عداد الزائرين

mod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_counter

إضافات حديثة

   
 
محمد الفيتورى صيغة PDF طباعة أرسل لصديقك
كتبها د . حامد طاهر   
الاثنين, 28 يونيو 2010 23:01

 




شاعرية الفيتورى




الشاعرية تعتمد على ثلاثة ركائز رئيسية هى : موهبة الشاعر ، وتكنيكه الفنى ، ثم الرسالة الشعرية التى يريد توصيلها للناس .
ولما كانت الموهبة نعمة إلهية ، يختص بها بعض الشعراء دون البعض ، فإن من أولى خصائصها عدم ارتباطها بعمر معين ، أو حتى بتعليم وتدريب . والملاحظ أنها قد ظهرت لدى الفيتورى فى سن مبكرة جدا ، وعلامة ذلك أنه استطاع – وهو ما يزال فى العشرينات – أن يصدر ديوانه الأول "أغانى افريقية" ، الذى جاء على نحو ناضج تماما ، واستطاع أن يثبت مكانة الشاعر فى الأوساط الأدبية بمصر ، والعالم العربى .
ومن خصائص الموهبة الشعرية أنها تختصر على صاحبها الكثير من الجهد التعليمى والتدريبى وتقفز به مباشرة بين صفوف كبار الشعراء . فنجده مثلا يتقن موسيقى الشعر دون أن يكون قد تعلم أصولها ، ويقيم بناء الجملة الشعرية الصحيحة دون أن يكون قد درس علمى النحو والصرف ، كما نجده قادرا على تكوين صور شعرية ، ذات مستوى بلاغى رفيع ، دون أن يكون قد اطلع على مذاهب البلاغة وتفريعاتها . وما أجمل المثل المصرى الذى يعد أصدق تعبير عن هذه الحالة ، فيقول "الكتكوت الفصيح.. فى البيضة يصيح" .
وهنا يبرز سؤال : هل المواهب الشعرية متساوية ؟ والإجابة أنها متفاوتة فى الحجم والعمق والاستمرار . والدليل على ذلك أننا لو قمنا باستعراض إنتاج شاعرين ، أو مجموعة من الشعراء ينتمون إلى عصر واحد ، أو جيل واحد ، أو حتى تكوين ثقافى واحد ، فسوف ندرك على الفور مدى تفاوت مواهبهم ، واختلاف القدرة لدى كل منهم على التحليق فى آفاق أوسع ، أو التقاط موضوعات أكثر ، أو العثور على اكتشافات شعرية أروع من زميله أو زملائه . ولتأخذ مثالا على ذلك كلا من شوقى وحافظ (اللذين اشتبك اسماهما على نحو قدرى عجيب) . فحافظ ابراهيم يكتب قصيدته "العمرية" ، يسرد فيها مجموعة من مواقف الخليفة العادل عمر بن الخطاب . وهى قصيدة طويلة ، وجيدة . لكنها لا تصل – بحال من الأحوال – إلى بعض قصائد شوقى كالهمزية النبوية ، أو الأزهر ، أو النيل ، التى تحتوى كل منها على مجموعة من اللآلى الشعرية ، التى يندر أن يقع عليها شاعر آخر ، بما فيهم حافظ نفسه .
