عداد الزائرين

mod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_counter

إضافات حديثة

   
 
المسلمون بين الواقع والتحديات صيغة PDF طباعة أرسل لصديقك
كتبها د . حامد طاهر   
الاثنين, 02 أغسطس 2010 17:37

 

 


المسلمون بين الواقع والتحديات


نص محاضرة للدكتور حامد طاهر


تمهيـــد :

كثرت فى الآونة الأخيرة شكاوى المسلمين من تردىّ أحوالهم ، وتراكم مشكلاتهم ، وتراجع جهودهم ، وخاصة فى عصر راح العالم كله – سواء فى الغرب أو الشرقيأخذ بأسباب التقدم ، ويخطو بسرعة على طريق الازدهار الاقتصادى والرفاه الاجتماعى ، معتمدا بالطبع على استقرار سياسى ، وتمكن عسكرى .
ولاشك أن مجموع أحوال المسلمين أصبحت تمثل مرضا يحتاج إلى تشخيص ، يتبعه علاج ، وندعو الله تعالى أن يتمه بالشفاء .. وإلا فإن الأمور سوف تزداد سوءا ، والمشكلات القائمة حاليا سوف تتحول إلى أزمـات يصعب حلها ، بينما تستمر دول العالم من حولهم فى التقدم ، وهم واقفون ، أو بالأحرى : متراجعون !
هناك الكثير من الأصوات التى تدعو إلى الاصلاح ، أى بتغيير الحال من وضع سىء إلى وضع أفضل . والملاحظ على هذه الأصوات أمران ، أولهما : أن لكل منها رؤيته الخاصة ، التى تتجه إلى جانب معين أو أكثر ، بينما لا تنظر إلى الصورة كلها بجميع تفصيلاتها . والرأى الثانى : أنها تظل صرخات فى الفضاء ، ولا يكاد يستجيب لها أحد ، لا من الحكومات ولا من المجتمعات . وكل مسلم فى العالم أصبح منكفئا على ذاته ، يتألم ويشكو منتظرا أن تسقط عليه معجزة من السماء ، تغير له أحواله ، وتنقله من حال الفقر إلى الغنى ، ومن حال الضعف والمرض إلى حال السلامة والعافية ، رغم أن الخليفة الراشد عمر بن الخطاب قال لأمثال هؤلاء : ان السماء لا تمطر ذهبا ولا فضة !
لقد خلق الله تعالى الكون ، ووضع له السنن ، أى القوانين التى تتحكم فى ظواهره ، ونبه الانسان إلى معرفة هذه القوانين لكى يتمكن من الاستفادة من خيرات هذا الكون الواسع ، وما أكثرها لمن يريد !!
وبالنسبة إلى المسلمين ، فقد دعاهم الله تعالى فى كتابه الكريم ، ومن خلال سنة رسوله ، صلى الله عليه وسلم ، إلى استعمال عقولهم ، وعدم تعطيلها بالجهل أو بالتقليد ، كما دعاهم إلى أن يسيروا فى الأرض لينظروا .. وليس ليقعدوا فى مكانهم مغمضى العيون والعقول ، وقال لهم :{ كلوا من طيبات ما رزقناكم } ، كما قال لهم : اعدوا لاعدائكم ما استطعتم من وسائل القوة لكى تردعوهم ، فلا يفكروا فى الاعتداء عليكم ، وليس أن تظلوا ضعفاء هكذا فيستهان بكم ، ويزيد الطمع فيكم !!
ومن جانبنا نلاحظ أن المسلمين جميعا يؤمنون بالله الواحد ، واليوم الآخر ، ويقيمون الشعائر بانتظام : من صلاة فى المساجد ، وصيام شهر رمضان ، والزكاة لمن يقدر ، وحج البيت الحرام لمن يستطيع .. لكنهم بعد ذلك يتوقفون عن اتباع باقى تعاليم الاسلام التى تأمرهم بإقامة المجتمع الفاضل : الذى يقوم سياسيا على العدالة والمساواة والشورى ، واقتصاديا على منع الربا والغش والاحتكار ، واجتماعيا على اتباع آداب الزواج والطلاق وقوانين الميراث ، واخلاقيا على التواصى بالحق والخير ، والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ، وصلة الرحم ، والتعامل بالحسنى مع جميع الخلق ، ومراقبة الله تعالى فى كل عمل .
وفى هذا البحث – الذى كان فى الأصل عبارة عن محاضرة ألقيتها عشرات المرات إما على متخصصين ، مسلمين وأجانب ، أو على طلبة الجامعات المصرية – سوف أحاول بقدر من الاختصار والتوضيح معا أن أجعله على قسمين : الأول منهما يختص بعرض صورة المسلمين كما هى فى الوقت الراهن ، دون تجميل أو تقبيح .. والقسم الثانى يحدد أهم التحديات التى تواجه المسلمين . وفى تقديرى أن من يقرأ هذا البحث بإمعان سوف يخرج هو نفسه بالحلول المناسبة ، فأنا لا أزعم التوصل إليها بمفردى ، لأنها تتطلب رأى الجميع ورؤيتهم .

