وهذا يقودنا إلى وظائف لجان المتابعة ، التى كان من الممكن أن تقوم بمسئولية لجان تقييم الأداء ، لولا أنها لا تسجل إلا العيوب فقط ، ولا تهتم أبداً بالجوانب الصحيحة أو الجيدة فى الجهة التى تزروها . وهكذا أصبح الحال يشبه العسكرى الذى نخوف به الأولاد ، بدلاً من أن نعودهم على اللجوء إليه عند الأزمات.

وتبقى المشكلة الرئيسية فى أن العالم كله أصبح يتطلب شهادة تقييم الأداء ، وشهادة جودة . وهذا يعنى أننا ينبغى أن نسرع بتوفيرهما فى كل ما نقوم به . وأحب أن أطمئن الكثيرين إلى أن الأداء عندنا ليس سيئاً فى كل المجالات ، بل إننى متفائل من أنه سوف يبيض وجوهنا فى العديد من الأنشطة التى يمارسها أبناء مصر المخلصون .


مصر وقمحها


سألنى شاب جامعى ، على ثقافة بتاريخ مصر القديمة ، قائلاً : ألم يذكر لنا التاريخ أن مصر كانت تمد الإمبراطورية الرومانية بحاجتها من القمح ؟ قلت : بلى . قال : فما الذى جعلها الآن تستورده من الخارج لتسد حاجتها منه ؟

وقفت طويلاً أمام السؤال ، وتمنيت ساعتها لو كانت بين يدى البيانات الإحصائية الموجودة فى وزارة الزراعة عن تطور زراعة القمح فى مصر ، ومساحتها ، وإنتاجية الفدان منها ، لكننى حاولت أن ألفت نظر الشباب إلى حقيقة هامة ، وهى أن تعداد السكان فى مصر قد زاد خلال القرن العشرين زيادة هائلة ، وذلك فى نفس الوقت الذى لم تزد فيه المساحات المزروعة عموماً ، والمنزرعة قمحاً على وجه الخصوص ، بنفس النسبة ونفس المعدلات . وهكذا كانت النتيجة زيادة الحاجة إلى القمح عن كميات إنتاجه ، وهذا ما جعل مصر تلجأ إلى الاتحاد السوفيتى السابق ، ثم إلى الولايات المتحدة الأمريكية لكى تشترى ما يكمل حاجتها من القمح ، لكننى سمعت فى الآونة الأخيرة ، وخاصة بعد (أحداث) التفاوت فى سعر صرف الجنيه ، والانفلات غير المعقول للدولار ، أن مصر أخذت تعدد مصادر حصولها على القمح من بلاد تبيعه بسعر أكثر معقولية .

عاد الشاب يسأل ، بكل براءة : ولماذا لا نخصص (كل) إنتاجنا الزراعى للقمح ما دمنا نحتاج إليه بهذا الشكل ؟ قلت له : أجابتك مرة أخرى عند وزارة الزراعة ، التى ترى ضرورة تنويع ما تنتجه الأرض لكى يلبى مختلف الحاجات . قاطعنى الشاب: لكننى ألاحظ أننا نزرع أحياناً ما لا نحتاج إليه . قلت له : مثل ماذا ؟ قال بغضب : مثل الفراولة ! قلت له : لكننا نزرع مثل هذه الفواكه للتصدير ، أى لكى تأتى لنا  بعملة صعبة نتمكن أن نشترى بها القمح . قال : ولماذا هذه اللفة ؟ ثم أردف قائلاً : لو كان الأمر بيدى لأمرت بزراعة حقول مصر كلها قمحاً ، واستوردت بعد ذلك ما نحتاجه من المنتجات الزراعية الأخرى أو الفواكه !

نظرت إلى الشاب وهو يتحدث فوجدته مليئاً بالثقة ، متأكداً مما يقول ، مصمماً على تنفيذه إذا ما أتيحت له الفرصة . ساعتها قلت فى نفسى : ومن يدرى ، فلعل هذا الشاب الجامعى المتحمس ، يصبح ذات يوم وزير الزراعة فى مصر . ومن يدرى لعله يعمل على أن يسد حاجتها من القمح المصرى، ويستورد ما زاد عن ذلك !


أفلام الفن والتجارة


كلما عرض التليفزيون فيلماً قديماً بالأبيض والأسود ، تابعته حتى ولو كنت قد رأيته أكثر من مرة . لماذا ؟ لأنه مصنوع بإتقان فى مختلف جوانبه ، بدءاً من القصة والسيناريو والحوار ، مروراً بالديكور والملابس والماكياج ، وانتهاء باختيار الممثلين وصدق الأداء . يضاف إلى ذلك بعض الأفلام الحديثة المستمدة من روايات كتبها كبار أدبائنا من أمثال نجيب محفوظ ويوسف السباعى وإحسان عبدالقدوس .ولا أنسى الفيلم الذى عرض لهذا الأخير قريباً بعنوان ( فى بيتنا رجل ) والذى يستحق بالفعل جائزة نوبل ، لولا أنه فيلم عربى ! والسؤال الآن: ما الذى يجعل مثل هذه الأفلام حية حتى اليوم ، على الرغم من أنها تعالج مشكلات وتصور مواقف لم تعد موجودة فى عصرنا ؟ الواقع أن هذه الأفلام قامت على أسس فنية خالصة ، وأن كل من شاركوا فيها كان كل منهم يدرك جيداً وظيفته ، ويحسن القيام بها . ويكفى أن ألفت النظر إلى بعض الأمثلة : مستوى الإضاءة فى أفلام زمان يعدّ أفضل بكثير من أفلام اليوم الملونة . فالوجوه محددة ، وملامح الممثلين واضحة بكل تفاصيلها ، والخلفية ناطقة بالإيحاء الذى يراد تقديمه للمشاهد . وحاولوا أن تتوقفوا قليلاً أمام الورود فى فساتين البطلات تجدونها رغم أنها بالأبيض والأسود تكاد تنطق بدون ألوان . وعلى العكس من ذلك تماماً الأفلام الجديدة : الألوان باهتة ، فالأصفر مشوب بحمرة ، والأزرق مختلط بالأصفر . أما الصوت فمأساة : أذكر أننى ذهبت للسينما لمشاهدة فيلم ضخمته الدعاية كثيراً ، وهناك لم أستطع أن أتبين تفاصيل الحوار بين الممثلين ، لدرجة أننى غادرت العرض قبل انتهائه ، مصاباً بالصداع من علو الصوت وعدم وضوحه فى نفس الوقت . لا أريد أن استمر فى جلد الذات ، فالأفلام التى تصور حالياً ستكون جزءاً من ثقافة عصرنا ، وسوف تحسب علينا ، شئنا أم أبينا . ومن هنا فإن من حقنا أن نواجه أصحابها بالحقيقة ، لكى يصلحوا من حال السينما المصرية ، سواء فى التقنيات ، أو اختيار الموضوعات التى تعبر عن نبض المجتمع والعصر . ومع الأسف، أن السينما وقعت فى أيدى مجموعة من المتاجرين بها ، الذين لا هدف لهم إلا تكديس الملايين من ورائها ، لذلك فإنهم يدوسون على كل القيم الأصيلة ، والإجراءات المتعارف عليها ، ولا يهتمون إلا بما يحقق نجاح مشروعهم السريع فى الكسب المتضخم . وقد جاراهم فى ذلك عدد من شباب الممثلين ، الذين وجدوا الفرصة سانحة أمامهم فى الظهور ، ولكن أى ظهور ؟ إنه مرتبط بفترة محدودة فى إطار مشروع محدد ، ثم يذهب كل فى طريق . . كما تقول أم كلثوم فى أطلال ناجى . لقد أصبح هؤلاء الممثلون مليونيرات فى عدة سنوات ، وأحياناً فى عدة شهور ، فحققوا لأنفسهم ما كانوا يحلمون به من المجد المالى ، وأتمنى أن يستثمروه فى مشاريع اقتصادية تعود بالخير عليهم وعلى المجتمع ، لكن الفن السينمائى سيظل بحاجة إلى مجموعة من المخلصين ممن يعطونه من أرواحهم لكى يصبحوا جزءاً من وعى الجمهور : يرتبطون به فيحتفظ بهم ، ويصورونه بصدق فلا يتخلى عنهم إلى الأبد . وأخيراً ما أوسع الفارق بين الفيلم الفنى والفيلم التجارى ! !


معضلة أى حكومة


على مستوى العالم كله ، يحتل الجانب الاقتصادى المعضلة الرئيسية التى تثبت نجاح أو فشل أى حكومة فى العالم . ولأن الناس تتجه دائماً إلى النصف الفارغ من الكوب ، فإنها تركز على مجالات الفشل التى تظهر فى تفشى البطالة ، وقلة أو انعدام الصادرات ، والوقوع فى بئر الديون الخارجية ، وهبوط سعر العملة المحلية ، والركود السلعى ، وضعف الاستثمارات . ولا شك أن هذه الظواهر الستة تشتبك خيوطها بصورة تجعل من الصعب جداً فكّ الارتباط بينها ، بحيث أن أى حكومة فى العالم إذا صممت على حل مشكلة واحدة منها ، واجهتها باقى المشكلات الأخرى فأعجزتها عن التفكير والتدبير .