كذلك فإن الموهبة الشعرية القوية قد يعتريها الضعف ، بل إنها قد تموت والشاعر ما زال حيا . وهناك أمثلة عديدة على ذلك لشعراء توقفوا عن كتابة الشعر ، وانصرفوا إلى أنشطة أدبية أو ثقافية أخرى . وهنا لابد من التفرقة بين الشعر الحقيقى والنظم . فالنظم هو مجرد قدرة آلية على كتابة شعر موزون بقافية ، ولكنه خال من روح الشعر . وهذا النظم يستطيع أصحابه أن يظلوا يكتبونه حتى وهم على فراش الموت ! أما الموهبة الشعرية القوية فإنها تستمر بنفس حيويتها بل إنها تزداد مع مرور الأيام والتجارب صفاء وتركيزا .
ونحن إذا تأملنا موهبة الفيتورى ، وجدناها من تلك المواهب التى لم تضعف قوتها على الرغم من مرور الزمن ، بل إنها ظلت متوهجة ومتميزة بنفس حدتها الأولى ، بل إنها زادت من كثرة التجارب ، والتقلب فى عواصم عربية ودول أوربية مختلفة ، ومحاولاته المستمرة تجريب أشكال متنوعة من القصائد ، تبعا لمذاهب أدبية عالمية ( كالسريالية وغيرها ) .
لقد سبق لى أن أشرت فى كتابى عن هاشم الرفاعى ، وصالح الشرنوبى أن بشائر الموهبة الشعرية تظهر منذ عمر مبكر . وموهبة الفيتورى لا تتخلف عن ذلك . فنحن نجد فى ديوانه الأول – الذى أصدره سنة 1955 ، وهو ما يزال طالبا فى الجامعة – قصائد كتبت فى عمر مبكر جدا ، وهى فى نفس الوقت على مستوى عال من النضج الفنى ، بل إن بعضها يصل بالفعل إلى مستوى الشعر العالمى .
ويمكن التوقف طويلا أمام قصيدة الفيتورى بعنوان "تحت الأمطار" التى تعد نموذجا لذلك . فهى قصيدة قصيرة ، لكنها شديدة التركيز . وهى تصور مشهدا مألوفا ، لكنه بالغ التميز ، وتتعدد فيها الأصوات : صوت الشاعر ، وصوت سياط سائق العربة ، وصوت الموت .. تحت إيقاع صوت المطر الهاطل فى الليل ، وكل ذلك فى مقابل صمت الخيول المتعبة الدامية الرقبة من أثر حديد السرج !
إن القصيدة فى مجملها رمزية : سائق عجوز أنهك خيول عربته دون مبالاة بآلامها (كذلك كل سلطان غاشم ينهك شعبه دون أن يستمع إلى شكواه) . القصيدة بناء درامى محكم ، يتميز أول ما يتميز بانعدام الزوائد (أى كلمات الحشو التى يلجأ إليها الكثير من الشعراء) واتقان اختيار القافية الموضوعة فى مكانها تماما (دون الوقوع فى هاوية القوافى الاضطرارية) وإلى جانب هذا وذاك تلك البلاغة التى تمزج بين الحقيقى والمجازى ، بين الواقعى البسيط والاستعارى . إنها أقرب ما تكون إلى لغة السينما الحديثة ، التى تنتقى المشاهد ذات الدلالة العميقة ، لتختصر بها – وفيها – الأزمنة ، والمسافات ، وتعبر فى لوحات متتالية عن المواقف ، حتى تصل إلى التأثير المطلوب فى أعماق المتلقى . ولنقرأ معا القصيدة (مستأذنا الشاعر فى كتابتها على نسق الشعر التقليدى) :


