عداد الزائرين

mod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_countermod_vvisit_counter

إضافات حديثة

   
 
الدين الحق وفوضى الفتاوى صيغة PDF طباعة أرسل لصديقك
كتبها Administrator   
الجمعة, 03 مايو 2019 16:18

 

 

الدين الحق وفوضى الفتاوى

للدكتور حامد طاهر

ـــــــــــــــــــــــــــــــــ


الدين هو ما أوحى به الله تعالى إلى رسله المتعاقبين لكي يبلغوه إلى أقوامهم . وهو مجموع المقومات والتشريعات والتوصيات التي إذا التزم بها الناس في حياتهم حققت لهم السعادة في دنياهم وآخرتهم .


وبالنسبة للإسلام فهو يعتبر آخر الأديان السماوية ، وهذا معناه أنه لا دين بعده ، كما أنه يحتوي على مختصر متكامل لكل ما ورد في الأديان السابقة عليه . وقد أكد القرآن الكريم أن هذا الدين –الذي ظل الإيحاء بتعليمه إلى الرسول صلى الله عليه وسلم على مدى ثلاث وعشرين سنة- قد اكتمل أي لم يعد قابلًا للزيادة عليه ولا النقصان منه ، { الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإسْلامَ دِينًا} [المائدة : 3] .


لكن المسلمين -مثل غيرهم من أتباع الأديان السابقة- لم يكتفوا بهذه الحقيقة ولا بتوابعها ، ولذلك راحوا يتجاوزن حدود الدين المقررة ، ويتوسعون بآرائهم حول أمور لم يتحدث عنها الدين ، ولا تدخل في إطاره .


وحتى لا يتسرب سوء الفهم إلى ما أقول ، فإنني أعرض للمفهوم المتكامل للإسلام ، والذي يقوم على أربعة مقومات رئيسية ، هي:

أولًا: العقيدة التي ترتكز على الإيمان بالله الواحد ، والإيمان بالبعث بعد الموت .


وثانيًا: الشعائر الأربع على الترتيب الآتي: (الصلاة – الصوم – الزكاة – الحج) .


وثالثًا: الأخلاق التي تشمل سلوك الفرد الاجتماعي مع: الأهل والجيران والأقارب والمسلمين عمومًا وغير المسلمين .


ورابعًا: طائفة التشريعات الخاصة بالجوانب السياسية والاقتصادية والاجتماعية والقانونية والأمنية والتي تنتهي أخيرًا بعقوبات الجرائم .


تلك هي أساسيات الدين الإسلامي التي اكتملت بتصريح القرآن الكريم نفسه ، لكن فقهاء المسلمين وخاصة منذ نهاية القرن الثاني الهجري راحوا يضيفون إليها آراءهم الخاصة في بعض الأمور الحياتية والتي اشتهرت باسم الفتاوى ، فما هي حقيقة الفتوى؟


إنها عبارة عن رأي أحد الفقهاء في مسألة حياتية لم تذكر في النصوص الدينية ، لكن أتباعهم اعتبروها فيما بعد جزءًا من الدين . ولكي يبرر الفقهاء هذا العمل راحوا يلتمسون له قواعد فقهية أطلقوا عليها: (القياس – الاستحسان – الاستصحاب – المصالح المرسلة  . . . إلخ) . وأنا أقول: لا مانع أبدًا من استخدام هذه الوسائل وتطبيقها على أمور الحياة الناشئة أو المستحدثة في المجتمعات الإسلامية ، لكن بشرط ألا تعتبر من الدين الموحى به والمحددة تعاليمه الأساسية في القرآن الكريم والسنة النبوية الصحيحة .


أما أن يقوم الفقهاء في طول البلاد الإسلامية وعرضها بإصدار العديد من الفتاوى في مختلف شئون الحياة ، وجعلها جزءًا من الدين أو صبغها بلونه فهذا ما لم يأمر به صحيح القرآن الكريم والسنة النبوية الثابتة ، وإنما هو من اختراع القرون اللاحقة والتي بلغ بها الحال أنها أنشأت في كل بلد إسلامي دارًا للإفتاء تختص بكل بلد على حدة ، وربما تعارضت في مضمونها مع ما تصدره دور الإفتاء في البلاد الأخرى .


إنني هنا لا آتي بجديد ، ولا أخترع شيئًا من العدم بل إنني أستند إلى آيات القرآن الكريم –وهي تزيد على أربعين آية- التي تؤكد على أن إصدار أحكام التحريم والتحليل من حق الله تعالى وحده ، ولا يصح لأحد أن يستخدم هذا الحق :


(يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) [التحريم: 1] .

(وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَٰذَا حَلَالٌ وَهَٰذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ) [النحل: 116]


ويكفي هنا أن أسترجع معكم حادثة تلقيح النخل التي أشار الرسول صلى الله عليه وسلم على أهل المدينة بألا يفعلوها وعندما تبين له ضرورته فيما بعد قال لهم: «أنتم أعلم بأمور دنياكم» وفي هذا القول ما يحسم التفرقة بين ما ظنه المسلمون حينئذ من تعاليم الدين –باعتباره وحيًّا إلهيًّا على لسان الرسول- وبين ما هو من أمور الدنيا التي ينبغي عدم خلطها بالدين .


وإذا أراد أحد الاستزادة فعليه أن يراجع تاريخ الصدر الأول من كبار الصحابة والتابعين؛ فقد كانوا (يتحرجون) جدًّا من القول بآرائهم في الدين ، ثم حدث بعد ذلك كثرة الخائضين فيهم وخاصة من أتباع أبي حنيفة نتيجة أخذهم بالقياس وتوسعهم في تطبيقاته ، مع عدم الاتفاق الكامل على مفهوم العلة فيها والقدرة على استخراجها ، ومع ذلك فإن أصحاب المذاهب الأربعة الكبرى أنفسهم (أبو حنيفة – مالك – الشافعي – ابن حنبل) لم يؤثر عن واحد منهم أنه صرح بتحليل شيء أو تحريمه ، إنما كان يكتفي بقوله (أنا أرى هذا) (أنا أجيز هذا) بل إن بعضهم كان يصرح مباشرة بقوله: إذا صح الحديث فهو مذهبي!


وأخيرًا: فأنا أعلم أن هذا المقال قد يثير جدلًا أو يغضب الكثير ممن نشئوا وتعودوا على إصدار الفتاوى الدينية ، لكن الحق أحق أن يتبع ، والتخلي عن الرأي الخطأ – حتى لو استمر لمئات السنين- أفضل من الاستمرار فيه ، خاصة وأنه أصبح يؤدي إلى ما نشهده في الوقت الحاضر من (فوضى الفتاوى) أي كثرتها وتعارضها أحيانًا ، وتناقضها في أحيان أخرى وتنزيلها على أمور حياتية ليست من صميم الدين الذي أكمله الله تعالى وليس بحاجة إلى مستزيد .


التعليقات (0)Add Comment

أضف تعليق
تصغير | تكبير

busy
آخر تحديث الجمعة, 27 ديسمبر 2019 14:24