ما الحل إذن ؟ أولاً لابد من الاعتراف بأن الظروف المحيطة بالعمل فى أى مجال لها تأثير كبير على ازدهاره أو انهياره كما أن البيئة العالمية تماماً مثل البيئة المحلية ذات أثر مباشر على حالتى النجاح والفشل . لكن تبقى المسئولية الذاتية التى تلقى عادة على أكتاف أى حكومة تقود العمل العام فى أى بلد فى العالم .

وأول ما ينبغى التنبه إليه هو أن كثرة القوانين الاقتصادية تعتبر عائقاً يعرقل حركة الاقتصاد فى المجتمع . كذلك فإن التدخل المستمر للحكومة فى حركة الاقتصاد ، والمشاركة أحياناً فيه ، لا يتيح له الفرصة لمزيد من التوسع والانتشار . وهكذا ينبغى أن تخرج الحكومة يدها تماماً من العمل الاقتصادى ، بحيث تتركه للأفراد والشركات والمؤسسات ، وينحصر دورها فى المراقبة الجيدة لها بهدف الحصول على حصتها الواجبة من الضرائب . وهذه الضرائب هى المصدر الرئيسى لتقديم الخدمات للمجتمع فى مجالات الصحة والتعليم والثقافة والمواصلات . . الخ ، فإذا أنعم الله تعالى على الدولة بموارد أخرى ، مثل البترول والغاز الطبيعى ، وكما هو الحال عندنا فى مصر : دخل عبور السفن فى قناة السويس ، والسياحة إلى معالم الحضارة المصرية القديمة، وعائدات العاملين بالدول العربية الشقيقة ، فإن هذه الأمور تكون من قبيل (زيادة الخير خيرين) .

لكننا ينبغى ألا ننسى أن حكومات مصر المتتابعة فى عصر مبارك قد أنجزت الكثير فى مجالات استكمال البنية الأساسية للبلاد من طرق وكبارى ومياه شرب وصرف صحى وكهرباء وتليفونات ، كما حققت العديد من الأعمال الكبرى فى مجال المدن الجديدة ، والمدن الصناعية ، والقرى السياحية وخاصة على شاطئ البحر الأحمر . ويبقى بعد ذلك النصيحة الواجبة لأى حكومة والتى تتمثل فى أمرين : تثبيت القوانين الاقتصادية إلى أكبر حد ممكن ، والاكتفاء بدور المراقب لجمع الضرائب دون المشاركة بأى صورة من الصور فى النشاط الاقتصادى الحر . وعلى الله قصد السبيل.


معارض المحاربين القدماء


هى معارض تقيمها النقابات والنوادى لأولئك الأبطال الذين جرحوا فى الحروب، وأصيبوا إصابات مختلفة ،  أقعدتهم أحياناً عن المشى ، أو أطاحت بأحد أعضائهم الأساسية كالذراع أو الساق ، لكنهم صمموا أن يواصلوا حياتهم فى الإنتاج والابتكار . أجل فقد أنشأوا مصانع صغيرة وتخصص كل منهم فى منتج بعينه ، ولا شك أن الدولة قد ساعدتهم فى ذلك ، كما أن الموهوبين منهم ، سواء كانوا رسامين أو نحاتين ، قد أبدعوا بعض الأعمال الفنية المتميزة .

وعندما رحت أتجول فى معرضهم المقام حالياً بأحد النوادى وجدتهم سعداء للغاية بنظرة الإعجاب فى عيون المتفرجين ، وأؤكد أن سعادتهم بهذه النظرة كانت تفوق كثيراً تحقيق الربح الذى يستحقونه عن أعمالهم . وحين تحدثت مع بعضهم عن روعة أعماله الفنية وجدت لديه كمية من التواضع لو وزعت على الفنانين المكتملى الأعضاء لكفتهم ! !

ما أجمل أن ينهض الإنسان من كبوته لكى يتابع مسيرة الحياة من جديد . وبالطبع هؤلاء الضباط والجنود كانوا مهيئين لمهنة الحرب والدفاع عن الوطن ، وقد كانوا بكل تأكيد فى مقدمة الصفوف ، التى تتعرض غالباً للموت ، أو للإصابة . ولعلهم يذكرون جيداً زملاءهم الذين رحلوا عن الحياة ، ومن هنا كانت منحة الحياة الثانية ، بعد الإصابة ، نعمة كبرى استقبلوها بالفرح والتفاؤل ، وصمموا أن يواصلوا عملهم بالفرح والتفاؤل ، وأن يواصلوا وجهودهم فى مجالات أخرى كالإنتاج والإبداع الفنى .

راحت زوجة جارى تفاصل فى أسعار المعروضات وأصحابها يبتسمون مؤكدين لها أن هذه الأسعار أقل بكثير من مثيلاتها فى الخارج، وهى بالفعل كذلك . عندئذ همس جارى لزوجته قائلاً : مع هؤلاء الناس ، لا ينبغى أن تفاصلى . فقط شجعيهم بشراء منتجاتهم تقديراً لجهودهم ، وامتناناً لما قدموه للوطن .

إن فتح أبواب الأمل أمام المحاربين القدماء واجب المجتمع كله ، ومن حقهم علينا أن نتيح لهم كل الفرص الممكنة لتحقيق آمالهم ، وتنفيذ مشاريعهم الصغيرة ، والاحتفاء بمعارضهم الفنية . بل إن هذا الحق ينبغى أن يمتد للكثير من المعوقين وذوى الحالات الخاصة ، الذين قد يوجد فيهم عباقرة . وبهذا الشكل يتحقق التضامن المنشود بين كل فئات المجتمع ، ليس فقط بين الغنى والفقير ، وإنما أيضاً بين صحيح البدن والمعوق . وعلينا أن ندرك أن هؤلاء المعوقين ذوو نفوس شفافة، وأحاسيس مرهفة . وقد يتماسكون أمامنا لكنهم حين يصبحون وحدهم يتألمون . ويكفى لكى نشاركهم حياتهم أن نتخيل أنفسنا للحظات فى مكانهم ، وفى نفس ظروفهم . أذكر أن أحد الموظفين كان متشدداً مع بعض الطلاب المكفوفين ، ولم أجد ما أغير به موقفه سوى أن أقول له : حاول أن تغمض عينيك وتسير إلى نهاية المكتب فى اتجاه الباب.. عندئذ أدرك ما أقصده ، وأحسب أنه لم يعد لذلك مرة أخرى .


مقرر دراسى لفلسطين


أسفرت حملة القمع الإسرائيلية الأخيرة بقيادة الجنرال شارون للانتفاضة الفلسطينية ومحاولة حكومته المتعصبة إهدار كافة الحقوق المشروعة للشعب الفلسطينى إلى استنفار حالة غضب شديدة فى سائر أنحاء الوطن العربى كله ، عبرت عن نفسها فى العديد من المظاهرات ، والمؤتمرات ، والتبرعات ، وكان الملاحظ هو تأييد الحكومات للحركة الشعبية التى خرجت منددة بممارسات إسرائيل، ومعلنة عن تأييد الشعب الفلسطينى تأييداً كاملاً على الرغم من تصريح الولايات المتحدة بالغضب، وصمت الاتحاد الأوربى المتخاذل .

وفى غمرة تلك الفورة الشعبية ، والمظاهرات الطلابية الحاشدة ، برزت بعض الأمور التى كان من أهمها عدم الوعى الكافى بنشأة القضية الفلسطينية (المأساة) وتطورها، وتداعياتها .وظهر بوضوح أن شبابنا بحاجة حقيقية إلى الوعى العميق بهذه القضية ، التى هى فى واقع الأمر قضية قومية تهم كل عربى من المحيط إلى الخليج ، بل إنها تهم كل مسلم فى العالم .

ولهذا فإننى أتقدم هنا باقتراح وضع مقرر دراسى يختص بالقضية الفلسطينية، ويتم تدريسه فى مختلف مراحل التعليم ، بحيث تتدرج مستوياته من المرحلة الإعدادية حتى الجامعية ، أما مفردات هذا المقرر فيمكن أن تكون كالآتى :

فصل أول عن الوضع السياسى للعالم العربى فى نهاية القرن التاسع عشر ، وبداية القرن العشرين.

فصل ثان : حول المؤتمر الصهيونى الذى عقد سنة 1898 والذى دعا فيه هرتزل إلى إنشاء وطن قومى لليهود.

فصل ثالث : الطرق المشروعة وغير المشروعة التى قامت بها الصهيونية لتحقيق هدفها فى إقامة ذلك الوطن حتى صدور وعد بلفور لليهود سنة 1917 .

فصل رابع : دور بريطانيا أثناء انتدابها على فلسطين ، وتمهيدها لليهود بالاستيلاء على أراضى الفلسطينيين ، والتضييق على هؤلاء الأخيرين حتى صدور قرار التقسيم سنة 1948.

فصل خامس : حول أنواع الدعم الذى حصلت عليها إسرائيل من مختلف دول العالم التى كانت تدعى أنها صديقة للعرب ، وخاصة الاتحاد السوفيتى السابق، وفرنسا ، والولايات المتحدة الأمريكية .

فصل سادس : الحروب التى خاضتها إسرائيل ضد العرب فى سنوات  48 ، 56، 67، مع التركيز على حرب أكتوبر 73 ، وعوامل نجاحها.

فصل سابع : معاهدة السلام بين إسرائيل وكل من مصر والأردن ، واستمرار احتلالها لكل من هضبة الجولان السورية ، ومزارع شبعا اللبنانية.

فصل ثامن : حركة المقاومة الفلسطينية ، وفصائلها المختلفة وإنشاء منظمة التحرير الفلسطينية ، ثم قيام السلطة الفلسطينية ، والإمكانيات الفلسطينية فى داخل الأراضى المحتلة ، وخارجها .

