عداد الزائرين

mod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_counter

إضافات حديثة

   
 
نظرية خلق الانسان فى القران الكريم صيغة PDF طباعة أرسل لصديقك
كتبها د . حامد طاهر   
الاثنين, 19 يوليو 2010 18:26

نظرية خلق الإنسان
فى القرآن الكريم

 

 


مخطط البحث :
1-
تمهيد .
2-
الخلق أهميته ومفهومه فى القرآن .
3-
حقائق الخلق فى القرآن .
4-
خلق الإنسان فى القرآن .
5-
نظرية خلق الإنسان فى القرآن .
أ- قبل الخلق .
ب- أثناء الخلق .
ج- بعد الخلق : المرحلة الأولى
المرحلة الثانية
المرحلة الثالثة
6-
الخلق والصورة الإنسانية .
7-
الخلق والرزق .
8-
الخلق والبعث .
9-
الخلق والطبيعة الإنسانية .
10-
خلق الإنسان بين القرآن والتوراة .
11-
خلق الإنسان فى مذهب وحدة الوجود .
12-
استمرار البحث فى خلق الإنسان .
13-
خاتمة ونتائج .
14-
قائمة بأهم المصادر والمراجع .

تمهيـد :


أحسب أنه قد آن الأوان للاعتراف بأن الفلسفة الإسلامية فى عصورها القديمة قد أرهقت نفسها كثيرًا فى محاولة البرهنة على خلق العالم ، لأن غرضها الأساسى كان هو محاولة إثبات حدوثه ، لكى تخلص من ذلك إلى تفرد الله تعالى بصفة القدم . ومن الواضح أن هذا الطريق الطويل والمتعرج الذى اختارت السير فيه قد أبعدها كثيرًا عن دعوة القرآن الكريم ، المباشرة والصريحة ، إلى النظر الحسى والتأمل العقلى البسيط فى عملية الخلق : كيف بدأ ؟ وما هى مظاهره المختلفة فى سائر الموجودات ، سواء كانت كبرى كالسماوت والأرض ، أم متناهية الصغر كما يشاهد فى النباتات والحيوانات والحشرات ؟ ومن أى شىء خلق الإنسان الأول ؟ وكيف يتم تكاثره بعد ذلك ؟ ثم هل يمكن لأن مدّعٍ أن يثبت لنا أنه قادر على الخلق ؟ وأخيرًا ما هى النتائج المترتبة على الإيمان بأن الله وحده هو الخالق ؟


والملاحظ على الفلسفة المشائية الإسلامية ، التى يمثلها الكندى والفارابى وابن سينا وأمثالهم ، أنها راحت تدور – عند بحث موضوع الخلق- فى فلك الفلسفة الإغريقية (أفلاطون وأرسطو) من ناحية ، والفلسفة الأفلاطونية المحدثة (أفلوطين) من ناحية أخرى .


أما علماء الكلام ، فقد أسرعوا - عند تناولهم مسألة الخلق - إلى تلقف البراهين والأدلة ، وحتى اللغة والمصطلحات التى استخدمها الفلاسفة ، بل إنهم راحوا يتحدثون عن نظريات رياضية وطبيعية وفلكية ، دون أن يكونوا على علم دقيق بها ، لأنهم أصلاً لم يكونوا علماء رياضة أو طبيعة أو فلك ، وكانت محصلة مؤلفاتهم الكثيرة والمتضخمة أن النتائج التى توصلوا إليها ظلت قاصرة على دوائرهم المحدودة ، دون أن تنتشر بين عامة المسلمين ، الذين لم يستطيعوا فهمها ، فضلا عن استيعابها . وكان السبب فى ذلك يرجع إلى عاملين .   الأول : أن المتكلمين قد تناولوا موضوع الخلق بلغة صعبة وجافة ، واعتمدوا على أدلة منطقية مركبة ، كما استخدموا مصطلحات معقدة مثل (الواجب والممكن ، والقوة والفعل ، والجوهر والعرض ، وشيئية المعدوم ، والجوهر  الفرد .. الخ )(1) والعامل الثانى : أن القرآن الكريم ، الذى هجر المتكلمون أدلته البسيطة والمباشرة ، كان يصل إلى عقول الناس وقلوبهم بأسلوب مبسط ومقنع، ويجمع بين المشاهدة الحسية والتأمل العقلى ، مع الرد الحاسم على جميع الشبهات ، وإفحام المجادلين بالتحدى المعجز .


وعلى الرغم من محاولتى الطويلة تتبع مسألة خلق العالم والإنسان فى مختلف مجالات الفلسفة الإسلامية (المشائية الإسلامية ، علم الكلام ، التصوف) فإننى لم أجد أحدًا من أعلامها قد توقف – عن قصد – أمام المصدر الأول والرئيسى للإسلام ، وهو القرآن الكريم ، لكى يستخلص منه نظرية الخلق بصورة تفصيلية ومتكاملة ، وخلق الإنسان على نحو خاص .


أما علماؤنا المحدثون ، فقد أزعجتهم عند ظهورها نظرية دارون (ت 1882) فى التطور ، فراحوا يردون عليها ويهاجمونها بحماسة شديدة ثم بعد أن ثبت من الناحية العلمية الخالصة عدم صحة ركنها الأساسى ، حاولوا قدر استطاعتهم أن يتلمسوا فى آيات القرآن الكريم بعض ما لا يتعارض مع أفكارها الفرعية(2) ، وهو الأمر الذى أبعدهم – كذلك – عن النظرية القرآنية الخالصة فى الخلق ، والتى تتكامل عناصرها فى إطار عقلى محكم .


الخلق : أهميته ومفهومه فى القرآن الكريم


تبلغ استخدامات القرآن الكريم لمادة ( خ ل ق) ومشتقاتها 231 مرة(3). ومن الملاحظ أنها مادة طويلة نسبيًا ، مما يعنى أن مسألة الخلق تكتسب فى القرآن الكريم أهمية خاصة ، وتحظى بمكانة متميزة. وقد جرى التأكيد على بعض نقاطها أكثر من مرة ، عن طريق تكرار بعض المعانى والمواقف ، وأحيانا نفس العبارات والألفاظ .


والواقع أن مسألة الخلق قد وردت بهذا الحجم فى القرآن الكريم لتؤكد التفرقة الكاملة والحاسمة بين الله (الخالق) وكل ما سواه من الكائنات (المخلوقة). وتعريفنا الذى يمكن أن تستخلصه من مجموع الآيات القرآنية يتمثل فى أن :
الخلق : هو الإيجاد ، سواء كان من العدم ، أو من مادة مخلوقة سلفا .


وفى رأيى ، أن عدم التفات الفلاسفة المسلمين ، والمتكلمين أيضا إلى هذا التعريف هو الذى يقف وراء وقوعهم فى معضلة تعدد القدماء . فلو كانوا فهموا أن الإيجاد الإلهى يشمل كلا النوعين :


أ- الإيجاد من العدم .
ب- الإيجاد من مادة مخلوقة سلفا .