القسم الأول : واقع المسلمين

يكاد يتجاوز عدد المسلمين فى عالم اليوم أكثر من مليار وثلاثمائة مليون مسلم ، يتركز معظمهم فى قارتى آسيا وافريقية ، وينتشرون بعد ذلك فى أوربا وأمريكا واستراليا . وهناك دول نكاد تكون كلها مسلمة مثل باكستان وإيران والسعودية ودول الخليج العربى وليبيا ، ودول أخرى تقطنها غالبية مسلمة مثل مصر والمغرب وماليزيا واندونسيا ..
ومما يلاحظ على هذا العدد الضخم للمسلمين أمران : الأول أنهم فى تزايد مستمر ، نتيجة المواليد التى ترتفع نسبتها فى الأسرة المسلمة وحيث ينشأ أولادها بالضرورة مسلمين ، والأمر الثانى هو اعتناق غير المسلمين للاسلام ، والذى يحدث بكثرة ، ولكن دون ضجيج إعلامى ، لعدم إثارة اتباع الديانات الأخرى .
لكن فى المقابل من ذلك ، فإن (كل) الدول الأسلامية بدون استثناء تقع فى تصنيف التقدم تحت ما يسمى بــ "الدول النامية " . فليس من بينها حتى الآن دولة متقدمة بالمعنى المادى المتعارف عليه . ومع ذلك فإن هناك بعض الدول الاسلامية التى قطعت أشواطا على طريق التقدم الحقيقى ، ولكنها لم تصل بالفعل إلى نهايته ، وفى مقدمة هذه الدول : باكستان – التى أصبحت قوة نووية – وإيران ، وتركيا ، وماليزيا ، واندونسيا . ومن البلاد العربية : مصر وسوريا والمغرب وتونس ، وبعض دول الخليج العربى مثل الإمارات المتحدة .
ودون دخـول فى التفصيلات الدقيقة للمصطلحـات ، فإن الطـابع العام للدول النامية يتمثل فى أمرين : الأول أن دخل الفرد فيها ضعيف جدا ، والثانى عدم الاعتماد فى الإنتاج والخدمات على التكنولوجيا الحديثة . ولعلنا نشاهد أن معظم الدول الأسلامية مازال الفرد يعتمد عمله فيها على جهده العضلى ، واستخدام الحيوانات فى عمل الحقول وجر العربات ، إلى جانب قيام التعليم فيها على الكم دون الكيف ، وإهمال البحث العلمى ، وغياب المبادرات والابتكارات الفردية ، وأخيرا سوء الادارة ، أو حركتها بإيقاع بطئ للغاية .
فإذا استعرضنا مدى التعاون بين الدول الاسلامية فى العالم المعاصر وجدناه فى أدنى المستويات ، بل إن الغالب عليها هو الخصام ، الذى يصل إلى حد القطيعة السياسية والاقتصادية ، والتى تنعكس بالتالى على التواصل الاجتماعى والثقافى . وقد سبق أن أشار عبد الرحمن الكواكبى ، منذ أكثر من مائة عام ، إلى أنه لا يكاد يوجد بلدان عربيان أو اسلاميان متجاوران إلا وبينهما خصومة ونزاع . وقد يقال الآن إن من أسباب هذا النزاع ما خلفه الاستعمار فيها قبل رحيله بهدف تكريس الفرقة بينها ، لكننا لا نجد – حاليا – أى سبب آخر يمنع من اجتماع كلمة البلاد الاسلامية سوى الرغبة فى الاستئثار بالسلطة المحلية ، واستمرار التعاون مع القوى الأجنبية التى تغذى هذه الرغبة وتدعمها ، من أجل الانفراد بكل بلد إسلامى على حدة ، لكى تحقق من وراء ذلك مصالحها السياسية والعسكرية والاقتصادية .
وتختلف النزاعات بين الدول الاسلامية وتتنوع أسبابها ومظاهرها إلى حد كبير . فبعضها نزاع على الحدود ، وبعضها نزاع مذهبى – دينى ، وبعضها سياسى – أيديولوجى ، وبعضها عرقى ، وبعضها بسبب تفاوت الثروة المفرطة والفقر المدقع ، وبعضها بسبب التبعية للغرب والاتجاه إلى استغلال القرارات ، وبعضها بسبب الحسد والغيرة . وعندما حاولت الدول الاسلامية أن تتلاقى فى مؤتمر حاشد ، على إثر سقوط القدس فى يد اسرائيل ، أبقت على المنظمة الادارية لهذا المؤتمر ، كرمز شكلى لاتحادها الشكلى ، الذى لا يوجد له على أرض الواقع ، أو فى أى موقف على مستوى السياسة الدولية أى صوت مؤثر أو حتى مسموع !
هذه هى الصورة العامة التى يعكسها واقع المسلمين ، لكن هذه الصورة لا تكتمل دون الاشارة بقوة إلى ما بدأ يحدث منذ سبعينات القرن العشرين من حركات تطرف دينى ، رافضة أساسا للسياسة المحلية ، تبعتها أعمال ارهابية داخل البلاد الاسلامية ، ثم ما لبثت أن تحولت إلى الدول الغربية ( ألمانيا ، فرنسا ، أسبانيا ، بريطانيا ، روسيا ، وأخيرا الولايات المتحدة الامريكية ) ، وهذا ما جعلها تصبح ظاهرة ارهاب عالمية ، حصرها الغرب فى المسلمين خاصة ، وبسببها تم احتلال بلدين اسلاميين هى العراق وأفغانستان ، كما استمرت بدون حسم مأساة فلسطين . وبالنسبة إلى الجاليات المسلمة التى تعيش فى الغرب ، فقد أصبحت تعانى من ضغوط نفسية واجتماعية ، بالاضافة إلى قوانين عنصرية تحد من نشاطها وحريتها ، بل إن بعض الاحزاب السياسية فى أوربا بالذات راحت تدعو صراحة إلى طرد المسلمين الموجودين بها خارج بلادهم .
من حيث التحديات :
والآن .. لابد من طرح الأسئلة الثلاثة التالية :
·
ما الذى يجعل واقع المسلمين بهذا الشكل ؟
·
وما الذى أوصلهم إلى هذا الوضع ؟
·
وكيف يعملون لتغيير هذا الواقع إلى ما هو أفضل ؟