فصل تاسع: الانتفاضة والأسباب والتى دعت إلى قيامها ، مع تصاعد الممارسات العدوانية المخجلة لإسرائيل ، وعدم انصياعها لقوانين وأحكام الشرعية الدولية.

أما الفصل العاشر والأخير: فيتضمن تحديد موقف فلسطين الواضح من القضية، والذى يتمثل فى ضرورة قيام دولة فلسطين على أرضها المخصصة لها ، على أن تكون عاصمتها القدس (الشرقية) ، وعودة اللاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم التى أبعدوا عنها ، وعقد اتفاقية سلام يحترم فيها كل طرف حقوق الطرف الآخر كاملة ، ودون انتقاص.

وهكذا يصبح هذا المقرر الدراسى جرساً يدق دائماً فى آذان الوطن العربى كله، ويسمع إسرائيل وحليفاتها صوت الحق العربى ، الذى على أساسه سوف تتكون الأجيال القادمة ، حتى تكون على وعى مستمر بواحد من أهم حقوقها فى الوجود.


من أسرار التقدم


يقال إن أحد خبراء الصين جاء إلى بعض البلدان العربية ، فوجد العاصمة تعج بالسيارات طوال ساعات النهار والليل فاندهش من أنهم لا يعملون ، وعندما جاء يوم الجمعة وجد الشوارع خالية تماماً ، فظن  أنهم قد ذهبوا جميعاً للعمل ، فكتب فى تقريره قائلاً : لقد آمنت بالله ، شعب يعمل يوماً واحداً ، و يتنزه طوال الأسبوع ! وبالطبع هذه نكته، لكنها نكتة مريرة ، لأنها تشير إلى ظاهرة كمية العمل وفاعليته فى بلادنا العربية ، وهى بكل تأكيد كمية ضئيلة للغاية إذا ما قورنت بمثيلتها فى الدول التى تقدمت أو التى قاربت من التقدم . ويكفى أن أذكر هنا ما شهدته أثناء إقامتى فى باريس ، التى يشاع عنها أنها مدينة اللهو والنيون ، فالعمل يبدأ فى الثامنة صباحاً ولا ينتهى إلا فى الخامسة يتخلله ساعة واحدة من الراحة لتناول الغذاء . وهكذا يتاح فى تلك الساعات الثمانية وقت كاف جداً لإنجاز ما ينبغى إنجازه من الأعمال، وإنهاء مصالح الناس فى مكاتب الحكومة والشركات .

أذكر أننى كنت أخرج لقضاء عدة مشاوير فى مصالح حكومية مختلفة ، وأتوقع أن يستغرق كل منها ساعة على الأقل ، ومن العجيب أننى كنت أقضيها كلها فى ساعة واحدة ، فمثلاً عندما ذهبت لكى أسجل سيارة مستعملة فى إدارة المرور خارج مدينة باريس ، وجدت فتاة لا تكاد تبلغ العشرين عاماً ، تستقبل جميع مشترى السيارات المستعملة من باريس وضواحيها - وهى تقريباً فى حجم القاهرة وضواحيها - وتأخذ من كل منهم المبايعة وتسجلها عندها ، وتستخرج من الكمبيوتر شهادة بأن السيارة غير مرهونة . . وتنتهى العملية بهذا الإجراء الذى لم الذى لم يستغرق منى ولا منها أكثر من خمس دقائق . .

مثال آخر : فى إحدى المصالح الحكومية نظام رائع أتمنى أن نقتبسه فى مصر، وهو أن كل من يدخل لإنهاء معاملته ، يجد على يمين المدخل ماكينة يستلم منها ورقة صغيرة تحمل رقماً مسلسلاً ، وعندما يدخل يجد استراحة بها العديد من المقاعد ، فيجلس على أحدها، حتى يرى الرقم الموجود معه قد ظهر على الشباك المطلوب التوجه إليه . حيث يستقبله موظف مسئول يقوم بإنهاء معاملته ، وهكذا تسير العملية - رغم شدة الزحام - بسلاسة وسهولة وانتظام . وبالطبع لا يعكرها شخص كئيب يحاول تجاوز دوره والمرور على رقاب الآخرين . هذا إذن قدر بسيط من سر التقدم ، الذى يقوم أساساً على الجدية فى العمل ، والنظافة فى المخ !

هناك أمر آخر ، وهو أن التخطيط الجيد يؤدى دائماً إلى التنفيذ الجيد . ولذلك عند إنشاء مصلحة حكومية ، أو حتى شركة خاصة فلابد من وضع نظام هيكلى لحركة المواطنين ابتداءً من دخولهم من الباب حتى إتمام معاملاتهم ، وبذلك يتم ضمان سيولة العمل وسلاسة الإجراءات . وبالطبع لابد من استبعاد الموظف الذى يعرقل مسيرة العمل فى وجوه المترددين ، أو الذى يفتح درج مكتبه لبعض القادرين !


مكبرات الصوت


عندما أنشأ المسلمون المساجد ، أقاموا لها المآذن العالية ، لكى يصعد عليها المؤذن ، ويعلن عن وقت الصلاة بصوته المجرد . ومن المئذنة العالية يمكن أن يصل صوته لأبعد مسافة ممكنة . وطبعاً كلما كان المؤذن جهورى الصوت أسمع أكبر عدد من الناس ، ونبههم إلى وقت الصلاة ، بل كلما كان صوته جميلاً كان ذلك أدعى لتحبيبهم فى الإصغاء إليه ، وترك ما فى أيديهم ، والإسراع إلى المسجد للصلاة .

ثم اخترع الغرب مكبرات الصوت ، وهى الآلة التى تكبر الصوت وتوصله إلى المئات بل الآلاف . ويكفى أن يهمس فيه الإنسان فيسمع فى كل مكان . وبالتالى نزل المؤذن من فوق المئذنة ، فلم يعد هناك داع لأن يصعد عليها ، ووضع فى مكانه الميكروفون الذى يمكنه أن ينقل الصوت لمسافات أوسع بكثير مما كان يصل إليه صوته المجرد.

وفى البداية ، استخدام المؤذنون مكبرات الصوت بتعقل ، فكانوا يؤذنون فيها فقط . . ثم جاء بعدهم جيل راح (ينشد) قبل آذان الفجر مجموعة من التواشيح تمتد إلى نصف ساعة تقريباً . . ثم جاء جيل بعد ذلك ، راح يذيع (الإقامة)، وهى الموجهة أساساً للمصلين داخل المسجد، فى الميكرفون لكى يسمعها من هو خارجه ، بل إن جيلاً آخر جاء فراح يذيع من ميكرفون المسجد (أحاديث) ما بعد الظهر والعصر والمغرب والعشاء . وقد سمعت فى بعض المساجد من يشغل الميكرفون وهو يقوم بتحفيظ القرآن الكريم للأطفال ، والأولاد بعده يكررون ، ومنهم من يخطئ وهو يصحح ، أى أن درس تحفيظ القرآن راح يذاع من ميكرفون المسجد ! !

وبالطبع استغل هؤلاء جميعاً حياء المصريين ، وصمت العلماء العارفين بأن مثل هذه الأمور لا ينبغى أن تكون ، وأن مكبرات الصوت لا ينبغى أن تستخدم إلا لرفع الآذان فقط ، وهكذا بدأ الزعيق ينتشر ، وأصوات المكبرات الصادرة من المساجد تتداخل ، ويصطدم بعضها ببعض ، وحدث ما لا يمكن تصوره وهو أن يرفع الآذان فى مسجد ، ثم عندما ينتهى يرفع من مسجد آخر ، وفى هذا عدم اتباع لدقة التوقيت . أما الأدهى فهى تلك الأصوات الخشنة والمبحوحة التى راحت تؤذن غير متبعة لسنة الرسول ، صلى الله عليه وسلم ، الذى اختار من بين جميع الصحابة بلالاً ، رضى الله عنه ، لأنه كان أنداهم وأجملهم صوتاً !

أما أسوأ استخدام لمكبرات الصوت فهو الذى حدث وما زال يحدث فى سرادقات العزاء ، دون اعتبار لراحة المرضى فى البيوت ، أو مذاكرة الأولاد استعداداً للامتحانات ، أو حتى لراحة العائدين من يوم عمل مرهق ، ويرغبون فى نوم هادئ استعداداً لليوم التالى . .


مكافحة الذباب


نحن داخلون على صيف آخر ، فماذا نحن فاعلون مع الذباب ؟ هل تظل هذه الحشرة الطائرة ، والحاملة للأمراض ، والناقلة للعدوى والملوثة للطعام جزءاً لا يتجزأ من حياتنا ؟ إن الذبابة تنشأ وتتربى فى القمامة ، وتطير فى الشوارع ، وتنتشر فى المنازل ، ولا تتورع من الدخول إلى أرقى الفنادق، والمكاتب المكيفة، وحتى استوديوهات التلفزيون . وكم يثيرنى جداً كمشاهد أن أرى ذبابة تحط فوق وجه أحد المتحدثين فيقوم بنشها ، وأحياناً تقع على وجه مذيعة مسكينة فلا تستطيع أن تحرك يدها لطردها !