أيها السائق .. رفقا بالخيول المتعـــــــــبة
قف .. فقد أدمى حديد السرج لحم الرقبه
قف .. فإن الدرب فى ناظرة الخيل اشتبه
هكذا كان يغنى الموت حول العربــــــــــه
وهى تهوى تحت أمطار الدجى مضطربـه
**
غير أن السائق الأسود ، ذا الوجه النحيــل
جذب المعطف فى يأس على الوجه العليل
ورمى الدرب بما يشبه أنــــــوار الأفــــــــول
ثم غنى سوطه الباكى على ظهر الخــيول ..
فتلوت ، وتهاوت ، ثم سارت فى ذهــــــول !!



التكنيك الفنى : البلاغة العربية كنز لا يعرف قدره إلا العارفون بقيمة ما يحتويه من ماسات وجواهر . ولا شك أن الفيتورى قد درس علم البلاغة فى مرحلة الدراسة الثانوية ، ثم فى دار العلوم .. وهو – كشاعراستبقى لنفسه من هذا العلم أجمل ما فيه ، وأجمله على الإطلاق ما يحتوى عليه باب المجاز وباب الاستعارة ، اللذين أبدع الشعراء العرب القدامى على منوالهما أروع التراكيب .
لكن البلاغة العربية لا تضع فى فم الشاعر ملعقة من ذهب ، وإنما تعطيه المفتاح السحرى الذى يمكنه من فتح بوابات جديدة فى آفاق الشعر العربى . وقد ظن بعض الشعراء المحدثين – خطأ – أن الشعر العربى القديم قد استنفذ كل وسائله ، وأنه بلغ حدا اكتمل فيه حتى أغلق ، ونضج حتى احترق .. لكنهم لم ينتبهوا إلى سر البلاغة العربية الذى يتمثل فى كونها منهجا لا موضوعا ، وأسلوب صياغة لا مادة صياغة .
وهذا هو السر الذى أدركه الفيتورى ، واحتفظ به لنفسه ثم استخدمه فى لغة الشعر ، لكنه أضاف إليه عنصرين جعلاه أكثر حيوية وأشد تأثيرا : العنصر الأول هو استمداده التشبيهات والاستعارات من واقع الحياة الثقافية الحية ، والثانى ما اقتبسه أو تأثر به من الثقافة الأجنبية ونماذج الأدب العالمى .. فمثلا استطاع الفيتورى أن يمزج فى بعض قصائده بين البلاغة العربية والسريالية ، دون أن يقع فى فخ الغموض واللامعنى .. وهنا لابد من الإشارة إلى خاصية يتميز بها الفيتورى وهى حرصه على تحديد ملامح صوره الشعرية تحديدا دقيقا حتى تبدو بوضوح كامل للقارئ ، وهو هنا أشبه بالرسام العالمى بيكاسو فى ألوانه الحادة والزاعقة ، وكذلك فى خطوطه السميكة والقاطعة ..
فإذا بحثنا عن مادة الصور الشعرية التى يستمد منها الفيتورى وجدناها تتمثل فيما يلى :
أولا : فى الحياة الإفريقية وحيواناتها وطيورها وأساطيرها ودقات طبولها .. الخ
ثانيا : فى تجربة الإنسان العربى مع انكسارات الأمة العربية ، ومحاولاته اليائسة تلمس أى نجم يلمع فى سمائها ..
ثالثا : فى التجربة الشعرية ذاتها ، التى ينصهر فيها الشاعر ويتألم ويصرخ .. ولكنه فيما يبدو مستعذب عذابها ، بل إنه منتش من افتراسها له .
رابعا : فى المفردات الكونية التى تتجاوز حوائط المدن وأسقف العمارات الأسمنتية لتغترف مباشرة من البحر والجبل والقمر والسماء والنجوم والكهوف والفصول الأربعة والرياح والبرق والرعد والشواطئ والرمال والحصى .. الخ .
وأخيرا : فى عالم التصوف ، الذى كان والده أحد شيوخه وهو نفسه أحد مريديه ، بمواجيده وأحواله ولوامعه وانقباضه وبسطه وطقوسه ودراويشه .. الخ


كيف يصوغ الفيتورى صوره الشعرية ؟


مثل صانع المنمنمات فى خان الخليلى بالقاهرة ، يعكف الفيتورى على صياغة مفردات صوره الشعرية بدءا من تكوين "أوصاف" تخلع على الجماد طابع الحياة ، أو تضفى على الأحياء خصائص الموت أو يعطيها لونا حيث لا مكان فى العادة لقبول اللون . ومن ذلك : (القمر الميت – الوتر الخجول – النحلة الذهبية – الياقوتة الميتة – الدجى الأبنوسى – الشتاء الرمادى – الأفق الأرجوانى – السكون الجليل – البرق الملثم .. ) .
وما أكثر ما يستخدم الفيتورى المضاف والمضاف إليه على هذا المنوال ، محاولا دائما أن يفجأ القارئ الذى ينتظر أن يأتى المضاف إليه مناسبا للمضاف ، ولكنه يصدم بشئ مختلف تماما . ومن ذلك : (كتب الرمل – كتب الغيم – وجوه الدخان – طاحونة الريح – قارعة الوقت – أشجار السماوات – أمواج منتصف الليل – فم النارخزف الكلمات – حزن البحر – حزن الضوء – غناء الجماجم – بلاط السكوت – نافذة البحر – سنبلة النار – شجر الدمع .. )
وإذا كان ما سبق نماذج لصور مفردة ، فإن نماذج الصور المركبة لدى الفيتورى لا تقل جمالا وروعة . وهى بتكاملها ، أى ببدايتها ونهايتها (وأنا هنا ألفت الأنظار إلى الشعراء الذين يعجزون عن رسم صور شعرية متكاملة ، وبعضهم يبدأ بداية جيدة ثم لا يلبث أن يفقد خيوط الصورة فتغيم تحت قلمه وتضيع) وهذه أمثلة من صور الفيتورى المركبة :
سياط الخيانة تجلد أرواحهم .
رؤوس المدن المقطوعة الخرساء .
كان كذئب الجبال وحيدا .
عينان شمسان رغبتان مثبتتان على لوحة الغيب .      
كانت ألوف البنادق تبصق أحشاءها فيه .
ويرحل فى سحب النار عنقود من السنوات .
أشباح موتى من الجوع تخضر سيقانهم فى الرمال وتيبس ثم تقيح .
رؤوس ملوك مرصعة بالأساطير .
لا تسكب دماءك فى الحروق سدى كما يتضع الموتى من الشعراء .