ولاشك أن الإجابة عن هذه الأسئلة هى التى تشكل مجموع التحديات التى يواجهها المسلمون فى العصر الحاضر ، ورغبتهم ثم ارادتهم فى التغلب عليها ، وأخيرا المناهج التى ينبغى عليهم اتباعها لتحقيق أهدافهم . وفيما يلى سوف أتناول التحديات الأربعة الأكثر أهمية :
1.
إعادة إحياء المفهوم الصحيح والمتكامل للأسلام .
2.
ضرورة تجاوز حاجز العلم والتكنولوجيا .
3.
كيفية التعايش مع الحضارة الحديثة .
4.
مواجهة الموقف الغربى المعادى للمسلمين .

1-
إعادة إحياء المفهوم الصحيح والمتكامل للأسلام :

يقوم الاسلام الصحيح والمتكامل ، بعد شهادة أن "لا إله إلا الله ، وأن محمدا رسول الله" على أربعة مقومات رئيسية هى :
·
العقيدة  ومحلها القلب . وتشمل الايمان بالله الواحد الأحد ، والايمان بالبعث بعد الموت .
·
الشعائر  وهى الصلاة والصوم والزكاة والحج .
·
الأخلاق  وهى آداب سلوك المسلم مع أهله ، وجيرانه ، وأقربائه ، وزملائه فى العمل ، والمسلمين عموما ، وغير المسلمين .
·
التشريع  ويشمل الجوانب الآتية :
-
السياسى ، حيث يقوم على مبادئ العدل والمساواة والشورى ، ثم يترك للمسلمين اختيار "الشكل" السياسى الذى يناسب الزمان والمكان .
-
والاقتصادى ، الذى يمنع تماما الربا والغش والاحتكار ،ثم يترك للمسلمين تحديد "النظام" الاقتصادى الملائم لهم حسب الظروف المتغيرة .
-
والاجتماعى ، الذى ينظم شئون الزواج ، والطلاق ، ويحدد قواعد الميراث .
-
والقضائى ، الذى يحفظ حقوق الأفراد ، ويفصل بينهم فى النزاعات .
-
والأمنى ، الذى يدعو لإقامة جيش قوى ، يحمى الدولة من أعدائها الخارجيين ، وشرطة تحافظ على الأمن الداخلى لجميع أفراد المجتمع .
وقبل أن يتفق العالم على مبادئ حقوق الانسان فى منتصف القرن العشرين ، سبق الاسلام فى القرن السابع الميلادى إلى صيانة الحقوق الخمسة : النفس ، والعقل ، والدين ، والمال ، والعرض ، ويقول الخليفة الثانى عمر بن الخطاب "متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا" ، ونجحت الحضارة الاسلامية التى أقامها المسلمون فى تحقيق التعايش بين مختلف الجنسيات والأديان والمذاهب ، كما قدمت نماذج رائعة فى احتضان العلم والعلماء ، ولم يحدث بها مثل ما حدث فى أوربا خلال العصور الوسطى من صراع شرس بين الكنيسة وكل من العلم والفكر الحر .