الذباب يقع على عيون الأطفال فينقل إليها كل ما يقدر عليه من الجراثيم ، ويتساقط على اللحوم المعروضة للبيع فى محلات الجزارة ، ويدور حول عيدان القصب فى محلات العصير ، ويتطاير بكل وحشية فى محلات الفول والكشرى .. والناس يأكلون بدون عناية ، ثم يفاجأون بالمرض يفتك بهم من الداخل دون أن يدركوا أنه إنما انتقل إليهم من خلال تلك الحشرة وأمثالها .

كيف نكافح الذباب ؟ قبل الإجابة عن هذا السؤال الهام ، لابد أن نطرح سؤالاً أكثر أهمية هو : هل نريد فعلاً أن نكافح الذباب ؟ الواقع أن أى عمل لا يتم إنجازه إلا إذا توافرت الرغبة الصادقة فى القيام به ، عندئذ تتحول هذه الرغبة إلى تصميم أكيد يؤرق الإنسان طيلة النهار والليل ، وهنا يتجه الإنسان – مع الخبراء طبعاً – إلى وضع الخطط الكفيلة بإنجاز هذا العمل ، وهؤلاء هم الذين يدلونه على أفضل المناهج والأساليب ، وأنسب الأدوات والأجهزة ، ويحددون له الجهد المطلوب ، والمبالغ اللازمة .

إننى أعتقد أن مكافحة الذباب لابد أن تكون عملاً قومياً يشارك فيه كل فرد فى المجتمع ، لأننا جميعاً مشاركون فى توفير البيئة المناسبة لنشأة الذباب وتطوره ، وطيرانه فى الجو ، وانتهاكه الصارخ لكل مكان فى حياتنا الاجتماعية.

ومع أننى لست خبيراً فى المجال ، فإننى أتصور المكافحة تتم على ثلاث مراحل، الأولى تتعلق بالتوعية ، والثانية بالمكافحة السلبية، والثالثة بالمكافحة الإيجابية التى ينتهى بها الذباب من أرض مصر الطيبة ، وسمائها الصافية .

أما التوعية فما أسهل أن تقوم بها وزارة التربية والتعليم ، والتعليم العالى ، والبحث العلمى ، والأوقاف ، والإعلام، والشباب ، وبالطبع وزارة البيئة. وذلك من خلال خبراء متخصصين يشرحون للجماهير طبيعة الذباب ، ونشأته ، وتكاثره ، والآثار الصحية الضارة الناشئة عن وجوده فى حياة الإنسان والبيئة ، ثم يضعون الخطط الكفيلة بالقضاء عليه .

وأما المكافحة السلبية ، فأعنى بها إزالة كل ما من شأنه أن يعمل على وجود الذباب وتكاثر أعداده ، من خلال وضع القمامة فى أكياس ، وتنظيف الأماكن ، وتهويتها المستمرة ، وعدم رش الشوارع بمياه الشرب ، وتجنب حدوث البرك والمستنقعات ، وردم الترع والمصارف المكشوفة وسط الأحياء السكنية . . الخ تلك القائمة المعروفة جيداً فى مجال النظافة ، والحفاظ على البيئة .

وأما المكافحة الإيجابية ، فإننى أذكر هنا ما قامت به الصين فى يوم من الأيام من حملة قومية متكاملة للقضاء المبرم على العصافير التى كادت تصفّى النباتات من الحبوب . كم تبلغ مساحة الصين ؟ وكم يمكن أن نتصور أعداد العصافير بها ؟ ومع ذلك فقد تم القضاء عليها فى غضون ثلاثة أيام فقط ، تم بعدها الإعلان عن خلو الصين تماماً من تلك العصفورة التى كادت تحرمهم من الغلال ! فهل يمكن أن نفعل ذلك مع الذباب فى مصر ؟


مكافحة التراب


تحتاج تكاليف سفلتة أى شارع إلى مبالغ طائلة قد تكون متوافرة لدى الحى ، وبالتالى لدى المحافظة والوزارة . وبالطبع سفلتة أى شارع هى الحل النهائى للقضاء على التراب فيه ، أما إذا لم يتوافر التمويل اللازم لمثل هذا العمل ، أو لم يوضع كأولوية فى الخطة والموازنة فكيف يكون العمل ؟ إما أن يترك الشارع مليئاً بالتراب الذى تنقله الرياح إلى داخل المنازل ، ويقوم السكان يومياً بإزالته من فوق أثاثهم بالمكانس العادية ، أو بالمكانس الكهربائية التى تضاف إلى فواتيرهم ، وإما أن ينهض أهل الشارع بمبادرة خاصة من جانبهم ، بإزالة التراب من الشارع الذى يسكنون فيه ، بدلاً من انتظار البلدية التى قد يتأخر مجيؤها .

قال لى صاحبى : كيف تدعو إلى أن يقوم السكان المحترمون بمثل هذا العمل ؟ وأنا أسأل : وهل يرضى هؤلاء المحترمون أن يظلوا يتنفسون التراب ومشتقاته التى تملأ صدور أبنائهم حتى يأتى الفرج من الحى والمحافظة والوزارة ، أم الأفضل أن يقوموا بمبادرة خاصة يساهمون فيها بتنظيف شارعهم من التراب ، وتنقية الجو الذى يحيط بهم من الغبار المتصاعد منه ؟ ولماذا يستنكف أو يستكبر هؤلاء المحترمون من القيام بمثل هذا العمل ، والشارع شارعهم ، وهم ينتمون إليه ، كما أنه ينتمى إليهم ؟

لقد تعودنا طويلاً أن تقوم الحكومة بكل شئ . وهذا أمر جيد عندما تتوافر الوسائل اللازمة لذلك ، والتمويل الكافى له . لكن عندما يقل هذا التمويل وتصعب الظروف ، فلابد أن يشارك الشعب فى عمل يعود عليه بالنفع . وأنا هنا لا أتحدث عن خطط مستقبلية أو استراتيجيات ، وإنما عن فعل جماعى يستطيع أى أهل الحارة أو زقاق أو حتى شارع كبير أن يساهموا فيه ، دون حرج أو استكبار .

التهامه حبوب القمح والذرة وهى ما زالت فى الحقول ، وعندئذ تحدد يوم محدد لجميع أهل الصين أن يوقفوا هذا الخطر ويقضوا على هذا الطائر . وقد قال لى أحد الأساتذة المصريين الذين كانوا هناك فى ذلك الوقت ، أن أساتذة الجامعة ومديرها نزلوا إلى الحقول ، وظلوا يطاردون الطائر حتى تم الإعلان فى نهاية اليوم عن القضاء عليه . وقد بلغنى أيضاً أنهم فعلوا ذلك مع الذباب . والسؤال الآن : هل الذى قام بهذا العمل قد انحط قدره ، أو تأثرت مكانته الاجتماعية ؟ على العكس إنه يفخر الآن أمام أبنائه وأحفاده بأنه ساهم فى هذا العمل العظيم . فهل يحدث عندنا شئ من ذلك فى مكافحة التراب بالشوارع إلى حين مجئ الفرج ، ويتم فرش الأسفلت عليها ؟ ‍!


موعد النشرة


كنا نجلس حول التلفزيون منتظرين مشاهدة نشرة أخبار التاسعة، لكى نتابع ما يحدث يومياً فى فلسطين المحتلة ، وبعض الأحداث العربية، وما يحدث فى العالم ، واقتربت الساعة من التاسعة ، ثم وصلت التاسعة ، وتجاوزتها بدقيقة ، واثنتين وخمس دقائق ولم تأت النشرة ! ! كيف يحدث هذا مع أن نشرة الأخبار كانت طوال عمرنا سواء فى الإذاعة ، ثم فى التلفزيون منضبطة تماماً مثل الساعة بدقائقها وثوانيها ، بل إننا كنا نضبط عليها الساعة .

وراح بعضنا يقول : السبب هو إهمال العاملين ، والبعض الآخر يقول: لعلهم ينتظرون أخباراً لم تأت بعد ! وبعض ثالث يقول : إنهم يعاملون النشرة معاملة المسلسل والأغنية ! وطبعاً لم يعرف أحد منا السبب الحقيقى الذى يقف وراء عدم إذاعة النشرة فى دقيقتها المحددة تماماً ، وتبقى معرفة هذا السبب سراً خاصاً بالتلفزيون ، الذى لم نكن نتوقع له أن يكون أقل من قنوات أخرى فى المنطقة العربية، تلتزم ، فى دقة بالغة، بموعد النشرة تماماً .

إننى أؤكد على هذا الموضوع لأننى شخصياً ، ومعظم أبناء جيلى، قد تعلمنا احترام دقة المواعيد من التربية فى أسرتنا أولاً ، ثم من الجرس فى مدارسنا ثانياً ، ثم من وسيلة الإعلام التى كانت متوافرة على أيامنا ، وهى الراديو ، حيث كانت تنقل الإذاعة صوت دقات ساعات جامعة القاهرة ، يليها مباشرة (مارش) نشرة الأخبار فى الثانية والنصف ظهراً ، والثامنة والنصف مساء . . وأذكر أنه لم يحدث قط أن تخلفت نشرة عن موعدها ، أو حدث اضطراب فى دقات الساعة !

قلبى إذن مع الجيل الجديد ، أو بالأحرى : قلبى عليه ! فمن أين يحترم دقة المواعيد ، والانضباط فى البدء والانتهاء من العمل ، والالتزام بمراحله المتتالية ؟ يحدث معى شخصياً أن أعطى موعداً لطالب ، له مصلحة يريد قضاءها ، فأقول له : هل تناسبك الساعة العاشرة غداً ؟ ثم أفرغ للموعد تماماً منتظراً وصوله ، فتمر الدقائق، وأحياناً لا يأتى إلا بعد نصف ساعة أو ساعة ، ولا يحمل على وجهه أى علامة تدل على الاعتذار، وعندما أسأله : ما الذى أخرك ؟ يجيبنى بكل بساطة : المواصلات ! ويعلم الله أن المواصلات بريئة من تهاونه ولا مبالاته . فلو أنه نزل من منزله قبل الموعد بوقت كاف لجاء فيه تماماً ، أو فعل كما أفعل أنا ، وجاء قبله !