وهذه القدرة الفائقة على تكوين صور مبتكرة ، وأكاد أقول لا يمكن توقيعها إلا باسمه ، يصبح الفيتورى قادرا على رسم لوحة متكاملة فى مقطع واحد مستخدما مجموعة من الصور المتجاورة والمتتالية ، التى يكون مجموعها ما يرمى إليه . ويمكن الإشارة هنا إلى مقطع من قصيدته عن المكافح الافريقى الكبير نيلسون مانديلا الذى يخاطبه قائلا :


يا أبنوس الخريف الجنوبى
تطلع حقل نجوم على حائط الموت
تصبح أوسمة من بروق
وعاصفة من غناء
وغابا عظيما من الرقص
أيها البطل الشيخ
مغتسلا بمياه الثمانين
مختبئا فى تجليك
متكئا فوق مجد الثمانين

ولا يكاد الفيتورى يترك صورة من صوره الشعرية تمر على نحو مألوف للقارئ إلا ويطعمها بعنصر من المفاجأة غير المتوقعة . يقول فى قصيدته عصفور من الدم :
وهذا هو الدم العربى
الذى يتدفق عطشان
من فجوات الجراح
إلى فجوات الشوارع

فمن الطبيعى أن يتدفق الدم من جراح الضحايا الثائرين إلى فجوات الشوارع .. ولكنه يصف الدم بالعطش ، وهو وصف سريالى ، فالدم يروى أرض الوطن ولا بعطش ..
وهناك إلى جانب ذلك ما تتميز به الصورة الشعرية لدى الفيتورى من وحشية وغرابة يندر أن نلتقى بمثلها لدى أحد من الشعراء العرب القدامى والمحدثين . ومن أمثلة ذلك تلك الصور الثلاث المتجاورة فى مقطع واحد بنفس القصيدة :
كان ثمة كف رمادية
تتدلى من السقف
حاملة قمرا ميتا
وطيور من النار تنقر لؤلؤة الليل
كان قلبى آجرة من دم ،
ثقبوها فسالت نجوما مطرجة
عبر أقنية الليل

من يمكنه أن يتصور – فضلا عن أن يرسم – كفا رمادية تتدلى من السقف ، وهى تحمل قمرا ميتا ؟! أو طيورا من النار تنقر لؤلؤة الليل ؟! وأى أثر موحش تحدثه الصورة فى نفس المتلقى الذى يهيئه الفيتورى لكى يقترب من حالة قلبه ، الذى تحول هو الآخر إلى "آجرة من دم ثقبوها .. فسالت نجوما مضرجة عبر أقنية الليل" !! إن المشهد بأكمله أقرب ما يكون إلى مشهد فيلم رعب من أفلام الخيال العلمى ، ولكنه مرسوم بدقة ، ومكتوب بكل عناية .
والنقطة المهمة التى أود أن الفت لها الانتباه عن الفيتورى أن التكنيك الفنى لديه لا يهدف إلى تقديم هياكل خالية من الروح ، وإنما يتميز بأنه موظف لنقل شحنة شعورية جارفة ، تستمد ينابيعها من روح الشاعر التى هى – فى نفس الوقت – روح الجماهير .. لذلك فإن الصورة الفيتورية قد تصدم ، وقد تفاجئ ، ولكنها لا تلبث أن تصبح مألوفة لدى المتلقى ، بل أثيرة لديه ..
وقد يبدو أن الفيتورى ، صاحب تلك الصورة الشعرية العنيفة ، لا يستطيع إلا أن يكون مفاجئا وحادا على الدوام ، ولكننا نجده فى بعض الأحيان يعذب ويرق وتسرى صوره مثل النسيم . يقول فى قصيدته "ليس فى الياسمينة غير البكاء" :
نهَر فاغتسل
يا أيها المغتسل
آية العاشق الفرد أن يمتثل
ولقد يصل الماء ، أو لا يصل
والمدى نجمة فى المدى ترتحل
فاسقهم منك فى روحهم تشتعل
وامش تحت حوائطهم .. تكتمل