لكن المسلمين ، منذ انتهاء عهد الخلفاء الراشدين ، تعرضوا لعوامل كثيرة ، بعضها سياسى عنيف ، وبعضها دينى وثقافى قديم ، وبعضها عرقى متعصب ، شوشت على اسقبالهم الجيد لتعاليم الدين الجديد ، ففهمه بعضهم بصورة خاطئة ، كما ركز بعضهم الآخر على جزء منه ، وأهمل جزءا آخر . وهكذا ظل الفهم الخاطئ والناقص للأسلام يسرى عبر العصور ، وفى مختلف البلاد التى انتشر فيها دون أن ينجح علماؤه تماما فى تصحيحه ، نتيجة لغلبة الجهل والتقليد ، اللذين وجد فيهما الحكام المستبدون البيئة المناسبة لدعم نفوذهم ، واستمرار سلطانهم .
ولا ننكر أنه كان يظهر بين الحين والآخر ، وفى مكان هنا أو هناك بعض العلماء الأفذاذ ، الذين جهروا بالحق فى وجه الباطل ، وبالصواب فى مواجهة الخطأ ، فكانوا يتعرضون لمحن قاسية كما حدث مع مالك بن أنس ، وأبى حنيفة ، وأحمد بن حنبل ، ثم مع ابن حزم ، وابن رشد ، وابن تيمية ..
ويكفى أن نتوقف هنا لنسأل ونتساءل : أولا : كيف يحث القرآن الكريم على استخدام العقل ، ويعد الرسول ، صلى الله عليه وسلم ، المجتهد المصيب بأجرين ، والمخطئ بأجر ( وهذا يعنى أنه لا يوجد أجر لمن لم يجتهد ) ثم يأتى المسلمون فى القرن الرابع الهجرى ليعلنوا إغلاق باب الاجتهاد ، ويفرضوا على المسلمين تقليد أحد المذاهب الفقهية ؟! ثانيا : كيف يدعو القرآن الكريم المسلمين إلى تعمير الأرض والجد فى تحصيل الرزق ، ثم يشيع فى مؤلفات بعض علماء المسلمين ولدى عامتهم مبدأ التواكل ، وعدم الأخذ بالأسباب ؟ ثالثا : كيف يدعو القرآن الكريم ، والرسول ، صلى الله عليه وسلم ، المسلمين إلى التشاور فى أمورهم العامة ، ثم تقوم أسرة أو قبيلة بالاستئثار بالسلطة ، والاستبداد بالحكم ، وأخذ البيعة من المسلمين بالاكراه ؟! رابعا : كيف تخلو المكتبة الاسلامية تقريبا من تناول الجانب السياسى ، وهو من أهم أمور المسلمين ( لا يوجد ما يصل إلى عشرين كتابا فقط ! ) بينما تمتلئ بعشرات الآلاف من كتب الفقه التى تدور حول مياه الوضوء ، وتراب التيمم ، وكيفية أداء الشعائر ، وتفاصيل الحياة الزوجية ، والألفاظ التى يقع أو لايقع بها الطلاق ؟! خامسا : كيف تجعل طائفة من المسلمين طاعة الحاكم جزءا من العقيدة الاسلامية ، ويقوم علماء الكلام بوضع مسألة الامامة ، التى خصصوها بشروط قبلية ، ضمن علم أصول الدين ، مع أن كل مسلم مؤهل له الحق فى أن يكون حاكما ، وليس فقط أن يكون محكوما ( كلكم راع ، وكل راع مسئول عن رعيته ) .