لكانوا قد وفّروا على أنفسهم تكلف النظريات والبراهين والأدلة التى راحوا يصنعونها لمحاولة تنزيه الله عن تلك المادة القديمة ، التى تتعارض مباشرة مع صفة الوحدانية .
وفى هذا الإطار نفسه ، بذل الفلاسفة المسلمون ، وتبعهم المتكلمون أيضا ، محاولات مضنية لإبعاد الله القديم عن الاتصال المباشر بالمخلوقات الحادثة ، تبعًا للقانون الذى اتبعوه بعيدًا عن القرآن الكريم ، والذى يقرر أن : (كل ما يتصل بالحادث فهو حادث) وأنا أقول : كلا ، فالله القديم يمكن أن يتصل بكل الحوادث المتكثرة ، دون أن يؤثر ذلك فى مفهومى قدمه ووحدانيته. والكثير من الآيات القرآنية تنطق بذلك : فى خلق آدم بيديه(4) ، وفى مخاطبته إياه والملائكة(5) ، وفى حواره مع إبليس الذى رفض السجود لآدم(6) . كذلك فإن الله هو الذى خلق السماوات والأرض(7) ، وهو الذى يحفظهما ، بل يمسكهما أن تزولا(8) ، كما أنه تعالى أقرب إلى الإنسان من حبل الوريد(9) .


إن القرآن الكريم لا يحتوى على آية واحدة تدل أو حتى تشير إلى وجود مادة قديمة مع الله تعالى(10) . وكل الآيات الواردة فى الخلق تبين وتؤكد أن الله تعالى هو الذى خَلَقَ وبرأ وصوّر(11) . ولست أدرى تماما لماذا أغفل الفلاسفة المسلمون ، وتبعهم المتكلمون ، قوله تعالى ) أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ( [سورة الأعراف ، آية 54] وإذا كان الخلق هو الإيجاد من العدم ، فإن الأمر هو توجه الإرادة لفعل الإيجاد ، وتفسره الآية الأخرى التى تقول ) إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ( [سورة يس ، الآية 82] .


وسوف أكتفى هنا بمثال واحد يبين أحد الأخطاء فى فهم معنى الخلق لدى واحد من أشهر مفكرى المسلمين ، وأنا شخصيا أحترمه جدا ، وهو فخر الدين الرازى (ت 606) ، فهو يقول : "إن الخلق جاء فى اللغة بمعنى الإيجاد والإبداع والإخراج من العدم إلى الوجود . وقد جاء الخلق بمعنى التقدير ، وهو عبارة عن تكوين الشىء على مقدار معين"(12) . وبالنسبة إلى قوله تعالى ) هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ ( ، يقول الرازى : "إذا فسرنا الخالق ها هنا بالمقدر حسن انتظام هذه الأسماء الثلاثة على هذا الترتيب : فالخالق يدل على كمال علمه ، والبارئ على كونه موجدا للذوات ، لا عن مادة ، والمصور يدل على أنه هو الذى صور هذه الأشياء ووضعها بكيفياتها(13) .


والواقع أن تفسير الخلق بالتقدير وكمال العلم لا يستقيم تماما مع معناه الوارد فى القرآن الكريم ، والذى تؤكده الآيات الكثيرة للدلالة صراحة على أن الخلق هو الإيجاد : سواء كان من العدم كخلق السماوات والأرض وما بينهما ، أو من مادة مخلوقة سلفا كخلق آدم من تراب أو من طين ، أو من صلصال كالفخار .. أما صفة البارئ فتعنى ببساطة : الخالق على غير مثال سابق ، والمصور هو المعطى للمادة الخام شكلها وحجمها ولونها .. الخ .


حقائق الخلق فى القرآن :


- الله هو الذى خلق كل شىء(14) : خلق السماوات السبع ، والأرض ، وما بينهما ، ومنه الإنسان (15) .
- الله وحده هو الخالق (16) .
وما سواه لن يستطيع أن يخلق(17) ، حتى ولو ذبابة(18) .
- أن عظم حجم المخلوقات ، وعدم وجود أى تفاوت أو خلل فيها يثبت أن الله هو : الخلاّق العليم(19) .
- الله أحسن كل شىء خلقه(20) ، وأحكم صنعه(21) .
- الله استأثر بكيفية الخلق فلم يطلع عليها أحدا(22) ، ومع ذلك فإنه يدعو الناس لينظروا : كيف بدأ الله الخلق ، كما يدعوهم للنظر فى آفاق الكون ، وفى أنفسهم(24) .
- يمكن على سبيل المعجزة لبعض أنبيائه أن يمنحهم القدرة على الخلق ، وفى هذه الحالة لا يزيد الأمر عن خلق طير ، كما حدث لعيسى ، عليه السلام(25).
- الغرض من النظر فى الخلق الإلهى ومظاهره الكبرى والدقيقة أن يقف الناس على مدى قدرة الله وعظمته ، فيعبدوه لا يشركون به شيئًا أو أحدا(26) ، ويتيقنوا أنه كما خلقهم أول مرة بسهولة ، فإنه قادر أيضا على بعثهم من جديد بنفس السهولة(27) .


خلق الإنسان فى القرآن :


يفصل القرآن الكريم القول فى خلق الإنسان على نحو لا يكاد يترك معه شبهة لمتشكك ، أو استفسارًا لسائل . ويبدو السبب فى ذلك غاية فى الوضوح . فالقرآن جاء لكى يفهمه الإنسان ويتدبر معانيه ، ويهتدى بما فيه ، ولأن مسألة خلق الإنسان تمثل أحد أهم الأسئلة الوجودية الثلاث التى طرحها وما زال يطرحها الإنسان على نفسه فى كل زمان ومكان ، وهى :


- من أين جاء ؟
- لماذا هو موجود ؟
- ما هو المصير ؟


فإن القرآن قد أفاض فى الإجابة عن السؤال الأول ، التى تعتبر فى نفس الوقت قاعدة أساسية لإجابة السؤالين الآخرين .
وتجدر الإشارة هنا إلى أن التوراة قد تضمنت حكاية خلق الإنسان بصورة مختصرة ، وهى تكاد تتفق ، فى إطارها العام وكذلك فى بعض التفاصيل ، مع ما ورد فى القرآن الكريم . وهذا يؤكد التواصل بين حلقات الرسالات الإلهية . أما الأناجيل الأربعة المعتمدة لدى النصارى فلا تتعرض لقصة خلق الإنسان ، إلا فى إشارات خاطفة وردت فى إنجيل متى ، وكأنها اكتفت بما ورد فى التوراة(28) .


نظرية خلق الإنسان فى القرآن


يمكن تقسيم هذه النظرية إلى ثلاثة أجزاء متتابعة :
أ- قبل الخلق .
ب- أثناء الخلق .
جـ- بعد الخلق .
ويهمنا فى البداية أن نؤكد على أن بناء هذه النظرية إنما يعتمد بالدرجة الأولى على الآيات القرآنية بمفهومها المباشر ، ودلالاتها اللغوية الواضحة ، دون أى محاولة للتأويل ، أو لجوء إلى المجاز .