وإذا كان الشاعر العربى القديم قد استطاع أن يركز بعض تجاربه فى أبيات مفردة من الشعر ، وهو ما تميز به مثلا فى العصر الجاهلى طرفة بن العبد ، والمتنبى فى العصر العباسى ، وشوقى فى العصر الحديث .. فإن الفيتورى قد فعل نفس الشئ ، لكنه لم يرض أن يسير على خطى السابقين ، فركز التجربة فى مقطع شعرى . نقرأ له فى قصيدة "ملك أو كتابة" :
سألونى
وها أنا أشهد
أن الزمان عجيب
وأعجبه أن هذى الجموع
تغنى وترقص فى قفص من حديد

وفى قصيدة "حريق فى رداء الأميرة" يقول :
الأرض تعرف أبناءها
كلما ارتجفوا راجعين
ولقد يستطيل عليها الغزاة
ولكنها تتقيؤهم .. بعد حين !

وفى قصيدة "من أحرق قلب الفستقة يقول :
أعرف يا مولاى أن بطلا منتصرا
مثلك
لا يسمع إلا صوت بطشه
ولا يبصر إلا وجه عرشه
ووجه نعشه
ولا يعبد كائنا سواه

وفى قصيدة "بيروت" :
بيروت تشهق بالقذائف والقنابل
بيروت تحلم بالخرائب والزلازل
فهناك مجلود وجلاد
ومقتول وقاتل
وبنادق خانت
وأخرى عن مواقفها تقاتل !

وفى قصيدة "المقتول يدفع الثمن" :
حين يسود الرعب والوهن
ويبطئ الشهود والقضاة والزمن
ينفلت القاتل ،
والمقتول يدفع الثمن

وفى قصيدة "ياقوت العرش" :
دنيا لا يملكها من يملكها
أغنى أهليها سادتها الفقراء
الخاسر من لم يأخذ منها
ما تعطيه على استحياء
والغافل من ظن الأشياء ..
هى الأشياء !

تبقى مسألة أخيرة ، وهى التى تتعلق بمقدرة الفيتورى على كتابة القصيدة الخاصة به فى أى من القالبين : العمودى والحر .. وهو عندما يكتب القصيدة العمودية يبدو متمكنا غاية التمكن ، ومسيطرا على أدوات هذا النمط الصعب ، والذى يعمل هو نفسه على أن يزيده صعوبة ، من خلال اختياره للبحور الصعبة ، والقوافى غير المطروقة .. ويستحق الفيتورى مزيدا من الدراسات حول ما أحدثه من تطوير فى القصيدة العمودية ، فقد جعلها قابلة لحمل مختلف المضامين الحديثة دون أدنى نشاز .. كما أنه خرج بها – فى نفس الوقت – من الرتابة ، والجمود ، والفراغ الفكرى ، والخواء الشعورى الذى أسقطها فيه شعراء اليوم ، الذين يدعون – زيفا – أنهم حماة الشكل العمودى ، على الرغم من أنهم أكبر المسيئين إليه !
ويمكن للقارئ أن يتأمل كلا من قصائده :

"
المتنبى" ومطلعها :


يمر غيرك فيها وهو محتضر
لابرق يخطف عينيه ولا مطر

"
مقدمة الزيارة" ومطلعها :


وقفت والشمس ملقاة على كتفى
وبريق الشعر فى عينى غير خفى
"
لا ، ليس لبنان" ومطلعها :
لا ، لا تقل دخلوا فى الموت أو رحلوا
هناك من أمر الأبطال فانتقلوا