2-
ضرورة تجاوز حاجز العلم والتكنولوجيا

لم تحقق أوربا تفوقها العلمى على العالم الاسلامى إلا منذ القرن السابع عشر الميلادى (11هجرى) ، وذلك عندما بدأت تتحول من الخضوع لمنطق أرسطو النظرى إلى منهج البحث التجريبى الذى دعا إليه كل من ديكارت وفرانسيس بيكون ، والذى تحققت بفضله الكثير من الأفكار العلمية التى مالبث أن تحولت فيما بعد إلى تطبيقات علمية (تكنولوجيا) .
أما توقف العالم الاسلامى عن ممارسة العلم ، وتطويره فيرجع إلى عوامل كثيرة ومتعددة ، كان من بينها عدم تشجيع الحكام المسلمين للعلماء ، ورفض الدولة لاحتضان بحوثهم وتمويلها ، إلى جانب غياب قاعدة التعليم (العلمى) التى يخرج منها الباحثون الموهوبون ، ثم الأهم من ذلك كله : غلبة التعليم اللغوى والدينى واعتباره هو الطريق الوحيد المؤدى لسعادة الدنيا والآخرة .
عندما رجع رفاعة الطهطاوى ( ت 1873) من رحلة إلى فرنسا ، سجل فى كتابه " تخليص الأبريز" غياب اثنى عشر علما حديثا من التعليم الأزهرى الذى كان هو التعليم الوحيد والسائد فى مصر كلها . ومن هذه العلوم : التاريخ (الجغرافيا) ، والحساب والهندسة ، والطبيعة والكيمياء . لعلنا نذكر بعد ذلك معركة الشيخ محمد عبده ( ت1905  ) مع الأزهريين حول ضرورة تدريس الحساب والجغرافيا ومعارضتهم له فى ذلك ، باعتبارهما من العلوم الدخيلة على الملة الاسلامية !
ولاشك أن الاستعمار الغربى الذى سيطر على العالم الاسلامى قد عمل بخبث وذكاء شديدين على صرف نظر أبنائه عن الاتجاه إلى العلوم الحديثة ، وتطبيقاتها التكنولوجية ، التى كانت هى الأساس تفوقه المادى والعسكرى فى بلادهم . ولا ينبغى أن ننسى فى مصر معارضة القائمين على الاحتلال البريطانى (اللورد كرومر) فى انشاء الجامعة المصرية ، وكانت حجته فى ذلك أن يكتفى المصريون بتعليم أبنائهم القراءة والكتابة ليعملوا موظفين فى دواوين الحكومة ، وبالتالى لا يخرج منهم أطباء ولا مهندسون ولا باحثون علميون .. الخ .
إن مصر ليست سوى مجرد نموذج لسائر البلاد الاسلامية ، وعلى الرغم من أن التعليم قد انتشر فيها خلال القرن العشرين ، إلا أنه مازال تعليما سطحيا يقوم على الكم ، وليس الكيف ، وهو الأمر الذى يؤدى إلى قلة بل ندرة أعداد الخريجين المؤهلين لممارسة البحث العلمى ، والتطبيقات التكنولوجية المترتبة عليه .
ومن الواضح أن العالم الغربى ، وأيضا العالم الآسيوى قد شهدا تطورات كبرى بل ثورات علمية وتكنولوجية هائلة ، وذلك بفضل اتباع المنهج التجريبى الحديث ، والتطوير المستمر فى الاجهزة والأدوات العلمية ، والتى مازال العالم الاسلامى يتطلع إلى ملاحقتها من بعد ، ودون أن يشارك فيها ، أو حتى يقترب منها !
ما الذى يعوق العالم الاسلامى إذن عن الأخذ بوسائل العلم الحديث والتكنولوجيا المتطورة ؟ أيضا عوامل متعددة ، من أهمها انصراف الدول الاسلامية عن تشجيع هذا المجال الحيوى وتمويله بالموارد اللازمة ، ويأتى بالطبع تسطيح مستويات التعليم الجامعى ، وما قبل الجامعى ، وعدم تأصيل ثقافة العلم لخدمة المجتمع ، أو لتطوير أساليب الحياة فى المجتمع . ثم أننا لو أحصينا فى المائة عام الماضية اعداد العلماء والباحثين المسلمين الذين هاجروا إلى البلاد المتقدمة لأدركنا كم حجم الثروة البشرية التى افتقدها العالم الاسلامى ، وصبت مباشرة فى قوة العالم الغربى .