أ- قبل الخلق


حين أطلع الله تعالى ملائكته على أنه سيجعل فى الأرض خليفة ، اعترض الملائكة قائلين :
- )أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ     لَكَ( ؟!(29)
وليس يعنى اعتراض الملائكة بإفساد ذلك الخليفة فى الأرض أنهم قد شاهدوا بشرا أو أشباه بشر يفعلون ذلك (كما ذهب إلى ذلك بعض علمائنا الأفاضل)(30) ، وإنما هى إشارة إلى أنه سيكون مخلوقا أرضيا ليس من طبيعة الملائكة الذين فطروا على العبادة والطاعة المطلقة لله تعالى(31) .
وقد رد الله تعالى عليهم بأنه يعلم ما لا يعلمون(32) ، أى أن للأمر حكمة تخفى عليهم ، وتدبيرًا إلهيا يتجاوز إدراكهم .


ب- أثناء الخلق :


يذكر القرآن الكريم أن الله تعالى استأثر وحده بخلق السماوات والأرض وما بينهما بما فيه الإنسان ، دون أن يطلع أحدًا على عملية الخلق ) مَا أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنفُسِهِمْ ( (33) أما السماوات والأرض فقد تم خلقهما فى ستة أيام . والقرآن الكريم نفسه يبين اليوم الإلهى بأنه ) كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ ( (34) وفى موضع آخر يقول )  فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ (  (35) وهذا يعنى أن اليوم الذى يقيسه الناس حاليا بالليل والنهار مختلف عن أيام الله تعالى ، التى قد تمتد حسب تقويمنا لآلاف السنين .


وفى أكثر من آية ، يبين القرآن الكريم أن جسد آدم قد تم خلقه من ماء، تراب ، طين ، طين لازب ، حمأمسنون ، صلصال كالفخار)(36) ثم إن الله تعالى سوّاه ، وعدّله(37) ، وجعله فى أحسن تقديم(38) .


ثم بعد أن استوى خلق جسد آدم على أكمل صورة ، نفخ الله تعالى فيه من روحه(39) . ومن الواضح أن هذه الروح هى التى زودته بسر الحياة ، التى صار بها يتغذى ويتحرك ، ثم ينمو ويقوى ويتناسل بعد ذلك ، وأخيرًا يهرم ويشيخ حتى يموت .. أى تخرج الروح من جسده ، كذلك فإنها الروح التى جعلته أهلاً لتحمل المسئولية ، وتمييز الخير من الشر ، واستحق بها أن يُفضل على معظم مخلوقات الله تعالى(40) .


جـ- بعد الخلق :


وهذا الجزء يشتمل على ثلاث مراحل :


المرحلة الأولى
: منح مزيد من التكريم الإلهى لآدم ، حيث علّمه الله تعالى أسماء جميع الكائنات بعد أن أطلعه عليها .
ثم دعوة الملائكة للسجود له ، على أساس أنه سيكون خليفة الله فى أرضه .
وقد سجد الملائكة كلهم أجمعون ، ما عدا إبليس (من الجن) الذى رفض، مستندا إلى أفضليته على آدم ، حيث أنه خلق من النار ، وآدم من الطين ، والطين فى رأيه أفضل وأشرف من الطين . حينئذ غضب الله تعالى من عصيان إبليس ، فقرر طرده من ملكوته السماوى إلى الأرض ، لكنه عاد فالتمس من الله تعالى أن يتركه مدى الحياة الدنيا ليقوم بفتنة آدم وبنيه ، محاولاً أن يثبت من خلال ذلك : السبب الذى جعله يمتنع عن السجود لهذا المخلوق البشرى ، والقابل أيضا لعصيان الله تعالى .
وقد سمح الله تعالى له ولأتباعه بذلك ، مؤكدا فى نفس الوقت أنهم لن يستطيعوا أبدًا اغواء المؤمنين المخلصين من بنى آدم(41) .


المرحلة الثانية : آدم وزوجه فى الجنة .


ثم خلق الله تعالى زوجا لآدم من نفسه (وليس من ضلع آدم وهو نائم كما تقول التوراة) وأمرهما أن يسكنا الجنة .
(وما زال الحديث هنا عن الملكوت السماوى ، وليس جنة أرضية كما ذهب البعض) لكى يتمتعا بكل خيراتها ، مقابل شرط واحد :
ألا يأكلا من شجرة معينة فى الجنة (لم يحدد القرآن اسمها ولا نوعها)
لكن الشيطان ، الذى كان معهما فى الجنة ، أغراهما بالأكل منها ،
موحيا لهما أنها الشجرة التى تضمن لهما الخلود ، والملك الذى لا يبلى!
بمجرد أكلهما من الشجرة أصبحا عاريين ، واطلعا على عوراتهما !


وهنا آية تفسر ذلك فى قوله تعالى
)يَا بَنِي آدَمَ لاَ يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مِّنَ الْجَنَّةِ يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْءَاتِهِمَا ( [سورة الأعراف ، الآية 27] وهذا معناه أنهما كانا مرتديْن ملابس معينة ، على خلاف كل من ذهب إلى أنهما كانا يتجولان عارييْن تماما فى الجمة ! (42) .
حينئذ أدركا ذنبهما ، وراحا يداريان أنفسهما من ورق الجنة .
غضب الله تعالى من عصيان آدم وزوجه ،
فقرر أن يهبطا إلى الأرض ..
ليحصلا على احتياجاتهما بالعمل والجهد والمعاناة
وقد ظل آدم يستعطف ربه ، حتى تاب عليه ،
من خلال كلمات أوحى بها إليه


المرحلة الثالثة : آدم وأبناؤه على الأرض


وهنا يأخذ خلق الإنسان اتجاها آخر .
فبعد أن كان الخلق بالنسبة لآدم من تراب وطين وصلصال كالفخار،
سوف يصبح بالنسبة لبنيه نتيجة التزاوج بين الرجل والمرأة
(كما هو الحال بين الذكر والأنثى فى الحيوانات والنباتات)
وسوف يتكرر هذا الخلق ملايين المرات ، بنظام مطرد ، ودقة متناهية، (باستثناء الحالة الوحيدة – المعجزة التى حدثت فى خلق عيسى u )(43) من خلال المنى ، الذى يتكون بداية ، فى صلب الرجل ، وترائب المرأة(44) .
ثم يتم قذفه فى رحم المرأة ، فيصبح نطفة ،
تتحول إلى علقه ، فمضغة ، فعظام ،
ثم يكسو الله العظام باللحم ،
ثم ينشئه خلقا آخر ، أى جنينا مكتملا
حتى يحين وقت ولادته(45)


والملاحظ هنا أن كل مرحلة من مراحل تكون الجنين فى بطن أمه
يعبر عنها القرآن الكريم بالخلق(46)
وإذن فنحن هنا أمام خلق متجدد ..
ثم إن الله يهب لمن يشاء الذكور ،
وللبعض الآخر الإناث ،
ويزاوج أحيانا بينهما .
ويجعل من يشاء عقيما ، لا ينجب(47)


وهكذا فإن المرأة التى خلقها الله تعالى لكى تؤنس آدم فى الجنة ،
قد أصبحت جزءًا لا يتجزأ من عمليه الخلق ، الذى يخضع لقانون الزوجين.
والله تعالى يقول إنه خلق الأشياء كلها أزواجا(48)
وعندما شاء أن يهلك قوم نوح بالطوفان ،
أمره أن يصنع الفلك ، وأن يحشر فيها من كل زوجين : اثنين(49)
لكى تبدأ دورة جديدة من التناسل ،
ويستمر الخلق الإلهى .