إن احترام الوقت ليس فقط جزءاً من احترام الذات ، وإنما هو عامل أساسى فى إنجاز الأعمال ، ونجاح الأفراد ، وتقدم المجتمعات .

وصديقى الآخر ، صاحب شركة لها فروع ، قال لى يوماً : حدثنى فلان أن أعين ابنه خريج الجامعة ، فى أحد فروع الشركة ، بعد أن راح يشكو لى من كثرة الأبناء ، وثقل تكاليفهم ، وثمن العلاج والدواء حتى حددت له موعداً يقابلنى فيه ابنه وبالفعل جلست أنتظره بعد أن قلت للسكرتيرة أن تدخله على الفور بمجرد وصوله . . ومرت أكثر من ساعة ، لم أعط فيها لأحد موعداً آخر ، كما ألغيت لقاء بعض الأشخاص المهمين .. وأخيراً جاء " المحروس " بدون مبالاة . . فاعتذرت له عن عدم وجود عمل لدى ، مع أن قلبى كان يتقطع على والده المسكين !


مواعيد المقاهى


فكرت طويلاً فى ضرورة تحديد أوقات لفتح وإغلاق المقاهى ، على غرار ما يحدث فى البلاد المتقدمة حيث نجد للمقاهى مواعيد محددة ، فلا تفتح أبوابها وتستقبل الزبائن إلا عندما يخرج الموظفون من المصالح الحكومية ، والشركات والعمال من المصانع لكى يتناولوا غداءهم ، عند الظهيرة ، ثم تغلق بعد ذلك ، لكى تفتح مرة أخرى بعد حوالى أربع ساعات حتى الساعة الثامنة أو التاسعة مساءً على أكثر تقدير . . وهكذا فإن المقاهى فى الدول المتقدمة تخلو فى العادة من الكسالى والفارغين ، فى نفس الوقت الذى تقدم فيه خدمة حقيقية لمن يريد تناول مشروب ، أو يتناول طعاماً خفيفاً ، أو يواعد صديقاً ليذهبا معاً إلى مكان ما ، أو يتحدث فى التليفون . . الخ . أما لعب الكوتشينه والطاولة وتدخين الجوزة والشيشة والجلوس على المقهى طوال اليوم للثرثرة واستعراض الرائح والغادى كما يحدث عندنا وذلك شئ آخر . .

من هنا فإننى أرى أن المقاهى بهذا الوضع تعتبر بؤراً للتكاسل ، وعدم الإقبال على العمل ، وأضعاف روح النشاط والحيوية فى المجتمع.. فما معنى أن تفتح المقهى لاستقبال روادها من الساعة الثامنة أو التاسعة صباحاً ؟ وما معنى أن تظل مفتوحة حتى منتصف الليل أو بعده أحياناً ؟ وليس معنى هذا ان المقاهى غير ضرورية . فكل بلاد العالم تحتوى على مقاهى ، لكن من الواجب أن تتم العناية بها، وأن توضع مواصفات عامة تطبق عليها جميعاً ، تاركين لكل صاحب مقهى أن يضع – بعد تحقيق المواصفات الأساسية ما يشاء من الجماليات والكماليات . .

أذكر أن الإمام محمد عبده قال أنك إذا أردت أن تعرف روح أى مجتمع ، فاجلس على أحد مقاهيه الشعبية ، وهى كلمة فيها الكثير من الحقيقة . لأنك إن جلست فى مقهى فإنك تشاهد بسهولة سلوك الناس ، وتستمع إلى لغتهم ، وتستنتج مدى التواصل أو التباعد بين بعضهم البعض .

لذلك فإن وضع نظام لعمل المقاهى قد أصبح ضرورياً فى ظل حركة التنمية التى يمر بها مجتمعنا فى الوقت الحاضر ، حتى تكون أماكن لراحة المرهقين من العمل ، وليس لإقامة الفارغين ، ولكى تقدم خدمة حقيقية للناس ، بدلاً من أن تتحول إلى مصادر لملء الهواء بالتدخين ، وتلويث البيئة .


موائد الرحمن


أذكر وأنا صغير أن من أجمل أوقات رمضان كان هو وقت تحلق الأسرة كلها حول مائدة الإفطار : الأب والأم والإخوة والأخوات ، ونظل ننتظر مدفع الإفطار حتى ينطلق ، ثم ينساب آذان المغرب بصوت محمد رفعت أو عبدالباسط وغيرهما من كبار مقرئى القرآن الكريم . . ولم يكن التليفزيون قد ظهر ، فكنا لا نسمع سوى الراديو بابتهالاته الدينية المؤثرة ، وبرامجه الخفيفة الظل . .

لكن أسوأ ما كان يؤرقنى وأنا أتناول طعامى فى هذا الجو الحانى هو سماع شحاذ عجوز يجوب الشوارع ، وينطلق نداؤه المبحوح (مسكين يا محسنين لله) وكذلك (حسنة قليلة تمنع بلاوى كتيرة) والمشكلة أننى كنت أصدق فعلاً أن الرجل محتاج للطعام بينما توجد ألوانه المختلفة على مائدتنا، ولو أن الأمر كان يومها بيدى لحملت إليه طبقاً مملوءاً بالطعام الفائض عن حاجتنا . .

ومرت الأيام ،حتى أصبحنا الآن لا نسمع مثل هذا الشخص ، وهو ينادى على حاجته للطعام بينما الصائمون يتناولون إفطارهم المتعدد الألوان. وما ذلك إلا لأن العديد من أهل الخير ، الذين راحوا يتنافسون فى إقامة ما يسمى بموائد الرحمن ، ويضعون عليها كل ما يحتاج إليه الصائم فى إفطاره، ويتيحونها لكل من يرغب فى الجلوس عليها ، أو حتى الأخذ منها لبيته وأولاده . .

ومن الغريب أن تظهر بعض الأصوات التى تحرم هذه الموائد ، أو التى تقول إن بعض أصحابها لا يصلحون أن يقوموا بفعل الخير . وهذا كلام لا أساس له من الصحة ، ولا يعتمد على أى أصل من الدين، فلكل مسلم أن يقوم بفعل الخير ما وسعه ذلك ، وعندما أقول (كل مسلم) فلا ينبغى التفريق بين مسلم صالح ، ومسلم غير صالح، فالكل مطالب بفعل الخير ، وبذل المعروف ، والتصدق بما يستطيع كجزء من تقربه إلى الله تعالى ، وأحياناً من توبته إليه ، لذلك لا ينبغى علينا - كبشر - أن نمنع أحداً من فعل الخير. ومن المؤكد أن موائد الرحمن من صميم عمل الخير ، لأنها تساعد الكثيرين ممن يحتاجون إلى هذه المساعدة ، وخاصة فى شهر رمضان المبارك، الذى ينبغى أن تتواصل فيه العبادة ، وأن تكثر فيه الصدقات ، وأن يدلى فيه كل مسلم بما يقدر عليه من أجل مساعدة المحتاجين ، وبذلك يترابط المجتمع ، وتتحقق فيه التعاليم الإسلامية التى تدعو إلى التعاطف والتراحم والتعاون على البر والتقوى، بدلا من التعاون على الإثم والعدوان.

ونسمع أحياناً أن بعض أصحاب موائد الرحمن (يستعرضون) ، بمعنى أنهم يتفاخرون فيما بينهم . وأقول : لا علاقة لنا بنواياهم فى ذلك ، وكل ما يهمنا منهم هو تقديم تلك الخدمة الرمضانية للمحتاجين إليها ، وعلى أقل تقدير ، إذا لم تعجبنا أعمالهم فلا داعى لأن نهاجمهم، أو ندعو إلى إلغاء تلك الموائد التى أصبحت بالفعل مظهراً رائعاً من مظاهر التضامن الاجتماعى فى مصر خلال شهر رمضان .

أما أصحاب موائد الرحمن فأنا أقول لهم : بارك الله فى أعمالكم ، وطهركم بها من الذنوب ، وفتح لكم بها باب رحمته الواسعة ، والتى لا ينبغى لأى إنسان - كائناً من كان - أن يقف حائلاً بينها وبين الناس . فالله تعالى قد ذكر لنا أن رحمته وسعت غضبه ، وأنه هو التواب الرحيم ، وهو تعالى قابل التوب وغافر الذنب ، كما دعانا إلى العمل الصالح ، ومن هذا العمل الصدقات على الفقراء والمساكين ، ووعدنا بان الحسنة بعشر أمثالها، وأن الله يضاعف لمن يشاء . .