3-
كيفية التعايش مع الحضارة الحديثة

يخطئ من يطلق على الحضارة السائدة فى العالم حاليا أنها حضارة غربية ، لأنها فى واقع الأمر حضارة حديثة نشأت فى أوربا ثم امتدت إلى سائر بلاد العالم ، وأصبحت مؤثرة فيها ، ومتأثرة بها . كذلك يخطئ من يعتبرها عملا أوربيا خالصا ، فقد تداخلت فى اقامتها الحضارات السابقة عليها ، ومن أهمها الحضارة الاسلامية .
ولسنا هنا بصدد تأكيد دور الحضارة الاسلامية بقدر ما نريد بيان مكونات الحضارة الحديثة . إن تاريخ الحضارات يقرر أن كل حضارة تأخذ مما قبلها وتعطى لما بعدها . تماما مثل أمواج البحر التى تتبادل فيما بينها حركة الدفع والقوة . لكن سياسة الدعاية المغرضة التى مارستها الدول الأوربية – أثناء توغلها الاستعمارى فى العالم الاسلامى – هى التى غطت على معظم الحقائق ، وأبعدتها عن العيون ، حتى صدقها العالم ، وتسربت بالتالى إلى نفوس المسلمين أنفسهم .
والسؤال الذى لم تجب عنه أوربا ، والغرب عموما حتى الآن هو : ما الذى أخذته الحضارة الحديثة من الحضارة الاسلامية السابقة مباشرة عليها ؟ ونقول نحن : أمور كثيرة لا تقتصر فقط على المؤلفات العلمية والفلسفية والاعمال الأدبية  ، وإنما تشمل أيضا الكثير من التشريعات القانونية والنظم الادارية ، وأشكال الحكم ، وأساليب المعيشة اليومية . ولكى لا يصبح هذا الحديث مجرد ادعاء ، فإننا ندعمه بالأمثلة التالية :
·
كتاب القانون فى الطب لابن سينا ظل يدرس فى الجامعات الأوربية باللغة اللاتينية حتى منتصف القرن السابع عشر .
·
نظام تعدد الوزراء الذى كان سائدا فى الأندلس ويرأسهم وزير يسمى "الوزير الأول" ، أخذته أوربا ومازال ترجمة لقبه مستعملة حتى اليوم باللغتين الانجليزية والفرنسية .
·
نظام الحسبة ومراقبة حالة البيع والشراء فى الاسواق الأندلسية هو الذى أخذت به أوربا حتى اليوم ، بما فى ذلك شرطة الآداب المختصة بحسن معاملة النساء فى الاسواق ، وعدم تعرض الشباب لهن . وكذلك (شئون البلدية) التى تهتم بطرقات المدينة واتجاهات السير فيها .
·
الحمامات العامة التى لم تكن تعرف عنها أوربا شيئا فى العصور الوسطى ، بينما كان يوجد منها فى مدينة قرطبة وحدها خمسمائة حمام عام .
·
غطاء الرأس والرداء الأسود الذى يرتديه طلاب المدارس والجامعات الغربية فى حفلات التخرج مأخوذ من العباءة العربية التى كان يرتديها شيوخ وطلبة العلم فى الأندلس .
·
صورة المرأة العربية واحترامها الشديد وتقديرها فى الشعر العربى هى التى انتقلت من خلال شعراء التروبادور إلى أسبانيا ، ومنها إلى معظم أدباء أوربا .

لكن الأخطاء المقابلة لذلك عند المسلمين المعاصرين تتمثل فى شيوع فكرة أن الحضارة الغربية ، التى نطلق عليها الحضارة الحديثة ، هى أسلوب حياة مختلف تماما وبالكلية عن الحياة الاسلامية ، وبالتالى ينبغى عدم الاقتراب منها أو التأثر بها ، بل إن الأمر بلغ بالجماعات الدينية المتطرفة إلى حد الوقوف موقف العداء الصريح لها ، والرفض القاطع لكل منجزاتها ومتعلقاتها .
الأخطاء إذن متبادلة لدى الطرفين ، ومن اللازم بيان حقيقة الامور ، وتصحيح الأوضاع من خلال معرفة التاريخ الصحيح لتعاقب الحضارات واستمرار التواصل فيما بينها . وفى الوقت الذى يدرك فيه المسلمون هذا الوضع بصورة صحيحة لن يترددوا فى التعامل مع منجزات الحضارة الحديثة ، بل إنهم سوف يقبلون عليها للمشاركة فيها بجهودهم وابتكاراتهم باعتبارها نهرا متعدد الروافد ، وليست قاصرة على شعب معين أو منطقة بذاتها .