الخلق والصورة الإنسانية
:


يصف الله تعالى نفسه فى القرآن الكريم بأنه ) الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ( (50)  وقد سبق القول بأن :
الخالق هو الذى يوجد الكائنات من العدم
والبارئ هو الذى ينشئها إنشاءً جديدا ، وعلى غير مثال ،
والمصور هو الذى يشكلها فى مختلف الصور.
وقد تعددت الآيات القرآنية التى تحدث عن أن الإنسان قد حظى – من حيث الشكل ، والمكانة والتفضيل الإلهى – بمزايا كثيرة ، ونعم كبرى .


فمن حيث الشكل :


- ) يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ ،
الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ
فِي أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَاء رَكَّبَكَ ( [سورة الأنفطار ، الآيات 6 ، 7 ، 8]
- ) خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ
وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ ( [سورة التغابن ، آية 3]
- ) نَحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ ( [سورة الإنسان ، آية 29]
أما قمة الوصف الإلهى لشكل الإنسان فتتمثل فى سورة التين
-)  لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ( [سورة التين ، آية 4]


ومن حيث المكانة :


ترجع أفضلية الإنسان إلى ما قبل خلقه ، حين أخبر الله تعالى الملائكة بأنه سوف يخلق إنسانا ، يكون خليفة له فى الأرض ، ومعنى الخليفة هنا النائب عنه فى حكم الأرض ، والمسيطر عليها :
-) وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً( [سورة البقرة ،    الآية 30]
ولكى يؤهله لذلك ، علمه أسماء جميع الكائنات ، فتفرد بذلك على الملائكة ، الذين سجدوا بأمر الله له :
-)  وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا ،
ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلاَئِكَةِ ، فَقَالَ :
أَنبِئُونِي بِأَسْمَاء هَؤُلاء إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ؟
قَالُواْ سُبْحَانَكَ !
لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا ،
إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ .
قَالَ يَا آدَمُ أَنبِئْهُم بِأَسْمَآئِهِمْ ،
فَلَمَّا أَنبَأَهُمْ بِأَسْمَآئِهِمْ
قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ،
وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ .
وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ : اسْجُدُواْ لآدَمَ
فَسَجَدُواْ ..
إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ ( [سورة البقرة ، الآيات 30-34]


كذلك يستمر التكريم الإلهى لآدم بعد خلقه فى أحسن تقويم ،
وتعليمه الأسماء ، وسجود الملائكة له ، فيخلق الله تعالى لآدم من نفسه زوجًا تكون سكنا له ،
ثم يأمرهما بسكنى الجنة ،
والتمتع بطيباتها كما يشاءان ، باستثناء شجرة واحدة :
- ) وَقُلْنَا : يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ ،
وَكُلاَ مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا ،
وَلاَ تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الْظَّالِمِينَ (  [سورة البقرة ، آية 35]
وتتمثل قمة التكريم الإلهى للإنسان وبنيه فى قوله تعالى :
- ) وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ ،
وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ،
وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ ،
وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً ( [سورة الإسراء : آية 70]
وهنا نلاحظ أن عبارة (على كثير مما خلقنا) لا تشمل (كل ما خلقنا) ، فهل يعنى ذلك أن هناك مخلوقات أخرى أعلى مكانة من الإنسان ؟ وإذا كانت فهل هى الملائكة ؟ - ربما !


الخلق والرزق


مما يتصل اتصالاً وثيقا بنظرية الخلق فى القرآن الكريم فكرة الرزق .
والرزق كما نعلم يشمل كل ما ينتفع به الإنسان من الضروريات التى يحتاج إليها (كالطعام والشراب والمسكن والملبس ..) إلى جانب الكماليات التى تحقق له المزيد من الراحة والرفاهية (كالقصور والأثاث الوثير والخدم ..).


ويؤكد القرآن الكريم على أن الله تعالى هو ) الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ ( (51) وأنه وحده الخالق الذى يرزق البشر من السماء والأرض(52)  . وبالنسبة إلى دورة حياة الإنسان على الأرض ، فالله تعالى هو الذى (يَخْلُقُ ، ثم يَرْزُقُ ، ثم يميت ، ثم يحيى (53) وهكذا يأتى الرزق فى المرتبة التالية مباشرة للخلق . وهو نعمة كبرى تحفظ على الإنسان حياته وصحته ، وتوفر له متاع الدنيا لكى يتجه إلى عبادة الله ، وشكره على جزيل عطاياه ) فَابْتَغُوا عِندَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ ( [سورة العنكبوت : آية 117] ويتعجب القرآن الكريم من حال أولئك الذين يتجهون بالعبادة إلى مَنْ لم يخلقهم ولا يرزقهم     ) وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللّهِ مَا لاَ يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِّنَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ شَيْئًا وَلاَ يَسْتَطِيعُونَ ( [سورة النحل : آية 73] .


لقد جعل الله تعالى الأرض بكل خيراتها الظاهرة والباطنة مصدرًا أساسيا لرزق الإنسان ، وسائر الكائنات الحية ، كما تكفل بهذا الرزق ) وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللّهِ رِزْقُهَا ( [سورة هود : الآية 6] ، ) وَكَأَيِّن مِن دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ ( [سورة النمل : الآية 64] ، ويتكرر فى سورة القرآن الكريم رزق الله للبشر من الطيبات (غافر ، الإسراء ، النحل) أما رزق الله من السماء فيتمثل فى المطر ) وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَّكُمْ ( [سورة البقرة : آية 22] ، ) وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاء اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ ( [سورة الحج : آية5]


ويؤكد القرآن الكريم على أن الله تعالى ) لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاء وَيَقْدِرُ ( [سورة الشورى ، آية 12] أى يوسع الرزق لبعض الناس ، ويجعله على قدر الحاجة فقط لأخرين . وهو يبين الحكمة من هذا "التقدير" بقوله ) وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ ( [سورة الشورى : آية 27] والقاعدة القرآنية تقرر) كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَى أَن رَّآهُ اسْتَغْنَى( [سورة العلق : آية 6] ومن المؤكد أن الله تعالى لا يرضى للإنسان أن يبغى فى الأرض ، ولا أن يطغى ويتكبر على أمثاله من البشر ، وغيرهم من الكائنات الأخرى .


وهكذا فإن التوسعة فى الرزق كما تقتضى الشكر والطاعة والمزيد من العبادة ، فإن التقدير فيه يتطلب نفس الأمر ، لأن الله الذى خلق الإنسان ، ويعلمه جيدا ، هو الأدرى بمصير ذلك الشخص الذى قد يتسع رزقه فيطغى ويبغى ويسقط فى الضلالة والشرك .


الخلق والبعث :


الإيمان بالبعث هو الركيزة الثانية للعقيدة الإسلامية التى تقوم الأولى منها على الإيمان بالله الواحد الأحد . ولذلك أعطاها القرآن الكريم أهمية خاصة حيث قدّم لإثباتها العديد من الأدلة والأمثلة المحسوسة ، التى يمكن لأى إنسان أن يلمسها بنفسه .