هدية لأهل السينما


فى روايته البديعة (حديث عيسى بن هشام أو فترة من الزمن) لمحمد المويلحى ، وهى من أوليات الروايات المصرية فى العصر الحديث ، يتخيل الكاتب قيام أحد الأشخاص من القبور ، هو ناظر الجهادية التابع والصديق لأفندينا إبراهيم باشا ابن محمد على ، ومصاحبته لراوى الحكاية عيسى بن هشام ، لكى يتجولا معاً فى أحياء القاهرة . وبالطبع تحدث العديد من المفارقات المضحكة جداً ، لأن الرجل الذى بعث من الموت سوف يعيش فى عصر آخر ، لا يعرف الكثير من إجراءاته ومصطلحاته وأسلوب الحياة الجديدة فيه . ومما يزيد المواقف سخرية أن الرجل كان يتبوأ منصباً مهماً جداً فى عصره ، لكنه يفاجأ بأن الناس لا تعرفه إلا بشخصه فقط ، ولذلك سوف نجده يلقى فى الحجز بقسم الشرطة ، وينال الكثير من الاستهزاء والسخرية بسبب عنطزته التى يعامل بها المسئولين ، وكأنهم مرؤوسون له كما كان أمثالهم فى الماضى .

لقد قرأت هذه الرواية أكثر من مرة ، وبالتحديد ثلاث مرات . مرة فى الصبا ، ثم فى فترة الشباب . . وأخيراً فى الوقت الحاضر .

وكلما قرأتها أو أعدت قراءتها أجدها تزداد روعة ، وتتألق كل عناصر الجمال فيها كعمل أدبى ، لا يقتصر فقط على المحلية ، وإنما يرقى بكل جدارة إلى مستوى العالمية .

تعجبت كثيراً من اهمال هذه الرواية المتميزة من جانب السينما والتلفزيون عندنا ، أو حتى فى البلاد العربية ! وكيف أن كاتب سيناريو مصرياً أو عربياً لم يتنبه إلى قيمة هذا العمل الرائد ؟ ولماذا لم تقع عليه عين مخرج مصرى متميز لكى يقدمه للناس فى صورة دراما تستجيب لأذواق الناس فى هذا العصر ، بعد أن تضاءلت نسبة القراءة بين الناس ، وخطفت (الصورة المتحركة) اهتمام الجماهير والمثقفين معاً ؟

إن أروع ما فى (حديث عيسى بن هشام) أنه يضع الإنسان أمام حقيقة الموت التى يتساوى عندها الجميع ، والتى لا تعرف منصباً ولا جاهاً ، وإنما تواجه الإنسان، كائناً ما كان ، بحقيقته الخالصة من دون أى تزويق أو تجميل أو أقنعة . كذلك فإن الرواية تؤكد على نسبية الحقيقة التى قد تختلف من عصر إلى عصر آخر ، وبالتالى فإن على الإنسان أن يعيش عصره ، وأن يتعامل معه بأسلوبه ، بدلاً من أن يظل هائماً فى الماضى ، غارقاً فى خيالاته . وليس معنى هذا أن حقائق الماضى تكون كلها خاطئة ، بل إنها فقط قد لا تكون كلها صحيحة ، تماماً كما أن العصر الحاضر يحتوى على الصواب والخطأ . ثم تبقى دائماً روعة الكاتب الذى ملأ روايته بالمواقف الساخرة التى تحتوى على متناقضات الحياة اليومية الجارية . وهذه سوف تظل على الدوام نبعاً لا ينضب لكل الأعمال الفنية والأدبية العظيمة ، التى تتحدى الإهمال أو النسيان .

رحم الله المويلحى ، وهدى أهل السينما عندنا لكى يفكروا فى تجسيد رائعته المصرية (حديث عيسى بن هشام ، أو فترة من الزمن).


يتفضل برفع يده


هذه العبارة تتردد كثيراً من السيدين رئيس مجلس الشعب ورئيس مجلس الشورى وخاصة عندما يعرض أحدهما على السادة الحضور اقتراحاً للتصويت عليه . وبالطبع يرفع الأغلبية أو البعض أحياناً أيديهم فينظر رئيس الجلسة – ودون أن يعد أو يحسب الأيدى المرفوعة – مقدراً العدد تقديراً خاصاً به ثم يقول " موافقة " . والذى أتمناه لكل من المجلسين الموقرين أن يستعينا بالوسائل الإلكترونية الحديثة التى نشاهدها فى معظم برلمانات العالم وهى عبارة عن توافر ثلاثة أزرار أمام كل عضو يضغط على أولها للموافقة وعلى الثانى لعدم الموافقة وعلى الثالث لتسجيل امتناعه عن التصويت. حينئذ وفى نفس اللحظة تظهر على لوحة كبيرة موجودة بالمجلس أعداد الموافقين والمعارضين والممتنعين عن التصويت وبهذا الأسلوب يتحدد مدى المشاركة الحقيقية فى المشروعات المقدمة من وإلى المجلس كذلك فإننا بهذا الأسلوب نساير البرلمانات الموجودة فى البلاد المتقدمة ونكون قد استعنا بالتكنولوجيا الحديثة فى نظامنا الديمقراطى الذى شهد طفرة كبرى فى عهد السيد الرئيس محمد حسنى مبارك.

لقد قال لى صديق عاقل : إننى ألاحظ أن رئيس مجلس فى حجم مجلسى الشعب والشورى لا يمكنه أن يعد أو يحسب بالضبط عدد الأيدى المرفوعة سواء بالتأييد أو الرفض وأحياناً يكون العدد محتملاً للقلة فنراه يعلنه أغلبية وهذا قد يهز مصداقية القرار وخاصة لمشاهدى الجلسات على الشاشة ثم أضاف قائلاً أن استخدام الأعضاء للأزرار سوف يحد كثيراً من حركتهم فى طرقات المجلس وخاصة مجلس الشعب لأن كلاً منهم لكى يسجل صوته لابد أن يستقر فى مكانه وأخيراً قال ضاحكاً : كما أن هذا الأسلوب الحضارى سوف يوفر علينا أيضاً رؤية ذراع أحدهم حين يرفع يده ويكون مرتدياً جلباباً واسع الأكمام !

قلت له : لقد سبق أن بعثت بتحية لمجلس الشعب من هذا المكان مشيراً إلى أهمية اكتمال عدد السادة النواب والتزامهم بالإصغاء عندما يتحدث أحدهم وعرض مطالبهم باختصار وموضوعية وتجنب التكرار ما أمكن مع مراعاة أن التليفزيون المصرى ينقلمشكوراً – جلساتهم إلى ملايين المشاهدين فى مصر والعالم الأمر الذى يضع على كل منهم مسئولية الحفاظ على المظهر العام والالتزام بآداب العضوية فى هذا المجلس الذى نتمنى له كل التوفيق وتطوير آليات العمل به حتى يليق بمكانة مصر  وهى فى مطلع القرن الحادى والعشرين .


واجبات نقابة الأطباء


شكا أهل بغداد فى القرن الثالث الهجرى من ضعف الأطباء ، ومن إهمالهم أحياناً ، فقرر أحد الخلفاء العباسيين إجراء اختبار عام لكل من يمارس مهنة الطب ، ومن العجيب أن هذا الاختبار الشفهى كان يجرى أمام الخليفة نفسه . وراح الأطباء يتوافدون واحداً بعد الآخر على لجنة تم تشكيلها من كبار الأطباء الموثوق فيهم ، وجرى اختبارهم لمعرفة الطبيب الحقيقى من الطبيب المزيف . وبالطبع ظهر أطباء مزيفون أبعدوا على الفور من ممارسة مهنة الطب ، التى تتعلق بأرواح الناس ، وليس فقط بصحتهم .

وفى عصرنا الحاضر ، أصبح لدينا كليات تخرج الأطباء الحقيقيين، والذى لا يحصل منها على شهادة موثقة لا يحق له أن يمارس تلك المهنة الإنسانية النبيلة والجليلة معاً . لكن بعض ضعاف النفوس قالوا لأنفسهم : وهل لابد من الحصول على شهادة طبية لممارسة المهنة ؟ وألا يمكن تزوير شهادة والحصول بها على القيد فى نقابة الأطباء ؟

وهكذا بدأنا نسمع عن ضبط بعض الحالات الصارخة التى استطاعت أن تمارس المهنة لسنوات طويلة دون أن يكتشف أحد أنها مزيفة . والواقع أن مسئولية اكتشاف هؤلاء الأطباء المزيفين لا تقع على الجامعات التى انتسبوا زوراً إليها ، وإنما تقع فى المقام الأول على نقابة الأطباء التى ينبغى عليها (أولاً) أن تتحقق من صحة الشهادات، سواء كانت محلية أو أجنبية ، قبل أن تسجل أصحابها فى النقابة ، ثم عليها (ثانياً) أن تتأكد من سلامة شهادات الأطباء الذين يمارسون المهنة بالفعل ، وفى هذا الصدد ينبغى ألا تخشى من السمعة أو الصيت ، ولابد أن تتحقق من شهادات (كل) ممارس للمهنة بدون استثناء، فلعل وعسى يوجد من ضحك على المجتمع طوال عشرين أو ثلاثين سنة ، فهذا أمر محتمل . وقد حدث مثله مع الخليفة العباسى نفسه فقد روى أن شخصاً محترماً جداً فى مظهره دخل على الخليفة فاحترمه جداً وقربه إليه ، بل راح يشكو إليه من زيف الأطباء وصعوبة المشكلة ، ثم بعد فترة سأله عن حاله ، فأجاب مرتعشاً بأنه من هؤلاء الذين يمارسون الطب دون دراسة سابقة ، عندئذ مدّ الخليفة رجله ، وأمر بطرده من المجلس !