4-
مواجهة الموقف الغربى المعادى للاسلام

إذا كانت العناوين الثلاثة السابقة تمثل تحديات أمام المسلمين فى العصر الحاضر ، فإنها فى الواقع تحديات داخلية أو ذاتية ، أى مرتبطة بهم هم أنفسهم ، وبالتالى فإنهم يستطيعون – إذا قرروا – أن يواجهوها وأن ينتصروا عليها . لكننا فى هذا العنوان الرابع أمام تحد خارجى ، أى وارد عليهم من غيرهم ، وبالاحرى هو ساقط عليهم من فوقهم أو محيط بهم من كل جانب ، وبالتالى فإن دفعه أو تجاوزه ليس بالأمر الهين . لأنه يتطلب مواجهة طرف آخر أشد قوة ، وأعلى سطوة .
هذا التحدى الخارجى يتمثل فى موقف الغرب عموما من الاسلام والمسلمين . والواقع أن هذا الموقف ليس وليد الساعة ، ولا هو نتيجة فقط لأحداث 11 سبتمبر 2001 وإنما يرجع إلى القرن السابع ، منذ نشأ الاسلام ، وتطور واتسع وامتد إلى بلاد كان يسيطر عليها الغرب (كما حدث فى مصر التى ظلت تحت الاحتلال الرومانى لمدة 670 عاما) أو كانت جزءا من أرضيه (كما حدث فى اسبانيا التى تحولت إلى الاندلس الاسلامية ، وبيزنطة التى تحولت إلى استانبول التركية) . وبالطبع كانت هناك ردود فعل عنيفة ، وأحيانا دموية ، كما حدث أثناء طرد المسلمين من أسبانيا ، وخلال الحروب الصليبية ، وأخيرا الغارة الأروبية الكبرى على معظم بلاد المسلمين ، والتى عرفت بالاستعمار الغربى .
ومن الملاحظ أنه حتى الآن .. لم يقم الطرفان بأى محاولة جادة لتجاوز مآسى الماضى ، كما أنهما لم يجلسا معا فى جلسة مصارحة ومصالحة ليضعا كشف حساب بحجم الارباح والخسائر ، يترتب عليه تعويض المستحق ، والاعتذار للمعتدى عليه ، وذلك لكى تطوى صفحة وتبدأ صفحة جديدة . لكن العداء السافر نزل تحت السطح ، وعاش الطرفان ، وهما يدركان مشاعر بعضهما بعمق ، لحظات مودة باردة ، وحسن جوار مصطنع ، حتى وقعت حادثة الحادى عشر من سبتمبر 2001 ، ووجدت أمريكا نفسها ، ولأول مرة فى تاريخها ، تتعرض للهجوم فى عقر دارها ، وفى قلب عاصمتها الاقتصادية ، ومركزها العسكرى العتيد .. وعلى الرغم من أن المسلمين جميعا أدانوا هذا العمل الطائش الذى قامت به جماعة دينية متطرفة ، إلا أن الحكم فى الغرب كان قد صدر على المسلمين جميعا بدون تفرقة بين : المتطرف والمعتدل ، المسالم والساعى إلى احداث الفتنة .
والملاحظ هنا أن أوربا كلها كانت تنتظر غضبة الولايات المتحدة لتعلن موقفها المعادى للاسلام والمسلمين . وبدأ الانتقام باحتلال العراق ، ثم باحتلال أفغانستان ، وترك الفلسطينيين فريسة سهلة فى أنياب اسرائيل . ولم تستطع دولة اسلامية واحدة أن تعترض ، أو حتى تتاح لها الفرصة لبيان موقف المسلمين المعتدلين . لقد صمت المسلمون صمتا مطبقا . وجرى تضييق الخناق على الجاليات المسلمة فى البلاد الغربية ، وراحت بعض الاحزاب السياسية العنصرية تنادى بطردهم من البلاد التى عاشوا فيها وخدموها ، حتى انهم شاركوا احيانا فى حروبها ، بل إن بعض مفكرى الغرب الاشاوس راحوا يروجون لنظريات صراع الحضارات ، والمقصود بها وضع المسلمين جميعا فى خندق العدو ، وإطلاق الرصاص عليهم لأنهم لا يستحقون الحياة !