ولعل هذا هو الدافع الذى جعلنى أعيد كتابة القصائد العمودية لدى الفيتورى فى النسق المعهود للقصيدة العربية التقليدية ، مخالفا بذلك كتابة الفيتورى نفسه ، التى تضعها فى شكل الشعر الحر ، حتى يتبين أكثر أن القصيدة العمودية لديه – رغم تأصلها فى الشكل التقليدى – تتميز بسمات بارزة من التطوير والتحديث . وهذا أمر يحتاج إلى دراسات واسعة .
أما الشعر الحر ، وهوكما نعلم – منزلق خطير لمن يجيدون الوزن والقافية ، فقد استخدمه الفيتورى بحذر شديد . وهناك قلة فقط من الشـعراء هم الذيـن تنبـهوا لـذلك ، منـهم بدون شـك : أحمد عبد المعطى حجازى ، وأمل دنقل ، فى حين اندفعت الأغلبية فى ثرثرة بدون ضوابط ، ومن ثم غامت لديهم الصور ، وتسطحت التجارب ، وانعدم الفن الجميل ..


يقول الفيتورى فى مطلع قصيدته "ملك أو كتابة" :


بيننا خائن يا رفيق
أنا أو أنت ..
فلنقترع قبل بدء الطريق :
ملك أو كتابة ؟


ويقول فى قصيدة "ليس فى الياسمينة غير البكاء" :
مثل أرملة العرس ،
أسدلت النحلة الذهبية أهدابها
وهوت مطرا ناعما
فى بكاء الغصون .
ليس فى الياسمينة غير البكاء
وفى بهو سيدة القلب نافورة ،
ومغن حزين !


وفى قصيدته "قمر للغناء" يقول :
مطر أخضر ،
وعيون مرصعة بالرؤى والأساطير
كانت تحاصرنى الذكريات ،
وباريس سابحة فى الفضاء السماوى
باريس تبنى كنائسها الذهبية ،
فوق جسوم محنطة فى التوابيت
باريس ليست مدينة .


أن الشعر الحر لدى الفيتورى ينبع تلقائيا من نموذج الشعر العمودى ، ويطور الكثير من أدوات هذا النموذج وآلياته . كذلك فإنه يتميز بحرصه على موسيقى الوزن التى تستجيب لمضمون كل قصيدة على حدة . أما القوافى فإنها غير غائبة تماما ، وهى تظهر بين الفنية والفنية لتحدث إيقاعا متناسقا ، يجعل من القصيدة قطعة موسيقية مميزة .
إننى لا أزعم دراسة شعر الفيتورى ، ولكننى فقط أنبه إلى ضرورة إجراء هذه الدراسة ، وعلى مستويات مختلفة ، حتى يتبين مدى ما حققه هذا الشاعر الكبير فى بناء القصيدة العربية .


رسالته الشعرية


منذ ديوانه الأول "أغانى إفريقية " 1955 ، أدان الفيتورى بشدة استعباد (الأبيض) لأخيه الإنسان (الأسود) . والواقع أن إدانة الاستعباد فى شتى صوره ونماذجه كان وسوف يظل من أهم المبادئ التى كرّس لها الفيتورى رسالته الشعرية ، فلا تكاد تخلو قصيدة لديه من التصريح أو الإشارة أو التضمين إلى بواعث الاستعباد البشرى ، ومظاهره ، وسوءاته على مختلف المستويات : استعباد الفرد للمجتمع ، واستعباد المجتمع للفرد ، واستعباد المجتمع للمجتمع .
إن الإنسان فى جوهره خامة نقية يكاد يلمس بأجنحة قلبه قبة السماء ، ويقترب بتجرده وصدق نواياه من حضرة الألوهية ، ولكنه حين يدوس بطمعه وجشعه وجبروته تلك الماسة المتألقة فى أعماقه فيهشمها ، عندئذ يتحول إلى وحش كاسر يمزق بأنيابه وأظافره كل من يقف فى طريقه ، ولاشك أن مظاهر العسف والاضطهاد والاستبداد ليست سوى وجوه كئيبة للنفس البشرية حين تنفلت نوازعها ، وتنحط مقاصدها . لقد حمل الفيتورى فى شعره على الطغاة والمستبدين من أولئك الحكام الذين كبلوا شعوبهم بالعسف ، وأخرسوا أصواتها بالخوف ، وقتلوا فيها كل تطلع إلى الحرية ، كما داسوا على أى اتجاه نحو الإحساس بالكرامة الإنسانية لذلك نراه يمجد بطولة الثائرين على هذا الظلام الغاشم ، ويشيد بمبادرات الأحرار الذين يرفضون الانصياع داخل أسوار ذلك السجن الكبير .
فى رسالة الفيتورى الشعرية ، لا يتوقف القارئ عن الإحساس الجارف بحق الإنسان – أيا كان جنسه أو لونه أو مستواه الاجتماعى – فى الحرية والكرامة ، والمساواة ، لذلك فإنه يدين – وبصوت عال – كل مظاهر الكبت ، والإذلال ، والتفرقة العنصرية ، ولأن هذه الظواهر المؤسفة تبدو بحدة فى الدائرة الإفريقية ، ثم العربية ، فقد ركز على هاتين الدائرتين ، وإن كان أحيانا قد سجل بعض مظاهرها الحادة فى الولايات المتحدة الأمريكية ، التى وجدها تعيش تناقضا غريبا ، حيث تعجب بالمغنى الزنجى (بول روبسون) وتطرب على إيقاعات ألحانه ، ولكنها فى الأعماق وبعنصرية متأصلة كارهة لزنجيته ، رافضة لوجوده فيها !!