المشكلة هنا أن لدينا فى مصر منظومة رائعة من القوانين واللوائح ، لكنها تحتاج إلى التنفيذ ، وكذلك إلى متابعة التنفيذ . ولو تم هذا وذاك لغابت سلبيات كثيرة يعانى منها المجتمع ، وسيظل يعانى ما دام القائمون على هذا التنفيذ والمتابعة كسالى أو مهملين. وإذا كان الشئ بالشئ يذكر ، فإننى أطالب نقابة الأطباء بمراقبة (اليافطة) التى يضعها أى طبيب على عيادته ، ويذكر فيها تخصصه ، بل تخصصاته التى أصبحت كثيرة ومتنوعة ، أذكر منها على سبيل المثال (باطنى . جراحة . قلب . روماتزم . توليد . . ) وبعضهم يضيف إلى ذلك (أشعة بالكمبيوتر) .

أيتها النقابة . . كان الله فى عونك ، فإن عليك واجبات كثيرة .


أدعو إلى عيد للوقت


لماذا للقمح عيد ؛ وللحب عيد ؛ وللأم عيد ؛ وليس للوقت عيد ؟! إننى أدعو إلى تخصيص يوم يكون عيداً للوقت ، وأتصور أن تجرى مراسمه على النحو التالى : نستيقظ فى الصباح على جرس منبّه فى ساعة ودقيقة محددتين ، ثم نتناول إفطارنا ونسرع بالذهاب إلى أماكن العمل أو الدراسة حتى نصل إليها فى دقيقة محددة ، ونظل نعمل بكل جدية حتى يحين وقت انتهاء العمل أو الدراسة ، فنخرج فى وقت محدد، لنجد وسائل المواصلات العامة تتحرك فى وقت محدد . . وعندما نعود للمنزل ، نتغدى أو نتعشى ثم نفتح التليفزيون لنجد برامجه تبدأ وتنتهى فى أوقات محددة ، يكون قد تم الإعلان عنها مسبقاً . .

وفى هذا اليوم ( السعيد ) ، إذا واعدنا شخصاً بأن نزوره فلابد أن نحدد له موعداً ، وأن نطرق بابه فى نفس اللحظة ، لا قبلها ولا بعدها . . ومن الطبيعى أن نستعد لهذا اليوم بأن نضبط كل الساعات فى أيدينا حتى لا تتقدم أو تتأخر ، وأن نصلح المعطّل منها ، وأن نضع حجر بطارية فى الساعة المتوقفة !

وعلى خلاف كل الأعياد ، ينبغى أن نطبق عقاباً صارماً على من يخلف موعده ، أو يتأخر عن وقت عمله . وفى المقابل نخصص جوائز قيمة للذين التزموا بأخلاقيات هذا العيد ( الدقيق ) ، والذى ينبغى أن يكون مروره علينا يوماً واحداً فى كل عام – مناسبة طيبة ، نتبادل فيها التهانى بالأوقات السعيدة ، وندعو فيها مع ابن الجوزى – أحد علمائنا القدامى – الذى كان يقول : " نسأل الله ، عز وجل ، أن يعرفنا شرف أوقات العمر ، وأن يوفقنا لاغتنامه " .

أما هواة تبادل البطاقات ، فنصيحة لكل منهم أن يكتب لصديقه ، بدلاً من " كل سنة وأنت طيب " : " كل دقيقة وأنت طيب " .


أسلوب بيع اللحوم


لست أدرى إلى متى يظل بيع اللحوم عندنا يجرى بهذه الصورة غير الحضارية، وغير الصحية ، ومن ذلك تعليق الذبائح فى محلات الجزارة ، مع تعريضها للذباب ، وملوثات الهواء ، وعوادم السيارات ، بالإضافة إلى ما أشاهده بنفسى أحياناً حين أجد الجزار – قبيل   المغرب – يرش اللحم المعلّق بالبيرسول حتى يحميه من هجوم الناموس !

كذلك فإن بيع اللحوم بالكيلو ينبغى أن يحل محله بيعها بالجرام ، لسبب رئيسى وهو ضرورة التوجه نحو ترشيد تناولها نظراً لما تسببه من أمراض ، وفى مقدمتها زيادة نسبة الدهون فى الجسم ، وتجلط الشرايين . . الخ . ومن المعروف أن الإنسان فى الدول المتقدمة لم يعد يقبل كثيراً على تناول اللحوم خوفاً على صحته وحياته ، وصار الاتجاه العام حالياً نحو الإكثار من تناول الخضروات والفواكه ، والبروتين النباتى بدلاً من البروتين الحيوانى .

الغريب فى الأمر أنهم فى البلاد الباردة ، وحيث يساعد الجو على عدم فساد الأطعمة عموماً ، واللحوم بصفة خاصة بسرعة ، نجد الناس يحتاطون تماماً فى تقطيع اللحوم ، وحفظها ووضعها فى أكياس صغيرة، مسجل عليها نوعية اللحم ، ووزنه ، وسعره ، وتاريخ صلاحيته . . ثم يُعرض بعد ذلك فى ثلاجات والناس بأنفسهم هم الذين يختارون ما يناسبهم ، كل حسب حاجته ومقدرته المالية .

أما عندنا ، فالجو لا يساعد أبداً على صلاحية اللحوم لمدة طويلة، بل إن الشمس الساطعة طوال العام يمكنها أن تفسد اللحم ، وتزيد من عفنه ، ومع ذلك فنحن نعرضه للشمس وللملوثات ، ولعوادم السيارات، ولكل ما من شأنه أن يضر بصحة الإنسان . ولا أدرى لماذا تتجاهل كل من وزارة الصحة ووزارة التموين هذا الأمر الهام ؟

وهناك فائدة أخرى لبيع اللحوم فى أكياس محددة الوزن والسعر ، وهى إتاحة الفرصة لأى شخص أو لأى أسرة أن تتناول من اللحوم قدراً ولو ضئيلاً ، يتمشى مع إمكانياتها المادية ، فبدلاً من الشراء بالكيلو أو النصف (وبالمناسبة اختفى تماماً بيع اللحوم بالربع كيلو) يمكن للشخص أن يتناول مائة جرام أو مائتين . . وهو الوزن الذى يمكن أن يكون مناسباً له . .

وهكذا فإن دعوتى هنا إلى ضرورة إعادة النظر فى أسلوب بيع اللحوم سوف يحقق الكثير من الفوائد فى وقت واحد ، أهمها الحفاظ على الصحة ، وترشيد الاستهلاك ، ومراعاة البعد الاجتماعى فى توفير اللحم لكل شخص حسب مقدرته البسيطة ، وأخيراً عدم الدخول فى معركة الفصال مع الجزار ، الذى أصبح يحرص على أن يضع الميزان فى مستوى أعلى من رأس الزبون حتى لا يراه وهو يغش !


إسكان الشباب


عندى حل لمشكلة إسكان الشباب فى مصر . ومع أننى لست خبيراً فى الهندسة والتخطيط العمرانى ، إلا أننى احتفظ فى ذاكرتى ببعض المشاهدات فى الغرب، التى كنت أقول لنفسى وأنا أراها وألمس فوائدها لماذا لم يتنبه المتخصصون عندنا لها حتى ينقلوها إلى مصر ، ويريحوا بها أهلها ؟

من ذلك مثلاً أن مدينة باريس مثل مدينة القاهرة فى الازدحام والتكدس ، ولكنهم يواجهون مشكلة إسكان الشباب هناك بحل بسيط جداً. إنهم يبنون مساكن تشتمل على حجرة واحدة بمنافعها أى بالمطبخ والحمام ودورة المياه كل ذلك فى جانب من الحجرة ، بحيث يشمل المطبخ مثلاً الثلاجة والبوتاجاز ، وتكفى ستارة لتغطية دش الحمام ودورة المياه أما باقى الحجرة فيحتوى على سرير يتسع لشخصين، وإلى جواره منضدة حولها كرسيان ، وربما توجد كنبة فى جانب من الحجرة يوضع أمامها التلفزيون . . وهذا كله يسمى عند الفرنسيين (استديو) . . ويسكنه عادة شخص واحد ، أو شخصان فى مقتبل حياتهما الزوجية . وبالطبع لا يتحمل مثل هذا المكان وجود طفل . لذلك فعندما يقرر الزوجان أن ينجبا طفلاً فإنهما يكونان على استعداد للانتقال إلى شقة مكونة غالباً من حجرتين . . فإذا زاد عدد الأولاد ، وهذا مرتبط عادة بزيادة الدخل لكل من الزوجين فإنهما ينتقلان إلى شقة مكونة من أربع أو خمس غرف . . بل إن الحظ عندما يبتسم لهما فإنهما يشتريان بيتاً فى الريف إلى جانب شقة المدينة . . والمسألة تسير بتدرج هادئ ومعقول ، بحيث أن الإعلان عن الاستديوهات الخالية ، وبإيجار معقول ، ما زال متوافراً حتى اليوم ، وهذا بالطبع ناتج عن التفكير العلمى والخطط المدروسة لحركة السكان والإسكان .

لكننى أعود فأقول إن غلبة العادات المصرية أقوى من أن تتيح للفكر العلمى أن يخطط وينفذ ، لأن الأسرة المصرية تتفاخر عادة بكبر الشقة ، حتى بالنسبة لاثنين فى مقتبل الحياة الزوجية . ولابد من أن (تدخل) الزوجة على ثلاثة أو أربعة غرف ، ولابد أن يكون لديها (دستة) من كل من الملاعق ، والشوك ، والسكاكين ، وفناجين القهوة.. وبالمناسبة أنا هنا أتساءل : هل يمكن أن يجتمع 12 ضيفاً ليشربوا القهوة عند عروس جديدة ؟ ! الذى ألاحظه ، ويلاحظه معى الجميع ، أن كلاً من حجرة الجلوس أو الصالون وحجرة السفرة لا يدخلهما الضيوف إلا فى النادر ، وهكذا تظلان حجرتين غير مستعملتين لكل من الزوج والزوجة . .