أما الجماعات المتطرفة فى العالم الاسلامى ، فقد اعلنت من جانبها قبول الصراع المسلح والدموى مع الغرب ، وراحت تضربه فى عواصم لم يكن يجرؤ أحد على ازعاجها مثل لندن وباريس وبرلين ومدريد ، وحتى موسكو .. وتحولت الجماعات المتطرفة التى كانت محلية إلى تنظيم عالمى له قادته الأذكياء ، وكوادره المستعدون للتضحية بأرواحهم ، وبعد أن كان يستخدم الأسلحة التقليدية الخفيفة راح يستعين بأحدث تقنيات التدمير ، حتى أصبح يهدد الغرب - فيما يزعم – بامتلاك اسلحة نووية !
لقد تجاوزت الأمور حدود المعقول إلى اللامعقول . ولم يعد أحد يسمع أحدا . وصار أى مسلم فى العالم أو حتى فى بلده معرضا لاتهامه بالارهاب ، إذا سافر بالطائرة ، أو أقدم على تمويل عمل خيرى !
ماذا تفعل الدول الاسلامية إزاء هذا الموقف الصعب ؟ والذى وجدت نفسها فيه وهى متهمة بدون ذنب ، أو بالاحرى نتيجة تصرفات بعض أبنائها المنشقين عنها ، والمعادين للعالم كله ؟ فهى من جهة غير قادرة على كبح جماحهم ، أو السيطرة عليهم ، ومن جهة أخرى ، غير قادرة حتى عن الاعنذار إلى الغرب .
هذا هو الموقف فى تلك الساعة من زمن العالم الاسلامى الذى كان يرجو – بعد أن تخلص من الاستعمار – أن يحقق ما كان يصبو إليه فى مجالات التنمية والتعمير والاستثمار .. لكنه فوجئ بما يشبه الثقل فى حركته ، والشلل فى أعصابه !
كيف يمكن التخلص من هذا المأزق ؟ لقد ظهر ما يسمى بحوار الأديان لكى يبرد قليلا من التهاب المشاعر المتأججة ، لكنه فى رأيى حوار فاشل ، لأنه لن يصل إلى نتيجة عملية ، وكل ما يفعله هو عقد مؤتمرات ، وسفر وقود ، وأحاديث علماء ، وتصريحات مسئولين .. وحول هذا كله ضجة إعلامية يدرك الناس جميعا أنها مفتعلة وموجهة ! كما يحاول المسلمون ، امعانا فى إظهار حسن النوايا للغرب ، أن يعدلوا من مناهج التعليم فى بلادهم ، فقاموا بتخليصها أو على حد تعبيرهم بتنقيتها من الإشارات التى قد تتضمن موقفا عدائيا للغرب ، كما حاولوا التضييق على النساء المنتقبات لكى لا يظهر المجتمع الاسلامى على أنه يتجه نحو التشدد الدينى ، الذى قد يتحول من خلال هذه الظواهر والمظاهر إلى تطرف ، فإرهاب .. وراحت الكثير من البلاد الاسلامية تعلن فى وسائل اعلامها صراحة أنها دول مدنية ، وأحيانا تصرح بأنها علمانية ، لكى تبتعد عن أن توصف بأنها دينية ، حيث أن التمسك بالدين فى نظر الغرب حاليا يعنى الارهاب !
والواقع أنه لا يوجد حل حتى الآن . ولن يستطيع شخص واحد أن يقدمه ، كما لا تستطيع دولة واحدة أن تحسم فيه . إن الامر يحتاج إلى عمل جماعى ، وتوافق دولى تحكمه الرغبة الحقيقية فى القضاء على الارهاب بكل صوره : الدينية والعرقية والسياسية والعسكرية وكذلك الثقافية والاعلامية . وفى تصورى أن هذا العمل لابد أن يحدث إن عاجلا أو آجلا ، ولذلك لابد أن يتهيأ له المسلمون بكل الامكانيات اللازمة : بدءا من تصحيح المفهوم الخاطئ وغير المتكامل للاسلام ، ومرورا بالاخذ بوسائل التقدم العلمى والتكنولوجى ، وضرورة التعايش مع الحضارة الغربية الحديثة .. حتى يمكن عقد مواجهة فكرية وثقافية بل وتاريخية مع الغرب ، تعرض فيها الحقائق بدون اخفاء والاحداث السابقة بدون رتوش  وفى هذه الحالة فقط يمكن ان تهدا حدة الانفعالات ، وتاخذ العلاقة بين المسلمين والغرب مسارا جديدا يقوم على الاحترام المتبادل والتعاون المثمر لصالح الطرفين .

التعليقات (0)Add Comment

أضف تعليق
تصغير | تكبير

busy
آخر تحديث الثلاثاء, 27 يناير 2015 23:04