ومن أهم الأدلة التى استخدمها القرآن الكريم لإثبات البعث : دليل الخلق. فالله تعالى : ) وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ (  [سورة الروم : آية 27] ويقول لمنكرى البعث ) إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن تُرَابٍ( [سورة الحج : آية 5] ، ويؤكد أكثر من مرة أنه كما بدأ الخلق من الأرض فهو قادر على إخراج الناس منها بعد أن يعيدهم إليها بالموت )مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى ( [سورة طه: آية 55] ، ويؤكد للإنسان المندهش من إعادة جمع العظام بعد أن تبلى ) أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَلَّن نَجْمَعَ عِظَامَهُ ، بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَن نُّسَوِّيَ بَنَانَهُ ( [سورة القيامة :        آية 3 ، 4]  والبنان هى أطراف الأصابع التى تحتوى – كما أصبحنا نعرف مؤخرا – أنها تحتوى على البصمة التى لا يتشابه فيها شخصان فى أى زمان ومكان !


وعلى كل إنسان عاقل أن يتأمل مراحل تطور الجنين فى بطن أمه ، وكيف أنه انتقل من عدة مراحل من الخلق : نطفه ثم علقه ثم تخليق ، ثم تسوية، ثم تمييز للنوع إلى ذكر وأثنى : أليس الذى خلق ذلك كله ) بِقَادِرٍ عَلَى أَن يُحْيِيَ الْمَوْتَى ( [سورة القيامة : آية 40] وهكذا تبدو أدلة القرآن على كل من الخلق والبعث غاية فى البساطة والإقناع . فالذى خلق هو الذى يميت ، وهو القادر أيضا أن يحيى مرة أخرى .


ثم هل يتوقع بنو آدم أنهم خلقوا عبثا ، يعنى حدث وجودهم فى الكون بدون خطة ولا غاية ) أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ ( [سورة المؤمنون : آية 115] ويؤكد القرآن الكريم أن خلق الإنسان وسلالته كان بالنسبة إلى قدرة الله تعالى أمرًا هينا ، وهو بالطبع أقل بكثير من خلق السماوات والأرض ) لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ( [سورة غافر : الآية 57] ويقول أيضا ) أَأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاء بَنَاهَا ( [سورة النازعات : آية 27] .


وليس بعث الناس بالنسبة إلى قدرة الله أمرًا هينا فقط مثل خلقهم تماما ) مَّا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ ( [سورة لقمان : الآية 28] بل سوف يحشرون يوم القيامة فرادى ، أى فردا فردا )وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ ( [سورة الأنعام : آية 94] .


أما مشهد البعث ، فتصورة الآيات (47 ، 48 ، 49) من سورة الكهف:
)وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ ،
وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً
وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا
وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا :
لَّقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ
بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّن نَّجْعَلَ لَكُم مَّوْعِدًا
وَوُضِعَ الْكِتَابُ ،
فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ
وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا
مَالِهَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا
وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا ،
وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا (


هذا هو المشهد الختامى ، أو بالأحرى قبل الختامى ، الذى يغلق صفحة الحياة من فوق الأرض ، وما يتلوها من فترة البرزخ ، لكى يبعث الناس جميعا، ويقفوا أمام الله تعالى كما خلقهم للمرة الأولى ، أى بمنتهى السهولة ، ومع ذلك يفاجأ الكافرون والمشركون أن كل ما عملوه فى الدنيا من كبائر وصغائر مسجل بكل دقة ، وأنهم سوف يحاسبون عليه فى قضاء عادل ، يرأسه أعدل العادلين .


وهكذا تنقل آيات القرآن الكريم الإنسان أولاً من معرفة أصله ، وكيف نشأ أبوه الأول ، إلى وضع يديه ثانيًا على الدلائل المحسوسة فى الكون من حوله ، وفى نفسه هو ، وأخيرا تمثل له لحظة المصير النهائى ، تاركة له أن يستخرج النتائج من شواهد الماضى والحاضر والمستقبل لكى يتأكد بنفسه : أين يقف ؟ وكيف يتصرف ؟ وما هى أفضل الطرق التى يسلكها ، وأهم المعالم التى يهتدى بها ؟ متجنبا فى ذلك كله أن يخرج عن طاعة الله تعالى الذى خلقه فسواه فعدله ، ثم صوره فى أحسن صورة ، وسخر له خيرات الأرض والسماء.


الخلق والطبيعة الإنسانية .


يؤدى بنا التأمل فى قصة خلق آدم إلى بعض نقاط الضعف فى الطبيعة الإنسانية ، وأهمها – كما ذكر القرآن الكريم – النسيان والضعف : حين نسى آدم وزوجه الأمر باجتناب الأكل من الشجرة المحرمة عليهما فى الجنة ، وضعفا أمام اغراء إبليس ) وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ  عَزْمًا ( [سورة طه : آية 115] .


أما بنو آدم ، الذين تناسلوا منه فى الأرض ، فقد خلقهم الله من (ماء مهين) (54) وهو المنى الذى يبدأ ضعيفا ) وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا ( [سورة النساء: آية 28] ثم يتحول فى فترة الشباب إلى قوة وتنتهى القوة مع حلول الشيخوخة إلى ضعف وتدهور ) وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ ( [سورة يس : الآية 68] ويتضح التنكيس من شكل الإنسان حين يتقوس ظهره أو ينحنى بوجهه على الأرض ، ويصبح قريبا من شكل الحيوانات ، أى أنه يخرج عن الصورة الإنسانية المعتدلة القامة ، والأفقية الرأس !
لكن القرآن الكريم يصرح بأن الإنسان من أبناء آدم يعانى من عملية الخلق ) لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ ( [سورة البلد : آية 4] والإشارة هنا إلى المعاناة التى يكايدها الجنين فى رحم أمه ، داخل الظلمات الثلاث التى أشار إليها القرآن الكريم فى قوله ) يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِن بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ ( [سورة الزمر : آية 6] .


وهناك بعد ذلك وصفان للإنسان فى القرآن الكريم حول طبيعته : الأول يصفه بأنه ) خُلِقَ الْإِنسَانُ مِنْ عَجَلٍ ( [سورة الأنبياء : آية 37] والثانى ) خُلِقَ هَلُوعًا( [سورة المعارج : آية 19] ويفسر القرآن نفسه معنى : هلوع ، بأنه (إذا مسه الشر جزوعا ، وإذا مسه الخير منوعا) أى يحزن جدا لوقوع المصائب به ، وإن فتح الله عليه بالخير أمسك عن مساعدة المحتاجين من حوله(55) . أما خلقه من عجل ، فالمقصود رغبته فى استباق الأمور ، وعدم الصبر فى انتظار النتائج ، ويعنى ذلك أنه يريد أن يعرف الآن ما سوف يحدث له فى الغد ، وبالتالى فإن الكثير منهم لا يثقون فيما أخبرهم به الله تعالى من ضرورة انتهاء الحياة الدنيا ، ووقوع الحشر ، والجزاء فى الجنة أو النار       ) وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَوْلَا أَجَلٌ مُّسَمًّى لَجَاءهُمُ الْعَذَابُ وَلَيَأْتِيَنَّهُم بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ( [سورة العنكبوت : آية 53] .