ومع ذلك تبقى آفاق التجربة مفتوحة أمام المهندسين والمقاولين وأصحاب العمارات ، الذين تفننوا جميعاً فى توسيع مساحات الشقة الواحدة حتى جعلوها تشغل دوراً بكامله ، أو اخترعوا ما يسمى بالفيلا داخل الشقة ، أى يجعلون جزءاً منها يرتفع عن الباقى بمقدار درجة سلّم ! وهكذا ملأوا فراغات المبانى ، وقصروها على عدد قليل من السكان القادرين ، تاركين الشباب المقبل على الزواج ، يتمشون على شاطئ النيل ، وكل أحلامهم تنحصر فى أن تضمهم حياة سعيدة بين أربعة جدران !


أطفال المرأة العاملة


منذ مائتى عام ، سبقت المرأة الأوربية إلى اقتحام سوق العمل ، وخاصة فى المدن ، فأصبحت تعمل فى المصالح الحكومية ، والمصانع، وتمارس مختلف المهن كمهندسة وطبيبة ومدرسة وسكرتيرة ، وعاملة وسائقة باص ، وتاكسى . . الخ ، وكان عليها أن تواجه تحدياً يتمثل فى المواءمة بين عملها وبيتها ، وجاء فى مقدمة ذلك تربية الأطفال ! وعلى الفور ، ظهرت دور الحضانة التى تستقبل الأطفال من سن شهر واحد حتى أربع أو خمس سنوات .

وقد كثرت دور الحضانة حتى أصبحت فى كل حى ، لكى توفر الخدمة للمرأة العاملة التى تسكن فى أى مكان ، كذلك تعمقت فى دراسة حاجات الأطفال حسب مختلف الأعمار ، وقدمت لكل منهم ما يحتاجه من الطعام واللعب والرعاية الصحية والنفسية ، ويكفى أن تدخل حضانة أطفال فى انجلترا أو فرنسا أو إيطاليا لتشاهد مكاناً شديد التميز، يدار بكفاءة عالية ، وتعمل فيه مشرفات يقمن على رعاية الأطفال بحرص شديد ، وأمومة حانية .

وهكذا حظيت المرأة العاملة فى الغرب بأهم ما يتيح لها فرصة العمل وبالتالى الغياب عن المنزل وهى آمنة تماماً على طفلها أو أطفالها حتى وهم يتناولون غذاءهم عن طريق الرضاعة . لذلك فإن عمل المرأة مشى جنباً إلى جنب مع انتشار دور الحضانة .

أما المرأة عندنا فقد مارست العمل دون أن تجد المكان المناسب لأطفالها أثناء فترة غيابها ، اللهم إذا توافر لها وجود أم ، أو حماة ، أو استعانت بإحدى الجارات أو العاملات . وفى كل الحالات . لم تتوافر للأطفال الرعاية المناسبة ، كما لم يتوافر للمرأة العاملة الاطمئنان النفسى الذى يتيح لها أن تؤدى عملها وهى مطمئنة على سلامة أطفالها ، أو عدم تعرضهم للأذى . لذلك فإنها تقضى فترة عملها خارج المنزل وهى مشتتة الذهن ، موزعة الفؤاد ، مشغولة البال على ماذا جرى للولد ، وكيف حال البنت ؟ بل إن وقتاً كبيراً تنفقه فى الشكوى لزميلاتها بشأن هذا الموضوع !

ومن الملاحظ أن دور الحضانة قد زادت فى الفترة الأخيرة كثيراً عن السنوات الماضية ، وخاصة فى الخمسينيات والستينيات . ولكنها ما زالت غير كافية ، كما أن توزيعها على الأحياء غير مناسب . وهى أخيراً دور حضانة خاصة تنشئها سيدات حريصات على تلك المهنة الجليلة ، ولكنهن لا يجدن من يستعان بهن سوى مشرفات غير متخصصات ، وعاملات غير مشفقات . والمطلوب هنا هو وضع نموذج متكامل لدور الحضانة ، يتم تعميمه على كل الأماكن والتجمعات التى تسكن فيها نساء عاملات، وفى تصورى أننا قد بدأنا نسير على الطريق، وخاصة بعد أن أصبحنا نؤهل معلمات الحضانة تأهيلاً جامعياً من خلال كليات متخصصة لرياض الأطفال ، تقبل عليها الحاصلات على الثانوية العامة ، وبذلك نضمن نوعية جيدة من الخريجات . اللائى يقمن بهذا العمل الجليل ، هذا العمل الذى يستحق بالفعل أن نطلق على القائمة به " أماً ثانية " لأنها هى الأم التى ترعى الطفل بعناية . . فى فترة غياب " أمه العاملة " .


أخطاء المقاومة



من الثابت فى سجلات الحرية أنه ما تعرض شعب للاستعمار إلا وكان عليه أن يبذل الكثير من التضحيات لكى يحصل على استقلاله المشرف ويطهر أرضه من غاصبها اللعين ، وأن طريق الكفاح ضد الاستعمار يحتاج إلى جهود كل أفراد الشعب وليس فقط طائفة منه ، كما أن نوعيات الجهود ينبغى أن تتعدد وأن تتكامل حتى تصل إلى الهدف المنشود .

والمشكلة فى مأساة فلسطين التى مر على فكرة إنشائها قرن من الزمان ، ونصف قرن من الواقع الأليم ، أن شعبها ، الذى هو قطعة منا، قد تصور فى لحظة من اللحظات أن المستعمر سوف يمنحه الأرض التى اغتصبها بدون مقابل ، وأنه سوف يحصل عليها فوق مائدة تتوسطها باقة من الورود ، وحولها بعض زجاجات المياه المثلجة !

صحيح أن الكفاح المسلح ينبغى أن يواكبه جهد دبلوماسى وسياسى وإعلامى ، لكن أكبر الأخطاء التى وقعت ، وينبغى عدم تكرارها ، أن يلقى المناضل سلاحه ويجلس على مائدة المفاوضات . لقد كان الأجدر أن يستمر الكفاح المسلح على الأرض، بينما يتفاوض المفاوضون ، ويتحاور الدبلوماسيين ، ويندد الإعلاميون ، وهكذا كان ينبغى ألا يستقل بالقضية فريق واحد ، وإنما كان من الضرورى وجود فريقين ، يعمل كل منهما فى مجاله ، والواقع أن المستعمر قد وجدها فرصة نادرة حين رأى نفسه يجلس مع مقاتلى الأمس وقد تجردوا من سلاحهم ، لذلك فقد سهل عليه أن يعزز على الأرض مواقعه ، ويفرض على المفاوضين شروطه .

خطأ آخر فى المقاومة الفلسطينية ، أطرحه فى صيغة سؤال مباشر ؟ أين صوت أبناء فلسطين الذين خرجوا منها منذ سنة 1948 ، وتفرقوا فى بلاد العالم كله؟ ماذا فعلوا للقضية ؟ وهل حقاً يرغبون فى العودة ؟ وإذا لم يكن فى نيتهم ذلك ، فما الذى يمكن أن يقدموه للمناضلين فى الداخل من وسائل الدعم المادى والأدبى والإعلامى ؟ فى رأيى أن الجميع ينتظر حلاً سحرياً يتم على أيدى طائفة واحدة ، تهرق دمائها على الأرض من أجل فلسطين ، ثم عندما تنتصر يأتى الباقون لينعموا بما حققته تلك الطائفة ! كلا يا سادة ، فليس الكفاح من أجل الوطن (فرض كفاية) ، يسقط عن الغالبية إذا ما قامت به طائفة ، وإنما هو (فرض عين) يجب على الجميع وبدون استثناء ، وحسب طاقة كل فرد ، وتبعاً لإمكانياته .

إننى أتابع مع الملايين على شاشة التلفزيون المظاهرات التى تتجمع أحياناً حول البيت الأبيض الأمريكى فى شكل جالية يكون لها مطلب ، ويدهشنى مدى الهزال فى أعداد الفلسطينيين الذين يقومون بهذا العمل ، وعلى فترات متباعدة . وهكذا فإن من يعيشون فى الخارج لا يكاد يسمع لهم صوت فى العالم ، بينما كان يمكنهم تقديم الكثير من أجل مساعدة أخوتهم داخل فلسطين .


( نهاية الكتاب )

 

التعليقات (2)Add Comment
0
...
أرسلت بواسطة حسن فتحي, سبتمبر 30, 2015
جزاك الله الف خيرا.د.حامد طاهر واتمنى للجميع ان يوفقهم الله بهذه المعلومات الرائعه وان يعملو بها ويأخزو بأحسنها اسأل الله العظيم ان يوفقنا جميعاوالسلام عليك

حسن
0
...
أرسلت بواسطة هنا العربى, مارس 18, 2016
موضوع أكثر من رائع
اتمنى ان يتم تطبيقه فى مجتمعنا
جزاك الله خيرا يا دكتور
وجود فكر واعى زى فكر حضرتك يعطينا الامل بأننا سنصل لبر الامان باذن الله
تحياتى

أضف تعليق
تصغير | تكبير

busy
آخر تحديث الاثنين, 26 يناير 2015 20:46