يقول الفيتورى :
جبهة العبد ، وفعل السيد
وأنين الأسود المضطهد
تلك مأساة قرون غبرت
لم أعد أقبلها .. لم أعد
**
كيف يستعبد أرضى أبيض
كيف يستعبد أمس وغدى
أنا انسان ولى حريتى
وهى أغلى ثروة من ولدى

ويستمر الفيتورى فى رفضه لكل ألوان استعباد الأبيض لأهل إفريقيا السود ، وتتمثل روعة رسالته الشعرية فى أنه لم يعد يتحدث عن المأساة فى شكل الحكى أو القص يضمير الغائب ، بل إنه يواجه هذا الأبيض المستبد صارخا فيه :
ألئن وجهى أسود ، ولأن وجهك أبيض ، سميتنى عبدا
ووطئت إنسانيتى ، وحقرت روحانيتى ، وصنعت لى القيدا
**
لا يا أخى .. إن التهاب مشاعرى        هيهات بعد اليوم أن يهدا
إنى صحوت ، صحوت من أمسى        وذى فأسى تهد قبوره هدّا

أما الدائرة العربية ، فهى التى سوف يحيط إطارها بعالم الفيتورى ، وفيما سوف نجده ثائرا على روح التقليد الغبى ، والأنماط القديمة البالية ، راقصا كالرعد مع كل ثورة تزيح عن شعب عربى ما كان يثقله من عسف واضطهاد ..


فى قصيدته "الهياكل" يقول :
..
وكانت الهياكل العتيقة المقوسه
ذات العيون الغائرات الشرسه
والضحكات التعسه
واقفة فى الريح
تلقى على التاريخ ظلها القبيح ..
أحرى بك المعول والحفار والضريح
موتى .. اخجلى
تساقطى .. تحللى
إنك عارى ،
عار أرضى ،
أمتى ، مستقبلى
عار على من بحرث الحقل ، ومن يحصده
أن يضفر السوط لمن يجلده
عار على من يحفر اللحد ، ومن يلحده
أن يقتنى طاغية يعبده


ويقول فى قصيدته "إلى بول روبسون" :
كانوا يخفون خناجرهم فى أوجههم حين تغنى
وتشيب سوالفهم حقدا
وتشيح نييورك مهينه
فغناؤك يجلدها
يستعبدها
ويجردها
من زينتها ، فتلوح بلا زينه



لكن رسالة الفيتورى الشعرية تتضمن – إلى جانب إدانة الاستعباد البشرى – محاور أخرى ، يأتى فى مقدمتها استنهاض الأمة العربية لكى تخرج من حالة الخمول والجمود والتخلف إلى مرحلة الانطلاق الحضارى ، الذى تستحقه بالفعل . ومن المؤكد أن الشاعر لا يصدر هنا إلا عن إيمان قوى بقدرات هذه الأمة وإمكانياتها الكامنة فى روح شعوبها ..
أمة يثقب من رايتهــــــا         كلما امتدت على الأفق انقسام
بعثروها ، مزقوا وحدتها         فهى سودان ومصر وشـــــــــــآم
ونسوا أن النواقيـــــــس غدا تتنتـــــــادى ، والمـــــوازين تقـــــام