والواقع أن الإنسان – الذى غمرته النعم الإلهية بدءًا من إيجاده ، وتسخير كل ما الكون له ، ورزق الله إياه – قد اتجه وجهة أخرى تماما ، ضد الشكر على كل تلك النعم ، وكفر أو أشرك بالله تعالى ، الذى ينفرد وحده بالإنعام عليه ، ولذلك يبلغ الغضب الإلهى مداه على مثل هذا الإنسان الجاحد بأنعم الله حين نقرأ فى القرآن الكريم قوله تعالى :
- ) قُتِلَ الْإِنسَانُ مَا أَكْفَرَهُ
مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ
مِن نُّطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ
ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ
ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ
ثُمَّ إِذَا شَاء أَنشَرَهُ
كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ ( [سورة عيسى : الآية 17-23]


لكن تلك الطبيعة الإنسانية (الناسية ، والضعيفة ، والمتعجلة ،   والهلوعة ، والناكرة للجميل) إذا كانت قد دفعت بعض بنى آدم أو الكثير منهم إلى العصيان والشرك والكفر ، فإنها لم تهدم صحة القاعدة التى يندرج تحت لوائها المؤمنون بالله تعالى ، الساجدون له ، والشاكرون لفضله ، والمسبحون بعظيم اسمه . وعن هؤلاء يقول القرآن الكريم فى (سورة الفرقان) :
- ) وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا ،
وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا .
وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا
وَالَّذِينَ يَقُولُونَ :
رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ
إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا  (أى هلاكا قائما وملحّا)
إِنَّهَا سَاءتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا
وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا
وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا
وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ ،
وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ
وَلَا يَزْنُونَ
وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا
وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ
وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا
وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ
لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا
وَالَّذِينَ يَقُولُونَ :
رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ
وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا
أُوْلَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ (أى الجنة) بِمَا صَبَرُوا
وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا
خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا ( [الفرقان : الآيات 63-76]






خلق الإنسان بين التوراة والقرآن :


نظرًا لأن التوراة التى أنزلت على موسى u هى إحدى الكتب السماوية السابقة على القرآن ، ولأنها تناولت – من ناحية أخرى – قصة خلق الإنسان ، فإن المقارنة بينها تبدو مفيدة ، لكى يتبين منها جوانب الاتفاق ، والاختلاف ، وتظهر نقاط الزيادة والنقصان . ونحن لن نتعرض هنا لما لحق بالتوراة الحالية من بعض التعديل والتحريف عبر العصور ، لكننا نركز على ما يتصل بموضوع خلق الإنسان . ومنه :


- أن التوراة تخلو تمامًا من الإشارة إلى المادة التى خلق منها آدم (التراب – الطين) .
ونكتفى بسرد وقائع القصة منذ قرر الله – فى اليوم السادس من خلق السماوات والأرض وما بينهما – خلق الإنسان على صورته ، من ذكر وأنثى ، وباركهم وقال لهم : أثمروا وأكثروا وأملأوا الأرض وأخضعوها وتسلطوا على سمك البحر وعلى طير السماء وعلى كل حيوان يدب على الأرض"(56) .


- أن التوراة لا تتعرض لاختصام الملائكة فى مبرر خلق آدم ، ثم استجابتهم بعد ذلك فى السجود له بعد تعليمه أسماء الكائنات ، وكذلك تخلو التوراة من محاجة أبليس فى كونه أفضل من آدم ، وغضب الله تعالى عليه ، وإنزاله مع ذويه إلى الأرض ، تاركا له فرصة إغواء غير المؤمنين الصادقين حتى يوم القيامة ..


ومن الملاحظ هنا أن فكرة الخلق التوراتية تخلو تماما من بعض الأفكار الأخرى التى تعتبر أهدافًا مباشرة لها ، ومنها : معرفة الله تعالى ، وتوحيده ، وعبادته ، وكذلك فكرة الرزق ، وأخيرًا عقيدة البعث التى تمثل مع الخلق : البداية والمنتهى .


ومع ذلك ، فقد رجع كثير من المفسرين المسلمين إلى قصة خلق الإنسان فى التوراة ، وأخذوا منها بعض العناصر والتفاصيل التى أدخلوها على القصة القرآنية ، حتى أصبح "المجموع" عند عامة المسلمين أمرًا دينيا مقررا ، ومن أمثلة ذلك :
- أن الله خلق زوج آدم من ضلعه .
- أن اسم حواء نفسه لم يرد فى القرآن الكريم .
- تحديد نوع الشجرة المحرمة فى الجنة بأنها شجرة معرفة الخير والشر .
- أن الحية ، وليس إبليس ، هى التى أغرت الزوجين بالأكل من الشجرة .
- أن آدم وزوجه كانا عريانين تمامًا فى الجنة ،
وبمجرد أكلهما من الشجرة أدركا أنهما كذلك ..
فخاطا أوراقا وصنعا لأنفسهما مآزر(57)


خلق الإنسان فى مذهب وحدة الوجود :


لم يتوقف الصوفية الأوائل عند مسألة خلق الإنسان ، ولكن التصوف الفلسفى المتأخر هو الذى ركز عليها ، باعتبارها تمثل الأساس الأول فى مذاهبه التى وضعها ، ومن أشهرها مذهب وحدة الوجود ، الذى نجده مفصلاً على نحو غير مسبوق لدى ابن عربى (ت 638هـ) .


ومن المعروف أن ابن عربى قد حرص على أن ينثر مذهبه – خوفًا من سوء الفهم – فى سائر مؤلفاته المترامية الأطراف ، وأن يغلفه تارة بالرمز، وتارة بالإشارة ، وتارة بالتصريح المغلف بالتعمية على القارئ العادى ، كما فعل ذلك فى كتابه "فصوص الحكم" الذى يعتبر خلاصة شديدة التركيز لكتابه الضخم "الفتوحات المكية" (58) .


يعرض ابن عربى لفكرة خلق الإنسان فى فصل بعنوان (فص حكمة إلهية فى كلمة آدمية) فيقول إن الحق سبحانه لما شاء – من حيث أسماؤه الحسنى التى لا يبلغها الإحصاء – أن يرى أعيانها فى كوْن جامع يحصر الأمر كله ، أوجد آدم ، الذى هو رمز للإنسانية كلها . والسبب فى ذلك أن الله ، الذى كان من الممكن أن يرى نفسه بنفسه ، أراد أن يرى نفسه فى مرآة مجلوة ، فكان آدم هو هذه المرآة المجلوة ، وكان بحكم خلفته قابلاً لتجلى الأسماء الإلهية فيه ، ومن هنا استحق أن يسجد له الملائكة ، وأن تكون له فضيلة الاستخلاف عن الله فى الأرض (وبالمناسبة يذهب ابن عربى إلى أن الأسماء التى علمها الله تعالى لآدم هى الأسماء الحسنى التى تتحكم فى كل ما يجرى على الكائنات، أو تجرى هى عليه) (59) .