والفيتورى رغم مرارة تشاؤمه ورغم الكآبة السوداء التى تغلف – فى كثير من الأحيان – رؤيته للواقع ، مؤمن متفائل بمستقبل الأمة :


أعرف أن الغد ليس غدهم ،
وأنهم سيهزمون
فإن من لم يكبروا .. سيكبرون
وإن من لم يعرفوا .. سيعرفون



أما ما يعبر عن تشاؤمه ، فيمكن الوقوف عليه من تلك الأبيات التى اختار بعضها كإهداء لديوانه "أغصان الليل عليك" وهى من قصيدة فى نفس الديوان بعنوان "فى شتاء قارس" :


يــا عاصفا حيث تخطو           لشد ما أنت غاضب
تكاد تشهق رعبـــــا              وأنت آت وذاهـــــب
فـى مدن من نحاس           وأمة من عجــــــائب
تـــأنقت فى الخطايـــا           وازينت فى الخرائب
موجوعة ، ليس تدرى السياط من أى جـــــــــــانب
تنام فوق سرير الذهول ، والحــــــلم غائــــــــــــب

ومن الؤكد أن شدة الإيمان بقضية ما يدفع صاحبه إلى شدة الغضب نتيجة عدم حلها ، أو التهاون فى هذا الحل ، وهذا ما يفسر الحدة الواضحة فى تعنيفه البالغ للأمة العربية .


لكننا إذا انتقلنا من القضايا القومية فى الرسالة الشعرية لدى الفيتورى ، وجدنا هناك محورين آخرين ، هما الحب والتصوف .. أما الحب فقد بدأ فى ذهنه مرتبطا بمعانى الطهر والعفاف ، ومن ثم فإن المرأة تتمثل هنا تارة كأفعى ، وتارة غارقة فى الوحل .. ويبدو لى أن هذه المرحلة هى التى أحب الشاعر فيها المرأة من بعيد .. لكنه عندما اقترب منها ، وتعامل معها ، أدرك أنها مخلوق حساس للغاية تتطلب من الرجل رعاية خاصة بل إن جمالها لا يزدهر إلا إذا أحيط بحب الرجل ..
وأما التصوف ، فله مع الفيتورى تاريخ طويل ، يبدأ من بيته الذى نشأ فيه ، ومن والده شيخ إحدى الطرق الصوفية ، ثم من قراءات ومشاهدات وتقلبات مزاجية مر بها الفيتورى طوال عمره ، ساعدت عليها كثرة تقلبه فى البلاد .. فقد عاش الفيتورى فى معظم العواصم العربية وكذلك الأوربية ، الأمر الذى جعله يعرف ألم الغربة . ودائما ما يسأل الغريب نفسه سؤالين هامين :
لماذا أنا ؟ وماذا بعد ؟ .. وكل منهما يؤدى به إلى مزيد من الرجوع لذاته ، والغوص فيها بحثا عن واحة تظله ، أو نبع ماء يطفئ عطشه ..
لكننا لا ينبغى أن نفهم التصوف فى شعر الفيتورى على أنه ذلك التصوف الجاهل المذهول ، وإنما هو تصوف ثورى ومثقف .. وعلاقة جدلية بين مريد جرئ الأسئلة ، وشيخ حاضر الإجابة .. كلاهما يحتقر ما فى الدنيا من مظاهر خادعة وفاسدة ، ولكنه مؤمن دائما بإمكانية بلوغ الأفضل ..
كذلك فإن النزعة الصوفية لدى الفيتورى ليست نزعة فردية ، هدفها خلاص روحه فقط ، وإنما المقصود خلاص روح الأمة كلها . ومن المؤكد أنه – بعد طول الطواف ورؤية العديد من المناضلين المزيفين – أدرك ضرورة النقاء الروحى ، والأخلاقى الذى لابد منه لتطهير الأرض العربية ، وتنقية الهواء الذى يمر عليها .



التعليقات (0)Add Comment

أضف تعليق
تصغير | تكبير

busy
آخر تحديث الثلاثاء, 20 يناير 2015 12:39