الإنسان عند ابن عربى هو النسخة المختصرة من العالم الكبير . وقد خلقه الله بيديه ، أى بالصفتين اللتيْن يتصف بهما ، وينعكسان على الإنسان : فالله ظاهر وباطن ، لذلك أوجد العالم : عالم غيب وشهادة ، ليدرك الإنسان الباطن بغيبه ، والظاهر بشهادته . ووصف الله نفسه بالرضا والغضب ، وجعل الإنسان ذا خوف ورجاء : يخاف غضبه ويرجو رضاه ، ووصف نفسه تعالى بأنه جميل وجليل ، فأوجد الإنسان على هيبة وأنس : يأنس بجماله ويهاب جلاله(60) .


ويرى ابن عربى أن هذا هو السر الذى لم يدركه الملائكة حين اعترضوا على خلق آدم ، وأنه سوف يفسد فى الأرض ويسفك الدماء ، وكذلك رفض إبليس السجود له ، بسبب أنه خلق من نار ، بينما خلق آدم من طين ، اسودّ لونه وفسدت رائحته ! لكن المشيئة الإلهية قررت أن يكون هذا الإنسان جامعًا لكل ما يتطلبه العالم منه ، لأنه سوف يكون خليفة عليه ، ومحتويا أيضا بصورته الباطنة على صورة الله تعالى ، وهكذا جمع بين فضيلتين كبيرتين لم يحصل عليهما الملائكة ولا إبليس(61) .


ثم يقول ابن عربى بتصريح أكثر : فقد علمت نشأة روح آدم أعنى صورته الباطنة ، فهو : الحق الخلق . وقد علمت نشأة رتبته ، وهى المجموع الذى استحق به الخلافة . فآدم هو النفس الواحدة التى خلق منها هذا النوع الإنسانى(62) .


استمرار البحث فى خلق القرآن :


من الملاحظ أن مسألة خلق الإنسان ، سواء فى العلوم الحديثة كالجيولوجيا والأنثربولوجيا والكيمياء والأحياء وبحوث الجينات والنانو تكنولوجى .. الخ ، أو فى القرآن الكريم والتصور الإسلامى بعامة – ما زالت تشغل الباحثين المحدثين ، وتدفعهم أحيانا للتعمق فيها ، ونشر البحوث المختصرة ، أو إصدار المؤلفات الضخمة حولها . ويلاحظ أيضا أن بعض أساتذة الطب والهندسة قد أدلوا بآرائهم القيمة فى هذا المجال ، أى أن الأمر لم يعد يقتصر على علماء الدين المتخصصين فى الدراسات الإسلامية وحدهم . ويمكن القول إنه فى العشرين سنة الأخيرة ، الواقعة بين القرن 20 ، والقرن 21 قد ظهر فى هذا المجال ما يقرب من عشرين كتابًا ودراسة ، أى بمعدل بحث أو كتاب فى كل عام .

إن هذا يدل على أهمية الموضوع ، وانشغال العقل العلمى به ، والبحث المتواصل فيه ، لكنه يشير من ناحية أخرى إلى اكتشاف جوانب جديدة له ، وعدم الإجماع على الكلمة الأخيرة فيه .


وقبل حوالى عشر سنوات فقط ، ظهر كتاب (أبى آدم) للدكتور عبد الصبور شاهين فأثار ضجة إعلامية ، وأدخل صاحبه إلى ساحة القضاء ، حتى تمت تبرئته من الاتهام بخروجه عما هو معلوم من الدين بالضرورة(63) وتتمثل الفكرة الرئيسية فى هذا الكتاب فى محاولة التمييز بين لفظ (بشر) ولفظ (إنسان) الواردين فى القرآن الكريم ، حيث يرى المؤلف أن البشر وجدوا قبل خلق الإنسان الأول = آدم ، بملايين السنين ، وأنهم كانوا شبه من حيث الشكل بالإنسان من ناحية ، وبالحيوانات فى تصرفاتها الوحشية من ناحية أخرى(64)، وذلك بهدف تفسير وجود الحفريات الجيولوجية التى تثبت وجود هذه المخلوقات منذ أكثر من مليون سنة ، أما آدم وبنوه فلا يزيد عمرهم فوق الأرض على عشرات آلالاف فقط من السنين .


وعلى الرغم من أن د0 عبد الصبور شاهين يذكر أنه أمضى خمسًا وعشرين سنة فى إنجاز بحثه ، إلا أن هناك مَنْ سبقه إلى نفس الفكرة ، دون أن يحدث أى ضجيج اعلامى ، وهو أستاذ الطب د0 محمد فوزى جاب الله . فى كتابه المختصر الجيد (التطور وأصل الإنسان من منظور إسلامى) يقول فيه : "أما أشباه البشر فهم شكلا أقرب إلى البشر حين يمشون على أرجلهم ، ويلتقطون بأيديهم ، ويستخدمون عقولهم بما لا يتجاوز الإمكانيات الذهنية لطفل، ولهذا اختلط الأمر على الملائكة واعتقدوا بأن خليفة الله سوف يكون من تلك الخلائق غير المسئولية وغير المؤهلة ذهنيا للاستخلاف فى الأرض" (65) .


وبالعودة للوراء قليلا ، لابد من الإشارة إلى الدكتور عبد الفتاح طيره ، الأستاذ بكلية طب قصر العينى ، وأيضا أستاذ د0 محمد فوزى جاب الله ، الذى ألف كتابًا ضخمًا بعنوان (خلق الإنسان) ذهب فيه إلى نفس الرأى ، بعد إيراد العديد من التفصيلات الجيولوجية والكيميائية .


أما العقاد ، وهو أسبق من هؤلاء جميعا ، فهو يناقش فى كتابه (الإنسان فى القرآن الكريم) نظرية دارون بالتفصيل ، ويتتبع ما أثارته من ردود أفعال سواء فى الغرب ، أو فى العالم الإسلامى . وينتهى من ذلك كله بقوله "والبشر وجدوا وانتشروا على جهات متقاربة من العالم القديم منذ العصر "الميوسينى" قبل نحو مليون سنة ، وأنهم كانوا على حالة متوسطة بين الحيوان الناطق وطبقة بشرية دون هذه الطبقة ، ثم تميزت خصائص الإنسان بعد ابتداء العصر الجليدى منذ نحو مليون سنة . ولكن الإنسان الذى استخدم الآلات وصاغها من العظام والحجارة لا يعرف له تاريخ جلى قبل مدة تتراوح فى تقدير العلماء بين 200 ألف و 100 ألف سنة" (66) .


ونحن لا نريد أن نغوص طويلاً فى تاريخ الفكر الإسلامى حيث نجد أفكارًا مشابهة ، بل وسابقة على فكرة التطور الداروينية نفسها ، لدى كل من اخوان الصفا(67) ، ومسكويه ، وابن خلدون ، وحتى عند شاعر كبير مثل ابى العلاء المعرى .. فقد صرح بعضهم بإمكانية وجود (أوادم) آخرين ، سابقين على آدم = الإنسان العاقل ، المسئول الأخلاقى ، الذى خلقه الله تعالى ليعمر الأرض ، ويعبد الله تعالى ، ويكون مسئولاً عن أفعاله ، ومحاسبًا عليها .


ويمكن القول من جانبنا إن البحوث الحديثة حول نظريات خلق الإنسان فى العلوم ، ومحاولة التوفيق بينها وبين حقائق القرآن الكريم قد تكون أمرًا ضروريا ومطلوبًا عندما تصل معطيات هذه العلوم إلى درجة من اليقين العلمى المجمع عليه ، ولكنها ما زالت حتى الآن ، وباعتراف أصحابها أنفسهم ، فى طور الافتراضات ، والتخمينات ، ومحاولة ملء الفراغات الطبيعية بتصورات عقلية لا تستند إلى قواعد المنهج التجريبى الحديث . إن من أهم مميزات النظرية القرآنية فى خلق الإنسان أنها متماسكة ، وخالية من أى تناقض داخلى، وكذلك من أى تعارض مع المشاهدات الحسية التى نتابعها فى جسم الإنسان ، وكذلك فى أحوال العالم من حوله .


خاتمة ونتائج :


إن عناصر قصة خلق الإنسان فى القرآن الكريم تتناثر آياتها وتتنوع وتتعدد لكنها فى النهاية تتكامل فى نظرية متماسكة . ولا شك أن هذا التماسك يضفى عليها الكثير من خصائص المصداقية والإقناع ، كما أنها تملأ الفراغات التى يسعى العقل دائمًا إلى التنقيب فيها بحثا عن إجابة شافية .


إن خلق الإنسان ليس إلا جزءًا من عملية الخلق الكبرى ، التى شملت السماوات والأرض وما بينهما ، ومع أن هذه الأجرام الكبرى قد أوجدها الله تعالى من العدم ، فإن الإنسان قد نشأ من عناصرها : الماء والتراب ، اللذين تحولا إلى طين لازب ، فحمأ مسنون ، فصلصال كالفخار .. ثم تم تسويته وتعديله حتى أصبح مؤهلاً لنفخ الروح الإلهى فيه . وهنا حدث تكريمه بسجود الملائكة له ، بعد أن علمه الله أسماء الكائنات ، كما منحه الأنس بخلق زوج له من نفسه ، وأسكنها معه فى الجنة .. إلى هنا والحديث عن الملأ الأعلى ، أما فوق الأرض ، فإن الخلق يأخذ منحى آخر ، ينتج عن التقاء الرجل بالمرأة ، كما يحدث لدى الحيوانات والنبات من التقاء أو تلقيح الذكر للأنثى . وهكذا يكشف الله تعالى سر الخلق للإنسان ، لكى يطمئن على مصدر وجوده ، ويتيقن فى نفس الوقت من أنه جزء من خطة إلهية ، أنشأته بالخلق ، وحافظت على استمرار وجوده بالرزق ، تمهيدًا لبعثه فى حياة خالدة ، لا فناء فيها ولا عدم .


مطلوب إذن من الباحثين المسلمين بالذات أن يقرأوا بعناية آيات القرآن الكريم المتعلقة بالخلق عموما ، وبخلق الإنسان على نحو خاص ، وما يرتبط بهذا وذاك من صفات إلهية ، وشواهد حسية ، واعتبارات عقلية لكى يستخلصوا الأفكار الرئيسية والفرعية فى هذه الموضوعات ، وهذا ما حاولنا القيام به هنا فيما يتعلق بخلق الإنسان فقط ، دون أن نخلط شيئا من ذلك بنظريات العلماء المحدثين أو اكتشافاتهم حول هذا الموضوع . وليس ذلك تقليلاً من شأنها ، أو رفضًا لها ، وإنما لأننا اتجهنا إلى مصدر أساسى ، وهو القرآن الكريم ، وحاولنا استخلاص نظرية خلق الإنسان منه . ونستطيع أن نؤكد بكل اطمئنان أن ما ورد فى القرآن الكريم حول هذا الموضوع لم ينتقض حتى اليوم بأى حقيقة علمية قررها الباحثون المحدثون ، بل إن ما لدى هؤلاء جميعا ما يزال افتراضات وتخمينات وأحيانا مغامرات عقلية لملء فجوات فى مربعات الطبيعة التى يقصرون بحثهم عليها ، دون أن يتساءلوا ولو لمرة واحدة : عن مصدر هذا كله ؟ ومَنْ الذى أوجده ؟ وهل أنشأ نفسه بنفسه ؟


لقد أدى عرضنا لنظرية خلق الإنسان فى القرآن الكريم إلى استخلاص مجموعة من الأفكار والمبادئ ، يمكن أن نجملها فيما يلى :


أولاً : إثبات وجود الله تعالى ووحدانيته ، بل وجميع صفاته الأخرى ، بناء على تفرده بالخلق ، من خلال دلائل محسوسة ، وحقائق مؤكدة .


ثانيًا : إثبات أن الخالق هو الذى يسيّر خلقه كما يشاء ، ويزيد فيه ، ويحفظه تبعًا لسنين إلهية ، غاية فى الدقة والانتظام .


ثالثًا : الإجابة الواضحة والمقنعة عن الأسئلة الوجودية الثلاث ، والتى حيّرت الإنسان قديمًا وحديثًا ، وهى :


من أين أتيت ؟ لماذا أنا موجود ؟ ما هو المصير ؟


رابعًا : تأكيد أن الله (الخالق) هو أيضا (الرازق) 0 والرزق هو الذى استمرار تماسك الوجود ، وإمكانية حياة الإنسان فيه إلى حين وفاته ، لكى يبعث بعد ذلك من جديد .
خامسًا : توفر نظرية خلق الإنسان القرآنية على الفلاسفة والمتكلمين المسلمين الكثير من الجهد والجدل فى محاولاتهم إثبات العقيدة الإسلامية بالاعتماد على أدلة عقلية وجدلية لا يفهمها الناس جميعا .


سادسًا : تؤسس نظرية خلق الإنسان فى القرآن الكريم لإنشاء "علم عقيدة جديد" يعتمد على الآيات القرآنية ، وتفسير بعضها لبعض ، مع التركيز على ما تنطبق عليه فى الكون وفى الإنسان .


سابعًا : انعدام الجدوى العملية من خلط النظرية القرآنية بمجريات العلوم الحديثة مثل الجيولوجيا والأنثروبولوجيا والكيمياء والحياة ، لكى لا نشوش على عقل المسلم بأمور ظنية وما زالت غير مؤكدة باعتراف العلماء أنفسهم مع حقائق عقيدته المستمدة بصورة واضحة ومباشرة من القرآن الكريم .

التعليقات (3)Add Comment
0
...
أرسلت بواسطة محمد, مارس 17, 2011
بارك الله فيكم ، بحث قيم جدا
وكنت أود من سيادتكم التفصيل لمسألة الغاية من خلق الإنسانsmilies/kiss.gifsmilies/kiss.gif
0
...
أرسلت بواسطة خالد صقر , نوفمبر 09, 2013
أحسن يا أخي جزاك الله خير
بس فين المراجع وحياة أبوك
0
...
أرسلت بواسطة نورالدين عزيزة, فبراير 04, 2014
شكرا على هذا الجهد المميز وعلى الموضوع، أستاذ
ونرجو لو تضيفون الهوامش المشار إليها بالأرقام في المتن

أضف تعليق
تصغير | تكبير

busy
آخر تحديث الاثنين, 26 يناير 2015 20:41